النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
قال الشاطبي: ثم إن في تعريف الفرقة الناجية المذكورة في الحديث نظرًا،
وذلك أن كل داخل تحت ترجمة الإسلام من سني ومبتدع مدع أنه هو الذي نال
رتبة النجاة ودخل في غمار تلك الفرقة، قال: فتعيين هذه الفرقة الناجية في مثل
زماننا صعب، ومع ذلك فلا بد من النظر فيه، ثم بسط الكلام في ذلك أشد البسط
فارجع إليه .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الإيمان وحسنه، وفي سنده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم
الإفريقي، وقد ضعفه الدار قطني وغيره. وقال الحافظُ: ضعيف في حفظه، ووثقه
يحيى القطان، وقال البخاري: هو مقارب الحديث. والظاهر أن الترمذي حسنه
لشواهده، فمنها حديث أبي هريرة، أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن
ماجه والحاكم، وصححه الترمذي، وسكت عنه أبو داود، وأقرَّ المنذري تصحيح
الترمذي، وقال الحاكم (ج١: ص١٢٨): صحيح على شرط مسلم، ووافقه
الذهبي .
ومنها: حديث أنس أخرجه أحمد (ج٣: ص١٢٠) وابن ماجه. قال البوصيري
في ((الزوائد)): إسناده صحيح، رجاله ثقات، ورواه أبو يعلى في ((مسنده)) مطولًا
من طريقين في أحدهما أبو معشر نجيح، وفيه ضعف، وفي الآخر يزيد الرقاشي،
قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٦: ص٢٢٦): ضعفه الجمهور، وفيه توثيق
لين، وبقية رجاله رجال الصحيح. ورواه الطبراني في ((الصغير)) مختصرًا. قال
الهيثمي (ج١: ص١٨٩): وفيه عبد الله بن سفيان، قال العقيلي: لا يتابع على
حديث. هذا، وقد ذكره ابن حبان في ((الثقات))، ومنها حديث عوف بن مالك،
أخرجه ابن ماجه، قال البوصيري: في سنده مقال، وراشد بن سعد، قال فيه أبو
حاتم: صدوق، وعباد بن يوسف، لم يخرج له سوى ابن ماجه، وليس له عنده
سوى هذا الحديث. وقال ابنُ عدي: روى أحاديث تفرد بها، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وباقي رجال الإسناد ثقات، انتهى. كلام البوصيري.
قلتُ: راشد بن سعد الحمصي ثقة، وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والعجلي،
ويعقوب بن شيبه، والنسائي، وابن سعد. وقال أحمد: لا بأس به. وقال يحيى بن
سعد: هو أحب إلي من مكحول. وقال الدارقطني: لا بأس به إذا لم يحدث عنه

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الاعْتِصَامِ بالْكِتّاب وَالشُّنّةِ
٥٨١
متروك. وعباد بن يوسف الكرابيسي، قال عثمان بن محمد: حدثنا إبراهيم بن
العلاء: ثنا عباد بن يوسف صاحب الكرابيس ثقة. وقال في ((التقريب)): مقبول.
فالحديث لا ينحط عن درجة الحسن، بل هو صحيح، وأخرجه الحاكم (ج٤ :
ص٤٣٠) من طريق آخر، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وسكت عليه
الذهبي .
ومنها: حديث معاوية بن أبي سفيان، وسيأتي الكلام فيه.
ومنها: حديث أبي أمامة، أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) و((الكبير))، وفيه أبو
غالب، وثقه ابن معين وغيره، وبقية رجال ((الأوسط)) ثقات، و کذلك أحد إسنادي
الکبیر، قاله الهيثمي (ج ٦: ص٢٥٨، ٢٥٩).
ومنها: حديث أبي الدرداء، وواثلة بن الأسقع، أخرجه الطبراني أيضًا، وفي
إسناده كثير بن ودان، وهو ضعيف جدًّا، قاله الهيثمي (ج٦: ص٢٥٩).
ومنها: حديث عمرو بن عوف، عزاه الهيثمي (ج٦: ص٢٦٠) للطبراني،
وقال: فيه كثير بن عبد الله، وهو ضعيف، وقد حسن الترمذي له حديثًا، وبقية
رجاله ثقات.
ومنها: حديث سعد بن أبي وقاص، أخرجه البزار. قال الهيثمي (ج٦:
ص٢٥٩): وفيه موسى بن عبيدة الربذى، وهو ضعيف. ومنها حديث ابن عمر،
أخرجه أبو يعلى، وفي سنده ليث بن أبي سليم، وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات،
قاله الهيثمي (ج٦ : ص٢٥٩).
ومنها: حديث ابن مسعود، وحديث علي موقوفا عليهما، ذكرهما الشاطبي في
((الاعتصام)) (ج٢: ص٢١١) وقال: لا أضمن عهدة صحتهما، وذكر علي المتقي
في ((الكنز)) (ج١: ص٩٦) حديثًا مرفوعًا عن علي، وعزاه لابن النجار، وقد ظهر
بما ذكرنا من الكلام في أحاديث هؤلاء الصحابة أن بعضها صحيح، وبعضها
حسن، وبعضها ضعيف، وتحصل منه أن حديث افتراق الأمة صحيح من غير
شك، فلا يعبأ بقول ابن حزم في ((الفصل)) (ج٣: ص١٣٨): إن هذا الحديث لا
يصح عن طريق الإسناد. وأيضًا نفي الصحة لا يلزم منه ثبوت الضعف أو الوضع،
فيمكن أن يراد به نفي الصحة مع ثبوت الحسن رتبة بين الصحيح والضعيف، وكذا

٥٨٢
6
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لا يدل قول المجد صاحب ((القاموس)) في آخر ((سفر السعادة)): أنه لم يثبت فيه
شيء على ثبوت العدم أو الضعف، لاحتمال أن يراد بالثبوت الصحة، فلا ينتفي
الحسن، وعلى التنزل فيقدم تصحيح الترمذي والحاكم ومن وافقهما على قول ابن
حزم والمجد .
١٧٢ - [٣٣] وَفِي رِوَايَةٍ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ عَنْ مُعَاوِيَةَ: ((ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ
فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَهِيَ الْجَمَّاعَةُ، وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ
تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ، كَمَا يَتَجَارَى الْكَلَبُ بِصَاحِبِهِ، لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ
{صحيح}
وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ)).
الشَّرْحُ
١٧٢ - قوله: (وَفِي رِوَايَةٍ أَحْمَدَ) بن حنبل في ((مسنده)) (ج٤: ص١٠٤).
(وَأَبِي دَاوُدَ عَنْ مُعَاوِيَةً) أي: بعد قول ((وَإِنَّ هَذِهِ الأَمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ))
ومعاوية هذا، هو ابن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أبو
عبد الرحمن الأموى. أسلم يوم الفتح، وقيل: قبل ذلك، وكتب الوحي، وقيل:
لم يكتب من الوحي شيئًا إنما كتب له كتبه، تولى الشام بعد أخيه يزيد في زمن
عمر، ولم يزل بها متوليًا حاكمًا إلى أن مات، وذلك أربعون سنة، منها في أيام عمر
أربع سنين أو نحوه، ومدة خلافة عثمان، وخلافة علي وابنه الحسن، وذلك تمام
عشرين سنة، ثم استوثق الأمر بتسليم الحسن بن علي إليه في سنة (٤١) ودام له
عشرين سنة، في رجب بدمشق، وله (٤٨) سنة. قال الذهبي: ولي الشام عشرين
سنة، وملك عشرين سنة. وكان حليمًا كريمًا سائسًا عاقلاً، خليقًا للإمارة، كامل
السودد، ذا دهاء ورأي ومكر، كأنما خلق للملك، له مائة وثلاثون حديثًا، اتفقا
على أربعة، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة، روى عنه أبو ذر وابن عباس
من الصحابة، وجماعة من التابعين. مات في رجب سنة (٦٠) وقد قارب
الثمانين .
(١٧٢) أَحْمَد (٤/ ١٠٢)، وَأَبُو دَاوُد (٤٥٩٧) فِي ((السُّنَّةِ)) عَنْهُ.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الأعْتِصَامِ بالْكِتّاب وَالشُّنّةِ
٥٨٣
(ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ). قال السندهي في حاشية ابن ماجه:
قيل: إن أريد الخلود في النار فهو خلاف الإجماع، فإن المؤمنين لا يخلدون في
النار، وإن أريد مجرد الدخول فيها فهو مشترك بين الفرق، إذ ما من فرقة إلا
بعضهم عصاة، والقول بأن معصية الفرقة الناجية مطلقًا مغفورة بعيد، أجيب بأن
المراد أنهم في النار لأجل اختلاف العقائد، فمعنى ((وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ»: أنهم لا
يدخلون النار لأجل اختلاف العقائد، أو المراد بكونهم في النار طول مكثهم فيها،
وبكونهم في الجنة أن لا يطول مكثهم في النار، وعبر عنه بكونهم في الجنة ترغيبًا
في تصحيح العقائد، وأنه يلزم أن لا يعفى عن البدعة الاعتقادية كما لا يعفى عن
الشرك، إذ لو تحقق العفو عن البدعة. فإن قيل: لا يلزم دخول كل الفرقة المبتدعة
في النار فضلًا عن طول مكثهم، إذ هو مخالف لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن
يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] أجيب بأن المراد أنهم يتعرضون لما
يدخلهم النار من العقائد الرديئة، ويستحقون ذلك. ويحتمل أن المراد أن الغالب
في تلك الفرق دخول النار، فيندفع الإشكال من أصله، انتهى. (وَهِيَ الْجَمَاعَةُ)
أي: الموافقون لجماعة الصحابة الآخذون بعقائدهم، المتمسكون بطريقتهم،
وهم أهل السنة والجماعة، أي: أصحاب الحديث الذين اجتمعوا على اتباع آثاره
وَّر في جميع الأحوال، واتفقوا على الأخذ بتعامل الصحابة وإجماعهم، ولم
يبتدعوا بالتحريف والتغيير، ولم يبدلوا بالآراء الفاسدة. (وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ) أي:
سيظهر. (فِي أَمَّتِي أَقْوَامٌ) أي: جماعات. (تَتَجَارَى) بالتائين أي: تدخل وتجري
وتسري. (بِهِمْ) أي: في مفاصلهم وعروقهم. (تِلْكَ الأَهْوَاءُ) جمع هوى أي:
البدع التي كانت السبب في الافتراق، وضعت موضعها وضعًا للسبب موضع
المسبب؛ لأن هوى الرجل هو الذي يحمله على الابتداع في العقيدة والقول
والعمل. (كَمَا يَتَجَارَى الْكَلَبُ) بفتحتين داء يعرض للإنسان من عض الكلب
الكلب أي: المكلوب، وهو داء يصيب الكلب فيصيبه شبه الجنون فلا يعض أحدًا
إلا كلب، ويعرض له أعراض رديئة ويمتنع من شرب الماء حتى يموت عطشًا، كذا
في النهاية. (بِصَاحِبِهِ) أي: مع صاحبه إلى جميع أعضائه أي مثل جرى الكلب في
العروق، شبه حال الزائغين من أهل البدع في استيلاء تلك الأهواء عليهم، وفي
سراية تلك الضلالة منهم إلى الغير بدعوتهم إليها، ثم تنفرهم من العلم وامتناعهم

٥٨٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
من قبوله حتى يهلكوا جهلاً، بحال صاحب الكلب وسريان تلك العلة في عروقه
ومفاصله شبه الجنون، ثم تعديته إلى الغير فلا يعض المجنون أحدًا إلا كلب أي
جن، ويعرض له أعراض رديئة تشبه الماليخوليا مهلكة غالبًا، ويمتنعُ من شرب
الماء حتى يموت عطشًا، قاله الطيبي. وفي هذا التشبيه فوائد: منها: التحذير من
مقاربة تلك الأهواء ومقاربة أصحابها، وبيان ذلك أن داء الكلب فيه ما يشبه
العدوى فإن أصل الكلب واقع في الكلب، ثم إذا عض ذلك الكلب أحدًا صار مثله
ولم يقدر على الانفصال منه في الغالب إلا بالهلكة، فكذلك المبتدع إذا أورد على
أحد رأيه وإشكاله فقلما يسلم من غائلته، بل إما أن يقع معه في مذهبه ويصير من
شيعته، وإما أن يثبت في قلبه شكًا يطمع في الانفصال عنه فلا يقدر، هذا بخلاف
سائر المعاصي، فإن صاحبها لا يضاره ولا يدخله فيها غالبًا إلا مع طول الصحبة
والأنس به، والاعتياد لحضور معصيته، وقد أتى في الآثار ما يدل على هذا
المعنى، فإن السلف الصالح نهوا عن مجالستهم، ومکالمتهم، و کلام مکالمهم،
وأغلظوا في ذلك، قاله الشاطبي وبسط الكلام في شرح رواية معاوية أيضًا، فعليك
أن ترجع إلى كتابه ((الاعتصام)) (ج٢: ص٢٣١، ٢٤٣) وحديث معاوية هذا،
أخرجه أبو داود في السنة، وسكت عليه هو والمنذري، وأخرجه أيضًا الحاكم
(ج١: ص١٢٨)، وقال بعد ذكره وذكر طرق حديث أبي هريرة: هذه أسانيد تقام
بها الحجة في تصحيح هذا الحديث.
١٧٣ - [٣٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ اللَّهَ لَا
يَجْمَعُ أُمَِّي أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَّهِ - عَلَى ضَلَالَةٍ، وَيَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ.
[رَوَاهُ التِّْمِذِيُّ] {ضعيف}
وَمَنْ شَذَّ شُذَّ فِي النَّارِ)).
الشَّرْحُ
١٧٣ - قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي) أي: أمة الإجابة. (أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ)
شك من الراوي. (عَلَى ضَلَالَةٍ) أي: لا يجتمعون على ضلالة غير الكفر، وقيل:
(١٧٣) التِّرْمِذِي (٢١٦٧) فِي الفِتَنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ: غرِيبٌ.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشُنَّةِ
٥٨٥
على خطأ في الاجتهاد. وقيل: على كفر ومعصية، وهذا قبل مجيء الريح اللينة .
قيل: فيه دليل على أن إجماع المسلمين حق، والمراد إجماع العلماء المجتهدين
من أهل السنة والجماعة، ولا عبرة بإجماع العوام؛ لأنه لا يكون عن علم، ووجه
الاستدلال به أن عمومه ينفي وجود الضلالة، والخطأ ضلالة فلا يجوز الإجماع
عليه، فيكون ما أجمعوا عليه حقًّا، وعندنا في دلالة هذا الحديث وما في معناه من
الأحاديث على حقية الإجماع الشرعي ثم على حجيته نظر؛ لأن الاستدلال به على
ذلك موقوف على أن المراد بالضلالة، الخطأ في الاجتهاد، وكون الخطأ المظنون
ضلالة ممنوع، والظاهر: أن المراد به الكفر والمعصية. (وَيَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ)
قال الجزرى: أي: أن الجماعة المتفقة من أهل الإسلام في كنف الله، ووقايته
فوقهم، وهم بعيد عن الخوف والأذى فأقيموا بين ظهرانيهم، انتهى.
وقال الفتنى في ((المجمع)): أي: سكينته ورحمته مع المتفقين، وهم بعيد من
الخوف والأذى والاضطراب، فإذا تفرقوا زال السكينة، وأوقع بأسهم بينهم،
وفسد الأحوال. (وَمَنْ شَذَّ) بصيغة المعلوم أي انفرد عن الجماعة وخرج عنها.
(شُذَّ) بصيغة المجهول، وحكي بصيغة المعلوم أيضًا. (فِي النَّارِ) كذا عند الحاكم،
والحكيم الترمذي، وابن جرير، ووقع في جامع الترمذي ((إِلَى النَّارِ))، يعني:
انفرد عن أصحابه الذين هم أهل الجنة وألقي في النار.
وقال الطيبي: أي فقد شذ فيما يدخله النار أو في أمر النار، والشذوذ المنهي عنه
شرعًا هو الشذوذ الذي يشق به صاحبه عصا الإسلام، ويثير به الفتن المنهي عن
إثارتها، كشذوذ الخوارج والرافضة وأمثالهم مما يظهر آنًّا فآنًّا لا الشذوذ في أحكام
الاجتهاد. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في أوائل الفتن، وفي سنده سليمان بن سفيان التيمي،
وهو ضعيف. قال البخاري: إنه منكر الحديث. فالحديث ضعيف، لكن له شواهد
ذكرها الحافظ في ((التلخيص))، والحاكم في ((المستدرك))، تدل على أن للحديث
أصلاً.
تنبيه:
اعلم أن المراد بالاجماع الذي احتجوا على حجيته بهذا الحديث وأمثاله هو
الإجماع الشرعي المصطلح عند الأصوليين، وهو اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد

٥٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وفاته وَل في عصر من الأعصار على أمر ديني. واختلفوا في وقوعه وحجيته،
والذي ندين الله به في هذا هو أن إجماع الصحابة حق وحجة، وإليه الإشارة
بقوله: ((مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي))، وأما إجماع مجتهدى الأمة قاطبة بعد عصر
الصحابة في عصر من الأعصار أي: الإجماع الكلي فلا تصح دعواه عندنا، فإنه
متعذر بل ممتنع لعدم إمكان العلم به. ولذا قال الإمام أحمد: من ادعى الإجماع
فهو كاذب. وأما الإجماع الجزئي فخارج عن البحث، وارجع للتفصيل إلى كتب
الأصول للمذاهب الأربعة، و((إرشاد الفحول)) للعلامة الشوكاني، و((روضة
الناظر)) مع شرحها ((نزهة الخواطر)) لابن قدامة المقدسي.
١٧٤ - [٣٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَتَّبِعُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ
فَإِنَّهُ مَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ)).
[ْرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
١٧٤ - قوله: (اتَّبِعُوا السَّوَادَ) السَّوَاد في اللغة: العدد الكثير، وسواد الناس
عامتهم. (الْأَعْظَم) أي: جملة الناس، ومعظمهم الذين يجتمعون على طاعة الإمام
أي السلطان الأعظم، وسلوك النهج المستقيم.
وقيل: المراد ((بِالسَّوَادِ الأَعْظَم)) من كان على ما عليه رسول اللَّه ◌َليل وأصحابه
من أهل الحديث، وهم الطائفة المنصورون، الظاهرون على الحق، المعظمون
عند اللَّه، المذكورون في قوله: (لَاتَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أَمَّتِي ... )) الحديث.
قال في ((الأزهار)): اتبعوا السواد الأعظم يدل على أن أعاظم الناس العلماء وإن
قل عددهم، ولم يقل: الأكثر؛ لأن العوام والجهال أكثر عددا. (فَإِنَّه) الضمير
(١٧٤) أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ فِي ((المُسْتَدْرَكِ)) (١ / ١١٦.١١٥) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي حَدِيثٍ فِيهِ ((يَدُ اللهِ
عَلَى الجَمَاعَةِ، فَاتَّبِعُوا .. .)) إِلَى آخِرِهِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي ((تَارِيخِ أَصْبَهَانَ)) مِنْ حَدِيثٍ سَمُرَةَ بٍْ
جُنْدُبٍ فِي حَدِيثٍ فِيهِ: ((فَإِذَا رَأَيْتُمُ الاخْتِلَافَ؛ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الأَعْظَمِ)) حَسْبُ. وَفِي الْبَابِ عَنْ
أَنَسٍ فِي ابن مَاجَهْ (٣٩٥٠) فِي ((السُّنَّةِ))، وَلَا يَخْلُو شَيْءٌ مِنْهَا مِنْ مَقَالٍ.

كِتَابَ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسَّنَّةِ
٥٨٧
للشأن. (مَنْ شَذَّ) أي: نفر عن السواد الأعظم بخروجه على الإمام الذي اجتمع
على طاعته معظم الناس، أو انفرد عن الجماعة الحقة الناجية، الكائنة على ما هو
عليه وأصحابه مَله .
(رواه ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثٍ أَنَسٍ) كذا في جميع طبعات الهند من ((المشكاة)). قال
الشيخ الألباني: قوله: ((رَوَاه ابْنُّ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ)) كذا في الأصل أي النسخة
المطبوعة في الهند، وفي جميع النسخ أي: المخطوطة الثلاث - وهي نسخة حاكم
قطر، ونسخة مكتبة دمشق، ونسخة حلب - بياض. ويظهر أن المؤلف تعمد
تركه؛ لأنه لم يجد من أخرجه كما أشار إليه في مقدمة الكتاب، وكذلك لم أجده
في شيء من كتب السنة المعروفة حتى الأمالي والفوائد والأجزاء التي مررت عليها
وهي تبلغ المئات، ولا أورده السيوطي في ((الجامع الكبير)). وأما قول القاري:
بعده بياض، وألحق ميرك شاه ((ابْنَ مَاجَهْ)) ففي هذا الإلحاق نظر؛ لأن ابن ماجه
وإن رواه عن أنس فهو بلفظ: ((إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ فَإِذَا رَأَيْتُمْ اخْتِلافًا
فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الأَعْظَم)). وكذا ابن بطة في ((الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية)).
(ق٢/١٤٥) وسنده ضعيف جدًّا، ومن ذلك يتبين أن ما في الأصل كأنه إضافة نقلًا
عن میرك شاه، انتهى.
قلت: قال البوصيرى في ((زوائد ابن ماجه)): في إسناد حديث أنس، أبو خلف
الأعمى واسمه حازم بن عطاء وهو ضعيف، وقد جاء الحديث بطرق، في كلها
نظر، قاله شيخنا في تخريج أحاديث البيضاوي، انتهى. قلتُ: أخرج الحاكم
(ج١: ص١١٥) وابن جرير كما في ((الكنز)) (ج١: ص٥٣) وذكره الحكيم
الترمذي في ((نوادر الأصولِ)) (ص١٢٨) بغير سند عن ابن عمر، قال: قال
رسول اللَّه وَله: ((لَا يَجْمَعُ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى الضَّلَالةِ أَبَدًا))، وقال: ((يَدُ اللَّهِ عَلَى
الْجَمَاعَةِ فَاتَّبِعُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ، فَإِنَّه مَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ)). قال الحاكم: لو حفظ
خالد بن يزيد القرني هذا الحديث لحكمنا له بالصحة، ثم بسط الاختلاف في سنده
ومتنه، وعلى ذلك فكان ينبغي أن يلحق الحاكم في ((المستدرك)).

٥٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٧٥ - [٣٦] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ لِ لّهِ ((يَا بُنَيَّ، إِنْ
قَدَرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ وَلَيْسَّ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ)) ثُمَّ قَالَ: ((يَا بُنَيَّ،
وَذَلِكَ مِنْ سُنَِّي، وَمَنْ أَحَبَّ سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي
الْجَنَّةِ».
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشّرْجُ
١٧٥ - قوله: (يَا بُنَيَّ) تصغير ابن لطفًّا ومرحمة وشفقة. (أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ)
أي: تدخل في وقت الصباح والمساء، والمراد جميع الليل والنهار. (وَلَيْسَ فِي
قَلْبِك) الجملة حال من الفاعل، تنازع فيه الفعلان أي وليس كائنًا في قلبك. (غَشِّ)
بكسر الغين ضد النصح الذي هو إرادة الخير للمنصوح له. (لِأحَدٍ) هو عام
للمؤمن والكافر، فإن نصيحة الكافر أن يجتهد في إيمانه، ويسعى في خلاصة من
ورطة الهلاك باليد واللسان. وبالتألف بما يقدر عليه من المال، قاله الطيبي.
(فَافْعَلْ) أي: نصحيتك. (وَذَلِكَ) أي: خلو القلب من الغش. (مِنْ سُنَِّّي) أي:
طريقتي. قال الطيبي: قوله: ((فَافْعَلْ)) جزاء كناية عما سبق في الشرط من المعنى إن
فعلت ما نصحتك به فقد أتيت بأمر عظيم، ولهذا أشار بقوله: ((وَذَلِكَ)) للإشعار بأنه
رفيع المنزلة، بعيد التناول. (وَمَنْ أَحَبَّ سُنَّتِي ... ) إلخ. كذا وقع في ((المشكاة) من
الإِحباب في الموضع الثلاثة، وكذا في ((المصابيح))، ووقع في نسخ الترمذي
الموجودة عندنا ((وَمَنْ أَحْيَا سُتَِّي فَقَدْ أَحْيَانِ، وَمَنْ أَحْيَانِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ))، من
الإحياء في المواضع الثلاثة، وهذا يدلّ على اختلاف نسخ الترمذي في هذا اللفظ،
ويؤيد كونه من الإحباب ما ذكره في ((الكنز)) عزوًا إلى السجزي في ((الإبانة)) بلفظ:
((وَمَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ)) ومن أحب سنتي أي:
فعمل بها .
(فَقَدْ أَحَبَّنِي) أي: حبًّا كاملًا؛ لأن محبة الآثار علامة محبة مصدرها. (وَمَنْ
(١٧٥) التِّرْمِذِي (٢٦٧٨) عَنْ أَنَسٍ فِي العِلْمِ.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشِّئَّةِ
٥٨٩
أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي) أي: معية متقاربة لا معية متحدة في الدرجة. (فِي الْجَنَّةِ) فإن
المرء مع من أحب. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في العلم، وقال: في الحديث قصة طويلة،
هذا حديث حسن غريب. وأخرجه أيضًا السجزى كما في ((الكنز)) (ج١: ص ٤٧).
١٧٦ - [٣٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ
تَمَسَّكَ بِسُنَِّي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي، فَلَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ)).
{ضعيف}
الشّرْجُ
١٧٦ - قوله: (عِنْدَ فسَادٍ أُمَّتِي) أي: عند غلبة البدعة والجهل والفسق فيهم.
(فَلَهُ أَجْرُ مِائَةٍ شَهِيدٍ) لما يلحقه من المشقة بالعمل بها وبإحيائها وتركهم لها،
كالشهيد المقاتل مع الكفار لإحياء الدين بل أكثر. قال الطيبي: لم يقل إفسادهم
لأنه أبلغ، كأن ذواتهم قد فسدت فلا يصدر منهم صلاح، ولا ينجع الوعظ فيهم،
لا سيما إذا ظهر ذلك في العلماء منهم والمقتفين آثارهم، فإذن المجاهدة معهم
أصعب وأشق من المجاهدة مع الكفار، ولذلك ضوعف أجر من جاهدهم على من
جاهد الكفار أضعافًا كثيرة.
(رَوَاهُ ... ) بعده بياض في الأصل، والحديث أخرجه البيهقي في ((الزهد))، وابن
عدي في ((الكامل)) عن ابن عباس من رواية الحسن بن قتيبة الخزاعي المدائني.
قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. قال الحافظُ: بل هو هالك. قال الدار قطني في
رواية البرقاني: متروك الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف. وقال الأزدي: واهي
الحديث. وقال العقيلي: كثير الوهم. كذا في ((لسان الميزان)) (ج٢: ص٢٤٦)
قال المنذري: ورواه الطبراني من حديث أبي هريرة بإسناد لا بأس به إلا أنه قال:
((فَلَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ))، ومن طريق الطبراني رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (ج٨: ص ٢٠٠)
وفيه عبد العزيز بن رواد، وفيه ضعف، ومحمود بن صالح العذري، قال الهيثمي
(ج١: ص١٧٢): ولم أجد من ترجمه.
(١٧٦) البَيْهَقِي (٢٠٩) فِي الزُّهْدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

٥٩٠
BEING
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
١٧٧ - [٣٨] عَنْ جَابِرِ عَنِ النَّبِيِّ نَِّ حِينَ أَتَاهُ عُمَرُ، فَقَالَ: إِنَّا نَسْمَعُ
أَحَادِيثَ مِنْ يَهُودَ تُعْجِبُنَا، أَقْتَرَىَ أَنْ نَكْتُبَ بَعْضَهَا؟ فَقَالَ: ((أَمُتَهَوَّكُونَ أَنْتُمْ
كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَلَوْ كَانَ مُوسَى
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ] {حسن}
حَيَّا مَا وَسِعَهُ إِلا اتِّبَاعِي)).
الشَّرُْ
١٧٧ - قوله: (إِنَّا نَسْمَعُ أَحَادِيثَ) أي: حكايات ومواعظ. (مِنْ يَهُودَ) قال
الأبهري: غير منصرف للعلمية والتأنيث؛ لأنه يجرى مجرى القبيلة. وقيل:
الأولى أن يقال: للعلمية ووزن الفعل؛ لأن أسماء القبائل التي ليست فيها تأنيث
لفظي، يجوز صرفها حملاً على الحي، وعدم صرفها حملاً على القبيلة، ويهود لا
يجوز فيها إلا عدم الصرف. (تُعْجِبُنَا) بضم التاء وكسر الجيم أي تحسن عندنا،
وتميل قلوبنا إليها. (أَفَتُرَى) أي: أتحسن لنا استماعها ((فَتَرَى)) يعني: فتأذن.
(أَمْتَهَوَّكُونَ) أي: متحيرون في الإسلام، لا تعرفون دينكم حتى تأخذوه من غير
كتابكم ونبيكم. (أَنْتُمْ) للتأكيد. (كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى) أي: كتحيرهم
حيث نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واتبعوا أهواءهم ورهبانهم وأحبارهم.
(لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا) أي: بالملة الحنيفية بقرينة الكلام. (بَيْضَاءَ) أي: واضحة،
حال من ضمير ((بِهَا)). (نَقِيَّةً) صفة ((بِيْضاَءَ)) أي: ظاهرة صافية خالصة، خالية عن
الشرك والشبهة. وقيل: المراد بها أنها مصونة عن التبديل والتحريف والإصر
والأغلال، خالية عن التكاليف الشاقة، وأشار بذلك إلى أنه أتى بالأعلى
والأفضل، واستبدال الأدنى بالأعلى مظنة التحير. وقال الطيبي: (بَيْضَاءَ نَقِيَّةً))
حالَّان مترادفان من الضمير المفسر بالملة، انتهى. وإنما أنكر عليهم؛ لأن طلبهم
يشعر بأنهم اعتقدوا نقصان ما أتى به النبي وَ له. (وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّ) إلخ. أي إذا
كانت هذه حالة موسى فيكف بكم؟ وأنتم تطلبون من هؤلاء المحرفين ما تنتفعون
به. (مَا وَسِعَهُ) أي: ما جاز له.
(١٧٧) أَحْمَد (٣/ ٣٨٧)، وَالدَّارِمِي (٤٤١)، وَالْبَيْهَقِي (١٧٧ / ٣٨) في ((الشُّعَب)) عَنْ جَابِرٍ رَفْتَهُ.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشُّنّةِ
٥٩١
(إِلا اتُبَاعِي) في الأقوال والأفعال فكيف يجوز لكم أن تطلبوا فائدة من قومه مع
وجودي .
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٣ : ص ٣٨٧). (وَالْبَيْهَِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ)، وفي سنده مجالد
ابن سعيد الهمداني، وفيه مقال. قال الحافظ: ليس بالقوى، وقد تغيَّر في آخر
عمره، إلا أن الحديث قد جاء عن غير مجالد، فتأيد به، فقد روي نحوه عن ابن
عباس عند أحمد وابن ماجه، وعن جابر عند ابن حبان، وعن عبد الله بن ثابت عند
أحمد وابن سعد والحاكم في ((الكنى))، والطبراني في ((الكبير))، والبيهقي في
((شعب الإيمان)).
١٧٨ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (مَنْ
أَكَلَ طَيِّبًا، وَعَمِلَ فِي سُنَّةٍ، وَأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ)) فَقَالَ رَجُلٌ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ فِي لَكَثِيرُ النَّاسِ، قَالَ: (وَسَيَكُونُ فِي قُرُوٍ بَعْدِي)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشّرْحُ
١٧٨ - قوله: (مَنْ أَكَلَ طَيِّبًا) أي: حلالاً يعني: من كان قوته حلالاً. (وَعَمِلَ
فِي سُنَّةٍ) أي: في موافقة سنة، يعني: يكون متمسكًا في كل عمل بسنة، أي:
بحديث جاء في ذلك العمل. قال الطيبي: ((سُنَّةً)) نكرة وضعت موضع المعرفة
لإرادة استغراق الجنس بحسب إفراده كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِىِ اُلْأَرْضِ مِن
شَجَرَةٍ أَقْلَمٌ﴾ [لقمان: ٢٧]. وقدم أكل الحلال؛ لأنه مورث للعمل الصالح، كما قال
تعالى: ﴿كُلُواْ مِنَ الطَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحً﴾ [المؤمنون: ٥١]. (وَأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ)
البائقة: الداهية، وهي المحنة العظيمة، والمراد هنا الشرور كالظلم والغش
والإيذاء. (دَخَلَ الْجَنَّةَ) أي: استحق دخولها دخولًا أوليًا، أي: مع السابقين، أو
بغير عذاب، وإلا فمن فلم يعمل بالسنة ومات مسلمًا يدخلها وإن عذب. (إِنَّ هَذَا)
أي: الرجل الموصوف المذكور. (الْيَوْمَ) ظرف مقدم لخبر ((إِنَّ)).
(١٧٨) التِّرْ مِذِي (٢٥٢٠) فِي الزُّهْدِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَالَ: غَرِيبٌ.

٥٩٢
se
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(لَكَثِيرٌ فِي النَّاسِ) بحمد اللَّه، فما حال المستقبل؟ (وَسَيَكُونُ) أي: هم كثيرون
اليوم، وسيوجد من يكون بهذه الصفة. (فِي قُرُونٍ بَعْدِي) قال التُّورْبَشْتِي: يحتمل
أن الرجل قال ذلك حمدًا لله تعالى وتحديثًا بنعمته، أي: لا استفهامًا عن
المستقبل، فقال ((سَيَكُونُ)) في قرون بعدي، ليوقفه على أن ذلك غير مختص بالقرن
الأول أي بهذا القرن. ويحتمل أنه فهم من قوله: ((مَنْ أَكَلَ طَيِّبًا ... )) إلخ. التحريض
على الخصال المذكورة، والزجر عن أضدادها، ووجد الناس يتدينون بذلك
ويحرضون عليه، فخاف أن النبي ◌َّر اطلع على خلاف ذلك في مستقبل الأمر
منهم، فأحب أن يستكشف عنه، فقال هذا القول، فعرف بَله منه ذلك، فأجابه وَال
بقوله: ((وَسَيَكُونُ فِي قُرُونٍ بَعْدِي)) فاختصر الكلام اعتمادًا على فهم السامع،
وتهويلًا للأمر المحذور عنه، انتهى. وقال صاحب ((اللمعات)): معناه لا ينقطع
الخيرعن أمتي قطعًا وإن تفاوتت الحال قلة وكثرة، فتنكير ((قُرُوٍ)) للتقليل،
ويحتمل التكثير لكثرته في نفسه، ويشبه أن يكون المراد القرون الموسومة بخير
القرون، ولكن هذه الصفات ليست مخصوصة بهم، انتهى. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في
آخر الزهد، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل، أي: ابن موسى، عن
هلال بن مقلاص، عن أبي بشر، عن أبي وائل، عن أبي سعيد، انتهى. وأبو بشر
هذا مجهول، قاله الحافظ في ((التقريب)). والحديث أخرجه أيضًا ابن أبي الدنيا في
كتاب ((الصمت)) وغيره، والحاكم وقال: صحيح الإسناد.
١٧٩ - [٤٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّكُمْ فِي
زَمَانٍ مَنْ تَرََكَ مِنْكُمْ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَكَ، ثُمَّ يَأْنِي زَمَانٌ مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعُشْرِ مَا
أُمِرَ بِهِ نَجَا».
[رَوَاهُ التِّْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْخُ
١٧٩ - قوله: (إِنَّكُمْ) أيها الصحابة. (فِي زَمَانٍ) أي: متصف بعزة الإسلام
وأمن أهله. (مَنْ تَرََكَ مِنْكُمْ) أي: فيه، وهو الرابط لجملة الشرط بموصوفها وهو
(١٧٩) التِّرْمِذِي (٢٢٦٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الفِتَنِ، وَقَالَ: غَرِيبٌ.

كِتَابُ الْإِيمَان
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشُّنَّةِ
٥٩٣
(زَمَانٍ)). (عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ) أي: من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ لا يجوز
صرف هذا القول إلى عموم المأمورات؛ لأنه عرف من أصل الشرع أن أحدًا من
المسلمين لا يعذر فيما يهمل من الفرض الذي تعلق بخاصة نفسه، وإن كثر أهل
الظلم وقل أهل الحق، هكذا قال التوربشتي وغيره. قيل: لعل هذا غير مناسب
لباب التمسك بالكتاب والسنة، فالأنسب أن يحمل على أمور الندب من السنن
والنوافل، وفيه بحث لأن الأمر بالمعروف لا يعرف إلا منهما، وأيضًا الهلاك لا
يترتب على ترك الندب مطلقًا فضلًا عن عشره، قاله القاري. (هَلَك) أي: وقع في
الهلاك لظهور الحق، ومشاهدة المعجزات، ومظاهرة النبي وَّل، وعزة الإسلام،
وكثرة أنصاره بحيث لو تكلم شخص بالحق نصروه، وخذلوا من نازع، فالترك
يكون تقصيرًا منكم، فلا يعذر أحد منكم في التهاون، والأمر على ذلك.
(ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ) يضعف فيه الإسلام، ويكثر الظلمة والفساق، وتشيع الفتن،
ويتوارى الحق، ويقل أنصاره فيعذر المسلمون فيما أهملوه من هذا الباب لعدم
القدرة. (مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ) أي: من أهل ذلك الزمان. (بِعُشْرِ مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا)؛ لأنه
المقدور، و﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٥].
(رَوَاهُ التّرْمِذِيُّ) في أواخر الفتن، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من
حديث نعيم بن حماد عن ابن عيينة، انتهى. ونعيم بن حماد هذا صدوق يخطيء
كثيرًا، كما في ((التقريب)). وفي معنى الحديث روي عن أبي ذر أخرج حديثه
أحمد .

٥٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٨٠ - [٤١] وَعَنْ أَبِى أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((مَا ضَلَّ قَوْمٌ
بَعْدَ هُدَّى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿مَا
ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَّا بَلْ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨]
[رَوَاهُ أَحَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشَّرْخُ
١٨٠ - قوله: (إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ) أي: أعطوه، وهو حال ((وَقَدْ)) مقدرة،
والمستثنى منه أعم الأحوال، وذو الحال فاعل ((مَا ضَلَّ)) لا الضمير المستتر الذي
في خبر كان كما توهمه الطيبي، فإنه فاسد معنى، وإن كان الضمير المذكور راجعًا
إلى فاعل ((مَا ضَلَّ)) فليفهم، قاله السندي. والمعنى: ما كان وقوعهم في الضلالة
إلا بسبب الجدال، وهو الخصام بالباطل، وضرب الحق به، وضرب الحق بعضه
ببعض بإبداء التعارض والتدافع والتنافي بينهما، لا المناظرة لطلب الصواب مع
التفويض إلى اللَّه عند العجز عن معرفة الكنه. (ثُمَّ قَرَأَ) أي: توضيحًا لما ذكر بذكر
مثال له، لا للاستدلال به على الخصم المذكور، فإنه لا يدل عليه. (مَا ضَرَبُوهُ)
أي: هذا المثل. (لَكَ إِلَّا جَدَلًا) أي: إلا لمخاصمتك، ولإيذائك بالباطل، لا
لطلب الحق، فإن قلت: قريش ما كانوا على الهدى، فلا يصلح ذكرهم مثالًا.
قلت: نزل تمكنهم منه بواسطة البراهين الساطعة منزلة كونهم عليه، فحيث
دفعوا بعد ذلك الحق بالباطل، وقرروا الباطل بقولهم: آلهتنا خير أم هو؟ يريدون
أنهم يعبدون الملائكة وهم خیر من عیسی، وقد عبدوہ النصارى، فحیث صح لهم
عبادته صح لنا عبادتهم بالأولى، فصاروا مثالًا لما فيه الكلام. وقيل: الأصح في
معنى الآية أن عبد الله بن الزبعرى قبل إسلامه جادل رسول اللّه وَ ◌ّل في قوله
تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] آلهتنا أي:
الأصنام خير عندك أم عيسى؟ فإن كان في النار فلتكن آلهتنا معه، والجواب عن هذه
الشبهة بوجهين :
(١٨٠) التِّرْ مِذِي (٣٢٥٣) تَفْسِيرُ الزُّخْرُفِ، وَابن مَاجَهْ (٤٨) عَنْ أَبِي أُمَامَةً.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَّابِ وَالشُّنَّةِ
Re
٥٩٥
الأول: أن ((مَا)) لغير ذوي العقول فالإشكال نشأ عن الجهل بالعربية.
والثاني: أن عيسى والملائكة خصوا عن هذا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ
لَهُم مِّنَا أَلْحُسْنَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ
﴾ [الأنبياء: ١٠١]. (بَلْ هُمْ) أي: الكفار. (قَوْمٌ
خَصِمُونَ) أي: كثير الخصومة.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥ : ص٢٥٢، ٢٥٦). (والتِّرْمِذِيُّ) في تفسير سورة الزخرف،
وقال: حديث حسن صحيح. (وابْنُ مَاجَهْ) في السنة، وأخرجه أيضًا الحاكم (ج٢ :
ص٢٤٨) وصححه، ووافقه الذهبي وابن جرير والطبراني والبيهقي وغيرهم.
١٨١ - [٤٢] وَعَنْ أَنَس أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ كَانَ يَقُولُ: ((لَا تُشَدِّدُوا عَلَى
أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَّإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ،
فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ ﴿وَرَهْبَانِيَةً أَبْتَدَعُوهَا مَا كَثَبْنَهَا عَلَيْهِمْ﴾﴾))
[الحديد: ٢٧].
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشّرْجُ
١٨١ - قوله: (لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: بالأعمال الشاقة كصوم الدهر،
وإحياء الليل كله، واعتزال النساء لئلا تضعفوا عن العبادة، وأداء الحقوق
والفرائض. (فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) بالنصب جواب النهي، أي: يفرضها عليكم
فتقعوا في الشدة، أو بأن يفوت عليكم بعض ما وجب عليكم بسبب ضعفكم من
تحمل المشاق، وقيل: المعنى لا تشددوا على أنفسكم بإيجاب العبادات الشاقة
على سبيل النذر أو اليمين فيشدد اللَّه عليكم، فيوجب عليكم بإيجابكم على
أنفسكم، فتضعفوا عن القيام بحقه، وتملوا وتكسلوا، وتتركوا العمل فتقعوا في
عذاب الله. (فَإِنَّ قَوْمًا) أي: من بني إسرائيل. (شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) بالعبادات
الشاقة، والرياضات الصعبة، والمجاهدات التامة. (فشددالله عليهم) بإتمامها
والقيام بحقوقها. (فَتِلْك) إشارة إلى ما في الذهن من تصور جماعة باقية من ذلك
(١٨١) أَبُو دَاوُد (٤٩٠٤) عَنْ أَنَسٍ رَْتَهُ، فِي الصَّلَاةِ.

٥٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المشددين. (بَقَايَاهُمْ) أي: بقايا قوم شددوا على أنفسهم. (فِي الصَّوَامِعِ) جمع
صومعة بفتح الصاد والميم، وهي موضع عبادة الرهبان من النصارى. (وَ الدِّيَارِ)
جمع الدير بفتح الدال، وهو الكنيسة وهي معبد اليهود. (رَهْبَانِيَّةً) منصوب بفعل
يفسره ما بعده، أي: ابتدعوا رهبانية. (ابْتَدَعُوهَا) أي: أحدثوها من عند أنفسهم
من غير أن تفرض عليهم أو تسن، والرهبانية بفتح الراء، وهي المبالغة في العبادة
والرياضة، والإنقطاع عن الناس، منسوبة إلى الرهبان، وهو المبالغ في الخوف
من الرهب، كالخشيان من خشي، وقرئت بالضم كأنها منسوبة إلى الرهبان جمع
راهب، كركبان وراكب، وذلك لأنهم غلوا في العبادة، وحملوا على أنفسهم
المشقات في الامتناع من المطعم، والمشرب والمنكح والملبس، وتعلقوا
بالكهوف والصوامع والغيران والديرة؛ لأن ملوكهم غيروا وبدلوا، وبقي منهم نفر
قليل فترهبوا وتبتلوا: (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيهِم) أي: ما فرضنا تلك الرهبانية عليهم وهي
صفة ثانية لرهبانية، أو مستأنفة مقررة لكونها مبتدعة من عند أنفسهم، والاقتصار
على هذا يدل على أن الاستثناء فيما بعده، وهو قوله: ﴿إِلَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَنِ اللَّهِ﴾
[الحديد: ٢٧] اسثناء منقطع، أي: ما شرعناها لهم أصلًا، ولكنهم التزموها من تلقاء
أنفسهم ابتغاء رضوان اللَّه. (فَمَا رَعَوْهَا حَقَ رِعَايَتِهَا) أي: فما قاموا بما التزموه حق
القیام، وهذا ذم لهم من وجهين :
أحدهما: الابتداع في دين اللَّه ما لم يأمر به الله.
والثاني: عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله تعالى،
فكأن تركه وعدم رعايته حق الرعاية يدلّ على عدم مبالاتهم بما يعتقدونه دينًا .
وقيل: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ أي: فلم يرعوا هذه الرهبانية التي ابتدعوها من
عند أنفسهم، وما قاموا حق القيام بها بل ضيعوها، وكفروا بدين عيسى، وضموا
إليها التثليث، ودخلوا في دين الملوك الذين غيروا وبدلوا، وتركوا الترهب، ولم
يبق على دين عيسى إلا قليل منهم، حتى أدركوا محمدًا بَلّ فآمنوا به، وهم
المرادون بقوله: ﴿فَاتَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ أي: الذي يستحقونه بالإيمان
بعيسى وبمحمد ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَسِفُونَ﴾ [الحديد: ٢٧] أي: خارجون عن الإيمان بما
أمروا به، وهم الذين كفروا بعيسى، وكذبوا محمدًا وخالفوه.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشُنَّةِ
٥٩٧
وقيل: الاستثناء متصل أي ما شرعناها لهم بشيء من الأشياء إلا لقصد رضوان
اللَّه، فما رعوها حق رعايتها حين لم يؤمنوا برسول الله مِّل، فشرع لهم الترهب
على شرط أنه إذا نسخ بغيره رجعوا إلى ما أحكم، وتركوا ما نسخ، وهو معنى
ابتغاء الرضوان على الحقيقة، فإذا لم يفعلوا وأصروا على الأول كان ذلك اتباعًا
للَّهوى لا اتباعًا للمشروع، ولذلك سمى ابتداعًا؛ لأنهم أخلوا بشرط المشروع إذ
شرط عليهم فلم يقوموا به، وإذا كانت العبادة مشروعة بشرط فيعمل بها دون
شرطها لم تكن عبادة على وجهها، وصارت بدعة، فيكون ترهب النصارى صحيحًا
قبل بعث محمد ◌ّ، فلما بعث وجب الرجوع عن ذلك كله إلى ملته، فالبقاء عليه
مع نسخه بقاء على ما هو باطل بالشرع، وهو عين البدعة، كذا حققه الشاطبي، وقد
بسط الكلام في تفسير هذه الآية، من أحب الوقوف عليه رجع إلى كتابه الاعتصام.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) مطولًا في باب الحسد من كتاب الأدب، وسكت عليه هو
والمنذري، وفيه سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء، قال ابن القيم في ((كتاب
الصلاة)) (ص٤٧٥): هو شبه المجهول، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ
في ((التقريب)): هو مقبول. والحديث أخرجه أيضًا أبو يعلى في مسنده، وفيه أيضًا
سعيد بن عبد الرحمن المذكور.
١٨٢ - [٤٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: «نَزَلَ الْقُرْآنُ
عَلَى خَمْسَةٍ أَوْجُهٍ: حَلَالٍ، وَحَرَامٍ، وَمُحْكَم، وَمُتَشَابِهٍ، وَأَمْثَالٍ، فَأَحِلُّوا
الْحَلَالَ، وَحَرِّمُوا الْحَرَامَ، وَاعْمَلُواْ بِالْمُحَكَمَّ، وَآمِنُوا بِالْمُتَشَابِهِ، وَاعْتَبِرُوا
بِالْأَمْثَالِ)). هَذَا لَفْظُ ((الْمَصَابِيحِ)). وَرَوَى الْبَيْهَفَيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ)) وَلَفْظُهُ:
(فَاعْمَلُوا بِالْحَلَالِ، وَاجْتَنِبُوا الْحَرَامَ، وَاتَّبِعُوا الْمُحْكَمَ)).
{ضعيف جدًّا}
الشَّرْحُ
١٨٢ - قوله: (نَزَلَ الْقُرْآنُ) أي: بطريق الإجمال. (عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ) من
وجوه الكلام. (حَلَالٍ) بِالْجَرِّ، وهو بدل بعد العطف قبل الربط. (وَمُتَشَابِهٍ)
(١٨٢) البَيْهَقِي (١٨٢ / ٤٣) فِي فَضْلِ القُرْآنِ مِنَ الشعب بِنَحْوِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

٥٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كالحروف المقطعة وأمثالها. (وَأَمْثَالٍ) يعني: قصص الأمم الماضية كقوم نوح
وصالح وغيرهما .
وقيل: الأظهر أن الأمثال مثل قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ أُمَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ
[العنكبوت: ٤١]، ولذلك عقبه تعالى بقوله: ﴿وَتِلْكَ
أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ اُلْعَنْكَبُونِ﴾
اُلْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. (فَأَحِلّوا) بكسر الحاء أمر من الإحلال.
(الْحَلَالَ) أي: اعتقدوا حليته. (وَحَرِّمُوا الْحَرَامَ) أي: اعتقدوا حرمته واجتنبوه.
(وَاعْمَلُوا بِالْمُحَكَم) من الأمر والنهي. (وَآمِنُوا بِالْمُتَشَابِهِ) من غير أن تتبعوه ابتغاء
الفتنة وابتغاء تأويلَه، ومن غير اشتغال بكيفيته.
(هَذَا) أي: المذكور من الحديث المروي. (لَفْظُ الْمَصَابِيحِ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ)
أي: معناه، وحذف هذا للعلم به. (فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَلَفْظُهُ) أي: لفظ البيهقي.
(فَاعْمَلُوا بِالْحَلَالِ ... ) إلخ. فيه: نوع اعتراض من المصنف على صاحب
((المصابيح)). وأخرج الحاكم (ج٢: ص٢٩٠، ٢٨٩) عن ابن مسعود مرفوعًا بسند
منقطع: ((كَانَ الْكِتَابُ الْأَوَّلُ نَزَلَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ مِنْ
سَبْعَةِ أَبْوَابٍ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ: زَاجِرٍ، وَآمِرٍ، وَحَلَالٍ، وَحَرَامٍ، وَمُحْكَم، وَمُتَشَابِهٍ،
وَأَمْثَالٍ، فَأَحِّلُوا حَلَالَهُ، وَحَرِّمُوا حَرَامَةً، وَافْعَلُّوا مَا أُمِرَّتُمْ بِهِ، وَأَنْتَهُوا عَمَّأَ نُهِيْتُمْ عَنْهُ،
وَاعْتَبِرُوا بِأَمْثَالِهِ، وَاعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ، وَآمِنُوا بِمُتَشَابِهِهِ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِهِ كُلَّ مِنْ عِنْدِ
رَبِّنَا)).
١٨٣ - [٤٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((الْأَمْرُ ثَلَاثَةٌ:
أَمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدُهُ فَاتَّبِعْهُ، وَأَمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فَاجْتَنِبْهُ، وَأَمْرٌ اخْتُلِفَ فِيهِ فَكِلْهُ إِلَى اللَّهِ
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {ضعيف}
رات)) .
الشّرْحُ
١٨٣- قوله: (الْأَمْرُ) واحد الأمور، أي: الشأن والحال في الأعمال
التكليفية. (ثَلَاثَةٌ) أي: ثلاثة أنواع. (أَمْرٌ) أي: منها أمر، أو أحدها أمر. (بَيِّنٌ
(١٨٣) أَحْمَد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
٥٩٩
رُشْدُهُ) أي: ظاهر صوابه، كأصول العبادات مثل وجوب الصلاة والزكاة،
وكأصول العقائد من التوحيد والنبوة والمعاد. (وَأَمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ) أي: ضلالته كقتل
النفس والزنا. (وَأَمْرٌ اخْتُلِفَ فِيهِ) بصيغة المجهول، أي: اختلف الناس فيه من
تلقاء أنفسهم من غير أن يبين الله ورسوله حكمه. (فَكِلْهُ) أمر من وكل يكل. (إِلى
اللَّهِ وَث) أي: فَوِّض أمره إلى الله تعالى يعني: ما علمت كونه حقًّا وصوابًا بالنص
فاعمل به، وما علمت بطلانه بالنص فاجتنبه، وما لم يثبت حكمه بالشرع فلا تقل
فيه شيئًا، وفوض أمره إلى الله، مثل متشابهات القرآن، وأمور القيامة. قال
الطيبي: قوله: ((اخْتُلِفَ فِيهِ)) يحتملُ أن يكون معناه اشتبه وخفى حكمه، ويحتمل
أن يراد به اختلاف العلماء، أي: والأدلة. وقيل: الأولى أن يفسر هذا الحديث بما
ورد في آخر الفصل الثالث من حديث أبي ثعلبة الخشني.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ). قال العلامة الألباني: لم أجد أحدا عزاه إليه، وما أظنه في
((مسنده))، وقد عزاه السيوطي في ((الجامع الكبير)) (ج٢/٣٢٣/١) لابن منيع،
واسمه أحمد أيضًا بهذا اللفظ، وللطبراني في الكبير بلفظ: ((فَكِلَّهُ إِلَى عَالِمِهِ))،
قلتُ: وفي أوله عنده (ج٢/٩٧/٣) أن عيسى ابن مريم البَّ قال: ((إِنَّما الأمُورُ
ثَلاثَةٌ ... )) وكذا أورده الهيثمي في ((المجمع)) (١٥٨/١) من رواية الطبراني فقط،
وقال: ورجاله موثقون، وفيه نظر فإنه من رواية أبي المقدام، واسمه هشام بن
زياد، وهو متروك، كما قال الحافظ في ((التقريب)). ومن طريقه رواه الهروي في
((ذم الكلام)). (ق/ ٢/٦٠).