النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والحاصل: أن الأرض محل جميع الأجسام السفلية ومقرها، لا ملجأ لها إلا
إليها فهي کفات لها.
واعلم: أنه قد تظاهرت الدلائل من الكتاب والسنة على ثبوت عذاب القبر،
وأجمع عليه أهل السنة، ولا مانع في العقل أن يعيد الله الحياة في جزء من الجسد
أو في جميعه - على الخلاف المعروف - فيثيبه ويعذبه، وإذا لم يمنعه العقل، وورد
به الشرع وجب قبوله واعتقاده، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاؤه
كما يشاهد في العادة، أو أكلته السباع، والطيور، وحيتان البحر، كما أن اللّه تعالى
يعيده للحشر وهو قادر على ذلك، فلا يستبعد تعلق روح الشخص الواحد في آن
واحد بكل واحد من أجزائه المتفرقة في المشارق والمغارب، فإن تعلقه ليس على
سبيل الحلول حتى يمنعه الحلول في جزء من الحلول في غيره، فلا استحالة في
تعذيب ذرات الجسم في محالها، كيف وقد ثبت بالعقل والنقل الشعور في
الجمادات؟
قال في ((مصابيح الجامع)): وقد كثرت الأحاديث في عذاب القبر، حتى قال غير
واحد: إنها متواترة لا يصح عليها التواطؤ وإن لم يصح مثلها لم يصح شيء من أمر
الدین.
قال أبو عثمان الحداد: وليس في قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا اُلْمَوْتَ إِلَّا
اٌلْمَوْتَةَ اُلْأُولَىّ﴾ [الدخان: ٥٦] ما يعارض ما ثبت من عذاب القبر؛ لأن الله تعالى أخبر
بحياة الشهداء قبل يوم القيامة، وليست مرادة بقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا
اُلْمَوْتَ إِلَّ الْمَوْتَةَ الْأُولَىّ﴾ فكذا حياة المقبور قبل الحشر.
قال ابن المنير: وأشكل ما في القضية: أنه إذا ثبت حياتهم لزم أن يثبت موتهم
بعد هذه الحياة ليجتمع الخلق كلهم في الموت عند قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ
اَلْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] ويلزم تعدد الموت، وقد قال: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا اُلْمَوْتَ إِلَّ الْمَوْتَةً
الْأُولَىّ﴾ الآية. والجواب: الواضح عندي إن معنى قوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا
اُلْمَوْتَ﴾ أي: ألم الموت، فيكون الموت الذي يعقب الحياة الأخروية بعد الموت
الأول لا يُذاق ألمه البتة، ويجوز ذلك في حكم التقدير بلا إشكال، وما وضعت
العرب اسم الموت إلا للمؤلم على ما فهموه، لا باعتبار كونه ضد الحياة، فعلى

كِتَاب الْإِيمَانِ
بَابُ إِثْبَاتِ عَذَاب الْقَبْرِ
٤٨١
هذا يخلق اللَّه لتلك الحياة الثانية ضدًّا يعدمها به، لا يسمى ذلك الضد موتًا، وإن
كان للحياة ضد، جمعًا بين الأدلة العقلية والنقلية واللغوية، انتهى.
وقد ادعى قوم من الملاحدة، والزنادقة، والخوارج، وبعض المعتزلة عدم ذكر
عذاب القبر في القرآن، وزعموا أنه لم يرد ذكره إلا من أخبار الآحاد. وهو مردود
عليهم، قد بسط الكلام في الرد عليهم الإمام الحافظ ابن القيم في كتاب ((الروح))،
فعليك أن تطالعه، فإنه كتاب جليل القدر، ما صنف مثله في معناه، يشتمل على
جملة من المسائل، تتضمن الكلام على أرواح الأموات والأحياء.

٤٨٢
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الأول
١٢٥ - [١] عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ وََّ قَالَ: ((الْمُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ
فِي الْقَبْرِ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِ الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِى الْآَخِرَةِ﴾)) ..
وفِي رِوَايَةٍ: عَنِ النَّبِيِّ نَ ◌ّهِ قَالَ: ((﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾
نَزَلَتْ فِي عَذَابِ القَبْرِ، يقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِيَ اللَّهُ وَنَسِّي مُحَمَّدٌ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرْحُ
١٢٥ - قوله: (عَنِ الْبَرَاءِ) بموحدة مفتوحة وخفة راء ومد. (بْنِ عَازِبٍ) بن
الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي، كنيته أبو عمارة المدني الصحابي ابن
الصحابي، نزل الكوفة، استصغر یوم بدر، وكان هو وابن عمر لدة. أول مشاهده
أحد، وقيل: الخندق. غزا مع النبي ◌َّ خمس عشرة غزوة، وافتتح الري سنة
(٢٤) وشهد مع علي بن أبي طالب الجمل وصفين ونهروان. مات بالكوفة سنة
(٧٢)، له ثلاثمائة حديث وخمسة أحاديث، اتفقا على اثنين وعشرين، وانفرد
البخاري بخمسة عشر، ومسلم بستة، روى عنه خلق.
(قَالَ: الْمُسْلِمُ) وفي روايةٍ: ((المؤمن))، والمراد به الجنس، فيشمل المذكر
والمؤنث، أو يعرف حكمها بالتبعية. (إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ) التخصيص للعادة، أو كل
موضع فيه مقره فهو قبره، والمسئول عنه محذوف، أي: عن ربه، ونبيه، ودينه،
لما ثبت في الأحاديث الأخر. (يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) أي:
يجيب بأن لا رب إلا الله، ولا إله سواه، وبأن نبيه محمد نَّه، ويلزم منه أن دينه
(١٢٥) عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ؛ البُخَارِي (١٣٦٩، ٤٦٩٩) فِي الجَنَائِزِ، وَمُسْلِم (٢٢٠٢.٢٢٠١/٤)،
(٧٣/ ٢٨٧١)، (٧٤/ ٢٨٧١) فِي صِفَةِ الثَّارِ، وأَبُو دَاوُد (٤٧٥٠)، والتِّرْ مِذِي (٣١٢٠)، والنَّسَائِي
(٤/ ١٠١)، وابن مَاجَهْ (٤٢٦٩).

٤٨٣
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ
الإسلام. (فَذَلِكَ) أي: فمصداق ذلك الحكم. (قَوْلُهُ) أي: تعالى (بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ)
أي: الذي ثبت بالحجة عندهم، وهي كلمة التوحيد، وثبوتها: تمكنها في القلب،
واعتقاد حقيتها، واطمئنان القلب بها. قيل: الباء للسببية متعلقة بـ (يثبت))، وكذا.
(فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: قبل الموت، بأن لا يزالوا عنه إذا فتنوا في دينهم، ولم
يرتابوا بالشبهات، وإن ألقوا في النار، كما ثبت الذين فتنتهم أصحاب الأخدود،
والذين نشروا بالمناشير. (وَفِي الآخِرَةِ) أي: في القبر بتلقين الجواب والتمكين
على الصواب عند سؤال الملكين بعد إعادة أرواحهم في أجسادهم، وإنما حصل
لهم الثبات في القبر بسبب مواظبتهم في الدنيا على هذا القول، وقيل: في الحياة
الدنيا أي: في القبر عند السؤال، وفي الآخرة أي: عند البعث إذا سئلوا عن
معتقدهم في الموقف، فلا يتلعثمون ولا تدهشهم أهوال القيامة، والأول أظهر.
(قَالَ: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ﴾) مبتدأ، أي: آية: يثبت الله ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾
[إبراهيم: ٢٧] أي: إلى قوله: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَّ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
(نَزَّلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ) أي: في السؤال في القبر، ولما كان السؤال يكون سببًا
للعذاب في الجملة ولو في حق بعض عبر عنه باسم العذاب. قال الكرماني: ليس
في الآية ذكر عذاب القبر أي: للمؤمن، فلعله سمى أحوال العبد في قبره عذاب
القبر تغليبًا لفتنة الكافر على فتنة المؤمن لأجل التخويف؛ ولأن القبر مقام الهول
والوحشة، ولأن ملاقاة الملائكة مما يهاب منه ابن آدم في العادة، انتهى. قال
القاري: وفيه أن المراد إثبات عذاب القبر مجملًا، غايته أن عذاب المؤمن الفاسق
مسكوت عنه كما هو دأب القرآن في الاقتصار على حكم الفريقين، وهذا المقدار
من الدليل حجة على المخالف؛ إذ لا قائل بالفصل، انتهى. ويدلّ على عذاب القبر
للكافر بل لكل من ظلم نفسه آخر الآية، وهو قوله: ﴿وَيُضِلُّ اَللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ أي:
يضلهم عنه ولا يلقنهم إياه، فلا يقدرون على التكلم به في قبورهم، ولا عند
الحساب، ويقولون: لا أدري، ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ من تثبيت بعض وإضلال
آخرين، ولا اعتراض عليه.
(يُقَالُ لَهُ) أي: لصاحب القبر. (وَنَبِّي مُحَمَّدٌ) زاد في الجواب تبجحًا، أو ((وَمَنْ
نَبِيُّك))؟ مقدر في السؤال، أو لأن السؤال عن التوحيد يستلزمه إذ لم يعتد به دونه.

٤٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وفي ((المصابيح): ((نزلت في عذاب القبر إذا قيل له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن
نبيك؟ يقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد).
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الجنائر، وفي التفسير، ومسلم في صفة النار،
ولفظ الرواية الأولى للبخاري في التفسير، ولفظ الرواية الثانية لمسلم. وأخرجه
أيضًا أحمد في ((مسنده))، والترمذي في التفسير، وأبو داود في السنة، والنسائي في
الجنائر، وفي التفسير. وابن ماجه في الزهد، ولحديث البراء هذا شواهد تدل على
أن هذه الآية نزلت في عذاب القبر، ذكرها ابن كثير في ((تفسيره))، والمنذري في
((ترغيبه))، والهيثمي في ((مجمع الزوائد)).
١٢٦ - [٢] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ قَالَ: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا
وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانٍ
فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ - لِمُحَمَّدٍ - ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ
فَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: أَنْظُرْ إِلَى مَفْعَدَِ مِنَ النَّارِ، قَدْ
أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ فَيُقَالُ
لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ
النَّاسُ، فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَّيْتَ، وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً
فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ)).
[متفق عليه، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ] {صحيح}
الشّرُْ
13 4 5
١٢٦ - قوله: (إِنَّ الْعَبْدَ) المراد به الجنس. (إِذَا وُضِعَ) شرط وجوابه ((أَتَاهُ))
والجملة خبر إن. (وَتَوَلَّى) أي: أدبر. (عَنْهُ) أي: عن قبره. (إِنَّهُ) حال بحذف
الواو، وقيل: إنه جواب الشرط على حذف الفاء، فيكون ((أَتَاهُ)) حالًا من فاعل
يسمع، وقد مقدرة، ويحتمل أن يكون ((إِذَا)) ظرفًا محضًا، وقوله: ((إِنَّهُ)) تأكيد
(١٢٦) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ أَنَسِ رَْتَهُ؛ البُخَارِي (١٣٣٨، ١٣٧٤) فِي الجَنَائِزِ، ومُسْلِم (٧٠/ ٢٨٧٠) فِي
صِفَةِ النَّارِ، وأَبُو دَاوُد (٣٢٣١)، والنَّسَائِي (٤/ ٩٦).

كِتَابُ الْإِيمَانِ
<<<< ><93 ***:
بَابُ إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ
٤٨٥
لقوله: ((إِنَّ الْعَبْدَ)) (لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ) زاد مسلمٌ: ((إِذَا انْصَرَفُوا))، والقرع: بفتح
القاف وسكون الراء، والنِّعَالَ: بكسر النون، جمع نعل، أي: يسمع صوت دقها،
وفيه دلالة على حياة الميت في القبر؛ لأن الإحساس بدون الحياة ممتنع عادة.
وفيه: دليل على جواز المشي بالنعال في القبور لكونه بَّ قاله وأقره، فلو كان
مكروهًا لبينه، لكن يعكر عليه احتمال أن يكون المراد سماعه إياها بعد أن يجاوزوا
المقبرة. قال الشوكاني: سماع الميت خفق النعال لا يستلزم المشي على قبر أو بين
القبور، انتهى. وأيضًا يجوز أنه مَّ ذكر ذلك على عادات الناس، فلا يلزم من هذه
الحكاية من غير إنكار تقرير مشيهم بها. ويدل على الكراهة: حديث الأمر بإلقاء
السبتيتين للماشي بين القبور عند أبي داود والنسائي وابن ماجه، لكن يحتمل أن
أمره بالخلع كان لقذر بهما كما قال الطحاوي، أو لاختياله في مشيه كما قال
الخطابي، لا لكون المشي بين القبور بالنعال مكروهًا، ولا يتم الاستدلال به على
الكراهة إلا إذا قيل: إن الأمر بالخلع كان احترامًا للمقابر. ومال النسائي إلى
الجمع بين الحديثين بحمل حديث أنس هذا على غير السبتيتين، والكراهة إنما هي
في النعال السبتية واختاره ابن حزم.
قلتُ: حديث أنس يدل بإطلاقه على جواز المشي بين القبور في النعال السبتية
وغيرها؛ لعدم الفارق بينها وبين غيرها، واحتمال كون المراد سماعه إياها بعد
مجاوزتهم المقبرة بعيد جدًّا، وكذا حمله على عادات الناس أيضًا بعيد خلاف
الظاهر، وأما حديث السبتيتين فلا يتم الاستدلال به إلا على بعض الوجوه كما
تقدم، وأيضًا حديث أنس أرجح منه فيقدم عليه، وأيضًا هو قضية شخصية معينة
تحتمل الخصوص وغير ذلك.
(فِي هَذَا الرَّجُلِ) أي: في شأنه، واللام للعهد الذهني. (لِمُحَمَّدٍ) بيان من
الراوي للرجل، أي: لأجل محمد وَله. قال الطيبي: دعاؤه بالرجل من كلام
الملك، فعبر بهذه العبارة التي ليس فيها تعظيم امتحانًا للمسئول؛ لئلا يتلقن
تعظيمه عن عبارة القائل، ثم يثبت الله الذين آمنوا، انتهى. ولا يلزم من الإشارة ما
قيل من رفع الحجب بين الميت وبينه ولو حتى يراه، ويسأل عنه؛ لأن مثل ذلك لا
يثبت بالاحتمال، على أنه مقام امتحان، وعدم رؤية شخصه الكريم أقوى في

٤٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الامتحان، ولا ما تفوه به بعض الجهلة من أنه وقّله يحضر الميت في قبره بجسده
وروحه؛ لأن الإشارة بـ ((هذا)) للحاضر في الذهن كما في ((تنوير الحوالك))
للسيوطي، فإن الإِشارة كما تكون للحاضر في الخارج كذلك تكون للحاضر في
الذهن أيضًا، ويدلَّ على بطلان القولين، وعلى كون الإشارة ها هنا إلى الموجود
الحاضر في الذهن رواية أحمد، والطبراني بلفظ: «مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ قَالَ:
مَنْ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. فَيَقُولُ ... )) إلخ. فإنه لو كشف وَّ للميت، أو حضره في القبر لما
احتاج إلى السؤال بقوله: ((مَنْ)) فتأمل.
(فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ) أي: في جوابه لهما مع اعترافه بالتوحيد كما في حديث
البراء وغيره. (فَيُقَالُ لَهُ) أي: على لسان الملكين. (انْظُرْ إِلَى مَفْعَدَِ مِنَ النَّارِ) لو لم
تكن مؤمنًا ولم تجب الملكين. (قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ) أي: بمقعدك هذا. (فَيَرَاهُمَا)
أي: المقعدین (جمیعًا) ليزداد فرحه.
(وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ) بواو العطف، وهي رواية البخاري في باب عذاب القبر
من الجنائز، ووقع عنده في باب خفق النعال في هذا الحديث: ((وَأَمَّا الْكَافِرُ أَوِ
الْمُنَافِقُ))، بالشك، واختلفوا في أن السؤال في القبر هل هو عام في حقِّ المسلمين
والمنافقين والكفار، أو يختص بالمسلم والمنافق؟ فقيل: يختصُّ بمن يدعي
الإيمان إن محقًّا أو مبطلًا، مال إليه ابن عبد البر والسيوطي، ولا دليل لهما على
هذا القول، لا من كتاب الله ولا من سنة صحيحة.
والحقُّ: أن الكافر غير المنافق أيضًا يسأل في القبر، لما ورد في ذلك من
الأحاديث المرفوعة الصحيحة الكثيرة الطرق، ذكرها الحافظ في ((الفتح)) في باب
عذاب القبر، وبه جزم الترمذي الحكيم والقرطبي، ورواية الكتاب صريحة في
ذلك، حيثُ جمع بين المنافق والكافر بواو العطف، والأصل في العطف
المغايرة، فيدل على أن كلَّ من المنافق والكافر الذي لم ينطق بالكلمة وقد بلغته
الدعوة يسأل، ويؤيده قوله: ﴿وَيُضِلُّ اَللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ حيث ذكر الظالمين في مقابلة
الذين آمنوا. والظالم يعم الكافر والمنافق، وتخصيص الكافر الشامل للمنافق
وغيره بأهل الشك من أهل القبلة لا موجب له. وأما الرواية الأخرى أي بلفظ:
((وَأَمَّا الْكَافِرُ أَوْ الْمُنَافِقُ)) فلا تنافي رواية الواو؛ لأن الترديد إما للشك أو لمنع

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ
٤٨٧
الخلوِّ، فإن كان الأول فالمحفوظ إما ((الْكَافِرُ)) فهو صريح في المقصود، أو
((الْمُنَافِقُ)) فلا دلالة في الحديث على الانحصار فيه، إذ غايته إفراد المنافق بالذكر،
وهو لا يتنافى أن يسأل غيره من الكفار، وإن كان الثاني جاز الجمع بينهما بالسؤال
تحقيقًا لمنع الخلو، وعلى التقديرين لا منافاة بين الروايتين، وأما رواية أسماء
بلفظ: ((أَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ)) فلا دليل فيها على حمل الكافر على المنافق؛ إذ
ليس فيها إلا الترديد بين المنافق والمرتاب، فإن قلنا: إن الترديد للشك، وإن
المنافق والمرتاب متساويان لغة، فغايتُهُ أن يكون كرواية الترمذي في إفراد المنافق
بالذكر، ولا دليل في ذلك على انحصار السؤال فيه لما مر.
وإن قلنا: بأن المرتاب أعم لجواز أن من بلغته دعوة الإسلام ولم ينطق بالكلمة
لا یکون جازمًا بالتكذيب.
وإن قلنا: إن الترديد لمنع الخلو فالأمر واضح، إذ غاية ما فيه الترديد بين
المنافق وبين الكافر المرتاب، وقد تبين أن إفراد المنافق بالذكر لا يدل على
انحصار السؤال فيه، فكيف إذا ذكر معه بعض الكفار؟ كذا حققه بعض العلماء في
شرحه على العقائد، وقال الإمام ابن القيم في كتاب ((الروح)) بعد ذكر قول ابن عبد
البر ما لفظه: والقرآن والسنة تدلّ على خلاف هذا القول أن السؤال للكافر
والمسلم، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي
[إبراهيم: ٢٧] وقد ثبت في
اُلْآَخِرَةُ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ
الصحيح أنها نزلت في عذاب القبر، ثم ذكر حديث أنس هذا وغيره من الأحاديث
الدالة على عموم السؤال لكل أحد مسلمًا كان أو منافقًا أو كافرًا خالصًا، وقال
الحافظُ: الأحاديث الناصة على أن الكافر يسأل مرفوعة، مع كثرة طرقها
الصحيحة، فهي أولى بالقبول، انتهى. والحكمة في سؤال الكافر في القبر إظهار
شرف النبي ◌َّ، وخصوصيته، ومزيته على سائر الأنبياء، فإن سؤال القبر إنما جعل
تعظيمًا له وخصوصية شرف بأن الميت يسأل عنه في قبره، وارجع للتفصيل إلى
کتاب الروح.
(لَا أَدْرِي) أي: حقيقة أنه نبي أم لا. (كُنْتُ أَقُولُ) أي: في الدنيا. (مَا يَقُولُ
النَّاسُ) أي: المسلمون، يجيب بذلك المنافق والكافر كلاهما، أما المنافق فلأنه

٤٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كان يقول في الدنيا الشهادتين تقية من غير اعتقاد، وأما الكافر فيقول ذلك في القبر
كذبًا، ودفعًا لعذاب القبر عن نفسه. (لَا دَرَيْتَ) أي: لا علمت ما هو الحق
والصواب. (وَلَا تَلَيْتَ) أصله تلوت بالواو، والمحدثون إنما يروونه بالياء
للازدواج، أي: لا علمت بالنظر والاستدلال العقلي، ولا قرأت القرآن لتعلمه منه
بالدليل النقلي، ويؤيده ما في حديث البراء في الفصل الثاني. وقيل: معناه: ولا
اتبعت مَنْ يَدْرِي. (وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ) من الطرق وهو الضرب، والمطرقة آلة
الضرب. (ضَرْبَةً) أي: بين أذنيه، أفرد الضربة مع جمع المطارق للإشارة إلى أنها
تجتمع عليه في وقت واحد، فصارت كالضربة الواحدة صورة. (يَسْمَعُهَا) أي:
تلك الصيحة. (مَنْ يَلِيهِ) من الدواب والملائكة، وعبر بـ ((من)) تغليبًا للملائكة
لشرفهم، ولا يذهب فيه إلى المفهوم من أن من بعد لا يسمع، لما في حديث البراء
الآتي في الفصل الثاني من أنه يسمعها ما بين المشرق والمغرب، والمفهوم لا
يعارض المنطوق. (غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ) أي: الجن والإنس، ونصب ((غَيْرَ)) على
الاستثناء، وقيل: بالرفع على البدلية، واستثنيا لأنهما بمعزل عن سماع ذلك لئلا
يفوت الإيمان بالغيب، وقيل: لو سمعوه لأعرضوا عن التدابير والصنائع
ونحوهما، فينقطع المعاش، ويختل نظام العالم.
قال ابن القيم: فإذا شاء الله سبحانه أن يطلع على ذلك بعض عبيده أطلعه، وغيّبه
عن غيره، إذ لو اطلع العباد كلهم لزالت كلمة التكليف والإيمان بالغيب، ولما
تدافن الناس كما في ((الصحيحين)) عنه وَّله: (لَوْلاَ أَنْ لاَ تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ
يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَا أَسْمَعُ)). ولما كانت هذه الحكمة منتفية في حقِّ البهائم
سمعت ذلك وأدركته، كما حادت برسول اللّه وَ ل بغلته، وكادت تلقيه لمَّا مر بمن
يعذب في قبره.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أي: على أصل الحديث أو أكثر، وإلا فرواية مسلم انتهت إلى
قوله: ((فيراهما جميعًا)). (وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ) في باب عذاب القبر من الجنائر،
وأخرجه أيضًا أبو داود، والنسائي، وعبد بن حميد.

٤٨٩
كِتَابَ الْإِيمَانِ
بَابُ إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ
١٢٧ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((إِنَّ
أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ
فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ ، فَيُقَالُ: هَذَاَ مَقْعَدَُ
حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرُْ
١٢٧ - قوله: (عُرِضَ عَلَيْهِ) بأن تعاد الروح إلى بدنه ليدرك ذلك وتصح
مخاطبته، وهل العرض مرة واحدة بالغداة ومرة أخرى بالعشي فقط، أوكل غداة
وكل عشي؟ والأول موافق لحديث أنس المتقدم، والأحاديث الواردة في سياق
المسألة، والله أعلم. ويكون عرض المقعدين على كل واحد من المؤمن
المخلص والكافر والمؤمن المخلط؛ لأنه يدخل الجنة في الجملة، فيرى مقعده
في الجنة، فيقال له: هذا مقعدك وستصير إليه بعد مجازاتك بالعقوبة على ما
تستحق. (مَقْعَدُهُ) أي: أظهر له مكانه الخاص من الجنة أو النار. (بِالْغَدَاةِ
وَالْعَشِيِّ) أي: طرفي النهار، أو المراد الدوام، قاله القاري. وقيل: أي: وقتهما،
يعني: أول النهار وآخره بالنسبة إلى أهل الدنيا، وإلا فالموتى لا صباح عندهم ولا
مساء. (إِنْ كَانَ) أي: الميت. (فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أي: فالمعروض عليه من مقاعد
أهل الجنة، فحذف المبتدأ والمضاف المجرور، وأقيم المضاف إليه مقامه، أو
فمقعد من مقاعد أهل الجنة يعرض عليه، وهذا أكثر حذفًّا. (فَيُقَالُ) أي: لكل
واحد منهما. (هَذَا) أي: المقعد المعروض عليك. (مَقْعَدَُ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ)
الضمير يرجع إلى المقعد المعروض، أي: المقعد المعروض مقعدك بعد، ولا
تدخله الآن ولا تصل إليه حتى يبعثك الله إليه. وقيل: حتى غاية للعرض، أي:
يعرض عليك إلى البعث، ويحتمل أن يكون الإشارة إلى القبر، والضمير في ((إِلَيْهِ))
يرجع إلى المقعد المعروض. والمعنى: القبر مقعدك إلى أن يبعثك الله إلى المقعد
المعروض، ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله، أي: لقاء الله، أو إلى يوم الحشر،
(١٢٧) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٣٧٩)، ومُسْلِم (٦٥/ ٢٨٦٦) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو فِيهَما.

٤٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أي: هذا الآن مقعدك إلى يوم الحشر فترى عند ذلك هوانًا أو كرامة تنسى عنده هذا
المقعد، وفي عرض المقعد تنعيم للمؤمن وتعذيب للكافر والمنافق، ففيه: إثبات
عذاب القبر، وأن الروح لا تفنى بفناء الجسد؛ لأن العرض لا يقع إلا على حي.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). وأخرجه أيضًا مالك، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو
داود دون قوله: ((فَيُقَالُ)) إلى آخره.
١٢٨ - [٤] عَنْ عَائِشَةَ رَّا: أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ عَذَابَ
الْقَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ وَه
عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَقَالَ: ((نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ)) قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ
رَسُولَ اللَّهِ وَلَّهِ بَعْدُ صَلَّى صَلََّةً إِلَّا تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. [مُثَّفَقْ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
١٢٨ - قوله: (فَقَالَتْ) أي: اليهودية، وهو يحتمل أن يكون تفسيرًا أو
تفريعًا. (أَعَاذَكِ اللَّهُ) أي: حفظك وأجارك. (عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) أي: أحق هو؟ (نَعَمْ
عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ) أي: ثابت ومتحقق وكائن وصدق. فيه: أنه أقرَّ اليهودية على أن
عذاب القبر حق، وهذا مخالف لما في رواية لمسلم: ((إِنَّمَا تُقْتَنُ يَهُودُ)). ولما في
رواية لأحمد بإسناد على شرط البخاري: ((كَذَبَتْ يَهُودُ، لاَ عَذَابَ دُونَ يَوْمِ
الْقِيَامَةِ» .
والجمع بين هذه الروايات: أنه أنكر النبي وَلّل قول اليهودية أولًا، أي: قبل أن
ينزل شيء عليه في عذاب القبر، ثم أُعلم بذلك في آخر الأمر فأقرَّها وأمر الناس
بالتعوذ، كما في رواية أحمد التي أشرنا إليها: ثُمَّ مَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ
يَمْكُثَ، فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمِ نِصْفَ النَّهَارِ وَهُوَ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ: ((أَيُّهَا النَّاسُ
اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابٍ أَلْقَبْرِ، فَإِنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ حَقٌّ)). ويوضح ذلك ما في رواية
لمسلم: ((إِنَّمَا يُفْتَنُ يَهُودُ)). فَلَبِثْنَا لَيَالِىَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ له: ((هَلْ شَعَرْتِ أَنَّهُ
(١٢٨) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ عَائِشَةَ؛ البُخَارِي (١٣٧٢) فِي الجَنَائِزِ، وَمُسْلِم (١٢٥ / ٥٨٦) فِي الصَّلَاةِ.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ
٤٩١
أُوحِىَ إِلََّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ)). قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ يَسْتَعِيذُ
مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ .
وقال الحافظُ: وقد استشكل ذلك أي: ما تقدَّم من أنه أعلم بحكم عذاب القبر،
إذ هو بالمدينة في آخر الأمر بأن الآية المقدمة مكية، وهي قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ وكذا قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦].
والجواب: أن عذاب القبر إنما يؤخذ من الأولى بطريق المفهوم في حقِّ من لم
يتصف بالإيمان، وبالمنطوق في حقِّ الظالمين أي: الكافرين، وكذلك بالمنطوق
في الأخرى في حق آل فرعون، وإن التحق بهم من كان له حكمهم من الكفار،
فالذي أنكره النبي وّ إنما هو وقوع عذاب القبر على الموحدين. ثم أعلم وَّر أن
ذلك قد يقع على من يشاء الله منهم فجزم به، وحذر منه، وبالغ في الاستعاذة منه
تعليمًا لأمته وإرشادًا، فانتفى التعارض، انتهى.
(بَعْدُ) مبني على الضم، أي: بعد سؤالي ذلك. (إلا تعوذ بالله من عذاب القبر)
داخل الصلاة وخارجها. قال القاري: والأول أظهر، ومن ثم أوجب ذلك بعض
العلماء .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الجنائر، ومسلم في الصلاة، وأخرجه أيضًا
أحمد والنسائي.

٤٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٢٩ - [٥] عَنْ زَيْدِ بْن ثَابِتٍ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ◌َه فِي خَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ
عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ، إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ، وَإِذَا أَقْبُرُ سِتَّةٌ أَوْ خَمْسَةٌ،
فَقَالَ: ((مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَقْبُرِ؟)) فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَالَ: (فَمَتَى
مَاتُوا؟)) قَالَ: فِي الشِّرْكِ، فَقَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَىِ فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا
تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ))، ثُمَّ أَقْبَلَ
عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، قَالَ: ((تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ))، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ
عَذَابِ النَّارِ، فَقَالَ: (تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ))، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللّهِ مِنْ
عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَ: (تَعَوَّفُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ))، قَالُوا:
نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَّنَ، قَالَ: ((تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ
الدَّجَّالِ)) قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرْحُ
١٢٩ - قوله: (فِي حَائِطِ) متعلق بخبر محذوف أي: كائن في بستان. (عَلَى
بَغْلَةٍ لَهُ) حال من المستتر في الخبر. (وَنَحْنُ مَعَهُ) حال متداخلة؛ لأنه حال من
الضمير في الحال. (إِذْ حَادَتْ) بالحاء المهملة، أي: مالت ونفرت؛ لأنها سمعت
صوت المعذبين في القبور، فقد ثبت أن البهائم تسمع أصوات المعذبين في القبر،
كما في حديث أبي سعيد عند أحمد: ((يَسْمَعُهُ كُلَّ دَابَّةٍ إِلَّ الثَّقَلَيْنِ))، وفي حديث أم
مبشر عند أحمد أيضًا: ((يَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ))، وفي حديث ابن مسعود عند الطبراني في
((الكبير)): ((إِنَّ الْبَهَائِمَ تَسْمَعُ أَصْوَاتَهُمْ)). (بِهِ) أي: متلبسة به فلابِهِ)) حال و((إِذْ))
بسكون الذال للمفاجأة بعد بينا. (وَإِذَا أَقْبُرٌ) بفتح فسكون فضم، وإذا بالألف
للمفاجأة، والواو للحال، أي: نحن على ذلك مع رسول اللّه وَ له وإذا أقبر، أي:
ظهرت لنا قبور معدودة فاجأناها. (قَالَ) رسول اللَّه وَّل: إذا كنت تعرفهم. (فَمَتَى
مَاتُوا) أي: في الجاهلية أو بعدها، مشركين أو مؤمنين؟ (قَالَ) أي: الرجل. (فِي
الشِّرْكِ) أي: في زمنه، أو صفته. (إِنَّ هَذِهِ الأَمَّةَ) أي: جنس الإنسان، فهذه إشارة
(١٢٩) مُسْلِم (٦٧ / ٢٨٦٧) فِي صِفَةِ الثَّارِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ .

٤٩٣
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ
لما في الذهن، وخبره بيان له، كهذا أخوك. وأصل الأمة: كل جماعة يجمعهم
أمر واحد، إما دين، أو زمان، أو مكان. (تُبْتَلَى) بصيغة المجهول، أي: تمتحن ثم
تنعم أو تعذب. (فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا) بحذف إحدى التائين، أي: تتدافنوا، أي: لو
سمعتم ذلك تركتم التدافن من خوف الفضيحة في القرائب لئلا يطلعَ على
أحوالهم.
وقال ابن حجر: وجه هذا التلازم أن الكشف عن ذلك العذاب يؤدي جهلة
العامة إلى ترك التدافن خوفًا عليهم منه، ويؤدي الخاصة إلى اختلاط عقولهم،
وانخلاع قلوبهم من تصور ذلك الهول العظيم، فلا يقربون جيفة ميت، أي:
لفقدان العقول، وانخلاغ القلوب، وبهذا التفصيل الذي ذكرته يندفع ما قيل:
كيف يليق بمؤمن أن يترك الدفن المأمور به حذرًا من عذاب القبر؟ بل يلزمه أن
يعتقد أن اللَّه إذا أراد تعذيب أحد عذبه ولو في بطن الحيتان وحواصل الطيور،
انتھی .
(أَنْ يُسْمِعَكُمْ) من الإسماع مفعول ثان على تضمين سألته. (مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ)
((من)) تبعيضية أو زائدة. (الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ) أي: الذي أسمعه من القبر. وقيل: أي
مثل الذي أسمعه، مفعول ثان ليسمع. (مِنْ عَذَابِ النَّارِ) قدم عذاب النار في الذكر
مع أن عذاب القبر مقدم في الوجود؛ لكونه أشد وأبقى وأعظم وأقوى. (مِنَ الْفِتَنِ)
جمع فتنة وهي الامتحان، وتستعمل في المكر والبلاء، وهو تعميم بعد تخصيص.
(مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) بدل من الفتن، وهو عبارة عن شمولها؛ لأن الفتنة لا تخلو
منهما، أي: ما جهر وما أسر. وقيل: ما يجري على ظاهر الإنسان وما يكون في
القلب من الشرك، والرياء والحسد، وغير ذلك من مذمومات الخواطر التي تجر
إلى عذاب القبر، أو إلى عذاب النار. (مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ) خص فإنه أكبر الفتن حيث
يجر إلى الكفر المفضي إلى العذاب المخلد. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في صفة النار، وأخرجه
أيضًا أحمد.

٤٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
١٣٠ - [٦] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ
أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَّانِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: الْمُنْكَرُ، وَالْآخَرُ: النَّكِيرُ،
فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَشْهَدُ
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ
هَذَا، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ، ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ يُقَالُ
لَهُ: نَمْ. فَيَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ. فَيَقُولَانِ: ثَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ
الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّ أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ، حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ
مُنَافِقًا قَالَ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَوْلًا فَقُلْتُ مِثْلَهُ، لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ: قَدْ
كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ، فَيُقَالُ لِلْأَرْضِ: الْتَئِمِي عَلَيْهِ فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ، فَتَخْتَلِفُ
أَضْلَاعُهُ، فَلَا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الشَّرُْ
١٣٠ - قوله: (إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ) أي: دفن وهو قيد غالبي، وإلا فالسؤال يشمل
الأموات جميعها. (أَزْرَقَانٍ) أعينهما. زاد الطبراني: ((أَعْيُنُهُمَا مِثْلُ قُدُورِ النُّحَاسِ،
وَأَنْيَابُهُمَا مِثْلُ صَيَاصِي الْبَقَرِ، وَأَصْوَاتُهُمَا مِثْلُ الرَّعْدِ)). ونحوه لعبد الرزاق من
مرسل عمرو بن دينار، وزاد : ((يَحْفُرَانِ بَأَنْيَابِهِمَا، وَيَطَانِ فِي أَشْعَارِ هِمَا، مَعَهُمَا مِرْزَبَّةٌ
لَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُ مِنَّى لَمْ يقلوهَا)). وإنما يبعثهما الله على هذه الصفة لما في هذه
الأوصاف من الهول والوحشة، ويكون خوفهما على الكفار أشد، فيتحيروا في
الجواب، وأما المؤمنون فلهم في ذلك ابتلاء فيثبتهم الله.
(الْمُنْكَرُ) مفعول من أنكر بمعنى نكر إذا لم يعرف أحدًا. (النَّكِيرِ) فعيل بمعنى
مفعول من نكِر بالكسر إذا لم يعرفه أحد، فكلاهما ضد المعروف، سٌمِّيا بهما؛ لأن
(١٣٠) التِّرْمِذِي (١٠٧١) فِي الجَنَائِزِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَهُ.

٤٩٥
كِتَابُ الإيمَان
بَابُ إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ
الميت لم يعرفهما، ولم ير صورة مثل صورتهما. قال بعض الفقهاء: إن اسم
السائلين للمذنب: منكر ونكير، واسم السائلين للمطيع : مبشر وبشير.
(فَيَقُولَانِ قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا) أي: الإقرار بالوحدانية والرسالة،
وعلمهما بذلك إما بإخبار اللَّه إياهما بذلك، أو بمشاهدتهما في جنبيه أثر السعادة،
وشعار نور الإيمان والعبادة، كما يدل عليه رواية ابن حبان: ((فإذا كان مؤمنًا كانت
الصلاة عند رأسه، والزكاة عن يمينه، والصوم عن شماله، وفعل المعروف من قِبَلٍ
رجليه، فيقال له: اجلس فيجلس ... )) الحديث.
(يُفْسَحُ) مجهول مخفف، وقيل: مشدد أي يوسع. (ذِرَاعًا) أي: بذراع الدنيا
المعروف عند المخاطبين. قال الطيبي: أصله: يفسح قبره مقدار سبعين ذراعًا،
فجعل القبر ظرفًا للسبعين وأسند الفعل إلى السبعين مبالغة. (فِي سَبْعِينَ) أي: في
عرض سبعين ذراعًا، يعني: طوله وعرضه كذلك. قيل: المراد به الكثرة، ولذا
ورد في بعض الروايات: ((مَدَّ بَصَرِهِ)) ويمكن أن يختلف باختلاف الأشخاص في
الأعمال.
(ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ) أي: في قبره، وفي رواية ابن حبان: ((وينور له كالقمر ليلة
البدر)). (فَيَقُولُ) أي: الميت. (أَرْجِعُ) أي: أريد الرجوع كذا قيل. والأظهر أن
الاستفهام مقدر. (فَأَخْبِرُهُمْ) أي: بأن حالي طيب ليفرحوا بذلك.
(كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ) بفتح العين، وهوِ يطلق على الذكر والأنثى في أول
اجتماعهما، وقد يقال للذكر العريس. (الَّذِي لَا يُوقِظُهُ) صفة العروس. (إِلَّا أَحَبُّ
أَهْلِهِ إِلَيْهِ) وهو الزوج. قال المظهر: عبارة عن عزته وتعظيمه عند أهله يأتيه غداة
ليلة زفافه من هو أحب وأعطف فيوقظه على الرفق واللطف.
(حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ) ليس هذا من مقول الملكين بل من كلامه وَّه و((حَتَّى)) متعلق
بمحذوف أي: ينام طيب العيش حتى يبعثه الله. وقيل: يحتمل أن يتعلق حتى بـ
((نم)) على سبيل الالتفات من الخطاب إلى الغيبة. (يَقُولُونَ قَوْلًا) هو: أن محمدًا
رسول اللَّه وَ له. (فَقُلْتُ مِثْلَهُ) أي: مثل قولهم. (لَا أَدْرِي) أي: أنه نبي في الحقيقة
أم لا. وهو استئناف، وقيل: في محل النصب على الحال. (فَيُقَالُ لِلْأَرْضِ) أي:
أرض القبر. (الْتَئِمِي) أي: انضمي واجتمعي، يعني: ضيقي عليه، وهو على حقيقة

٤٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*E
الخطاب إلا أنه تخييل لتعذيبه وعصره. (فَتَخْتَلِفُ أَضْلَاعُهُ) بفتح الهمزة جمع ضلع
وهو عظم الجنب، أي: تزول عن الهيئة المستوية التي كانت عليها من شدة التيامها
عليه، وشدة الضغطة، وانعصار أعضائه، وتجاوز جنبيه من كل جنب إلى جنب
آخر. (فَلَا يَزَالُ فِيهَا) أي: في الأرض، أو في تلك الحالة.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: حسن غريب، وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه))،
والطبراني في ((الأوسط)) باختلاف في اللفظ.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ
٤٩٧
*
١٣١ - [٧] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((يَأْتِيهِ
مَلَكَانٍ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا
دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ. فَيَقُولَانِ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟
فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ. فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ
اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ
الثَّابِتِ﴾ الْآيَةُ، قَالَ: فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنَ
الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَاقْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، فَيُفْتَحُ. قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ
رَوْحِهَا وَطِيِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِيهَا مَذَّ بَصَرِهِ. وَأَمَّا الْكَافِرُ - فَذَكَرَ مَوْتَهُ، قَالَ : -
وَيُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانٍ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ:
هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِيٍ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي. فَيَقُولَانِ:
مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي. فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ
السَّمَاءِ: أَنْ كَذَبَ فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى
النَّارِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا، قَالَ: وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ
فِيهِ أَضْلَاعُهُ، ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَصَمُّ مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ، لَوْ ضُرِبَ بِهَا
جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا، فَيَضْرِبُهُ بِهَا ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إِلَّا
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وأَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الثَّقَلَيْنِ، فَيَصِيرُ تُرَابًا، ثُمَّ يُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ)).
الشَّرْخُ
١٣١- قوله: (يَأْتِيَهُ) أي: المؤمن. (مَا هَذَا الرَّجُلُ) أي: ما وصف هذا
الرجل أرسول هو أو ما اعتقادك فيه؟ أو ((مَا)) بمعنى ((مَنْ)). (وَمَا يُدْرِيِك) أي: أي
شيء أعلمك وأخبرك بما تقول من الربوبية والإسلام والرسالة؟ (كِتَابُ اللَّهِ) أي:
القرآن. (فَآمَنْتُ بِهِ) أي: بالقرآن أو بالنبي أنه حق. (وَصَدَّقْتُ) أي: وصدقته بما
قال، أو صدقت بما في القرآن فوجدت فيه آيات دالة على أن ربي ورب
المخلوقات واحد وهو الله، وأن لا دين مرضيًّا عند اللَّه غير الإسلام، وأن محمدًا
(١٣١) أَبُو دَاوُد (٤٧٥٣) فِي السُّنَّةِ بِطُولِهِ، وَالنَّسَائِي (٤/ ٧٨)، وَابن مَاجَهْ (١٥٤٩) فِي الجَنَائِزِ عَنْهُ.

٤٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
رسول الله. (فَذَلِكَ) أي: جريان لسانه بالجواب المذكور هو التثبيت الذي تضمنه
قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٢٧] إلخ. (أَنْ صَدَقَ) ((أَنْ)) مفسرة للنداء؛ لأنه في
معنى القول. (فَأَفْرِشُوهُ) بهمزة القطع أي أبسطوا له فراشًا. (وَأَلْبِسُوهُ) بهمزة القطع
أي أعطوه لباسًا. (مِنَ الْجَنَّةِ) أي: من حُلَلِهَا. (وَاقْتَحُوا لَهُ بَابًا) أي: حقيقة.
(فَيُفْتَحُ). قال الشيخ الألباني: لم أجد هذه اللفظة في ((المسند))، وأبي داود، وإن
كان السياق يدل عليها .
(مِنْ رَوْحِهَا) أي: بعض روحها و((الرَّوحِ)) بالفتح الراحة ونسيم الريح والمراد:
شيء منها، ولم يؤت بهذا التعبير إلا ليفيد أنّه مما لا يقادر قدره، ولا يوصف كنهه.
وقيل: (مِنْ)) زائدة على مذهب الأخفش. (وَيُفْسَحُ لَهُ فِيهَا) أي: في تربته وهي
قبره. (مََّ بَصَرِهِ) المعنى أنه يرفع عنه الحجاب فيرى ما يمكنه أن يراه. قيل: نصب
((مَدَّ)) على الظرف، أي: مداه وهي الغاية التي ينتهي إليها البصر. قال القاري:
والأصوب أن نصبه على المصدر، أي: فسحًا قدر مد بصره.
(فَذَكَرَ مَوْتَهُ) أي: حال موت الكافر وشدته. (هَاهْ هَاهْ) بسكون الهاء فيهما بعد
الألف، كلمة يقولها المتحير الذي لا يقدر من حيرته للخوف أو لعدم الفصاحة أن
يستعمل لسانه في فيه. (لاَ أَدْرِى) هذا كأنه بيان وتفسير لقوله: هاه هاه، فالمعنى:
لا أدري شيئًا ما، أولا أدري ما أجيب به. (مَا هَذَا الرَّجُلُ) يعني: ما تقول في حقه؟
أنبي أم لا؟ (أَنْ كَذَبَ) أي: هذا الكافر في قوله: لا أدري؛ لأن دين الله تعالى ونبوة
محمد الر كان ظاهرًا في مشارق الأرض ومغاربها، بل جحد نبوته بالقول أو
بالاعتقاد بناءً على أن كفره جهل أو عناد، قاله القاري. (مِنْ حَرِّهَا) أي: من حر النار
وهو تأثيرها. (وَسَمُومِهَا) يفتح السين، وهي الريح الحارة. (ثُمَّ يُقَيَّضُ) أي: يسلط
ويوكل. (أَعْمَى) أي: زبانية لا عين له كيلا يرحم عليه، وهو يحتمل أن يكون لا
عين له لأجله، أو كناية عن عدم نظره إليه. (أَصَمُّ) أي: لا يسمع صوت بكائه
واستغاثته فيرق له. (مِرْزَبَّةٌ) بكسر الميم، قال القاري: المسموع في الحديث
تشديد الباء، وأهل اللغة يخففونها، وهي المطرقة الكبيرة التي تكون للحداد.
وقال في ((القاموس)): الإرزبة والمرزبة مشددتان، أو الأولى فقط، عصية من
حديد. (فَيَضْرِبُهُ بِهَا) أي: بالمرزبة. (يَسْمَعُهَا) أي: صوتها وحسها.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْر
٤٩٩
(ثُمَّ يُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ) قال ابن حجر: معلوم استمرار العذاب عليه في قبره فيحتمل
أنها إذا أعيدت تضرب أخرى فيصير ترابًا، ثم يعاد فيه الروح ... وهكذا، ويحتمل
أن تلك الإعادة لا تتكرر، وأن عذابه يكون بغير ذلك، وهو ظاهر الحديث، وقال
ابن الملك: يعني: لا ينقطع عنه العذاب بموته، بل تعاد فيه الروح بعد موته ليزداد
عذابًا. والحديث نص في أن الكافر غير المنافق أيضًا يُسأل في القبر، خلافًا لابن
عبد البر، والسيوطي، ومن وافقهما.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) في السنة، وأخرجه أيضًا النسائي، وابن ماجه مختصرًا،
والبيهقي وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، والحاكم وقال: صحيح على شرط
الشيخين. قال المنذري في ((الترغيب)) ((بعد ذكر الحديث من رواية الإمام أحمد:
هذا حديث حسن، رواته محتج بهم في الصحيح، وهو مشهور بالمنهال بن عمرو
عن زاذان عن البراء، كذا قال أبو موسى الأصبهاني. والمنهال وثقة ابن معين
والعجلي، روى له البخاري حديثًا واحدًا، ولزاذان في كتاب مسلم حديثان.
١٣٢ - [٨] وَعَنْ عُثْمَانَ رَوَهُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرِ بَكَى حَتَّى يَبْلَّ
لِحْيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تُذْكَرُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَا تَبْكِي وَتَبْكِي مِنْ هَذَّا؟! فَقَالَ: إِنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قَالَ: ((إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ، فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا
بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ)) قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ:
(مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطَّ إِلَّ الْقَبْرُ أَفْطَعُ مِنْهُ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ] {حسن}
الشَّرْحُ
١٣٢ - قوله: (عَلَى قَبْرِ) أي: على رأس قبر، أو عنده. (حَتَّى يَبْلَّ) بضم الباء
الموحدة، أي: بكاؤه، يعني: دموعه. (لِحْيَتَهُ) بالنصب على المفعولية، أي:
يجعلها مبلولة من الدموع. (فَلَا تَبْكِي) أي: من خوف النار، واشتياق الجنة.
(وَتَبْكِي مِنْ هَذَا) أي: من القبر، أي: من أجل خوفه، قيل: إنما كان يبكي عثمان
(١٣٢) التِّرْمِذِي (٢٣٠٨)، وَابن مَاجَهْ (٤٢٦٧) فِي الزُّهْدِ عنه.