النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) اعلم أن الغرابة لا تنافي
الصحة، فيجوز اجتماع الغرابة والصحة في حديث واحد من غير إشكال، وكذا لا
شبهة في جواز اجتماع الغرابة والحسن كما أسلفنا، أما اجتماع الحسن والصحة
فقد استشكلوه بأن الحسن قاصر عن الصحيح كما هو ظاهر من تعريفهما عند
الجمهور، ففي الجمع بينهما في حديث واحد نفي ذلك القصور وإثباته.
وأجيب عنه بوجوه منها: أن ذلك راجع إلى الإسناد فإذا روى الحديث
بإسنادين، أحدهما إسناد حسن، والآخر صحيح استقام أن يقال فيه: إنه حديث
حسن صحيح، أي: إنه حسن بالنسبة إلى إسناد، صحيح بالنسبة إلى إسناد آخر،
وفيه: أنه لا يصحُّ في الآحاديث التي يقول فيها: حسن صحيح، مع أنه ليس له إلا
مخرج واحد، وفي كلام الترمذي في مواضع يقول: هذا حديث حسن صحيح لا
نعرفه إلا من هذا الوجه.
ومنها: أن الحسن لا يشترط فيه القصور عن الصحة إلا إذا اقتصر على قوله:
((حَسَنٌ)) فالقصور يأتيه بسبب الاقتصار على ذكره لا من حيث حقيقته وذاته، وبيانه
وتوضيحه أن هاهنا صفات للرواة تقتضي قبول الرواة، ولتلك الصفات درجات
بعضها فوق بعض، كالتيقظ والحفظ والإتقان مثلًا، فوجود الدرجة الدنيا كالصدق
وعدم التهمة بالكذب لا ينافيه وجود ما هو أعلى منه كالحفظ والإتقان، فإذا
وجدت الدرجة العليا لم يناف ذلك وجود الدنيا كالحفظ مع الصدق، فيصح أن
يقال في هذا: إنه حسن باعتبار وجود الصفة الدنيا وهي الصدق مثلاً، صحيح
باعتبار الصفة العليا وهي الحفظ والإتقان، ويلزم على هذا أن يكون كل صحيح
حسنًا، ويؤيده ورود قولهم: هذا حديث حسن، في الأحاديث الصحيحة، وهذا
موجود في كلام المتقدمين .
ومنها: أن المراد بقول الترمذي: ((حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ)) ما شابه الصحة
والحسن، فهو إذن دون الصحيح، وشرح بيانه أن الجمع بين الحسن والصحة في
حديث واحد رتبة متوسطة بين الصحيح والحسن، فالمقبول ثلاث مراتب:
الصحيح أعلاها، والحسن أدناها، والثالثة ما يتشرب من كل منهما، فإن كل ما فيه
شبه من شيئين ولم يتمحض لأحدهما اختص برتبة مفردة، كقولهم للمز وهو ما فيه
٤٦١
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
حلاوة وحموضة: هذا حلو حامض. أي: مز، فعلى هذا يكون ما يقول فيه:
((حَسَنٌ صَحِيحٌ)) أعلى رتبة عنده من الحسن، ويكون حكمه بالصحة المحضة أقوى
من حكمه عليه بالصحة مع الحسن، وفيه: أنه تحكم لا دليل عليه وهو بعيد من
فهمهم معنى كلام الترمذي. وفيه أيضًا: أنه يقتضي إثبات قسم ثالث، ولا قائل به
فهو خرق لإجماعهم. وفيه أيضًا: أنه يلزم عليه أن لا يكون في كلام الترمذي
حديث صحيح إلا قليلًا لقلة اقتصاره على قوله: ((هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ))، مع أن
الذي يعبر فيه بالصحة والحسن أكثره موجود في ((الصحيحين)).
ومنها: أنه يريد الترمذي بقوله: ((حَسَنٌ صَحِيحٌ)) في هذه الصورة الخاصة
الترادف، فيكون إتيانه باللفظ الثاني بعد الأول للتأكيد له كما يقال : حديث صحيح
ثابت أو جيد قوي أو غير ذلك. وفيه: أن الحمل على التأسيس أولى من الحمل
على التأكيد؛ لأن الأصل عدم التأكيد، لكن يندفع ذلك عند وجود القرينة الدالة
على ذلك، وقد وجد في عبارة غير واحد كالدارقطني: ((هذا حديث صحيح
ثابت)) .
ومنها: أنه يجوز أن يريد الترمذي حقيقتهما الاصطلاحية في إسناد واحد لكن
باعتبار حالين وزمانين، فيجوز أن يكون سمع هذا الحديث من رجل مرة في حال
كونه مستورًا أو مشهورًا بالصدق والأمانة، ثم ارتقى وارتفع حاله إلى درجة
العدالة فسمعه منه مرة أخرى فأخبر بالوصفين، وقد روي عن غير واحد أنه سمع
الحديث الواحد على شيخ واحد غير مرة.
ومنها: أنه يحتمل أن يكون الترمذي أدى اجتهاده إلى حسنه وأدى اجتهاد غيره
إلی صحته أو بالعكس، فهو باعتبار مذهبين.
ومنها: أن المراد حسن لذاته صحيح لغيره، يعني أنه في أعلى درجات الحسن
وأدنى درجات الصحة.
ومنها: أنه باعتبار صدق الوصفين على الحديث بالنسبة إلى أحوال رواته عند أئمة
الحديث، فإذا كان فيهم من يكون حديثه صحيحًا عند قوم وحسنًا عند قوم آخرين
يقال فيه ذلك، وفيه أنه لو أراد ذلك لأتى بالواو التي للجمع فيقول: حسن
وصحیح.
٤٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وفيه أيضًا: أن الترمذي إنما يحكم على الحديث بالنسبة إلى ما عنده لا بالنسبة
إلى غيره. وفيه أيضًا: أنه يتوقف على اعتبار الأحاديث التي جمع الترمذي فيها بين
الوصفين، فإن كان في بعضها ما لا اختلاف فيه عند جميعهم في صحته قدح في
الجواب.
ومنها: أن الحديث الذي يقول فيه الترمذي: ((حَسَنٌ صَحِيحٌ)) إن وقع التفرد
والغرابة في سنده فهو محمول على التردد الحاصل من المجتهد في الرواة هل
اجتمعت فيهم صفة الصحة أو الحسن؟ فتردد أئمة الحديث في حال ناقله اقتضى
للمجتهد أن يتردد ولا يصفه بأحد الوصفين جزمًا، فيقال فيه: ((حسن)) باعتبار وصفه
عند قوم ((صحيح)) باعتبار وصفه عند قوم، غاية ما فيه أنه حذف فيه حرف التردد،
وكان حقه أن يقول: ((حسن أو صحيح)) وهذا كما يحذف حرف العطف من
التعداد، وعلى هذا فما قيل فيه: حسن صحيح دون ما قيل فيه: صحيح؛ لأن الجزم
أقوى من التردد.
ومنها: أنه يجوز أن يكون مراده أن ذلك باعتبار وصفين مختلفين وهما الإسناد
والحكم، فيجوز أن يكون قوله: حسن، أي: باعتبار إسناده، صحيح، أي: باعتبار
حكمه؛ لأنه من قبيل المقبول، وكل مقبول يجوز أن يطلق عليه اسم الصحة، وهذا
يمشي على قول من لا يفرد الحسن من الصحيح، بل يسمي الكل صحيحا، لكن
يرد عليه أن الترمذي أكثر من الحكم بذلك على الأحاديث الصحيحة الإسناد.
ومنها: أنه أراد حسن على طريقة من يفرق بين النوعين لقصور رتبة راوية عن
درجة الصحة المصطلحة، صحيح على طريقة من لا يفرق، ويرد عليه ما أوردناه
سابقًا .
ومنها: أنه أراد بالحسن معناه اللغوي، وهو ما تميل إليه النفس وتستحسنه ولا
يأباه القلب، دون المعنى الاصطلاحي الذي نحن بصدده. وفيه: أن حمل الألفاظ
الاصطلاحية على معانيها المصطلحة واجب، ولا يجوز ترك الاصطلاح من
غير موجب. وفيه أيضًا: أنه يلزم أن يطلق لفظ الحسن على الحديث الضعيف، ولم
يقل به أحد إلى الآن.
٤٦٣
كِتَابُ الْإِيمَانِ
Meax:
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
ومنها: أن المراد حسن باعتبار إسناده، صحيح أي: أنه أصح شيء ورد في
الباب، فإنه يقال: أصح ما ورد كذا، وإن كان حسنًا أو ضعيفًا، فالمراد أرجحه أو
أقله ضعفًا. هذا تلخيص ما في ((قوت المغتذي حاشية جامع الترمذي)) في هذا
المبحث .
١١٧ - [٣٩] وَعَنْ عَلِّ رَوْنَهُ قَالَ: سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّنَّهِ عَنْ وَلَدَيْنِ
مَاتَا لَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((هُمَا فِي النَّارِ))، قَالَ: فَلَمَّا رَأَى
الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِهَا، قَالَ: ((لَوْ رَأَيْتِ مَكَانَهُمَا لَأَبْغَضْتِهِمَا))، قَالَتْ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، فَوَلَدِي مِنْكَ، قَالَ: ((فِي الْجَنَّةِ)): ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ
وَأَوْلَادَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي النَّارِ))، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ
وَّ: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّبَّعَنْهُمْ ذُرِّيَّنُهُم بِإِيمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِيَّنَهُمْ﴾ [الطور: ٢١].
[رَوَاهُ أَحْمَدُ]
الشَّرْحُ
١١٧ - قوله: (سَأَلَتْ خَدِيجَةٌ) هي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد
ابن عبد العزى بن قصي القرشية، كانت تحت أبي هالة بن زرارة، ثم تزوجها عتيق
ابن عائذ، ثم تزوجها النبي ◌ّه ولها يومئذٍ من العمر أربعون سنة، وللنبي ◌َّه
خمس وعشرون سنة، ولم ينكح النبي ◌َّ قبلها امرأة ولا نكح عليها حتى ماتت،
وهي أول من آمن من كافة الناس من ذَكَرِهِمْ وأنثاهم، وقيل: هي أول من آمن من
النساء. وكانت تُدعى قبل البعثة: الطاهرة، وجميع أولاده منها غير إبراهيم، فإنه
من مارية القبطية، وماتت بمكة قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل: بأربع سنين
وقيل: بثلاث، وكان قد مضى من النبوة عشر سنين، وكان لها من العمر خمس
وستون سنة، وكانت مدة مقامها مع رسول اللّه وَ ل خمسًا وعشرين سنة، ودفنت
بالحجون، ومناقبها جمة، وفضائلها كثيرة جدًّا، بسط ترجمتها ابن عبد البر في
((الاستيعاب))، والحافظ في ((الإصابة)).
(١١٧) أَحْمَد (١/ ١٣٤ - ١٣٥) عن عليٍّ رَوَّهُ.
٤٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(عَنْ وَلَدَيْنٍ) أي: عن شأنهما وأنهما في الجنة أو النار؟ (فَلَمَّا رَأَى) النبيِِّله
(الْكَرَاهَةَ) أي: أثرها من الكآبة والحزن. (قَالَ) أي: تسلية لها. (لَوْ رَأَيْتِ
مَكَانَهُمَا) وهو جهنم. (لَأَبْغَضْتِهِمَا) أي: لو أبصرت منزلتهما في الحقارة والبعد
من رحمة الله وعلمت بغض الله إياهما لأبغضتهما وتبرأت منهما تبرأ إبراهيم عن
أبيه. (فَوَلَدِي مِنْكَ) المراد بأولادها منه وَّر: القاسم وعبد الله، وقيل: الطيب
والطاهر أيضًا، وقيل: هما لقبان لعبد الله، وهو قول الأكثر.
(إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي الْجَنَّةِ) هذا لا خلاف فيه يعتد به. (وَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ
وَأَوْلَادَهُمْ فِي النَّارِ) ثم قرأ رسول اللّه ◌َ لَه ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَّعَنْهُمْ ذُرِيَُّهُمْ بِإِمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ
ذُرِّيََّهُمْ وَمَآ أَلَنْتَهُمْ مِنْ عَمَلِهِم مِّنْ شَىْءٍ﴾ [الطور: ٢١]. قوله: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ مرفوع على
أنه مبتدأ والخبر الجملة من قوله: ﴿اَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾ والذي بينهما اعتراض.
قال البغوي: اختلفوا في تفسير الآية، فقال قوم: معناها والذين آمنوا واتبعتهم
ذريتهم بإيمان يعني: أولادهم الصغار والكبار، فالكبار بإيمانهم بأنفسهم أي:
بأيمانهم الاستقلالي، والصغار بإيمان آباءهم، أي: بإيمانهم التبعي، فإن الولد
الصغير يحكم بإسلامه تبعًا لأحد الأبوين، ﴿اَلْحَقْنَا ◌ِهِمْ ذُرِيََّهُمْ﴾ المؤمنين في الجنة
بدرجاتهم وإن لم يبلغو بأعمالهم درجات آباءهم تكرمة؛ لآبائهم لتقر بذلك
أعينهم، وهي رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس ظًّا. وقال آخرون: معناها
﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَبَّعَنْهُمْ ذُرِيَُّهُم﴾ البالغون ﴿يِمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيََّهُمْ﴾ الصغار الذين لم
يبلغوا الإيمان بإيمان آبائهم، وهو رواية العوفى عن ابن عباس رضيًّا: أخبر اللَّه وَك
أنه يجمع لعبده المؤمن ذريته في الجنة، كما كان يحب في الدنيا أن يجتمعوا إليه،
يدخلهم الجنة بفضله، ويلحقهم بدرجته بعمل أبيه من غير أن ينقص الآباء من
أعمالهم شيئًا، فذلك قوله: ﴿وَمَآ أَلَنْتَهُمْ﴾ أي: ما نقصناهم يعني: الآباء ﴿مِّنْ
عَمَلِهِم مِّنْ شَىْءٍ﴾، انتهى.
ولا ريب أن هذا الإلحاق لكرامة آبائهم، ومزيد سرورهم، وتكميل نعيمهم
وغبطتهم في الجنة، وإلا فينغص عليهم كل نعيم، وهذا المعنى مفقود في الكفار.
قال القارى: وظاهر الآية أن الذين آمنوا أعم من الآباء والأمهات، ولعل أولاد
خديجة في النار؛ لأنها حال موتهم لم تكن مؤمنة، فلا ينافي قول العلماء: الولد
الصغير يحكم بإسلامه تبعًا لأحد الأبوين، انتهى.
٤٦٥
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
قلت: حديث عَلِيٍّ هذا بظاهره يدل على أن أولاد المشركين في النار، خلافًا
لمن قال: إنهم من أهل الجنة، ولمن قال بالتوقف فيهم، بمعنى: عدم العلم أو
عدم الحكم فيهم بشيء، وقد تقدم أن الراجح فيهم قول من ذهب إلى أنهم في
الجنة، وأجيب عن هذا الحديث: بأن المراد بأولاد المشركين فيه أولادهم الكبار
وكذا أولاد خديجة، والنزاع إنما هو في الصغار دون الكبار، والظاهر أن يقال: إن
حديث عليٍّ هذا لا يقاوم الأحاديث الدالة على كونهم من أهل الجنة، وهى حديث
سمرة بن جندب في الرؤيا عند البخاري، وحديث خنساء بنت معاوية الصريمية عن
عمتها عند أحمد، وحديث أنس عند أبي يعلى، فتقدم هذه الأحاديث على حديث
علي، والله أعلم.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) عزوه لأحمد خطأ، وإنما رواه ابنه عبد اللَّه في زيادات مسند أبيه
(ج١: ص١٣٤). وإليه عزاه الهيثمى في ((مجمع الزوائد)) (ج ٧: ص ٢١٧) وقال:
وفيه محمد بن عثمان ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال الذهبي في
((الميزان)) (ج٣: ص١٠١) في ابن عثمان: لا يدرى من هو؟ فتشت عنه في أماكن،
وله خبر منكر فذكر هذا الحديث. وقال الحافظ في ((اللسان)) (ج٥: ص٢٧٩) بعد
ذكر كلام الذهبي وسياق الحديث: قلتُ: والذي يظهر لي أنه هو الواسطى
المتقدم، هذا. وقال في (ج٥: ص٢٧٨) بعد ذكر كلام الذهبي: محمد بن عثمان
الواسطي، عن ثابت البناني، قال الأزدي: ضعيف، وذكره ابن حبان في ((الثقات))
فقال: روي عنه أبو عوانة، انتهى. وفيه: أن الراوي عنه هاهنا هو محمد بن فضيل
لا أبو عوانة، والمروى عنه زاذان لا ثابت البناني، فالظاهر أنه غير الواسطى، والله
أعلم. وذكر الحافظ في ((التعجيل)) (ج٥: ص٣٧٢) في ترجمة محمد بن عثمان
عن زاذان كلام الذهبي السابق ثم قال: قال شيخنا الهيثمي: ذكره ابن حبان في
((الثقات)) وأغفله الحسينى، قلت: وذكره الأزدى في ((الضعفاء))، انتهى.
والحديث رواه الطبراني وأبو يعلى عن خديجة كما في ((مجمع الزوائد)) (ج ):
ص٢١٧، ٢١٨) وسنده منقطع.
٤٦٦
BIMOF*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
538
١١٨ - [٤٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ
آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَسَقَطَ عَنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ، وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُورٍ ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَىَ
آدَمَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: ذُرِّيَّتُكَ. فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ
وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: أَمْ رَبِّ مَنْ، هَذَا؟ فَقَالَ: دَاوُدُ. فَقَالَ: أَيْ رَبِّ،
كَمْ جَعَلْتَ عُمْرَهُ؟ قَالَ: سِتِّيْنَ سَنَةً. قَالَ: رَبِّ زِدْهُ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ
رَسُولُ اللهِ نَّهِ: «فَلَمَّا انْقَضَى عُمْرُ آدَمَ إلا أَرْبَعِينَ، جَاءَهُ مَلَُّكَ الْمَوْتِ، فَقَالَ
آدَمُ: أَوَلَمْ يَبْقَ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعُونَ سَنَّةً؟ قَالَ: أَوَلَمْ تُعْطِهَا ابْنَكَ دَاوُدَ)). قَالَ:
((فَجَحَدَ آدَمُ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَنَسِيَ آدَمُ فَأَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَنَسِيَتْ ذُرِّيَتُهُ،
وَخَطَأَ آدَمُ وَخَطَأَتْ ذُرِّيَّتُهُ)).
[رَوَاهُ النِّرْمِذِيُّ] {حسن}
الشّرْحُ
١١٨ - قوله: (فَسَقَطَ) أي: خرج. (كُلَّ نَسَمَةٍ) بفتح النون والسين المهملة
أي: ذي روح، وقيل: كل ذى نفس، مأخوذة من النسيم. (هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ)
الجملة صفة (نَسَمَةٍ)، ذكرها ليتعلق بها قوله: ((إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)) و ((مِنْ)) بيانية، وفيه
دليل على أن إخراج الذرية كان حقيقيًّا. (وَبِيصًا) أي:َ بَرِيقًا ولمعانًا. (مِنْ نُورٍ) في
ذكره إشارة إلى الفطرة السليمة، وفي قوله: ((بَيْنَ عَيْنَيْ كُلَّ إِنْسَانٍ)) إيذان بأن الذرية
كانت على صورة الإنسان على مقدار الذر.
(قَالَ: ذُرِّيَّتُك) أي: هم ذريتك. (فَأَعْجَبَهُ) أي: سَرَّهُ. (قَالَ: دَاوُدُ) قيل:
تخصيص التعجب من وبيص داود إظهار لكرامته ومدح له، فلا يلزم تفضيله على
سائر الأنبياء؛ لأن المفضول قد يكون له مزية بل مزايا ليست في الفاضل، ولعل
وجه الملائمة بينهم اشتراك نسبة الخلافة. (كَمْ جَعَلْتَ عُمْرَهُ؟) كم مفعول لما
بعده، وقدم لما له الصدر أي كم سنة جعلت عمره؟ (زِدْهُ مِنْ عُمْرِي) أي: من جملة
الألف، و((مِنْ عُمْرِي)) صفة ((أَرْبَعِينَ)) وقدمت فعادت حالًا وقوله: (أَرْبَعِينَ سَنَةً)
(١١٨) التِّرْ مِذِي (٣٠٧٦) عن أبي هُريرة في القدرِ.
٤٦٧
كِتَابَ الْإِيمَانِ
BEES
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
مفعول ثان لقوله: ((زِدْهُ) كقوله تعالى: ﴿رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾. (إِلَّا أَرْبَعِينَ)، أي:
سنة. (أَوَلَمْ يَبْقَ مِنْ عُمْرِي؟) بهمزة الاستفهام الإنكاري المنصب على نفي البقاء
فيقيد إثباته، وقدمت على الواو لصدارتها، والواو استئنافية لمجرد الربط بين ما
قبلها وما بعدها. (أَوَلَمْ تُعْطِهَا) أي: أتقول ذلك ولم تعطها، أي: الأربعين.
(فَجَحَدَ آدَمُ) أي: ذلك؛ لأنه كان في عالم الذر، فلم يستحضره حالة مجيء
ملك الموت له، قاله ابن حجر. وقيل: جحد بحكم الجبلة التي فطر عليها الإنسان
من الحرص على المال والعمر في زمان الشيب وكبر السن. (فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ)؛
لأن الولد سر لأبيه.
(وَنَسِيَ آدَمُ) إشارة إلى أن الجحد كان نسيانًا أيضًا؛ إذ لا يجوز جحده عنادًا.
(فَأَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ) وفي رواية الترمذي ((وَنَسِيَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ))
أي: بدون قوله: ((فَأَكَّلَ مِنَ الشَّجَرَةِ». (وَخَطِأَ آدَمُ) قال القاري: بفتح الطاء أي: في
اجتهاده من جهة التعيين والتخصيص، والظاهر: أنه بكسر الطاء من باب سَمِعَ أي :
أذنب وعصى؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَصَىّ ءَادَمُ رَبَّهُ﴾ [مريم: ١٢١] وفي الحديث: إشارة
إلى أن ابن آدم مجبول من أصل خلقته على الجحد والنسيان والخطأ إلا من عصمه
الله.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في تفسير سورة الأعراف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ
مِنْ بَنِيّ ءَدَمَ مِن ظُهُورِهِْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢] وقال: حديث حسن صحيح.
وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة، عن النبي وَّر، وأخرجه أيضًا الحاكم في
مستدركه (ج٢: ص ٥٨٥، ٥٨٦) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
وابن أبي حاتم في تفسيره. هذا، وقد أخرج الترمذي حديث أبي هريرة هذا في
آخر كتاب التفسير من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبرى، وقد ذكره المصنف في
الفصل الثالث من باب السلام، وبين الروايتين مخالفة ظاهرة ويأتي هناك وجه
الجمع بينهما إن شاء الله تعالى.
٤٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١١٩ - [٤١] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِّ وَلَ قَالَ: ((خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ
حِينَ خَلَقَهُ، فَضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُمْنَى، فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً بَيْضَاءَ كَأَنَّهُمُ الذَّرُّ، وَضَرَبَ
كَتِفَهُ الْيُسْرَى، فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً سَوْدَاءَ كَأَنَّهُمُ الْحُمَمُ، فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَمِينِهِ: إِلَى
الْجَنَّةِ وَلَا أَبَالِي، وَقَالَ لِلَّذِي فِي كَتِهِ الْيُسْرَى: إِلَى النَّارِ وَلَا أَبَالِي)».
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١١٩ - قوله: (حِينِ خَلَقَهُ) قال الطيبي: ظرف لقوله: (فَضَرَبَ) ولا يمنع الفاء
من العمل؛ لأنه ظرف على أن الفاء السبية أيضًا غير مانعة لعمل ما بعدها فيِ ما
قبلها. وقال السيد جمال الدين: ويحتمل أن يكون ظرفًا لقوله: ((خَلَقَ اللَّهُ))
والمقصود الإشارة إلى عدم العلم بزمان خلقه، انتهى. (ذُرِّيَّةً بَيْضَاءَ) أي:
نورانية. (كَأَنَّهُمُ الذَّرُّ) بفتح الذال المعجمة، وهي صغار النمل، والتشبيه في
الهيئة، وقيل: أي الأبيض بدليلٍ مقابلة الآتي. (كَأَنَّهُمُ الْحُمَمُ) بضم الحاء جمع
حممة، وهي الفحم. (فَقَالَ لِلْذِي فِي يَمِينِهِ) أي: في جهة يمين آدم من ذرية
المؤمنين بعد إخراجهم من كتفه اليمنى، وقال ابن حجر: أي: الذي في كتفه
اليمنى بدليل: ((فِي كَتِفِهِ الْيُسْرَى)) الآتي، فيكون باعتبار ما كان، انتهى. والمعنى:
يعني قال تعالى لآدم لأجل الذي في يمينه وٍعن قبلهم وفي حقهم. و((الَّذِي)) صفة
الفريق، نحو قوله تعالى: ﴿كَلَّذِى خَاضُواْ﴾ [التوبة: ٦٩]. (إِلَى الْجَنَّةِ) خبر مبتدأ
محذوف أي: هؤلاء أصيرهم أو أوصلهم إلى الجنة. (وَلَا أَبَالِي) حال من الضمير
المستكن في الخبر، أي: والحال أني لا أبالي بأحد، كيف وأنا الفعال لما يريد،
والخلق كلهم لي عبيد، فتصرفت فيهم كيف شئت.
(وَقَالَ لِلَّذِي فِي كَتِهِ الْيُسْرَى) كذا في أكثر النسخ، وهذا باعتبار ما كان، وفي
أصل السيد جمال الدين: ((كَفَّهِ الْيُسْرَى)) أي: بفتح الكاف وتشديد الفاء، وكذا
(١١٩) قال التبريزي: رَوَاهُ أحمد. قلتُ: في («المسند» (١٨٥/٦)، وكذا ابنه في ((الزوائدِ))، وإسنادُهُ
صحیحٌ.
كِتَابُ الْإِيمَانِ
Ser **: * 8er><P><sar **
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
٤٦٩
وقع في ((مسند أحمد)) (ج٦: ص ٤٤١) والظاهر أن ضمير (يَمِينِهِ)) و((كَفَّهُ)) إلى آدم،
والمراد جهتاه، ونسخة ((كَتِفِهُ)) صريحة في هذا المعنى، والحديث دليل على سبق
القضاء على وفق علمه الأزلي، فإن القضاء نتيجة علمه تعالى.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٦: ص ٤٤١). وأخرجه أيضًا البزار والطبراني، قال الهيثمي
(ج٧: ص ١٨٥): ورجاله رجال الصحيح. قال الشيخ الألباني بعد ذكره: إن عني
رجالًا غير رجال أحمد فقد يكونون كما ذكر، وإلا فرجاله ليسوا رجال الصحيح بل
هم ثقات فقط، انتهى، فتأمل.
١٢٠ - [٤٢] وَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ بَهِ يُقَالُ
لَهُ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، دَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ وَهُوَ يَبْكِي، فَقَالُوا لَهُ: مَا
يُبْكِيَكَ؟ أَلَمْ يَقُلْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((خُذْ مِنْ شَارِبِكَ، ثُمَّ أَقِرَّهُ حَتَّى
تَلْقَانِي؟)) قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَ لّه يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ رَتْ قَبَضَ
بِيَمِينِهِ قَبْضَةً، وَأُخْرَى بِالْيَدِ الْأُخْرَى، وَقَالَ: هَذِهِ لِهَذِهِ، وَهَذِهِ لِهَذِهِ، وَلَا
أَبَالِي))، وَلَا أَدْرِي فِي أَِّ الْقَبْضَتَيْنِ أَنَّا.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٢٠ - قوله: (وَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ) بنون ومعجمة ساكنة، اسمه المنذر بن مالك
ابن قطعة العبدي العوقي البصري، مشهور بكنيته، ثقة من أوساط التابعين، مات
سنة (١٠٨) أو (١٠٩).
(أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) جهالة الصحابي لا تضر
في الخبرِ حيث كلهم عدول، قال النووي في ((التقريب)): الصحابة كلهم عدول من
لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتد به، انتهى. وارجع إلى التدريب (٢٠٤)
والمراد بالعدالة في قولهم: ((الصحابة كلهم عدول)) هو التجنب عن تعمد الكذب
في الرواية وانحراف فيها بارتكاب ما يوجب عدم قبولها، كما صرح بذلك الشاه
(١٢٠) أَحْمَد (٥/ ٦٨) من روايةٍ أبي نضرة.
٤٧٠
erge
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عبد العزيز الدهلوي في بعض إفاداته. قال السخاوي في ((فتح المغيث)): قال ابن
الأنباري: ليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم واستحالة المعصية منهم، وإنما
المراد قبول رواياتهم من غير تكلف البحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية، إلا
أن يثبت ارتكاب قادح، ولم يثبت ذلك، انتهى. وارجع إلى ((ظفر الأماني في
مختصر الجرجاني)) (ص ٣١١، ٣١٣).
(يَعُودُونَهُ) من العيادة. (وَهُوَ يَبْكِي) جملة حالية. (أَلَمْ يَقُلْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َّ:
خُذْ مِنْ شَارِبِك) أي: بعضه يعني: قصه. (ثُمَّ أَقِرَّهُ) بفتح الهمزة وكسر القاف
وتشديد الراء، أي: دُمْ عليه. (حَتَّى تَلْقَانِي) أي: على الحوض أو غيره، قال
القاري: و((حَتَّى)) تحتمل الغاية والعلة. قال الطيبي: الهمزة للإنكار، دخلت على
النفي فأفادت التقرير والتعجب، أي: كيف تبكي، وقد تقرر أن رسول اللَّه وَئية.
وعدك بأنك تلقاه لا محالة؟ ومن لقيه راضيًا عنه مثلك لا خوف عليه. (قَالَ: بَلَى)
أي: أخبرني بذلك. (قَبَضَ) أي: بعض الذرية. (بِيَمِينِهِ قَبْضَةً) أي: واحدة.
(وَأُخْرَى) أي: وقبض قبضة أخرى لبعض الذرية. (بِالْيَدِ الأَخْرَى) لم يقل: بيساره
أدبًا، ولذا ورد في حديث آخر: ((وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ)). (وَقَالَ هَذِهِ) أي: القبضة التي
قبضها باليمين يعني: من فيها أو هذه المقبوضة. (لِهَذِهِ) أي: للجنة. (وَهَذِهِ لِهَذِهِ)
أي: للنار. (وَلَا أَبَالِي) أي: في الحالتين. (وَلَا أَدْرِي فِي أَيِّ الْقَبْضَتَيْنِ أَنَا) حاصل
الجواب: أني أخاف من عدم الاحتفال والاكتراث في قوله: ((وَلَا أَبَالِي))، كذا قاله
الطيبي. يعني: غلب عليَّ الخوف بالنظر إلى عظمته وجلاله بحيث منعني من النظر
والتأمل في رحمته وجماله، فإنه تعالى لذاته وعدم مبالاته له أن يفعل ما يريد، ولا
يجب عليه شيء للعبيد، وأيضًا لغلبة الخوف قد ينسى البشارة والرجاء بها، مع أن
البشارة مقيدة بالثبات والدوام والإقامة على طريق السنة والاستقامة، وهو أمر
دقيق وبالخوف حقيق .
قال الطيبي: وفي الحديث إشارة إلى أن قص الشارب من السنن المؤكدة،
والمداومة عليه موصلة إلى قرب دار النعيم في جوار سيد المرسلين، فيعلم أن من
ترك سنة، أيَّ سنةٍ، فقد حرم خيرًا كثيرًا، فكيف المواظبة على ترك سائرها؟
٤٧١
كِتَابُ الإيمَان
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٤: ص١٧٦، ١٧٧) و(ج ٥: ص٦٨) قال الهيثمي في ((مجمع
الزوائد» (ج٧: ص ١٨٦): رجاله رجال الصحيح. وفي معني الحديث عن عبد
الرحمن بن قتادة السلمى عند أحمد والحاكم، وعن أنس عند أبي يعلى، وعن أبي
موسى وأبي سعيد وابن عمر ومعاذ بن جبل وآخرين، ذكر أحاديثهم الهيثمي في
((مجمع الزوائد)) مع الكلام عليها .
١٢١ - [٤٣] وعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ رِّ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((أَخَذَ اللَّهُ
الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ - يَعْنِيَّ: عَرَفَةَ - فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ
ذَرَأَهَا، فَتَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قُبُلَا قَال: ﴿أَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَّىْ
شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ ﴿٣) أَوْ نَقُولُواْ إِنَّآ أَشْرَكَ
ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّنْ بَعْدِهِمْ أَفَهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ اُلْمُبْطِلُونَ
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٢١ - قوله: (أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ) يعني: العهد أي أراد أخذه بدليل قوله:
((فَأَخْرَجَ)). (بِنَعْمَانَ) كسلمان، موضع بقرب عرفة بين مكة والطائف، قال الراوي:
(يَعْنِي: عَرَفَةَ) أي: بقرب عرفة وبجوارها. (ذَرَأَهَا) أي: خلقها إلى يوم القيامة.
(فَثَرَهُمْ) أي: بثهم وفرقهم ونشرهم. (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي: قدام آدم. (كَالذَّرِّ) أي:
مشبهين بالنمل في صغر الصورة. (ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قُبُلًا) بضمتين وهو حال، أي: كلمهم
عيانًا ومقابلة لا من وراء حجاب ولا أن يأمر أحدًا من ملائكته. (قَالَ) استئناف
بيان، وقيل: بدل من ((كَلَّمَهُمْ)). (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى) أنت ربنا،
والصحيح: أن جوابهم بقول ((بَلَى)) كان بالنطق وهم أحياء، عقلاء. (شَهِدْنَا) هذا
من تتمة المقول، أي: شهدنا على أنفسنا بذلك وأقررنا بوحدانيتك. (أَنْ تَقُولُوا)
أي: فعلنا ذلك كراهة أن تقولوا: أي احتجاجًا أو لئلا تقولوا: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظرف
((أَنْ تَقُولُوا)). (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا) أي: الميثاق أو الإقرار بالربوبية. (غَافِلِينَ) أي:
(١٢١) رَوَاهُ أَحْمَد (١ / ٢٧٢) عن ابن عباس ر
٤٧٢
Ei
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
جاهلين لا نعرفه ولا نبهنا عليه. (إِنَّمَا أَشْرََكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل ظهورنا
ووجودنا أو من قبل إشراكنا. (وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ) أي: فاقتدينا بهم، فاللوم
عليهم لا علينا. (أَفَتُهْلِكُنَا) أي: أتعلم ذلك فتعذبنا. (بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) من آبائنا
بتأسيس الشرك. والمعنى: لا يمكنهم الاحتجاج بذلك مع إشهادهم على أنفسهم
بالتوحيد والتذكير به على لسان صاحب المعجزة قائم مقام ذكره في النفوس.
هذا، وقد تقدم في شرح حديث عمر في الفصل الثاني أن المعتزلة قالوا: لا
يجوز تفسير هذه الآية بحديث عمر، وفي معناه حديث ابن عباس هذا، قال
التُّورْبَشْتِي: لا يحتمل حديث ابن عباس من التأويل ما يحتمله حديث عمر، ولا
أرى المعتزلة يقابلون هذه الحجة إلا بقولهم: حديث ابن عباس هذا من الآحاد،
فلا نترك به ظاهر الكتاب، وإنما هربوا من القول في معنى الآية بما يقتضيه ظاهر
الحديث، لمكان قوله: ((أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين)) فقالوا: إن
كان هذا الإقرار عن اضطرار حيث كوشفوا بحقيقة الأمر وشاهدوه عين اليقين،
فلهم يوم القيامة أن يقولوا: شهدنا يومئذٍ، فلما زال عنا علمنا بالضرورة ووكلنا إلى
آرائنا كان منا من أصاب ومنا من أخطأ، وإن كان عن استدلال ولكنهم عصموا
عنده من الخطأ فلهم أن يقولوا: أيدنا يوم الإقرار بالتوفيق والعصمة، وحر مناهما
من بعد، ولو مددنا بهما لكانت شهادتنا في كل حين كشهادتنا في اليوم الأول. فقد
تبين أن الميثاق ما ركز الله فيهم من العقول وآتاهم وأباءهم من البصائر؛ لأنها هي
الحجة الباقية المانعة لهم أن يقولوا: إنا كنا عن هذا غافلين. ؛ لأن الله تعالى جعل
هذا الإقرار حجة عليهم في الإشراك كما جعل بعث الرسل حجة عليهم في الإيمان
بما أخبروا به من الغيوب.
قال الطيبي: وخلاصة ما قالوه: أنه يلزم أن يكونوا محتجين يوم القيامة بأنه زال
عنا علم الضرورة ووكلنا إلى آرائنا، فيقال لهم: كذبتم بل أرسلنا رسلنا تترى
يوقظونكم من سنة الغفلة. وأما قولهم: حرمنا من التوفيق والعصمة من بعد ذلك،
فجوابه: أن هذا مشترك الإلزام إذ لهم أن يقولوا: لا منفعة لنا في العقول والبصائر
حيث حرمنا عن التوفيق والعصمة، والحق أن تحمل الأحاديث الواردة على
ظواهرها، ولا يقدم على الطعن فيها بأنها آحاد لمخالفتها لمعتقد أحد، ومن أقدم
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
٤٧٣
على هذا فقد خالف طريقة السلف الصالحين؛ لأنهم كانوا يثبتون خبر واحد عن
واحد عن النبي وَله ويجعلونه سنة، انتهى.
وقال القطب الشيرازي ما حاصله: أن اللَّه وَلَ كان له ميثاقان مع بني آدم،
أحدهما: تهتدي إليه العقول من نصب الأدلة الباعثة على الاعتراف الحالي.
وثانيهما: المقالى الذي لا يهتدي إليه العقل بل يتوقف على توقيف واقف على
أحوال العباد من الأزل إلى الأبد كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فأراد النبي وَال
أن يعلم الأمة ويخبرهم عن أن وراء الميثاق الذي يهتدون إليه بعقولهم ميثاقًا آخر
أزليًّا، فقال ما قال من مسح ظهر آدم الثّفي الأزل وإخراج الذرية من ظهره ليعرف
منه أن هذا النسل الذي يخرج فيما لا يزال من أصلاب بني آدم الذر الذي أخرج في
الأزل من صلب آدم، وأخذ منه الميثاق المقالي الأزلي، كما أخذ منهم ما لا يزال
بالتدريج حين أخرجوا الميثاق الحالي اللايزالي، انتهى.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج١: ص٢٧٢). وقال الهيثمي (ج ٧: ص١٨٩): رجاله رجال
الصحيح. وأخرجه أيضًا النسائي في كتاب التفسير من ((سننه الكبرى))، وابن
جرير، والحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، انتهى. وقد روي هذا
الحديث موقوفًا على ابن عباس، قال ابن كثير: وهذا أي كونه موقوفًا على ابن
عباس أكثر وأثبت، انتهى. لكنه في حكم المرفوع؛ لأنه لا مسرح للاجتهاد فيه ولا
مجال، فإنه لا سبيل إليه إلا السماع عن النبي ◌ُّله، ويؤيده حديث عبد الله بن عمرو
عند ابن جرير، وحديث أبي أمامة عند الطبراني وابن مردويه، وأثر أَبيَّ بن كعب
الآتي بعده .
٤٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٢٢ - [٤٤] عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ رَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ
بَنِيّ ءَدَمَ مِن ظُهُورِهِمِ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمَّ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾، قَالَ: جَمَعَهُمْ فَجَعَلَهُمْ
أَزْوَاجًا، ثُمَّ صَوَّرَهُمْ فَاسْتَنْطَقَهُمْ فَتَكَلَّمُوا، ثُمَّ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ،
وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُ
عَلَيْكُمُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ، وَأُشْهِدُ عَلَيْكُمْ أَبَاكُمْ آدَمَ؛ أَنْ
تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَمْ نَعْلَمْ بِهَذَا، اعْلَمُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرِي وَلَا رَبَّ غَيْرِي،
ولَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا، إِنِّي سَأُرْسِلُ إِلَيْكُمْ رُسُلِي يُذَكِّرُونَكُمْ عَهْدِي وَمِيثَاقِي،
وَأُنْزِلُ عَلَيْكُمْ كُتُبِي، قَالُوا: شَهِدْنَا بِأَنَّكَ رَبُّنَا وَإِلَّهُنَا، لَا رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ
غَيْرُكَ فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ، وَرُفِعَ عَلَيْهِمْ آدَمُ عَلَّا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، فَرَأَى الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ،
وَحَسَنَ الصُّورَةِ وَدُونَ ذَلِكَ، فَقَالَ: رَبِّ لَوْلًا سَوَّيْتَ بَيْنَ عِبَادِكَ؟ قَالَ: إِنِّي
أَحْبَيْتُ أَنْ أُشْكَرَ، وَرَأَىِ الْأَنْبِيَاءَ فِيهِمْ مِثْلُ السُّرُجِ عَلَيْهِمُ النُّورُ، خُصُوا بِمِيثَاقٍ
آخَرَ فِي الرِّسَالَةِ وَالنَبُوَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَبَارََ وَتَعَّالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِنَ
مِثَقَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿عِيسَى أَبْنَ مَرْيَ﴾ كَانَ فِي تِلْكَ الْأَرْوَاحِ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى
مَرْيَمَ. فَحَدَّثَ عَنْ أَبِّ أَنَّهُ دَخَلَ مِنْ فِيهَا.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {حسن}
الشّرْجُ
١٢٢ - قوله: (فِي قَوْلِ اللَّهِ رَمْتَ) أي: في تفسير قوله تعالى: (قَالَ) أي: أُبَىُّ
(جمَعَهُمْ) أي: اللَّه بعد أن أخرجهم. (أَزْوَاجًا) أي: ذكورًا وإناثًا أو أصنافًا وهو
الأظهر، وفسر الأصناف بقوله الآتي: فرأى الغني والفقير. (ثُمَّ صَوَّرَهُمْ) أي: على
صورهم التي يكونون عليها بعد. (فَاسْتَنْطَقَهُمْ) أي: خلق فيهم العقل وطلب منهم
النطق. (فَتَكَلَّمُوا) بما شاء اللّه، أو بما سيأتي. (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ) أي: على
ذواتهم، أو قال لهم أشهدوا على أنفسكم. (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟) إما استئناف بيان وإما
التقدير: أشهدهم بقوله: ألست بربكم. أي: استشهدهم بهذا. (قَالُوا: بَلَى) أي:
شهدنا. (فَإِنِّي أَشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالأَرَضِينَ السَّبْعَ) أي: زيادة على
(١٢٢) أخرجه أَحْمَد (٥/ ١٣٥) عنه.
٤٧٥
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدرِ
شهادتكم على أنفسكم. (أَنْ تَقُولُوا) أي: لئلا تقولوا. (اعْلَموا) أي: تحققوا الآن
قبل مجيء ذلك الزمان وتبين الأمر بالعيان. (إِنِّي) بكسر الهمزة، استئناف، أي :
إني مع هذا البيان. (وَأَنْزِلُ عَلَيْكُمْ كُتُبِي) بواسطة رسلي، فيها تبيان كل شيء مما
يتعلق بعهدي وميثاقي. (فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ) أي: بجميع ما ذكر. (وَرُفِعَ) بالبناء
للمجهول. (عَلَيْهِمْ) أي: أشرف عليهم من مقام عال. (يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) حال أو مفعول
له بتقدير أن. (فَرَأَى) أي: آدم منهم. (الْغَنِيَّ) صورة ومعنى، باعتبار الآثار
اللائحة. (وَالْفَقِيرَ) يدًا وقلبًا. (وَحَسَنَ الصُّورَةِ) الظاهرة والباطنة. (وَدُونَ ذَلِكَ)
أي: في الحسن أو غير ما ذكر. (لَوْلَا سَوَّيْتَ) أي: لم ما سويت؟ (بَيْنَ عِبَادَِ)
والقصد به أن يبين له حكمته. (إِنِّي أَحْبَيْتُ أَنْ أَشْكَرَ) بصيغة المجهول، قال ابن
حجر المكي: إن الغني يرى عظيم نعمة الغنى، والفقير يرى عظيم نعمة المعافاة
من كدر الدنيا ونكدها وتعبها الذي لا حاصل له غير طول الحساب، وترادف
المحن، وتوالي العذاب، وحسن الصورة يرى ما منحه من ذلك الجمال الظاهر
الدال على الجمال الباطن غالبًا، وغيره يرى أن عدم الجمال أدفع للفتنة وأسلم من
المحنة، فكل هؤلاء يرون مزيد تلك النعم عليهم، فيشكرون عليها، ولو تساووا في
وصف واحد لم يتيقظوا لذلك.
(وَرَأَى) أي: آدم. (الْأَنْبِيَاءَ فِيهِمْ) أي: حال كونهم مندرجين في جملتهم. (مِثْلُ
السَّرُجِ) بضمتين جمع سراج بكسر المهملة. (عَلَيْهِمُ النَّورُ) أي: يغلب عليهم النور
كأنه بيان لوجه شبههم بالسرج. (خُصُّوا) بصيغة المجهول. (بِمِيثَاقٍ آخَرَ) بعدما
دخلوا في ميثاق العوام للاهتمام التام بمرامهم عليهم الصلاة والسلام،
فقوله: ((خُصُوا)) استئناف أو صفة للأنبياء. (فِي الرِّسَالَةِ وَالنَّبُوَّةِ) أي: في شأنهما
والقيام بحقِّهما. (وَهُوَ قَوْلُهُ تَبَارَلَكَ تَعَالَى) أي: هذا الميثاق هو المراد بقوله: ﴿وَإِذْ
أَخَذْنَا مِنَ النَّبِِّنَ مِثَقَهُمْ﴾ الآية من أوائل سورة الأحزاب، قال قتادة: أخذ اللَّه
الميثاق على النبيين خصوصًا على أن يصدق بعضهم بعضًا، ويتبع بعضهم بعضًا،
وأن ينضحوا لقومهم، وأن يعبدوا الله ويدعوا الناس إلى عبادته وإلى الدين القيم،
وأن يبلغوا رسالات ربهم، وذلك حين أخرجوا من صلب آدم كالذرِّ، انتهى. ومثل
هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَّيْنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُمْ مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ
جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٨١]. (كَانَ) أي:
٤٧٦
SERER
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عيسى. (فِي تِلْكَ الأَرْوَاحِ) أي: أرواح الذرية. (فَأَرْسَلَهُ) أي: روحه، وهو يذكر
ويؤنث أي مع جبريل. (فَحُدِّثَ) بصيغة المجهول أي: روي (أَنَّهُ) أي: الروح.
(دَخَلَ مِنْ فِيهَا) أي: من فمها إلى جوفها ثم رحمها. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) كلا، بل رواه ابنه
عبد الله في ((زوائد مسند أبيه)) (ج٥: ص١٣٥). قال الهيثمي: (ج ٧: ص ٢٥) بعد
ذكر الحديث: رواه عبد الله بن أحمد عن شيخه محمد بن يعقوب الربالي، وهو
مستور وبقية رجاله رجال الصحيح، انتهى. وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم وابن جرير
وابن مردويه في تفاسيرهم، وهو وإن كان موقوفًا على أبي بن كعب من قوله، لكنه
مرفوع حكما فإنه لا سبيل إليه إلا السماع عن النبي وَّةَ، والله أعلم.
١٢٣ - [٤٥] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَه
نَتَذَاكَرُ مَا يَكُونُ؛ إِذْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَلّهِ: ((إِذَا سَمِعْتُمْ بِجَبَلِ زَالَ عَنْ مَكَانِهِ
فَصَدِّقُوه، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِرَجُلِ تَغَيَّرَ عَنْ خُلُقِهِ فَلَا تُصَدِّقُوا بِهِ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ إِلَى مَا
جُبِلَ عَلَيْهِ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
١٢٣ - قوله: (نَتَذَاكَرُ) أي: مع بعضنا بحضرته وهو يسمع. (ما يكون) ما
موصولة أي: الذي يحدث من الحوادث أهو شيء مقضي مفروغ منه؟ فتوجد تلك
الحوادث على طبقه أو شيء يوجد آنفًا من غير سبق قضاء. (زَالَ عَنْ مَكَانِهِ) أي:
الذي هو فيه، وانتقل إلى غيره. (فَصَدَّقُوهُ) أي: لإمكانه، وفي ((المسند)):
((فَصَدِّقُوا)) أي: بغير الضمير المنصوب، قال العزيزي: أي: اعتقدوا أن ذلك غير
خارج عن دائرة الإِمكان. (تَغَيَّرَ عَنْ خُلُقِهِ) بضم اللام وتسكن، أي: خلقه الأصلي
بالكلي. (فَلَا تُصَدِّقُوا بِهِ) أي: بالخبر عنه بذلك فإنه غير ممكن عادة. (فَإِنَّه) أي:
الرجل، والمراد به الجنس. (يَصِيرَ) في كل ما يريد أن يفعله. (إِلَى مَا جُبِلَ عَلَيْهِ)
من الأخلاق، يعني: الأمر على ما قدر وسبق حتى العجز والكيس، فإذا سمعتم
بأن الكيس صار بليدًا أو بالعكس فلا تصدقوا به. وضرب زوال الجبل مثلًا
(١٢٣) رَوَاهُ أَحْمَد (٦/ ٤٤٣) عن أبي الدرداء بسندٍ منقطعٍ.
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
٤٧٧
تقريب. فإن هذا ممكن، وزوال الخلق المقدر عما كان في القدر غير ممكن. وقال
المناوي: يعني: وإن فرط منه على الندور خلاف ما يقتضيه طبعه فما هو إلا كطيف
منام أو برق لمع، وما دام فكما لا يقدر الإنسان أن يصير سواد الشعر بياضًا، فكذا
لا يقدر على تغيير طبعه، أي: الذي خلق عليه وقدر له في الأزل. وقال القاري:
التبديل الأصلي الذاتي غير ممكن كما أشار إليه الحديث، وأما التبديل الوصفي
أي تبديل الأخلاق عن مقتضى العادة وتعديلها على سنن الاستقامة والعبادة فهو
ممكن، بل العبد مأمور به ويسمى تهذيب النفس وتحسين الأخلاق. قال اللَّه
تعالى: ﴿قَدْ أَفَحَ مَنْ زَّكْتِهَا ﴾﴾ وفي الحديث: ((حَسِّنُوا أَخْلَاقَكُمْ)).
وارجع إلى ((فيض القدير)) (ج١: ص٣٨١) للمناوي، وإلى ((الإحياء)) للغزالي،
فإنه قد استوفى الكلام في ذلك (١/١) من رواية الزهري، أن أبا الدرداء قال:
(بينما ... )) إلخ. قال الهيثمي: (ج ٧: ص١٩٦): رجاله رجال الصحيح، إلا أن
الزهري لم يدرك أبا الدرداء، انتهى. وقال السخاوي: حديث منقطع. وكان
مقتضى دأب المصنف أن يقول: روى الأحاديث الخمسة أحمد.
١٢٤ - [٤٦] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا يَزَالُ يُصِيبُكَ فِي
كُلَّ عَامِ وَجَعٌ مِنَ الشَّةِ الْمَسْمُومَةِ الَّتِي أَكَلْتَ، قَالَ: ((مَا أَصَابَنِي شَيْءٌ مِنْهَا
إِلَّا وَهُوَّ مَكْتُوبٌ عَلَيَّ وَآدَمُ فِي طِينَتِهِ)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
١٢٤ - قوله: (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) بفتح اللام، هي أم المؤمنين هند بنت أبي أمية
ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية، تزوجها النبي وَالاله
بعد أبي سلمة بن عبد الله سنة أربع، وقيل: ثلاث، وعاشت بعد ذلك ستين سنة،
وماتت سنة (٦٢) وقيل: سنة (٦١) وقيل: قبل ذلك، والأول أصح، ودفنت
بالبقيع، قيل: وكان عمرها (٨٤) سنة. قال الذهبي: هي آخر أمهات المؤمنين
وفاة، لها ثلاث مائة وثمانية وسبعون حديثًا، اتفقا على ثلاثة عشر، وانفرد
(١٢٤) أخرجَهُ ابن مَاجَهْ (٣٥٤٦) عن أمِّ سلمةَ في القدرِ .
٤٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
البخاري بثلاثة، ومسلم بمثلها، روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين.
(يُصِيبُك) أي: يحصل لك. (وَجَعٌ) بفتح الجيم، أي: ألم. (مِنَ الشَّاةِ) أي: من
أجل أثر الشاة. (الْمَسْمُومَةِ الَّتِي أَكَلْتَ) في خيبر. (مَا أَصَابَنِي شَيْءٌ مِنْهَا) أي: من
تلك الشاة، أو من تلك الأكلة. (إِلَّا وَهُوَ) أي: ذلك الشيء من الألم. (وَآدَمُ فِي
طِينَتِهِ) أي: ما تم خلقه، وهو كناية عن تقدم التقدير الأزلي، وإلا فالتقدير سابق
على وجود طينة آدم، قال الطيبي: هذا مثل للتقدير السابق لا تعيين، فإن كون آدم
في طينته أيضًا مقدر قبله، انتهى، والطينة القطعة من الطين والخلقة والجبلة.
وقضية الشاة تأتي في باب المعجزات، إن شاء الله تعالى.
(رواه ابْنُ مَاجَهْ) في باب السحر من آخر أبواب الطب، وفي سنده أبو بكر
العنسي وهو ضعيف.
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ
٤٧٩
٤ - بَابُ إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ
(بَابُ إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ) قال في ((اللمعات)): المراد بالقبر هنا عالم البرزخ، قال
تعالى: ﴿وَمِن وَرَآَبِهِمْ بَرَّزَعُ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] وهو عالم بين الدنيا والآخرة
له تعلق بكل منهما، وليس المراد به الحفرة التي يدفن فيها الميت؛ فرب ميت لا
يدفن؛ كالغريق، والحريق، والمأكول في بطن الحيوانات يعذب، وينعم،
ويسأل، وإنما خص العذاب بالذكر للاهتمام، ولأن العذاب أكثر لكثرة الكفار
والعصاة، انتهى.
قلت: حاصل ما قيل في بيان المراد من البرزخ: أنه اسم لانقطاع الحياة في هذا
العالم المشهود، أي: دار الدنيا، وابتداء حياة أخرى، فيبدأ شيء من العذاب أو
النعيم بعد إنقطاع الحياة الدنيوية، فهو أول دار الجزاء، ثم تُوفَّى كل نفس ما
كسبت يوم القيامة عند دخولها في جهنم أو الجنة، وإنما أضيف عذاب البرزخ
ونعيمه إلى القبر لكون معظمه يقع فيه، ولكون الغالب على الموتى أن يقبروا، وإلا
فالكافر ومن شاء اللّه عذابه من العصاة يعذب بعد موته ولو لم يدفن، ولكن ذلك
محجوب عن الخلق إلا من شاء الله .
وقيل: لا حاجة إلى التأويل - فإن القبر اسم للمكان الذي يكون فيه الميت من
الأرض، ولا شك أن محل الإنسان ومسكنه بعد انقطاع الحياة الدنيوية هي
الأرض، كما أنها كانت مسكنًا له في حياته قبل موته، قال تعالى: ﴿أَ نَجْعَلِ الْأَرْضَ
4﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦] أي: ضامة للأحياء والأموات،
كِفَانًا (٥) أَحْيَاءُ وَأَمْوَتًا
تجمعهم وتضمهم وتحوزهم، فلا محل للميت إلا الأرض، سواء كان غريقًا أو
حريقًا أو مأكولًا في بطن الحيوانات من السباع على الأرض، والطيور في الهواء،
والحيتان في البحر، فإن الغريق يرسب في الماء فيسقط إلى أسفله من الأرض أو
الجبل إن كان تحته جبل، وكذا الحريق بعد ما يصير رمادًا لا يستقر إلا على الأرض
سواء أُذْرِيَ في البر أو البحر، وكذا المأكول؛ فإن الحيوانات التي تأكله لا تذهب
بعد موتها إلا إلى الأرض، فتصير ترابًا .