النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ومرجئة الخالصة، ثم ذكر مقالات المرجئة الخالصة، من شاء الوقوف عليها رجع
إلى الملل والنحل، والظاهر أن المراد في الحديث مرجئة الجبرية.
(وَالْقَدَرِيَّةُ) بفتحتين أو سكون الدال، هم الذين يقولون: إن العبد خالق لأفعاله
والأمر أنف من غير سبق قضاء وتقدير، واشتهَرَ بهذا الاسم من لا يقول بالقدر
لأجل أنهم تكلموا في القدر وأقاموا الأدلة بزعمهم على نفيه، وتوغلوا في هذه
المسألة حتى اشتهروا بهذا الاسم، وبسبب توغلهم وكثرة اشتغالهم صاروا هم أحق
بهذه النسبة من غيرهم، فلا يرد أن المثبت أحق بهذه النسبة من النافي، على أن
الأحاديث صريحة في أن المراد هاهنا النافي، فاندفع توهم القدرية أنَّ المراد في
هذا الحديث المثبت للقدر لا النافي. هذا، وربما يتمسك بالحديث من يكفر
الفريقين .
قال ابن حجر المكي الهيتمي الشافعي: من أطلق تكفير الفريقين أخذًا بظاهر
الحديث فقد استروح، بل الصواب عند الأكثرين من علماء السلف والخلف أنا لا
نكفر أهل البدع والأهواء إلا إن أتوا بكفر صريح لا استلزامي؛ لأن الأصح أن لازم
المذهب ليس بلازم، ومن ثم لم يزل العلماء يعاملونهم معاملة المسلمين في
نكاحهم وإنكاحهم والصلاة على موتاهم ودفنهم في مقابرهم؛ لأنهم وإن كانوا
مخطئين غير معذورين حقت عليهم كلمة الفسق والضلال، إلا أنهم لم يقصدوا بما
قالوه اختيار الكفر، وإنما بذلوا وسعهم في إصابة الحق، فلم يحصل لهم، لكن
لتقصيرهم بتحكيم عقولهم وأهويتهم وإعراضهم عن صريح السنة والآيات من غير
تأويل سائغ، وبهذا فارقوا مجتهدي الفروع، فإن خطأهم إنما هو لعذرهم بقيام
دليل آخر عندهم مقاوم لدليل غيرهم من جنسه فلم يقصروا، ومن ثم أثيبوا على
اجتهادهم، انتھی .
قال التورْبَشْتِي: وهذا - أي: عدم تكفيرهم - قول المحققين من علماء الأمة
احتياطًا، فيجري قوله: ((لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ)) مجرى الاتساع في بيان سوء
حظهم وقلة نصيبهم من الإسلام، نحو قولك: ليس للبخيل من ماله نصيب،
انتھی .
قال السندهي: في صلاحية هذا الحديث للاستدلال به في الفروع نظر، كما

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
٤٤١
ستعرف، فضلًا عن الأصول والمطلوب فيها القطع، فكيف يصح التمسك به في
التكفير؟ انتھی.
قلت: أحاديث الباب من بين الصحاح والحسان والضعاف غير الساقطات تدلُّ
بمجموعها على أن الإيمان بالقدر من غير بحث ومنازعة من ضروريات الدين
وركن من أركان الإسلام، فالظاهر: أن إنكار القدر وتكذيبه من البدع المكفرة،
والله أعلم.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) من طريقين في أحدهما: علي بن نزار وأبوه نزار بن حيان وهما
ضعيفان، وفي الثاني: سلام بن أبي عمرة وهو أيضًا ضعيف. (وَقَالَ: غَرِيبٌ) وفي
نسخ الترمذي عندنا: حسَن غَرِيبٌ. وكذا نقله الحافظ عن الترمذي في أجوبته عن
أحاديث ((المصابيح)) التي رماها الحافظ سراج القزويني بالوضع، وكذا نقله
البوصيري في ((الزوائد)). ولعله حسنه لشواهده، وأخرجه أيضًا البخاري في
((تاريخه)) وابن ماجه في ((السنة))، وفي سندهِ أيضًا علي بن نزار وأبوه نزار، وأخرجه
ابن ماجه أيضًا عن جابر، وفيه نزار المذكور، والخطيب عن ابن عمر وقال: هذا
حديث منكر من هذا الوجه جدًّا كالموضوع، وإنما يرويه علي بن نزار، شيخ
ضعيف واهي الحديث، والطبراني في ((الأوسط)) عن أبي سعيد.
قال السندهي: زعم الحافظ سراج الدين بعده وبين أنه موضوع، ورد عليه
الحافظ صلاح الدين، ثم الحافظ ابن حجر بما يبعده عن الوضع ويقربه إلى
الحسن، ومحل نظرهما هو تعدد الطرق، والحديث جاء عن أبي بكر الصديق
ومعاذ بن جبل وعبد الله بن عمر وجابر بطريق معاذ، وكثرة الطرق تفيد بأن له
أصلًا، وبالجملة فلا ينفع في الاستدلال بالأصول، انتهى.
قلت: قال الحافظ ابن حجر في أجوبته بعد عزوه إلى الترمذي وابن ماجه:
ومداره على نزار بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس، وقال الترمذي: هذا حديث
حسن غريب، ونزار هذا ضعيف عندهم، ورواه عنه ابنه علي بن نزار وهو ضعيف،
لكن تابعه القاسم بن حبيب، وإذا جاء الخبر من طريقين كل منهما ضعيف قوي أحد
الطریقین بالآخر، ومن ثم حسنه الترمذي، ووجدنا له شاهدًا من حديث جابر ومن
طريق ابن عمر ومن طريق معاذ وغيرهم، وأسانيدها ضعيفة، ولكن لم يوجد فيه

٤٤٢
B
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
علامة الوضع؛ إذ لا يلزم من نفي الإسلام عن الطائفتين إثبات كفر من قال بهذا
الرأي؛ لأنه يحمل على نفي الإيمان الكامل، أو المعنى أنه اعتقد اعتقاد الكافر
لإرادة المبالغة في التنفير من ذلك لا حقيقة الكفر، وينصره أنه وصفهم بأنهم من
أمته، انتهى. وقال العلائي: والحق أنه ضعيف لا موضوع.
١٠٦ - [٢٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ:
(يَكُونُ فِي أُمَّتِي خَسْفٌ، وَمَسْخٌ، وَذَلِكَ فِي الْمُكَذَّبِينَ بِالْقَدَرِ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى الِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ] {حسن}
الشَّرْحُ
١٠٦ - قوله: (يَكُونُ فِي أُمَّتِي) أي: أمة الإجابة. (خَسْفٌ) يقال: خسف اللَّه
به أي: غاب به في الأرض. (وَمَسْخٌ) هو تحويل صورة إلى ما هو أقبح منها، وقيل:
المراد مسخ القلوب، وفيه نظر. (وَذَلِكَ) أي: ما ذكر من الخسف والمسخ واقع.
(فِي الْمُكَذَّبِينَ بِالْقَدَرِ)، تبين بهذا الحديث أن القدرية المذمومة، إنما هم المكذبة
بالقدر لا المؤمنة به، كما زعمت المعتزلة ونسبوا أهل السنة والجماعة إلى
القدرية، وقوله: ((ذَلِك)) في الحديث يدل على استحقاق ما سبق من الخسف
والمسخ لأجل ما بعده من التكذيب، فيكونان في هذه الأمة كما في سائر الأمم،
خلاف قول من زعم أن ذلك لا يكون مطلقًا إنما مسخها بقلوبها، وأما ما روي من
رفع الخسف والمسخ عن هذه الأمة، فالمراد به رفع الخسف والمسخ العامين،
فافهم .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أي: بهذا اللفظ، قاله القاري، وفيه نظر. (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ
نَحْوَهُ) أي: بالمعنى، وقد ذكره المصنف في الفصل الثالث. قال الشيخ الألباني:
قوله: ((رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ))، كذا في جميع النسخ وهو خطأ،
(١٠٦) أَبُو دَاوُد (٤٦١٣) فِي السُّنَّةِ، وَالتِّرْ مِذِي (٢١٥٢) فِي القَدَرِ، وَابن مَاجَهْ (٤٠٦١) فِي الفِتَنِ عَنِ
ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ التِّرْمِذِي: حَسَنٌ.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
٤٤٣
والصواب العكس ((رَوَاهُ التِّرْمِذِي، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ نَحْوَهُ))، فإن الترمذى أخرجه
(٢٢/٢) بهذا اللفظ بالحرف الواحد، وأما أبو داود فأخرجه في السنة (رقم ٤٦١٣)
بنحوه، انتهى .
قلت: لم أجد حديث ابن عمر باللفظ الذي ذكره المصنف لا في ((جامع
الترمذي)) ولا في ((سنن أبي داود))، والظاهر: أن المصنف قلد في ذلك الجزري؛
إذ ذكره في ((جامع الأصول)) (ج ١٠: ص٥٢٧) بهذا اللفظ، وأثبت في أوله علامة
(ت، د) ولا أدري من أين أخذ الجزري اللفظ المذكور مع أنه ذكر بعد ذلك رواية
أبي داود ثم رواية الترمذي مفصلة. ويمكن أن يكون هذا الحديث عند أبي داود في
رواية غير اللؤلؤي، والله أعلم. والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص١٠٨)
بلفظ: ((سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مَسْخٌ، أَا وَذَاكَ فِي الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ)). وفي سنده
رشدين بن سعد وهو ضعيف.
١٠٧ - [٢٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ
الْأُمَّةِ، إِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ] {حسن}
الشَّرْحُ
١٠٧ - قوله: (الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ) أي: أمة الإجابة؛ لأن قولهم
أفعال العباد مخلوقة بقدرهم لا بقدر الله وإرادته، يشبه قول المجوس القائلين بأن
للعالم إلهين: خالق الخير وهو ((يزدان)) أي: اللَّه، وخالق الشر وهو ((أهر من)) أي:
الشيطان، وقيل: المجوس يقولون: الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة،
فصاروا ثنوية، كذلك القدرية يقولون: الخير من اللَّه والشر من غيره أي: النفس.
(وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ) أي: لا تشهدوا جنائزهم ولا تصلوا عليهم؛ لاستلزام
ذلك الدعاء لهم بالصحة والمغفرة، قيل: هو محمول على الزجر والتنفير عن
(١٠٧) أَبُو دَاوُد (٤٦٩١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي السُّنَّةِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، لَكِنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ (١/
٨٥)، وَقَالَ: صَحِيحٌ إِنْ صَحَّ سَمَاعُ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ مِنِ ابْنِ عُمرَ.

٤٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
اعتقادهم على قول من لم يحكم بكفرهم، وعلى الحقيقة على قول من حكم
بكفرهم؛ إذ الفاسق لا منع ولا كراهة في شهود جنازته، وخص هاتين الخصلتين
أي: العيادة وشهود الجنازة؛ لأنهما أولى وألزم من سائر الحقوق، فإنهما حالتان
مفتقرتان إلى الدعاء بالصحة والمغفرة، فيكون النهي عنهما أبلغ في المقصود.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) باختلاف في اللفظ من طريقين (ج٢: ص ٨٦، ١٢٥) الأولى
منقطعة، عمر بن عبد الله مولى غفرة لم يسمع من عبد الله بن عمر، والثانية
موصولة لكن فيها رجل ضعيف، وله طريق ثالث عند أبي بكر الآجري في كتاب
((الشريعة)) (ص ١٩٠)، وفيه ضعف أيضًا، وله طريق رابع عند أبي داود، فالحديث
بهذه الطرق حسن، كما قال العلائي والحافظ ابن حجر.
(وَأَبُو دَاوُدَ) في السنة من طريق عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن ابن عمر،
ورجاله ثقات، لكنه منقطع كما سيأتي. قال السيوطي في ((مرقاة الصعود)): هذا أحد
الأحاديث التي انتقدها الحافظ سراج الدين القزويني على ((المصابيح)) وزعم أنه
موضوع. قال الحافظ ابن حجر فيما تعقبه عليه: هذا الحديث حسَّنه(*) الترمذي
وصحَّحه الحاكم ورجاله من رجال الصحيح، إلا أن له علتين: الأولى: الاختلاف
في بعض رواته عن عبد العزيز بن أبي حازم، وهو زكريا بن منظور، فرواه عن عبد
العزيز بن أبي حازم فقال: عن نافع عن ابن عمر. والأخرى: ما ذكره المنذريُّ
وغيره من أن سنده منقطع؛ لأن أبا حازم لم يسمع من ابن عمر، فالجواب عن
الثانية: أن أبا الحسن بن القطان الفاسي الحافظ صحَّح سنده، فقال: إن أبا حازم
عاصر ابن عمر، فكان معه بالمدينة، ومسلم يكتفي بالمعاصرة في الاتصالِ، فهو
صحيح على شرطه، وعن الأول: بأن زكريا وصف بالوهم، فلعلَّهُ وهم، فأبدل
روايًا بآخر، وعلى تقدير أن لا يكون وهم، فيكون لعبد العزيز فيه شيخان، وإذا
تقرَّر هذا لا يسوغ الحكم بأنه موضوع، ولعل مستند من أطلق عليه الوضع تسميتهم
المجوس وهو مسلمون، وجوابه: أن المراد أنهم كالمجوس في إثبات فاعلين لا
في جميع معتقد المجوس، ومن ثم ساغت إضافتهم إلى هذه الأمة.
(*) لم أجد هذا الحديث في ((جامع الترمذي))، ولم أعلم في أي كتاب أخرجه وحسنه.

٤٤٥
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الإيمَانِ بالْقَدَر
قلت: والحديث أخرجه أيضًا الحاكم (٧١/٨٥)، والبخاري في ((تاريخه))،
والطبراني في ((الأوسط))، وأخرجه أحمد (ج٢: ص٨٦) من طريق أخرى لم
يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة من تلك الطريق بلفظ: ((لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسٌ،
وَمَجُوسُ أُمَّتِي الَّذِينَ يَقُولُوَنَ: لَا قَدَرَ، إِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا
تَشْهَدُوهُمْ))، ولأصل الحديث شواهد ذكرها السيوطي في ((تعقباته)) (٥)، واستوفى
طرقها وألفاظها في اللآلي (ص١٣٣ - ١٣٥) وحقق نقلًا عن الحافظ صلاح الدين
العلائي أن للحديث أصلًا، بل ينتهي إلى درجة الحسن المحتج به، فلا وجه
للحكم بوضعه. هذا، وقد تعقّب الشيخ أحمد محمد شاكر في ((شرح المسند))
(ج٨: ص٦) على جواب الحافظ فقال: أما إن المعاصرة كافية وتحمل على
الاتصال فنعم، ولكن إذا لم يكن هناك ما يدل صراحة على عدم السماع، والدليل
النقلي هنا على أن أبا حازم لم يسمع من ابن عمرقائم، فقد قال ابنه ليحيى بن
صالح: من حدَّثك أن أبي سمع من أحد من الصحابة غير سهل بن سعد فقد كذب.
فهذا ابنه يقرر هذا على سبيل القطع، ومثل هذا لا ينقضه إلا إسناد آخر صحيح
صريح في السماع، أما بكلمة: عَنْ، فلا، ولذلك نص في ((التهذيب)) على أنه
يروي عن ابن عمر وابن عمرو بن العاص ولم يسمع منهما، وترجمه البخاري في
((الكبير)) (٧٩/٢/٢) فذكر من سمع منهم، فلم يذكر من الصحابة إلا سهل بن
سعد، وأما الرواية الأخرى التي فيها زكريا بن منظور، فإن زكريا هذا ضعيف
جدًّا، لَيَّنَهُ أحمدُ بن حنبل. وقال أحمد بن صالح: ليس به بأس، وترجمه البخاري
في ((الكبير)) (٢/ ٣٨٨/١) وقال: ليس بذلك، وترجمه في ((الصغير)) (٢١٣) فقال:
منكر الحديث. وقال أبو زرعة: واهي الحديث، منكر الحديث، ونحو ذلك قال
أبو حاتم. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا، يروي عن أبي حازم ما لا أصل له
من حديثه. وأما ما نقل السيوطي عن ابن حجر أن الترمذي حسنه فأخشى أن يكون
وهمًّا من الحافظ، فإن الترمذي لم يروه أصلًا فيما تبين لي بعد البحث والتتبع،
انتھی .

٤٤٦
B
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٠٨ - [٣٠] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ
الْقَدَرِ وَلَا تُفَاتِحُوهُمْ))
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
الشَّرْجُ
١٠٨- قوله: (لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ) فإنه لا يؤمن أن يغمسوكم في
ضلالتهم. (وَلَا تُفَاتِحُوهُمْ) من الفتاحة بضم الفاء وكسرها أي: الحكومة، أي: لا
تحاکموا إلیھم، يعني: لا ترفعوا أمور کم إلی حکامهم، وقيل: لا تبدؤوهم بالسلام
أو بالكلام، قيل: لا تبتدؤوهم بالمناظرة والمجادلة في الاعتقاديات لئلا يقع
أحدكم في شك.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في السنة وسكت عليه هو والمنذري، وفي سنده حكيم بن
شريك الهذلي، وثقه ابن حبان وقواه، وقال أبو حاتم: مجهول. وأخرجه أيضًا
أحمد (ج١: ص ٣٠) والحاكم من طريق حكيم بن شريك هذا ولم يصححه، وإنما
رواه شاهدًا للحديث الذي قبله.
(١٠٨) أَبُو دَاوُد (٤٧٢٠)، (٤٧١٠) فِي السُّنَّةِ، وَالحَاكِمُ (١/ ٨٥) عَنْ عُمَرَ.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
٤٤٧
١٠٩ - [٣١] وَعَنْ عَائِشَةَ رَُِّّا قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَةِ: ((سِتَّةٌ
لَعَنْتُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَكُلُّ نَبِيِّ يُجَابُ: الزَّائِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَالْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ
اللَّهِ، وَالْمُتَسَلِّطُ بِالْجَبَرُوتِ؛ لِيُعِزَّ مَنْ أَذَلَّهُ اللَّهُ وَيُذِلَّ مَنْ أَعَزَّهُ اللَّهُ،
وَالْمُسْتَحِلُّ لِحَرَمِ اللَّهِ، وَالْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَنِي مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَالتَّارِكُ لِسُنَِّي)).
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ وَرَزِينٌ فِي كِتَابِهِ]
الشّرْجُ
١٠٩- قوله: (وَلَعَنَهُمْ اللَّهُ) بالواو العاطفة وبدونها كما في ((المصابيح))
و((الجامع الصغير)) و(المستدرك)). قال القاري: وهو الأصحُّ، ولم يعطفه على
جملة قبله إما لأنه دعاء، وإما لكونه استئنافًا، كأنه قيل: فماذا بعد؟ فأجيب لعنهم
اللَّه، والثانية منبئة عن الأول، أو قيل: لماذا؟ فبالعكس، وعلى هذا قوله: (وَكُلّ
نَبِيِّ يجاب) معترض بين البيان والمبين، أي: من شأن كل نبي أن يكون مستجاب
الدعوات، و((كُلَّ نَبِيِّ)) مبتدأ وخبره ((يُجَابُ)) على بناء المفعول من المضارع أي:
يجاب دعوته، وهو الرواية المشهورة، ويروى بالميم أي: مجاب الدعوة،
والجملة على الروايتين إما ابتدائية، وإما عطف على ((سِتَّةٌ لَعَنْتُهُمْ)) أو حال من
فاعل (لَعَنْتُهُمْ))، وجملة ((لَعَنَّهُمْ اللَّهُ)) إنشائية للدعاء، معترضة بين الحال
وصاحبها. وَقال التُّورْبَشْتِي: لا يصحُّ عطف ((وَكُلَّ نَبِيِّ مُجَابٌ)) على فاعل لعنتهم
ومجاب صفة، وصححه الأشرف لوجود الفاصل، انتهى.
(الزَّائِدُ فِي كِتَابِ اللهِ) أي: القرآن وسائر کتبه بأن يدخل فيه ما ليس فيه أو يأوله
بما يأباه اللفظ ويخالف المحكم، كما فعلت اليهود بالتوراة من التبديل
والتحريف، والزيادة في كتاب اللَّه في نظمه وحكمه كفر، وتأويله بما يخالف
الكتاب والسنة بدعة، (وَالْمُتَسَلَّطُ بِالْجَبَرُوتِ) أي: الإنسان المستولي المتقوي
الغالب أو الحاكم بالتكبر والعظمة الناشئ عن الشوكة والولاية، و((الْجَبَرُوتِ))
(١٠٩) الحَاكِمُ (١/ ٣٦) عَنْ عَائِشَةَ رَّ ◌ُهَا وَصَحَّحَهُ البَيْهَقِي في ((المدخل)) وقد أعلَّه أبو زرعة وقال:
الصحيحُ عن ابن موهب، عن علي بن الحسين رَؤُشْتَهُ مرسلًا.

٤٤٨
*eeze
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فَعَلُوت من الجبر وهو القهر. (لِيُعِزَّ مَنْ أَذَلَّهُ اللَّهُ) أي: يرفع مرتبة من أذله الله
الكفره أو لفسقه على المسلمين، أو يحكمه فيهم. (وَيُذِلَّ مَنْ أَعَزَّهُ اللَّهُ) بأن يخفض
مراتب العلماء والصلحاء أو نحوهم. (وَالْمُسْتَحِلَّ لِحَرَم اللَّهِ) بفتح الحاء والراء
يريد حرم مكة بأن يفعل فيه ما لا يحل فيه من الاصطيادَ وقطع الشجر.
(وَالْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي مَا حَرَّمَ اللَّهُ) أي: من إيذائهم وترك تعظيمهم، والعترة:
الأقارب القريبة.
وقال في ((القاموس)): العترة بالكسر، نسل الرجل وذريته، وتخصيص ذكر
((الْحَرَم)) والعترة وكل مستحل محرم ملعون؛ لشرفهما، وأن أحدهما منسوب إلى
اللَّه والآخر إلى رسول اللَّه، فعلى هذا ((مِنْ)) في ((مِنْ عِتْرَتِي)) ابتدائية. قال الطيبي:
ويحتمل أن تكون بيانية بأن يكون المستحل من عترة رسول اللّه وَالر، ففيه تعظيم
الجرم الصادر عنهم.
(وَالتَّارِلُكُ لِسُنَّتِي) أي: المعرض عنها بالكلية أو بعضها؛ استخفافًا بها وقلة مبالاة
فهو كافر وملعون، وتاركها تهاونًا وتكاسلا لا عن استخفاف فهو عاصٍ، واللعنة
عليه من باب التغليظ .
(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((الْمَدْخَلِ))) بفتح الميم والخاء. (ورَزِينٌ) أي: ورواه رزین.
(فِي كِتَابِهِ) وأخرجه أيضًا النسائي، كما في ((الجامع الصغير))، والطبراني في
((الكبير))، وابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم (ج١: ص٣٦) وقال: صحيح
الإسناد، ولا أعرف له علة، انتهى. ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي (ج ٧:
ص٢٠٥): رجاله ثقات. وقد صححه ابن حبان، ونسبه الشيخ ناصر الدين الألباني
في تعليقه على ((المشكاة)) للترمذي فقال: أخرجه الترمذي في القدر (ج٢ :
ص٢٢، ٢٣) قال: وأعله الترمذي بالإرسال، وقال: إنه أصح، انتهى. وإني لم
أجده في أبواب القدر فلينظر. وأخرجه الحاكم عن علي أيضًا.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
BaKexxosa *:
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
٤٤٩
١١٠ - [٣٢] وَعَنْ مَطَرِ بْنِ عُكَامِسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َ: ((إِذَا
قَضَى اللَّهُ لِعَبْدٍ أَنْ يَمُوتَ بِأَرْضِ، جَعَلَ لَّهُ إِلَيْهَا حَاجَةً)).
[ْرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالِّرْمِذِيُّ] {صحيح}
الشرْخُ
١١٠- قوله: (وَعَنْ مَطَرٍ) بفتحتين (بْنِ عُكَامِسٍ) بضم العين المهملة
وتخفيف الكاف وكسر الميم بعدها سين مهملة، السلمي من بني سليم بن منصور،
يعد في الكوفيين، له الحديث الآتي فقط ليس له غيره، لم يرو عنه غير أبي إسحاق
السبيعي. اختلف في صحبته، قال أبو أحمد العسكري: قال بعضهم: ليس له
صحبة، وبعضهم يدخله في الصحابة. وقال أيضًا: وأكثرهم يدخله في ((المسند)).
قلتُ: ذكره الحافظ في ((الإصابة)) (ج٣: ص ٤٤٣) في القسم الأول من حرف
الميم، وقال في ((التقريب)): صحابي. وكذا قال الخزرجي في ((الخلاصة))، وقال
ابن حبان: له صحبة .
(إِذَا قَضَى اللَّهُ) أي: أراد أو قدر أو حكم في الأزل (جَعَلَ) أي: أظهر اللَّه. (لَهُ
إِلَيْهَا حَاجَةً) أي: ليسافر إليها فيتوفاه الله بها ويدفن فيها؛ إشارة إلى قوله تعالى:
﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِّ أَرْضِ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]. وفي الحديث: دليل على سبق القضاء
والقدر.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥ : ص ٢٢٧). (والتِّرْمِذِيُّ) في القدر وقال: حسن غريب.
وأخرجه أيضًا أبو داود في القدر، والحاكم (ج١: ص٤٢) وقال: صحيح على
شرطهما. وأقره الذهبي، وأخرجه الترمذي وأحمد (ج٣: ص٤٢٩) والطبراني في
((الكبير))، وأبو نعيم في ((الحلية))، والحاكم (ج١: ص٤٢) عن أبي عزة أيضًا،
وصححه الترمذي والحاكم، وفي الباب أيضًا عن ابن مسعود أخرجه الحاكم
(ج١: ص٤٢، ٤١) قال الذهبي: على شرط الشيخين.
(١١٠) التِّرْ مِذِي (٢١٤٧)، (٢١٤٦) فِي القَدَرِ عَنْ مَطَرِ بْنِ عُكَامِسٍ، وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ
(٤٢/١).

٤٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١١١ - [٣٣] عَنْ عَائِشَةَ مِّنَا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَرَارِيُّ
الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: ((مِنْ آبَائِهِمْ)) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِلَا عَمَل؟! قَالَ: ((اللَّهُ
أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ))، قُلْتُ: فَذَرَارِيُّ الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: ((مِنْ آبَائِهِمْ))
قُلْتُ: بِلَ عَمَلٍ؟! قَالَ: ((اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشّرْئُ
١١١- قوله: (ذَرَارِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) خبر مبتدأ محذوف، أي: ما حكم
ذراريهم؟ أهم في الجنة أم النار؟ (قَالَ: مِنْ آبَائِهِمْ) ((مِنْ)) اتصالية، كقوله تعالى:
﴿اَلْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضِ﴾ [التوبة: ٦٧]. فالمعنى: إنهم متصلون
بآبائهم، فلهم حكمهم. قال التُّرْبَشْتِي: أي معدودون من جملتهم؛ لأن الشرع
يحكم بالإسلام لإسلام أحد الأبوين، ويأمر بالصلاة عليهم، وبمراعاة أحكام
المسلمين. وكذلك يحكم على ذراري المشركين بالاسترقاق ومراعاة أحكامهم
وبانتفاء التوارث بينهم وبين المسلمين، فهم ملحقون في ظاهر الأمر بآبائهم.
(قُلْتُ: بِلَا عَمَل؟!) هذا وارد منها على سبيل التعجب. (قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا
كَانُوا عَامِلِينَ) أي: لو بلغوا، ردًّا لتعجبها وإشارة إلى القدر، ولهذا أورد الحديث
في باب القدر. قال التُّورْبَشْتِي: يعني: أنهم تبع لآبائهم في الدنيا، وأما في الآخرة
فموكول أمرهم إلى علم الله تعالى بهم، انتهى.
وقال القاضي: الثواب والعقاب ليسا بالأعمال وإلا لم يكن ذراري المسلمين
والكفار من أهل الجنة والنار، بل الموجب اللطف الإلهي والخذلان المقدر لهم
في الأزل، فالواجب فيهم: التوقف وعدم الجزم، فإن أعمالهم موكولة إلى علم
الله فيما يعود إلى أمر الآخرة، والأعمال دلائل السعادة والشقاوة ولا يلزم من
انتفاء الدليل انتفاء المدلول، انتهى.
(١١١) أَبُو دَاوُد (٤٧١٢) فِي السُّنَّةِ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رِعَّا .

كِتَابُ الْإِيمَانِ
CDObea x:
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
٤٥١
قلتُ: قد تقدم أن أولاد المسلمين يدخلون الجنة بالاتفاق، وأما أولاد المشركين
فهم أيضًا من أهل الجنة على القول المحقق الصحيح المؤيد بالكتاب والسنة، وأما
حديث عائشة هذا وأمثاله فمؤولة أو محمولة على أنه وم ثير قال ذلك قبل أن يخبر
أنهم من أهل الجنة.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في السنة، وسكت عليه هو والمنذري، وأخرجه أيضًا أحمد.
١١٢ - [٣٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَوَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ:
(الْوَائِدَةُ وَالْمَوْءُودَةُ فِي النَّارِ)»
[ْرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١١٢- قوله: (الْوَائِدَةُ) أي: التي تدفن الولد حيًّا، وقيل: هي القابلة،
وخصها بالذكر؛ لأن أكثر ما كان الوأد من النساء أو لخصوص السبب.
(وَالْمَوْءُودَةُ فِي النَّارِ) قال القاري: وأد بنته يئدها وأدًا فهي موءودة، إذا دفنها في
القبر وهي حية، وهذا كان من عادة بعض قبائل العرب في الجاهلية خوفًا من الفقر
أو فرارًا من العار، قال القاضي: الوائدة في النار لكفرها وفعلها، والموءودة فيها
لكفرها تبعًا لأبويها، ففيه دليل على تعذيب أطفال المشركين، وَأَوَّلَّهُ من نفاه بأن
الوائدة: القابلة الدافنة لها، والموءودة أمها الموءودة لها، فحذف الصلة، انتهى.
ملخصًا مختصرًا .
قلت: لابد من هذا التأويل ليصح كون الموءودة في النار، ولئلا يلزم التعارض،
وأجيب أيضًا بأن الحديث ورد في قضية خاصة، وهي أن ابني مليكة أتيًا رسول الله
وَلَّ فسألاه عن أمّ لهما كانت تئد فقال ◌َله ... الحديث. أخرجه أحمد والنسائي،
فأما الوائدة أي: الأم فلأنها كافرة، وأما الموءودة أي: البنت المدفونة فلاحتمال
كونها بالغة كافرة أو غير بالغة لكن النبي وَلّ أخبر بأنها من أهل النار بقضاء الله
وقدره في الأزل، إما بوحي أو غيره وحينئذٍ فـ(ال) في ((الموءودة)) ليست للاستغراق
(١١٢) أَبُو دَاوُد (٤٧١٧) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي السُّنَّة .

٤٥٢
B
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بل للعهد، فلا يجوز الحكم على أطفال المشركين بأنهم من أهل النار بحديث ابن
مسعود هذا؛ لأن هذه واقعة عين في شخص معين، فلا يجوز إجراءه على عمومه
في جميع الموءودين وحمله على العموم مع الاحتمال المذكور، والعبرة وإن
كانت لعموم اللفظ لا لخصوص السبب لكن يحمل هاهنا على خصوص السبب؛
دفعًا للمعارضة بينه وبين الأحاديث الدالة على كون أولاد المشركين من أهل
الجنة، ولا يخفى على هذا وجه المناسبة بين الحديث والباب.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في السنة وسكت عنه هو والمنذري، وقال العزيزي: إسناده
صحيح. وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم في ((تفسيره))، والطبراني في ((الكبير))،
والهيثم بن كليب في ((مسنده))، وابن عدي ويحيى بن صاعد في ((مسنده))، وأخرجه
أحمد (ج٣: ص٤٧٨) والنسائي عن سلمة بن يزيد الجعفي مطولًا بذكر السبب
كما أشرنا إليه، وقد روى أحمد عن خنساء بنت معاوية الصريمية عن عمتها،
قالت: قلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ فِي الْجَنَّةِ؟ قال: ((النَّبِيُّ فِي الْجَنَّةِ، وَالشَّهِيدُ فِي
الْجَنَّةِ، وَالْمُؤْلُودُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْمَوْءُودَةُ فِي الْجَنَّةِ))، كذا ذكره ابن كثير في
((تفسيره). (والتِّرْمِذِيُّ) كذا في نسخة وهي خطأ من النساخ جزمًا.

كِتَابُ الْإِيمَان
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
٤٥٣
الفصل الثالث
١١٣ - [٣٥] عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ رَ
فَرَغَ إِلَى كُلِّ عَبْدٍ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ خَمْسٍ: مِنْ أَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَمَضْجَعِهِ، وَأَثَرِهِ،
وَرِزْقِهِ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ]
الشَّرْجُ
١١٣ - قوله: (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) هو عويمر بن زيد، وقيل : ابن عامر بن قيس
الأنصاري الخزرجي، مشهور بكنيته وباسمه جميعًا، واختلف في اسمه فقيل :
اسمه عامر، وعويمر لقبه، أسلم يوم بدر، وشهد أحدًا وأبلى فيها، قال رسول الله
وَالر يوم أحد: ((نعم الفارس عويمر)). وقال: ((هو حكيم أمتي)). كان عابدًا فقيهًا
عالمًا حكيمًا، سكن الشام، ومات بدمشق سنة (٣٢). وقال الخزرجي: له مائة
وتسعة وسبعون حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بثمانية
أحاديث، جمع القرآن، وولى قضاء دمشق بأمر عمر بن الخطاب، وله فضائل جمة
ومناقب كثيرة جدًّا.
(فَرَغَ إِلَى كُلُّ عَبْدٍ) فرغ يستعمل باللام، واستعماله بإلى هنا لتضمين معنى
الانتهاء أو يكون حالًا بتقدير منتهيًا، والمعنى: انتهى تقديره في الأزل من تلك
الأمور الخمسة إلى تدبير هذا العبد بإبدائها، ويجوز أن يكون بمعنى اللام، فيقال:
هداه إلى كذا ولكذا، وقوله: (مِنْ خَلْقِهِ) صلة ((فَرَغَ)) أي: من خلقة العبد وما
يختص به وما لابد منه من الأجل والعمل وغيرهما، وقوله: (مِنْ خَمْسٍ) بدل منه
بإعادة الجار. قال الطيبي: والوجهُ أن الخلق بمعنى المخلوق، و((مِنْ)) فيه بيانية،
و(مِنْ) في ((خَمْسٍ)) متعلق بفرغ، وقيل: ((من)) تبعيضية أي: فرغ إلى كل عبد كائن
من مخلوقه من خمس. (مِنْ أَجَلِهِ) بفتحتين أي: مدة عمره، و((مِنْ)) بيانية للخمس
(١١٣) أَحْمَد (١٩٧/٥) عن أبي الدرداءِ.

٤٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أو بدل بإعادة الجار. (وَعَمَلِهِ) أي: خيره وشره. (وَمَضْجَعِهِ) أي: سكونه وقراره،
والظاهر أن المراد به مكان موته ومحل قبره. (وَأَثَرِهِ) أي: حركته واضطراره أو أثر
مشيه في الأرض أو ما يحصل له من الثواب والعقاب. (وَرِزْقِه) أي: حلاله
وحرامه، كثيره وقليله.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥: ص١٩٧) وأخرجه أيضًا الطبراني في (الكبير)) و((الأوسط))،
والبزار. قال الهيثمي (ج ٧: ص١٩٥): وأحد إسنادي أحمد رجاله ثقات. وأخرج
نحوه الطبراني في ((الأوسط)) عن ابن مسعود، وابن عساكر عن أنس.
١١٤ - [٣٦] وَعَنْ عَائِشَةَ رِ﴿َّا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ يَقُولُ:
(مَنْ تَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقَدَرِ سُئِلَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ لَمْ
يُسْأَلْ عَنْهُ))
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
١١٤ - قوله: (مَنْ تَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقَدَرِ) قيل: ((فِي شَيْءٍ)) ولم يقل: ((فِي
الْقَدَرِ)) ليفيد المبالغة في القلة وفي النهي عنه، أي: من تكلم بشيء يسير منه يسأل
عنه يوم القيامة، فكيف بالكثير منه؟ (سُئِلَ عَنْهُ) سؤال تهديد ووعيد، ويحتمل أن
يراد به مطلق السؤال. وقال القاري: أي: كسائر الأقوال والأفعال، وجوزي كل
ما يستحقه. (لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ) بأن يقال له: لم تركت التكلم فيه؟ فصار ترك التكلم فيه
خيرًا من التكلم فيه، فالشخص إذا آمن بالقدر ولم يبحث عنه لا يرد عليه سؤال
الاعتراض بعدم التفحص، فإنه غير مأمور به، ولذا قال رَجّ فيما تقدم على طريق
الإنكار: ((بِهَذَا أُمِرْتُمْ؟)) أي: بالتنازع بالبحث في القدر. وقال أيضًا: ((إِذَا ذُكِرَ
الْقَدَرُ فَأَمْسِكُوا)). أخرجه الطبراني عن ابن مسعود مرفوعًا، فالمقصود من
الحديث: الزجر والمنع من التكلم في القدر والخوض فيه؛ لعدم الفائدة فيه سوى
السؤال والمناقشة يوم القيامة .
(١١٤) ابن مَاجَهْ (٨٤) في القدرِ عن عائشةً
.
عَيْهَا

٤٥٥
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدْرِ
(رواه ابْنُ مَاجَهْ) في السنة، قال في ((الزوائد)): إسناد هذا الحديث ضعيف
لاتفاقهم على ضعف يحيى بن عثمان التيمي، قال فيه ابن معين والبخاري وابن
حبان: منكر الحديث. زاد ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. ويحيى بن عبد الله
بن أبي مليكة، قال ابن حبان في ((الثقات)): يعتبر بحديثه إذا روى عنه غير يحيى بن
عثمان، انتھی.
قلت: حديث عائشة هذا وإن كان ضعيفًا لكنه تأيد بالأحاديث التي تدلّ على منع
الخوض في القدر والبحث عنه.
١١٥ - [٣٧] وَعَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: أَتَبْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبِ فَقُلْتُ لَهُ: قد
وَقَعَ فِي نَفْسِيٍ شَيْءٌ مِنَ الْقَدَرِ فَحَدِّثْنِ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَهُ مِنْ قُلْبِي. فَقَالَ: لَوْ
أَنَّ اللَّهَ رَنْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ، عَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمُ لَهُمْ، وَلَوْ
رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أَحُدٍ ذَهَبًا فِي
سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ، حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ
لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَدَخَلْتَ
النَّارَ. قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ عَبْدَاللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ
خُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَحَدَّثَنِي عَنِ
النَّبِيِّ وَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ.
[ْرَوَاهُ أَحْمَدُ وأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشَّرُ
١١٥ - قوله: (عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ) بفتح الدال منسوبٍ إلى الديلم، وهو الجبل
المعروف بين الناس، وابن الديلمي هذا هو أبو بسر عبد الله بن فيروز الديلمي أخو
الضحاك بن فيروز، كان يسكن بيت المقدس، ثقة من كبار التابعين، ومنهم من
ذكره في الصحابة. وأبوه فيروز صحابي معروف، وقال المصنف في أسماء رجال
(١١٥) أَحْمَد (٥/ ٣١٧) وأَبُو دَاوُد (٤٦٩٩) فيه، وابن مَاجَهْ (٧٧) من رواية ابن الديلمي عن أُبي بن
كعب، وعن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، وعن حذيفة، وعن زيدِ بنِ ثابت ﴿ّ من قولهم. إلا زيدًا فرَفَعَهُ.

٤٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
SPHONE
((المشكاة)): ابن الديلمي هو الضحاك بن فيروز، تابعي حديثه في المصريين، روى
عن أبيه، انتهى. والراجح عندنا: أن المراد بابن الديلمي هاهنا هو عبد الله بن
فيروز لا أخوه الضحاك؛ لأنه ليس للضحاك رواية عن أبي بن كعب، والله أعلم.
(أَتَيْتُ أُبَّيَّ بْنَ كَعْبٍ) هو: أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن
عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي النجاري المدني سيد القراء، شهد
بدرًا وما بعدها والعقبة الثانية، كنَّاه النبي ◌َّ أبا المنذر، وعمر أبا الطفيل، وسماه
النبي وُّ سيد الأنصار، وعمر سيد المسلمين، كان يكتبُ للنبي وَّ الوحي، وهو
أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول اللَّه وَله، وأحد الفقهاء الستة الذين
كانوا يفتون على عهد رسول اللَّه وَّله، وكان أقرأ الصحابة لكتاب الله، كان عمر
يسأله عن النوازل ويتحاكم إليه في المعضلات، وله مناقب جمة، روي له مائة
وأربعة وستون حديثًا، اتفق الشيخان على ثلاثة، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم
بسبعة، روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين، واختلف في سنة موته اختلافًا
كثيرًا قيل: سنة (١٩) وقيل: (٢٠)، وقيل: (٢٢)، وقيل: (٣٠)، وقيل: (٣٢)،
وقيل: (٣٣).
(قد وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنَ الْقَدَرِ) أي: حزازة واضطراب عظيم من جهة أمر
القضاء والقدر باعتبار العقل أريد منك الخلاص منه، وقيل: ((شَيْءٌ مِنَ الْقَدَرِ)) أي:
لأجل القول بالقدر يريد أنه وقع في نفسه من الشبه لأجل القول بالقدر، أو المراد
بالقدر: هو القول بنفي القدر الذي هو مذهب القدرية.
(فَحَدِّثْنِي) أي: بحديث. (لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَهُ) دخول ((أَنْ)) في خبر لعل للتشبيه
بعسى .
(فَقَال: لَوْ أَنَّ اللَّهَ وَى عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ) من الملائكة. (وَأَهْلَ أَرْضِهِ) من
الأنبياء والأولياء وغيرهم. (عَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِم لَهُمْ) الواو للحال، إرشاد عظيم
وبيان شاف لإزالة ما طلب منه؛ لأنه هدم قاعدَّة الحسن والقبح العقليين؛ لأنه
مالك الأرض والسماوات وما فيهن، فله أن يتصرف في ملكه كيف يشاء ولا يتصور
في تصرفه ظلم؛ لأنه تصرف في ملك الغير ولا ملك لغيره أصلًا ثم عطف عليه.
(وَلَوْ رَحِمَهُمْ) إلخ، إيذانًا بأن النجاة من العذاب إنما هي برحمته وفضله لا

٤٥٧
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
كِتَابُ الإيمَان
*******<<<<<<<**<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<< > .<<<<<<<< > <<<<<**
بالأعمال الصالحة، فالرحمة خير منها فلو شاء أن يصيب برحمته الأولين والآخرين
فله ذلك ولا يخرج ذلك عن حكمة. (مِثْلُ أُحُدٍ) بضمتين، جبلٍ عظيم قرب
المدينة. (ذَهَبًا) تمييز. (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: مرضاته. (مَا قَبِلَهُ اللَّهُ) أي: ذلك
الإنفاق أو مثل ذلك الجبل. (مِنْكَ) وهو تمثيل على سبيل الفرض لا تحديد؛ إذ لو
فرض إنفاق ملء السماوات والأرض كان كذلك، وفيه: إشارة إلى أنه لا قبول
لعمل المبتدع عند الله تعالى أو هو مبنى على القول بكفر منكره. (وَتَعْلَمَ) تخصيص
بعد تعميم أن ما أصابك من النعمة والبلية أو الطاعة والمعصية مما قدره الله لك أو
عليك، (لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَك) أي: يتجاوز عنك فلا يصيبك، بل لا بد من إصابته،
والحِيَّلُ غير نافعة في دفعه، وعنوان (لم يكن ليخطئك) يدلّ على أنه محال أن
يخطئك، والوجه في دلالته أن ((لَمْ يَكُنْ)) يدل على المضي و ((لِيُخْطِئَك)) يدل على
الاستقبال بواسطة الصيغة سيما مع ((أَنْ)) المقدرة فيدل على أنه ما كان قبل الإصابة
في الأزمنة الماضية قابلًا لأن يخطئك في المستقبل بواسطة تقدير الله تعالى
وقضائه في الأزل، بذلك قاله السندهي. (وَلَوْ مُتَّ) بضمِّ الميم من مات يموت،
وبكسرها من مات يميت. (عَلَى غَيْرِ هَذَا) أي: على اعتقاد غير هذا الذي ذكرت
لك من الإيمان بالقدر.
(قَالَ) أي: ابن الديلمي. (فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ) أي: مثل جواب أَبَيِّ في سؤالي. (ثُمَّ
أَتَيْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ) فالحديث من طرق هؤلاء الثلاثة صار
موقوفًا. (ثُمَّ أَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ) أفضل كَتَبَةِ الوحي وأقْرَضَ الصحابة، وهو زيد بن
ثابت بن الضحاك بن لوذان الأنصاري النجاري الخزرجي، أبو سعيد، ويقال: أبو
خارجة المدني كاتب الوحي، استصغر يوم بدر، قدم النبي ◌َّ المدينة وهو ابن
أحد عشر سنة، وأول مشاهده الخندق، جمع القرآن وكتبه في عهد الصديق ونقله
من المصحف في زمن عثمان، وأمرِه النبي ◌َّ أن يتعلم كتاب يهود، فتعلمه في
نصف شهر، فكان يكتب لرسول اللَّه وَ ل إذا كتب إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأه.
قال الشعبي: غلب زيد الناس على اثنين: الفرائض والقرآن. وقال مسروق:
كان أصحاب الفتوى من أصحاب رسول اللَّه ◌َ له ستة، فسماه فيهم، وقال مسروق:
قدمت المدينة فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم. وقال أبو هريرة يوم
مات زيد: مات اليوم حبر الأمة، وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفًا.

٤٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ee
وفضائله كثيرة، له اثنان وتسعون حديثًا، اتفقا على خمسة، وانفرد البخاري
بأربعة، ومسلم بواحد، روى عنه خلق كثير، مات بالمدينة سنة (٤٥) وقيل: سنة
(٤٨) وقيل: سنة (٥١) وقيل: سنة (٥٥).
(فَحَدَّثَنِي عَنِ النَّبِيِّ بِّهِ مِثْلَ ذَلِكَ) فصار الحديث من طريقه مرفوعًا. قال
الطيبي: في سؤاله من الصحابة واحدًا بعد واحد واتفاقهم في الجواب من غير
تغيير ثم انتهاء الجواب إلى حديث النبي ◌َّ - دليلٌ على الإجماع المستند إلى
النص الجلي، فمن خالف ذلك فقد كابر الحق الصريح.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) في ((مسنده)) (ج٥ : ص ١٨٢). (وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) في السنة
كلهم من طريق أبي سنان سعيد بن سنان، عن وهب بن خالد، عن ابن الديلمي،
وأبو سنان هذا قال المنذري: وثقه يحيى بن معين وغيره وتكلم فيه الإمام أحمد
وغيره، وأخرجه أيضًا ابن حبان في (صحيحه)) والطبراني في ((الكبير)) وغيرهما.
١١٦ - [٣٨] وَعَنْ نَافِعٍ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يَقْرَأُ
عَلَيْكَ السَّلاَمَ، فَقَالَ: إِنَّهُ بَلَغَنِّي أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ، فَلَا تُقْرِتْهُ
مِنِّي السَّلَامَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بَ ◌ّهِ يَقُولُ: ((يَكُونُ فِي أُمَّتِي - أَوْ فِي
هَذِهِ الْأَمَّةِ - خَسْفٌ وَمَسْخٌ أَوْ قَذْفٌ فِي أَهْلِ الْقَدَرِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَه، وقَالَ الِّْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ] {حسن}
الشّرْحُ
١١٦ - قوله: (وَعَنْ نَافِعِ) كنيته أبو عبد اللَّه المدني، مولى ابن عمر أصابه في
بعض مغازيه، ثقة ثبت فقيه مَنَّ أوساط التابعين. قال المصنف: هو من المشهورين
بالحديث ومن الثقات الذين يؤخذ عنهم ويجمع حديثهم ويعمل به، معظم حديث
ابن عمر دائر عليه. قال مالك: كنتُ إذا سمعتُ من نافع يحدث عن ابن عمر لا
أبالي أن لا أسمعه من غيره. وقال عبد الله بن عمر: لقد منَّ اللَّهُ تعالى علينا بنافع .
(١١٦) أَبُو دَاوُد (٤٦١٣) في السنة، والتِّرْمِذِي (٢١٥٢) وصحَّحه، وابن مَاجَهْ (٤٠٦١) عن ابن عمر.
تقدَّم في الحسانِ من وجهٍ آخرَ عن ابنِ عُمر.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
٤٥٩
قال البخاري: أصحُّ الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر. روى عنه خلائق، مات
سنة (١١٧) أو بعد ذلك.
(يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ) بفتح الياء والراء، وفي نسخة: يقرئ، أي: بضم الياء
وكسر الراء، قال في ((القاموس)): قرأ عليه السلام أبلغه كأقرأه، ولا يقال: أقرأه إلا
إذا كان السلام مكتوبًا. (فَقَالَ) أي: ابن عمر. (إِنَّهُ) أي: الشأن وتفسيره الخبر،
وهو قوله: (بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ) أي: ابتدع في الدين ماليس منه من التكذيب
بالقدر. (فَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ) أي: ما ذكر. (فَلَا تُقْرِتْهُ مِنِّي السَّلَامَ)، قال الطيبي:
كناية عن عدم قبول السلام. قال القاري: والأظهر أن مراده أن لا تبلغه مني السلام
أو رُدَّهُ فإنه ببدعته لا يستحق جواب السلام، ولوكان من أهل الإسلام. وقال ابن
حجر: لا تقرئه مني السلام؛ لأنا أمرنا بمهاجرة أهل البدع، ومن ثم قال العلماء: لا
يجب رد سلام الفاسق والمبتدع بلٍ لا يسن؛ زجرًا لهما، ومن ثم جاز هجرهم
لذلك. (يَكُونُ فِي أُمَّتِي أَوْ فِي هَذِهِ الأَمَّةِ) أي: أمة الإجابة و((أَوْ)) للشك. (خَسْفٌ)
أي: ذهاب في عمق الأرض. (وَمَسْخٌ) وفي نسخة: ((أَوْ مَسْخٌ)) وكذا في ((جامع
الترمذي))، أي: تغير الصورة. (أَوْ قَذْفٌ) أي: رمي بالحجارة من جهة السماء
كقوم لوط، و((أَوْ)) للتنويع لا للشك. (فِي أَهْلِ الْقَدَرِ) بدل بعض من قوله: ((فِي
أُمَّتِي)) بإعادة الجار، وفي ((سنن ابن ماجه)): ((وَذَلِكَ فِي أَهْلِ الْقَدَرِ)).
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ) أخرجه الترمذي في القدر، وابن ماجه في
الفتن، كلاهما من طريق أبي عاصم عن حيوة بن شريح، عن أبي صخر عن نافع
بالسياق المذكور، ولم أجد الحديث في ((سنن أبي داود)) بهذا اللفظ، نعم أخرج
هو في ((السنة)) عن أحمد بن حنبل، عن عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن أبي أيوب،
عن أبي صخر، عن نافع قال: كان لابن عمر صديق من أهل الشام يكاتبه، فكتب
إليه عبد الله بن عمر: بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر، فإياك أن تكتب إليَّ
فإني سمعت رسول اللَّه وَله يقول: ((إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ يُكَذِّبُونَ الْقَدَرَ)). قال
المِزِّي في ((الأطراف)): هو في رواية ابن الأعرابي وأبي بكر بن داسة. وأخرجه
أيضًا أحمد (ج٢: ص ٩٠) والحاكم (ج١: ص٨٤) بهذا اللفظ، ورواه أحمد أيضًا
(ج٢: ص١٠٨) بنحو الرواية المتقدمة في الفصل الثاني وفي (ج٢: ص١٣٦،
١٣٧) بنحو الرواية التي نحن في شرحها.