النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
i*E
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْف سَنَّةً، وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ))، رواه مسلم. وعن ابن
عباس: سئل عن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾ على أيِّ شيءٍ كانَ
الماءُ؟ قال: على مَتن الريح، رواه البيهقي ذكره الأبهرى، فالأولية إضافية، انتهى
كلام القاري.
قال الحافظ في الفتح (ج١٣: ص١٨٦) بعد ذكر حديث أبي رزين العقيلي
مرفوعًا: أن الماء خُلق قبل العرش، أخرجه أحمد والترمذي، وروى السدي في
(تفسيره)) بأسانيد متعددة أن اللّه لم يخلق شيئًا مما خلق قبل الماء، وأما ما رواه
أحمد والترمذي وصححه من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا: ((إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ
اللَّهُ الْقَلَمَ، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)). فيجمع بينه وبين
ما قبله بأن أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش، أو بالنسبة إلى ما منه صدر
من الكتابة، أي: أنه قيل له: اكتب أول ما خلق، وأما حديث: ((أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ
الْعَقْلُ)) فليس له طريق ثبت، وعلى تقدير ثبوته فهذا التقدير الأخير هو تأويله،
واختلف في أيهما خلق أولًا، العرش أو القلم؟ والأكثر على سبق خلق العرش،
واختار ابن جرير ومن تبعه الثاني، انتهى مختصرًا.
قال: (مَا أَكْتُبُ) ما استفهامية مفعول مقدم على الفعل. قال: (اكْتُبِ الْقَدَرَ)
بفتحتين أي: المقدر المقضي، وفي ((جامع الترمذي)): ((قَالَ: اكْتُبِ الْقَدَرَ مَا كَانَ
وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الْأَبَدِ)). أي: بغير زيادة لفظ: ((فَكَتَبَ)) قبل قوله: ((ما كان))، وفي
((المصابيح)) قال: ((الْقَدَرَ مَا كَانَ)) إلخ. قال شُرَّاحُه: أي: اكتب القدر. فنصبه بفعل
مقدر، و((مَا كَانَ)) بدل من القدر أو عطف بيان. (فَكَتَبَ مَا كَانَ) المضي بالنسبة إليه
وَلخلية، قال الطيبي: ليس حكاية عما أمر به القلم، وإلا لقيل: فكتب ما يكون، وإنما
هو إخبار باعتبار حاله عليه الصلاة والسلام أي: قبل تكلم النبي وَّ بذلك لا قبل
القلم؛ لأن الغرض أنه أول مخلوق، نعم إذا كانت الأولية نسبية صح أن يراد ما
كان قبل القلم، وقيل: ما كان، يعني: العرش والماء والريح. (إِلَى الأَبَدِ) قيل:
الأبد هو الزمان المستمر غير المنقطع، لكن المراد منه هاهنا الزمان الطويل، يدل
عليه رواية ابن عباس عند البيهقي والحاكم، ففيها: ((إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ)).

٤٢١
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) في أواخر القدر مع قصة في الحديث، وفي تفسير سورة ((نون
والقلم)) بغير القصة باللفظ الذي ذكره الحافظ. (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا)
أي: لا متنا، والمراد به حديث يعرف متنه عن جماعة من الصحابة وانفرد واحد
بروايته عن صحابي آخر، ومنه قول الترمذي: غريب من هذا الوجه، لكن وقع في
نسخ جامع الترمذي عندنا في القدر: «حَدِيثٌ غَرِيبٌ))، وفي التفسير ((حَدِيثٌ حَسَنٌ
صَحِيحٌ غَرِيبٌ)) بغير ذكر لفظ: ((إِسْنَادًا)) أو لفظ: ((مِنْ هَذَا الْوَجْهِ))، ولعل المصنف
ذكر كلام الترمذي بالمعنى، فإن قوله: غريب إسنادًا. في معنى قوله: غريب من
هذا الوجه. قيل: وفي تحسينه نظر؛ لأن في سنده عبد الواحد بن سليم المكي
البصري، وهو ضعيف، لكن أخرجه أبو داود من غير طريق الترمذي مع اختلاف
في اللفظ وسكت عليه هو والمنذري، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥: ص٣١٧) من
طرق عن الوليد بن عبادة عن أبيه، وفي معنى الحديث عن ابن عباس عند الطبراني
في ((الكبير)) وابن جرير وأبي يعلى وغيرهم، وعن أبي هريرة عند ابن عساكر، وعن
معاوية بن قرة عن أبيه عند ابن جرير، فالظاهر أن الترمذي حسنه لتعدد طرقه
ولشواهده .

٤٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٩٥ - [١٧] وَعَنْ مُسْلِم بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ هَذِهِ
الْآيَةِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَدَمَ مِنَ ظُهُورِهِمْ ذُرِيََّهُمْ﴾ ... الْآيَة، قَالَ عُمَرُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ يُسْأَلُ عَنْهَا، فَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ
بِيَمِينِهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ
يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءٍ لِلنَّارِ،
وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ)) فَقَالَ رَجُلٌ: فَقِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ
حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلِ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُدْخِلُهُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَإِذَا خَلَقَ
الْعَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَّهُ بِّعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلِ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ
النَّارِ ، فَيُدْخِلُهُ بِهِ النَّارَ)).
[ْرَوَاهُ مَالِكُّ وَالتّْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ]
الشَّرْجُ
٩٥- قوله: (وَعَنْ مُسْلِم بْنِ يَسَارٍ) الجهني من أوساط التابعين، وثَّقَة ابن
حبان، وقال العجلي: تابعي ثَّقة إلا أنه لم يسمع من عمر، وبينهما نعيم بن ربيعة،
کذلك رواه أبو داود.
(عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ) أي: عن كيفية أخذ اللَّه ذرية بني آدم من ظهورهم المذكور في
الآية. (وَإِذْ أَخَذَ) أي: أخرج. (مِنْ ظُهُورِهِمْ) بدل اشتمال مما قبله بإعادة الجار،
وقيل: بدل بعض. (الآيَةَ) بالحركات الثلاث. (يُسْأَلُ) بصيغة المجهول. (عَنْهَا)
أي: عن هذه الآية. (ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ) أي: ظهر آدم. (بِيَمِينِهِ) يمر على ظاهره من
غير تأويل وتكييف، قيل: شق ظهره واستخرجهم منه، والأقرب أنه أخرجهم من
مسام شعرات ظهره؛ إذ تحت كل شعرة ثقبة دقيقة يقال لها: سم مثل سم الخياط،
وجمعه مسام، ويمكن خروج الذرية من هذه الثقبة كما يخرج منها العرق.
(فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ) ببطن نعمان وهو موضع بقرب عرفة كما سيأتي في الفصل الثالث
(٩٥) الثَّلَاثَةُ عَنْ عُمَرَ، وأَبُو دَاوُد (٤٧٠٤)، (٤٧٠٣) فِي ((السُّنَّةِ))، والتِّرْمِذِي (٣٠٧٥)، والنَّسَائِي في
((الكبرى)) (١١١٩٠) فِي التَّفْسِيرِ، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ (٢/ ٣٢٥)، وَقَالَ التِّرْمِذِي: حَسَنٌ.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
٤٢٣
من حديث ابن عباس. (ذُرِّيَّةَ ... ) إلخ، حمل البيضاوي في ((تفسيره)) وفي ((شرحه
للمصابيح))، وغيره من أهل التأويل والاعتزال الآية على التصوير والتمثيل
والتخييل، وقالوا: إنه لا قول ثم ولا شهادة حقيقة .
قال الفخر الرازي: أطبقت المعتزلة على أنه لا يجوز تفسير هذه الآية بهذا
الحديث؛ لأن قوله: ((مِنْ ظُهُورِهِمْ)) بدل من «بَنِي آدَمَ))، فالمعنى: وإذ أخذ ربك
من ظهور بني آدم، فلم يذكر أنه أخذ من ظهر آدم شيئًا، ولوكان المراد الأخذ من
ظهر آدم لقيل: من ظهره.
وأجاب: بأن ظاهر الآية يدل على أن اللَّه تعالى أخرج الذرية من ظهور بني آدم،
وأما أنه أخرج تلك الذرية من ظهر آدم، فلا تدل الآية على إثباته ونفيه، والخبر قد
دلَّ على ثبوته، فوجب القول بهما معًا بأن بعض الذر من ظهر بعض الذر والكل من
ظهر آدم؛ صونًا للآية والحديث عن الاختلاف، انتهى.
وقال الشاه ولي اللَّه الدهلوي في ((حجة اللَّه)): إن الآية لا تخالف الحديث؛ لأن
آدم أخذت عنه ذريته، ومن ذريته ذريتهم إلى يوم القيامة على الترتيب الذي
يوجدون عليه، فذكر في القرآن بعض القصة وبيَّنَ الحديثُ تتمتها .
وقال العلامة الشعراني في الجواب عن إشكال المخالفة: إن هذا شيء يتعلق
بالنظم، وذلك أنه لم يقل: من ظهر آدم - وإن أخرجوا من ظهره - لأن الله تعالى
أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهر بعض على طريق ما يتناسل الأبناء من الآباء،
فاستغنى به عن ذكر آدم استغناءً بظهور ذريته؛ إذ ذريته خرجوا من ظهره. ويحتمل
أن يقال: إنه أخرج ذرية آدم بعضهم من بعض في ظهر آدم ثم أخرجهم جميعًا،
فيصح القولان جميعًا، فإذا قال: أخرجهم من ظهورهم صحَّ، وإذا قال: أخرجهم
من ظهره صحَّ أيضًا، ومثال ذلك من أودع جوهرة في صدفة، ثم أودع الصدفة في
خرقة، وأودع الخرفة مع الجوهرة في حقة، وأودع الحقة في درج، وأودع الدرج
في صندوق، ثم أدخل يده في الصندوق فأخرج منه تلك الأشياء بعضها من بعض
ثم أخرج الجميع من الصندوق، فهذا لا تناقض فيه.
قال: وإن جوابهم أي: جواب الذرية بلفظ: ((بَلَى شَهِدْنَا)) المذكور في الآية كان
بالنطق وهم أحياء؛ إذ لا يستحيل في العقل أن يؤتيهم اللّه الحياة والعقل والنطق مع

٤٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
صغرهم، فإن بحار قدرته واسعة، وغاية وسعنا في كل مسألة أن نثبت الجواز
ونكل كيفيتها إلى الله تعالى. فإن قيل: إذا قال الجميع: ((بَلَى)) فلِمَ قُبِلَ قومٌ ورُدَّ
قومٌ؟ فالجواب كما قال الحكيم الترمذي: أنه تعالى تجلى للكفار بالهيبة، فقالوا:
بلى، مخافة، فلم يك ينفعهم إيمانهم كإيمان المنافقين، وتجلى للمؤمنين
بالرحمة، فقالوا: بلى طوعًا، فنفعهم إيمانهم. قال: وإنما لا نذكر العهد السابق
والميثاق الأزلي؛ لأن تلك البَيِّنة قد انقضت وتداولت الإنسان الغِيَر بمرور الدهور
عليها في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، ثم زاد اللَّه تعالى في تلك البِئْيَة أجزاء
كثيرة، ثم استحالت بتصريفها في الأطوار الواردة عليها من العلقة والمضغة
واللحم والعظم، وهذا كله مما يوجب الوقوع في النسيان، انتهى.
ويذكر عن عليٍّ رَوَّهُ وسهل بن عبد الله التستري وذي النون المصري وغيرهم ما
يدل على أنهم كانوا يذكرون ذلك العهد، والله تعالى أعلم. هذا، ونذكر مزيد
الكلام في شرح حديث ابن عباس الآتي في الفصل الثالث فانتظر.
(وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أي: من الطاعات. (يَعْمَلُونَ) إما في جميع عمرهم أو في
خاتمة أمرهم. (ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ). قال القاري: أي: بيده كما في نسخة، انتهى.
وكذا وقع هذا اللفظ في ((المصابيح))، وليس هو في ((مسند أحمد)) و((جامع
الترمذي)) و(سنن أبي داود)). (وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ) أي: من السيئات. (يَعْمَلُونَ) كما
سبق. (فَفِيمَ الْعَمَلُ) الفاء أدخل جواب الشرط المقدر، أي: إذا كان كما ذكرت یا
رسول اللَّه من سبق القدر ففي أي شيء يفيد العمل، أو بأي شيء يتعلق العمل، أو
فلأي شيء أمرنا بالعمل؟ يعني: إنه حيث خلق له، ولا يتصور تغييره وتبديله
يستوي عمله وتركه. (اسْتَعْمَلَهُ) أي: جعله عاملًا ووفقه للعمل. (حَتَّى يَمُوتَ)
... إلخ. فيه إشارة إلى أن المدار على عمل مقارن للموت. والحديث يدل على
سبق القضاء والتقدير قبل خلق العالم بحسب علمه الأزلي بما يقع بعد الخلق،
وذلك كنتيجة الخلق في علمه تعالى بعد الخلق وعطاء الاختيار للعباد.
(رَوَاهُ مَالِك) في جامع من ((الموطأ)). (والتِّرْمِذِيُّ) في تفسير الأعراف وقال:
حديث حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر ... إلخ. وإنما حسَّنه مع كونه
منقطعًا؛ لأن معنى الحديث قد صحَّ عن النبي ◌ُّ من وجوه ثابتة كثيرة من حديث
عمر وغيره. والترمذي قد يحسن الحديث المنقطع والمرسل لشواهده. (وَأَبُو

٤٢٥
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
دَاوُدَ) في السنة من طريق مسلم بن يسار عن عمر، ومن طريق مسلم بن يسار عن
نعيم بن ربيعة عن عمر وسكت عليه، ونعيم هذا وثقة ابن حبان، وقال الحافظُ: هو
مقبول، وأخرجه أحمد (ج١: ص٤٤) والنسائي في ((تفسيره))، والبخاري في
((تاريخه))، وابن جرير في ((تفسيره))، وابن حبان في (صحيحه)) وغيرهم، وفي
الباب عن ابن عباس وسيأتي حديثه، وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة وهشام بن
حكيم وأبي أمامة، ذكر أحاديثهم ابن كثير في ((تفسيره).
٩٦ - [١٨] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عَمْرِو قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ وَفِي يَدَيْهِ
كِتَابَانِ فَقَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الْكِتَأَبَانِ؟)) فَقُلْنَا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّ أَنْ
تُخْبِرَنَا. فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى: ((هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ
أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ، فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ،
وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًّا))، ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ: ((هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ
الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ، وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى
آخِرِهِمْ فَلاَ يُزَادُ فِيهِمْ، وَلَّا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا)). فَقَالَ أَصْحَابُهُ: فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا
رَسُوَلَ اللَّهِ إِنْ كَانَ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: ((سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، فَإِنَّ صَاحِبَ
الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ عَمِلَ أَّ عَمَلٍ، وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ
لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنْ عَمِلَ أَّ عَمَلٍ)) ثُمَّ قَالَ رَسُوَّلُ اللَّهِ وَلَّه بِيَدَيْهِ فَبَذَّهُمَا،
ثُمَّ قَالَ: ((فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ الْعِبَادِ، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ]
الشَّرْحُ
٩٦ - قوله: (وَفِي يَدَيْهِ) وفي بعض النسخ: ((وَفِي يَدِهِ)) بالإِفراد كما في أكثر
نسخ ((المصابيح))، وكما في ((مسند أحمد)) و((جامع الترمذي))، فيرادُ بها الجنس
(٩٦) التِّرْ مِذِي (٢١٤١) فِي القَدَرِ، والنَّسَائِي في الكبرى (١١٤٧٣) عَنِ ابْنِ عمرو، وَقَالَ التِّرْمِذِي:
وهذا حديث حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ أَتَّمَّ مِنْهُ، وَقَالَ:
حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.

٤٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
والواو للحال. (كِتَابَانٍ) هو محمول على الحقيقة من دون شائبة المجاز والتأويل،
فوجود الكتاب حق ثابت، فإنَّ اللَّه تعالى قادر على كلِّ شيء، والنبي ◌َّ مستعد
لإدراك المعاني الغيبية، فلا نستبعد وقوعه بل نثق بما نشاهده ونراه بل أزيد منه.
قال الغزالي في ((كيمياء السعادة)): امتياز الخواص من العوام بشيئين:
الأول: ما يحصل للعوام من العلوم بالكسب والتعلم، فهو يحصل لهم من عند
اللَّه تعالى من غير تكسب وتعلم، ويقال له: العلم اللدنى، كما قال تعالى:
﴿ وَعَلَّمْنَهُ مِن لَُّنَّا عِلْمَا﴾ .
والثاني: أن كل ما يراه العامة في المنام يراه الخواص في اليقظة، وحكايات
المشائخ في هذا الباب كثيرة جدًّا، وإذا كانت هذه الحالة وتلك الرتبة حاصلة
لخواص عباد الله ولا نستبعد وقوعها لكُمَّلِ أُمّة رسولِ الله ێ، فکیف بمن هو سيد
المرسلين، وأعلاهم رتبة، وأعززهم علمًا، وأوفرهم حظّاً وَّر؟! بل ظاهر الحديث
أنه وَلّ أرى هذين الكتابين للصحابة أيضًا، ولكن لم يعلموا بما فيها من المطالب
بالتفصيل. وقال المشائخ: من لا يعتقد ذلك فهو ليس بمؤمن بحقيقة النبوة،
انتھی .
وقيل: ذلك تمثيل وتصوير وتعبير عن المعنى بالصورة ومبالغة في تحقيقه
والتيقن به، والمتكلم إذا أراد أن يحقق قوله ويفهمه غيره ويظهر المعنى الدقيق
الخفي لمشاهدة السامع يصور بالصورة الظاهرة، ويشير إليه كالإشارة الحسية إلى
المحسوس المشاهد، وإن لم يكن في الخارج وعالم الحس، فلما كوشف له وَ لآه
بحقيقة هذا الأمر وأطلعه اللّه عليه إطلاعًا، ولم يبق معه خفاء وشك وشبهة، مَثَّلَ
وصَوَّرَ المعنى الحاصل في قلبه بالشيء الحاصل في يديه مع أنه ليس في الخارج
کتاب ولا مكتوب.
قلت: لا حاجة إلى حمل الكتاب والإشارة في الحديث على المجاز ولا موجب
لذلك فحمله على الحقيقة هو المعتمد.
(فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى) أي: لأجله أو في شأنه أو عنه أو قال: بمعنى أشار،
فاللام بمعنى إلى. (هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) خصَّهُ بالذكر دلالة على أنه تعالى
مالكهم وهم مملوكون، يتصرَّف فيهم كيف يشاء، فيسعد من يشاء، ويشقي من

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
٤٢٧
يشاء، وكل ذلك عدل وصواب، فلا اعتراض لأحد عليه. (ثُمَّ أَجْمِلَ) بالبناء
للمجهول. (عَلَى آخِرِهِمْ) من قولهم: أجمل الحساب: إذا تمم، ورد التفصيل إلى
الإجمال، وأثبت في آخر الورقة مجموع ذلك وجملته، كما هو عادة المحاسبين أن
يكتبوا الأشياء مفصلة ثم يوقعوا في آخرها فذلكة ترد التفصيل إلى الإجمال،
وضمن أجمل معنى أوقع، فعُدِّي بعلى أي: أوقع الإجمال على من انتهى إليه
التفصيل، ويجوز أن يكون حالًا، أي: أجمل في حال انتهاء التفصيل إلى آخرهم،
فعلى بمعنى إلى. (فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ) جزاء شرط، أي: إذا كان الأمر على ما تقرر من
التفصيل والتعيين والإجمال بعد التفصيل في الصك فلا يزاد فيهم. (وَلَا يُنْقَصُ
مِنْهُمْ أَبَدًا)؛ لأن حكم اللَّه لا يتغير، وأما قوله تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُتْبِثُ
وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ
٣٩
﴾ [الرعد: ٣٩] فمعناه: لكل انتهاء مدة وقت مضروب، فمن
انتهى أجله يمحوه ومن بقي من أجله يبقيه على ما هو مثبت فيه، وكل ذلك مثبت
عند الله في أم الكتاب، وهو القدر، كما أن يمحو ويثبت هو القضاء، فيكون ذلك
عين ما قدر وجرى في الأزل كذلك فلا يكون تغييرًا، وقيل في معنى الآية غير
ذلك. (إِنْ كَانَ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ) بصيغة المجهول، يعني: إذا كان المدار على كتابة
الأزل، فأي فائدة في اكتساب العمل؟ فقال: (سَدِّدُوا) أي: اطلبوا بأعمالكم
السداد والاستقامة في الأمر والعدل فيه. (وَقَارِبُوا) أي: اقتصدوا في الأمور كلها،
واتركوا الغلو فيها والتقصير، يقال: قارب فلان في أموره: إذا اقتصد، كذا في
((النهاية)) .
قال الطيبي: الجواب من أسلوب الحكيم، أي: فيم أنتم من ذكر القدر
والاحتجاج به؟ وإنما خلقتم للعبادة فاعملوا وسددوا، انتهى. (يُخْتَمُ لَهُ) بصيغة
المجهول. (بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ) أي: ولو عمل قبل ذلك. (أَيَّ عَمَلٍ) من
أعمال أهل النار. (بِعَمَّلِ أَهْلِ الَّارِ) أعم من الكفر والمعاصي. (وَإِنْ عَمِلَ أَيَّعَمَلٍ)
أي: قبل ذلك من أعمالَ أهل الجنة. (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ بِيَدَيْهِ) أي: أشار بهماً،
والعرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، فتطلقه على غير الكلام واللسان،
فتقول: قَال بيدِه، أي: أخذ، وقال برجله، أي: مشى، وقال بالماء على يده، أي:
صب، وقَال بثَوْبه، أي: رفعه. (فَنَذَهُمَا) أي: طرح ما فيهما من الكتابين، لا
بطريق الإهانة بل نبذهما إلى عالم الغيب، هذا إذا كان هناك كتاب حقيقي، وأما

٤٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
على التمثيل، فيكون المعنى: نبذهما أي اليدين. (فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ الْعِبَادِ) أي: من
أمر العباد، والمراد بالأمر الشأن، أي: قدر أمرهم لما قسمهم قسمين، وقدر لكل
قسم على التعيين كونه من أهل الجنة أو النار بحيث لا يقبل التغيير، فكأنه فرغ من
أمرهم، وإلا فالفراغ لا يجوز عليه تعالى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في القدر و(قال: هذا حديث حسن صحيح غريب). وأخرجه
أيضًا أحمد (ج٢: ص ١٦٧) والنسائي، وفي الباب عن عمر عند البزار وابن جرير،
وابن عباس عند ابن جرير والدارقطني في ((الأفراد))، وعلي عند الطبراني في
((الأوسط)).
٩٧ - [١٩] وَعَنْ أَبِي خِزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ
رُقَّى نَسْتَرْقِيهَا، وَدَوَاءَ نَتَدَاوَى بِهِ، وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟
قَالَ: ((هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٩٧ - قوله: (عَنْ أَبِي خِزَامَةَ) بكسر الخاء وتخفيف الزاى. (عَنْ أَبِيهِ) اختلف
فيه فروي هكذا، وروي عن ابن أبي خزامة عن أبيه، والأول أصح. وأبو خزامة
هذا تابعي مجهول، واسم والده: يعمر، أحد بني الحارث بن سعد بن هذيم،
صحابي له حديث في الرقى، قال في الإصابة (ج٣: ص٦٦٩): سماه بعضهم في
رواية، وأكثر ما يجيء مبهمًا.
(أَرَأَيْتَ رُقَّى) بضمٍّ وقصر، جمع رقية، وهي ما يقرأ من الدعاء لطلب الشفاء،
والاسترقاء طلب الرقية. (ودواء) بالنصب. (نَتَدَاوَى بِهِ) أي: نستعمله. (وَتُقَاةً)
بضم أوله. (نَتَّقِيهَا) أي: نلتجئ بها أو نحذر بسببها، وأصل تقاة: وقاة، قلبت
الواو تاءً من وقى يقي، أي: حفظ، وهي اسم ما يلتجئ به الناس من خوف الأعداء
كالترس. قيل: وهذه المنصوبات أعني ((رقى)) وما عطف عليها موصوفات
(٩٧) التِّرْ مِذِي (٢٠٦٥) وَصَحَّحَهُ، وَابن مَاجَهْ (٣٤٣٧)، كِلَاهُمَا فِي الطِّبِّ عَنْ أَبِي خُزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
٤٢٩
بالأفعال الواقعة بعدها ومتعلقة بمعنى: أرأيت، أي: أخبرني عن رقى نسترقيها،
فنصبت على نزع الخافض، ويجوز أن يتعلق بلفظ أرأيت، والمفعول الأول
الموصوف مع الصفة، والثاني الاستفهام بتأويل: مقولًا فيها. (هَلْ تَرُدُّ) أي: هذه
الأسباب. (قَالَ: هِيَ) أي: المذكورات الثلاث. (مِنْ قَدَرِ اللَّهِ) أيضًا، يعني: كما
أن اللَّه قدر الداء قدر زواله بالدواء، ومن استعمله ولم ينفعه، فليعلم أن الله ما قدره
له .
والحاصل: أن اللَّه قدر الأسباب والمسببات وربط الأسباب بالمسببات،
فحصول المسببات عند وجود الأسباب من جملة القدر.
قال التُّورْبَشْتِي: عرف الرجل أن من واجب حق الإيمان أن نعتقد أن المقدر
كائن لا محالة، ووجد الشرع يرخص في الاسترقاء ويأمر بالتداوي والاتقاء عن
مواطن المهلكات، فأشكل عليه الأمر، كما أشكل على الصحابة حين أخبروا أن
الكتاب يسبق على الرجل، فقالوا: ففيم العمل؟ فبين الرسول أن جميع ذلك من
قدر الله، وأن المسترقي والمتداوي والمتقي لا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا من ذلك
إلا ما قدر لهم، وكما أن نفس هذا الفعل بقدر اللَّه فكذلك نفعه وضره بقدر الله،
وكما أن التمسك بأعمال البر مأمور به مع ما سبق من القضاء المبرم، فكذلك
التعرض للأسباب الجالبة للمنافع الدافعة للمضار مأمور به أو مأذون فيه إن لم يمنع
عنها مانع شرعي مع جريان القدر المحتوم، انتهى.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٣ : ص ٤٤١). (والتِّرْمِذِيُّ) في ((الطب)) وقال: حديث حسن.
وفي القدر وقال: هَذَا حَدِيث لَا نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ حَدِيثِ الزُّهْري. أي: الراوي عن أبي
خزامة. (وَابْنُ مَاجَهْ) في ((السنة))، وأخرجه الحاكم وصححه، وفي الباب عن
کعب بن مالك أخرجه ابن حبان.

٤٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٩٨ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللّهِ وَ لَه وَنَحْنُ
نَتَنَازَعُ فِي الْقَدَرِ ، فَغَضِبَ حَتَّى احْمَزَّ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْنَتَيْهِ حَبُّ
الرُّمَّانِ، فَقَالَ: ((أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ، أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ؟ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ
قَبْلَكُمْ حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ، عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ، عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا
تَنَازَعُوا فِهِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الشّرْجُ
٩٨- قوله: (وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ فِي الْقَدَرِ) أي: حال كوننا نتباحث في القدر
بالإِثبات والنفي. وقال القاري: أي في شأنه، فيقول بعضنا: إذا كان الكل بالقدر
فلم الثواب والعقاب؟ كما قالت المعتزلة، والآخر يقول: فما الحكمة في تقدير
بعض للجنة وبعض للنار؟ فيقول الآخر: لأن لهم نوع اختيار كَسْبِيٍّ، فيقول الآخر:
فمن أوجد ذلك الاختيار والكسب وأقدرهم عليه وما أشبه ذلك. (حَتَّى كَأَنَّمَا فُقِىَ)
بصيغة المجهول أي: شق أو عصر في وجنتيه، أي: خديه. (حَبُّ الرُّمَّانِ)، وفي
((جامع الترمذي)): ((فِي وَجْنَتَيْهِ الرُّمَّانُ))، أي: بغير لفظ: ((حبُّ))، والمعنى: حتى
صار من شدة حمرته يشبه فقأ حب الرمان في خديه أي: يشبه الاحمرار الحاصل
به، فهو كناية عن مزيد حمرة وجهه المنبئة عن مزيد غضبه، وإنما غضب؛ لأن
القدر سر من أسرار اللَّه تعالى، وطلب سر اللَّه منهي عنه؛ ولأن من يبحث فيه لا
يأمن من أن يصير قدريًّا أو جبريًّا، والعباد مأمورون بقبول ما أمرهم الشرع من غير
أن يطلبوا سِرَّ ما لا يجوز طلب سره.
(أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ؟) أي: أبالتنازع في القدر أمرتم؟ وهمزة الاستفهام للإنكار،
وتقديم المجرور لمزيد الاهتمام. (أَمْ بِهَذَا أَرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ؟) أم منقطعة بمعنى بل
والهمزة، وهي للإنكار أيضًا ترقيًا من الأهون إلى الأغلظ وإنكارًا غَبَّ إِنْكَارٍ. (إِنَّمَا
هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) أي: من الأمم، جملة مستأنفة جوابًا عما اتجه لهم أن يقولوا:
لم تنكر هذا الإنكار البليغ؟ فأجيب بقوله: ((إِنَّمَا هَلَكَ)) إلخ، يعني: ذلك الإنكار
(٩٨) التِّرْ مِذِي (٢١٣٣) فِي الطِّبِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

كِتَابُ الإِيمَان
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
٤٣١
البليغ بسبب هذا العذاب البليغ الذي لا إمهال فيه. (عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ) أي: أقسمت
وأوجبت. (أَنْ لَا تَنَازَعُوا فِيهِ) أي: لا تبحثوا في القدر بعد هذا. قال ابن الملك:
((أَنْ)) هذا يمتنع كونها مصدرية وزائدة؛ لأن جواب القسم لا يكون إلا جملة و ((أَنْ))
لا تزاد مع ((لَا))، فهي إذًا مفسرة، كأقسمت أن لا ضربت، و((تَنَازَعُوا)) جزم بلا
الناهية، ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة؛ لأنها مع اسمها وخبرها سدت مسد
الجملة، كذا قاله زين العرب.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث صالح المري، وله غرائب
ينفرد بها، انتهى.
قلتُ: صالح المري هذا ضعيف، ضعفه ابن معين والدار قطني وابن المديني
والبخاري والنسائي وغيرهم، فالحديث ضعيف، لكن يؤيده الحديث الذي بعده
وحديث ابن مسعود مرفوعًا عند الطبراني بإسناد حسن بلفظ: ((إِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ
فَأَمْسِكُوا))، وحديث ثوبان عند الطبراني في ((الكبير)) بلفظ: ((اجْتَمَعَ أَرْبَعُونَ مِنَ
الصَّحَابَةِ يَنْظُرُونَ فِي الْقَدَرْ)) الحديث، وحديث ابن عباس عند ابن جرير بلفظ:
((خَرَجَ النَّبِيُّ ◌َِّ فَسَمَعَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ يَنْظُرُونَ فِي الْقَدَرِ .. )) الحديث، وحديث
أبي الدرداء وواثلة وأبي أمامة وأنس عند الطبراني في ((الكبير)) بلفظ: ((قَالُوا: خَرَجَ
عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْقَدَرَ .. )) الحديث.
٩٩ - [٢١] وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
جَدِّهِ.
{حسن}
الشَّرْحُ
٩٩- قوله: (وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ) في باب القدر من ((السنة)) وسنده حسن.
(نَحْوَهُ) أي: بالمعنى، ورواه أيضًا أحمد في ((مسنده)) (ج٢: ص١٩٦، ١٩٥).
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي، يُكنى أبا
(٩٩) الْقَدَرُ رَقَمُ (٨٥)، وَسَنَّدُهُ حَسَنٌ.

٤٣٢
*
E ROFEE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
إبراهيم المدني نزيل الطائف، وثقه النسائي وغيره. مات سنة (١١٨). (عَنْ أَبِيهِ)
أي: شعيب بن محمد السهمي الحجازي، من ثقات التابعين وثقه ابن حبان. (عَنْ
جَدِّهِ) أي: جد شعيب والد عمرو، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص، فالضمير في
جده يرجع إلى شعيب بن محمد. هذا هو الصحيح عند المحققين، كعلي بن
المديني وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيدة والبخاري وغيرهم، وقد
صحّ وثبت سماع شعیب من جده عبد الله، وهو الذي ربی حفيده شعيبًا، حتى قيل:
إن محمدًا مات في حياة أبيه عبد الله، وكفل شعيبًا جده عبد الله، يدل على ذلك ما
رواه الدار قطني والحاكم والبيهقي عنه في إفساد الحج، فقالوا: عن عمرو بن
شعيب عن أبيه أن رجلا أتى عبد الله بن عمرو يسأله عن محرم وقع بامرأته فأشار
إلى عبد الله بن عمر فقال: اذهب إلى ذلك فاسأله، قال شعيب: فلم يعرفه الرجل،
فذهبت معه، فسأل ابن عمر. فقال: بطل حجك ... فذكر الحديث، وذكر فيه
سؤاله لابن عباس أيضًا، وذهاب شعيب معه إليه، وأنه قال مثل قول ابن عمر، ففيه
التصريح بأن شعيبًا سمع من جده عبد الله ومن ابن عباس ومن ابن عمر، وعلى هذا
فرواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ليست بمرسلة ولا بمنقطعة كما توهّم ابن
حبان ومن وافقه، بل هي متصلة ولا تنحط عن درجة الحسن إذا كان الإسناد إلى
عمرو صحيحًا. قال الذهبي: حديثُهُ من قبيل الحسن.
قال الحافظُ: ترجمة عمرو قوية على المختار حيث لا تعارض، انتهى. وقال
النووي: إن الاحتجاج به هو الصحيح المختار الذي عليه المحققون من أهل
الحديث، وهم أهل هذا الفن وعنهم يؤخذ، انتهى. وسيأتي مزيد الكلام في هذا
في باب المساجد فانتظر.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
جور)*
٤٣٣
١٠٠ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ،وَله يَقُولُ: ((إِنَّ
اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قُبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ
الْأَرْضِ، مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ
وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ)).
[ْرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشّرْحُ
١٠٠ - قوله: (خَلَقَ آدَمَ مِنْ قُبْضَةٍ) بالضم مِلْءُ الكف، وربما جاء بفتح
القاف، و((مِنْ)) ابتدائية متعلقة بخلق، أي ابتداء خلقه من قبضة، أو بيانية حال من
آدم. (قَبَضَهَا) أي: أمر الملك بقبضها.
قال في ((النهاية)): القبض الأخذ بجميع الكف، والقبضة المرة منه، وبالضم
الاسم منه. (مِنْ جَمِيع الأَرْضِ) يعني: وجهها. (عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ) أي: مبلغها من
الألوان والطباع. (مِنْهُمُ الأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ) أي: بحسب ترابها، وهذه
الثلاثة هي أصول الألوان، وما عداها مركب منها، وهو المراد بقوله: (وَبَيْنَ ذَلِكَ)
أي: بين الأحمر والأبيض والأسود باعتبار أجزاء أرضه. (وَالسَّهْلُ) أي: ومنهم
السهل أي: اللين المنقاد، (وَالْحَزْنُ) بفتح الحاء وسكون الزاي أي: الغليظ الطبع
الخشن، من حزن الأرض وهو الغليظ الخشن. (وَالْخَبِيثُ) أي: خبيث الخصال.
(وَالطَّيِّبُ) على طبع أرضهم، وكل ذلك بتقدير اللَّه تعالى لونًّا وطبعًا وخلقًا. قال
الطيبي: لما كانت الأوصاف الأربعة ظاهرة في الإنسان والأرض أجريت على
حقيقتها، وأولت الأربعة الأخيرة؛ لأنها من الأخلاق الباطنة، فإن المعنى بالسهل
الرفق واللين، وبالحزن الخرق والعنف، وبالطيب الذي يعني به الأرض العذبة
المؤمن الذي هو نفع كله، وبالخبيث الذي يراد به الأرض السبخة الكافر الذي هو
ضر کله، انتهى.
وفيه: إشارة إلى أن هذه الأوصاف والآثار بمنزلة هذه الألوان في كونها تحت
الأقدار، غايته أن الأوصاف قابلة للزيادة والنقصان بحسب الطاعة والإمكان
(١٠٠) أَبُو دَاوُد (٤٦٩٣) فِي ((السُّنَّةِ))، وَالتِّرْ مِذِي (٢٩٥٥) وَصَحَّحَهُ فِي التَّفْسِيرِ.

٤٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*MoReem
المجاهدة الإنسان بخلاف الألوان، وإن نظرت إلى الحقيقة فلا تبديل ولا تغيير
لخلق الله، وهذا معنى قوله: ((جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ))، قاله القاري.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٤: ص٤٠٦، ٤٠٠). (والتِّرْمِذِيُّ) في أول تفسير البقرة وقال:
حَدِيثٌ حَسَن صَحِيح، وكذا صححه أبو الفرج الثقفي في ((الفوائد)). (ق١/٩٧).
(وَأَبُو دَاوُدَ) في ((السنة)) وأخرجه أيضًا الحاكم والبيهقي.
١٠١ - [٢٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَه
يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، فَأَلْقَىُّ عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ
ذَلِكَ الُّورِ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ، فَلِذَلِكَ أَقُولُ: جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْم
اللَّهِ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٠١- قوله: (خَلْقَهُ) أي: الثقلين من الجن والإنس أو الإنس فقط، لا
الملائكة فإنهم ما خلقوا إلا من نور. (فِي ظُلْمَةٍ) أي: كائنين في ظلمةٍ النفس
الأمارة بالسوء المجبولة بالشهوات المردية والأهواء المضلة. (فَأَلْقَى) أي: فَرَشَّ
كما في رواية. (مِنْ نُورِهِ) أي: نوره الذي خلقه الله تعالى فمن زائدة في الإثبات أو
بيانية أي شيئًا هو نوره، فيكون ((مِنْ نُورِهِ)) صفة محذوف، أو تبعيضية أي بعض
نوره، وإضافة النور إلى الله تعالى إضافة إبداع واختراع على سبيل التكريم، كما
في قوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى﴾. (فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ) أي: شيء من ذلك
النور أو بعض ذلك النور.
قيل: المراد بالنور الملقى عليهم نور الإيمان والطاعة والإحسان والمعرفة.
وقيل: المراد به ما نصب لهم من الشواهد والحجج وما أنزل إليهم من الآيات
والنذر؛ إذ لولا ذلك لبقوا في ظلمات الضلالة والجهالة، والمراد بإصابة النور
الاعتبار بالحجج والانتفاع بالشواهد، والاستدلال بالآيات على ذاته تعالى
(١٠١) التِّرْ مِذِي (٢٦٤٢) فِي الإِيمَانِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (٣٠/١).

٤٣٥
كِتَابَ الْإِيمَانِ
ex
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقدَرِ
وصفاته، وعلى دين الإسلام بتوفيق الله، فمن شاء الله بهدايته فشاهد حججه
واعتبر بآياته واستدل بشواهده بالنظر الصحيح، فهو الذي أصابه ذلك النور،
فخلص من تلك الظلمة واهتدى، ومن لم يشأ هدايته فعمي عن آياته، فهو الذي
حرم من ذلك النور وبقي في ظلمات الطبيعة متحيرًا وارتدى، وإليه يشير قوله
تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ [الأنعام: ١٢٢] وقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ
اللّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّيِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. فعلم أن الهداية والضلالة
بمشيئة الله وتقديره في الأزل.
قال في ((اللمعات)): الحق أن المراد من خلقه هو وقت الولادة، ومن إلقاء النور
هو زمان إظهار الشرائع وإعطاء التوفيق للاهتداء، وبالجملة: في الحديث دلالة
على أن الإنسان خلق على حالة لا ينفك عن الظلمة إلا من أصابه النور الملقى
عليه، لكن يتوهم الإشكال في تطبيقه بحديث الفطرة الذي يدل على أن المولود
عند الولادة يكون على نور الفطرة، ولا إشكال؛ لأن حديث الفطرة، كما حقق إنما
يدل على كون الإنسان متهيئًا متمكنًا من إصابة الهدى إن تفكر بالنظر الصحيح
وتأمل في الآيات والشواهد، ومع ذلك خلق في ظلمات النفس والطبيعة، وهذا
الحديث إنما يدل على أن إصابة الهدى إنما هو مشيئة الله وتوفيقه وإلقاء نور
الهداية في قلبه، وليس مستقلاً مستبدًّا بإصابة الهدى، فمن شاء وفقه للنظر
الصحيح وألقى نور الهداية كما هو مقتضى الفطرة والروحانية، ومن لم يشأ لم
يوفقه وأوقعه في ظلمة الضلال والغواية، كما هو مقتضى النفس والطبيعة
الجسمانية، وبالجملة هذا الحديث تنبيه على سابقة التقدير وعلم الله ومشيئته
تعالى، والفطرة كما نبهنا هنالك غير سابقة التقدير فلا تنافي بين الحديثين(*)،
انتھی .
(وَمَنْ أَخْطَأَهُ) أي: ذلك النور يعني: جاوزه ولم يصل إليه. (ضَلَّ) أي: خرج عن
طريق الحق. (فَلِذَلِك) أي: فلأجل عدم تغير ما جرى في الأزل تقديره من الإيمان
(*) قلت: ولعله لا حاجة إلى هذا التأويل الكبير إذا حملنا الظلمة على عالم الظلمة المذكورة في مثل
قوله ◌َّ: ((هم في الظلمة دون الجسر)) في اليهودي السائل: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير
الأرض؟ كما في ((صحيح مسلم)) (٣١٥/٧١٦) [أبو القاسم].

٤٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والكفر والطاعة والمعصية. (أَقُولُ: جَفَّ الْقَلَمُ) أي: فرغت الكتابة، إشارة إلى أن
الذي كتب وقدر لا يتغير حكمه، فهو كناية عن الفراغ من الكتابة؛ لأن الصحيفة
حال كتابتها تكون رطبة أو بعضها وكذلك القلم، فإذا انتهت الكتابة جف الكتابة
والقلم. (عَلَى عِلْم اللَّهِ) أي على حكمه؛ لأن معلومه لا بد أن يقع، فعلمه بمعلوم
يستلزم الحكم بوقوعه. وقال القاري: أي على ما علم الله وحكم به في الأزل لا
يتغير ولا يتبدل، وجفاف القلم عبارة عنه.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٢ : ص١٧٦، ١٩٧). (والتِّرْمِذِيُّ) في أواخر الإيمان، وقال:
حَدِيث حَسَن، وأخرجه أيضًا ابن حبان وصححه والحاكم مطولًا وقال: ((صحيح
على شرط الشيخين))، وابن جرير والبيهقي.
١٠٢ - [٢٤] وَعَنْ أَنَس قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ شَهِ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: ((يَا
مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَىَّ دِينِكَ))، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ
بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ
يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٠٢ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ يُكْثِرُ) من الإكثار. (يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ) أي:
مصرفها تارة إلى الطاعة وتارة إلى المعصية، وتارة إلى الحضرة وتارة إلى الغفلة.
(فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟) يعني: إن قولك هذا ليس لنفسك؛ لأنك في عصمة من الخطأ
والزلة خصوصًا من تقلب القلب عن الدين، وإنما المراد تعليم الأمة، فهل تخاف
علينا من زوال نعمة الإيمان أو الانتقال من الكمال إلى النقصان؟ (قَالَ: نَعَمْ) أي:
أخاف عليكم. (إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أَصْبُعَيْنِ ... ) إلخ، تقدم الكلام فيه. (يُقَلِّبُهَا كَيْفَ
يَشَاءُ) مفعول مطلق أي: تقليًا يريده أو حال من الضمير المنصوب، أي: يقلبها
على أي صفة شاءها، أي: بقضائه وقدره.
(١٠٢) التِّرْ مِذِي (٢١٤٠) عَنْ أَنَسٍ فِي القَدَرِ .

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
٤٣٧
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في القدر، وقال: حديث حسن صحيح. (وابْنُ مَاجَهْ) في
الدعاء .
١٠٣ - [٢٥] وَعَنْ أَبِى مُؤْسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((مَثَلُ الْقَلْب
كَرِيشَةٍ بَأَرْضٍ فَلَاةٍ، يُقَلَُّهَا الرِّيَاحُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ))
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٠٣- قوله: (مَثَلُ الْقَلْبِ) أي: صفة القلب العجيبة الشأن، وورد ما يرد
عليه من عالم الغيب من الدواعي وسرعة تقلبه بسببها. (كَرِيشَةٍ) أي: كصفة ريشة.
(بِأَرْضٍ) بالتنوين، وقيل: بالإضافة. (فَلَاةٍ) أي: مفازة خالية من النبات، وهي
صفة، قيل: ذكر الأرض مقحم؛ لأن الفلاة تدلَّ عليها، فالمقصود التأكيد لدفع
التجوز كما في: أبصرتها بعيني. وتخصيص الفلاة؛ لأن الرياح أشد تأثيرًا فيها من
العمران. (يُقَلَّبُهَا الرِّيَاحُ) صفة أخرى لريشة، وجمع الرياح للدلالة على ظهور
التقليب؛ إذ لو استمر الريح على جانب واحد لم يظهر التقلب. (ظَهْرًا لِبَطْنِ) أي:
وبطنًا لظهر، يعني: كل ساعة يقلبها على صفة، فكذا القلب ينقلب ساعة من الخير
إلى الشر وبالعكس، وقوله: ((ظَهْرًا)) بدل البعض من الضمير في يقلبها، واللام في
(لِبَطْنِ)) بمعنى إلى، ويجوز أن يكون ((ظَهْرًا لِيَطْنِ)) مفعولًا مطلقًا أي تقليبًا مختلفًا،
وأن يكون حالًا، يعني: مقدرة، أي: يقلبها مختلفة كذا في ((المرقاة)).
(رَوَاهُ أَحْمَدُ). (ح٤: ص٤٠٨) بسند حسن، لكن بغير هذا اللفظ، وإنما رواه به
صاحب الأصل. الْبَغَوِيُّ في ((شرح السنة)) (١٤)، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤:
ص٤١٩) وابن ماجه في ((السنة))، وفي سنده عندهما يزيد الرقاشي وهو ضعيف،
وأخرج البزار نحوه عن أنس.
(١٠٣) ابن مَاجَهْ (٨٨) فِي القَدَرِ عَنْ أَبِي مُوسَى أخْصَرَ مِنْهُ، وَأَخْرَجَهُ الْبَغَوِيُّ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ)) (٨٧)
بِتَمَامِهِ .

٤٣٨
e
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٠٤ - [٢٦] وَعَنْ عَلِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بَلِّ: ((لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى
يُؤْمِنَ بِأَرْبَعِ: يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، وَيُؤْمِنَ
بِالْمَوْتِ وَبِّالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَيُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشَّرْخُ
١٠٤ - قوله: (لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَع) هذا نفي لأصل الإيمان لا نفي
لكماله، فمن لم يؤمن بواحد من هذه الأمور الأرَّبعة لم يكن مؤمنًا، ويلزم منه أن
يكون القدري كافرًا، وهو خلاف ما عليه الجمهور، وسيأتي الكلام في هذا.
(يَشْهَدُ) منصوب على البدل من قوله: ((يُؤْمِنَ))، وقيل: مرفوع تفصيل لما سبقه،
أي: يعلم ويتيقن. (بَعَثَنِي بِالْحَقِّ) استئناف، كأنه قيل: ((لِمَ يَشْهَدْ؟))؟ فقال: ((بَعَثَنِي
بِالْحَقِّ)) أي: إلى كافة الجن والإنس، ويجوز أن يكون حالًا مؤكدة أو خبرًا بعد
خبر، فيدخل على هذا في حيز الشهادة. (وَيُؤْمِنَ بِالْمَوْتِ) بالوجهين، وهو الثاني
من الأمور الأربعة. قال المظهر: أي: يعتقد بفناء الدنيا، وهو احتراز عن مذهب
الدهرية القائلين بقدم العالم وبقائه أبدًا. قال القاري: وفي معناه التناسخي،
ويحتمل أن يراد اعتقاد أن الموت يحصل بأمر الله لا بفساد المزاج، كما يقوله
الطبيعي. (وَالْبَعْثُ) أي: ويؤمن بوقوع البعث بعد الموت، هذا هو الثالث،
وتكرير الموت إيذان للاهتمام بشأنه. (وَيُؤْمِنَ) بالوجهين. (بِالْقَدَرِ) يعني: أن
جميع ما يجرى في العالم بقضاء الله وقدره، وفيه دليل على أن الإيمان بالقدر ركن
من أركان الدین.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في القدر ورجاله رجال الصحيح. (وَابْنُ مَاجَهْ) في السنة،
وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٩٧)، والحاكم وصححه على شرطهما، ووافقه
الذهبي .
(١٠٤) التِّرْمِذِي (٢١٤٧) فِي القَدَرِ، وَابن مَاجَهْ (٨١) فِي السُّنَّةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَهُ.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
٤٣٩
١٠٥ - [٢٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((صِنْفَانِ مِنْ
أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌَّ: الْمُرْجِئَةُ، وَالْقَدَرِيَّةُ)).
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ]
الشَّرْجُ
١٠٥ - قوله: (صِنْفَانٍ) أي: نوعان، وهو مبتدأ خبره قوله: ((ليس لهما ... ))
إلخ. (مِنْ أُمَّتِي) صفة أي أمة الإجابة. (لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلاَمِ نَصِيبٌ) أي: حظ.
(الْمُرْجِئَةُ) خبر مبتدأ محذوف أي: هُمَا، وقيل: بدل من صنفان، ويجوز الجر
على أنه بدل من ضمير لهما، والنصب بتقدير: أَعْنِيْ، مشهور في مثله، والمرجئة
اسم فاعل من أرجأت الأمر بالهمزة وأرجيت بالياء أي: أخرت، وهم: فرقة من
فرق الإسلام يعتقدون أنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة،
سموا بذلك لاعتقادهم أن الله أرجأ تعذيبهم على المعاصي، أي: أخره عنهم
وبعده، وقيل: هم الجبرية القائلون بأن إضافة الفعل إلى العبد كإضافته إلى
الجمادات، سموا بذلك؛ لأنهم يؤخرون أمر الله ونهيه عن الاعتداد بهما
ويرتكبون الكبائر، وقيل: هم الذين يقولون: الإيمان قول وتصديق بلا عمل،
فيؤخرون العمل عن القول والتصديق.
وقال الشهرستاني: الإرجاء على معنيين: أحدهما: التأخير، قالوا: أرجه، أي:
أمهله وأخره. والثاني: إعطاء الرجاء. أما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة
بالمعنى الأول فصحيح؛ لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية والقصد، وأما
بالمعنى الثاني فظاهر؛ فإنهم كانوا يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا
ينفع مع الكفر طاعة. وقيل: الإرجاء تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى القيامة، فلا
يقضى عليه بحكم ما في الدنيا من كونه من أهل الجنة أو من أهل النار، قال:
والمرجئة أصناف أربعة: مرجئة الخوارج، ومرجئة القدرية، ومرجئة الجبرية،
(١٠٥) غريب التِّرْمِذِي (٢١٤٩)، وَابن مَاجَهْ (٦٢) كَمَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَهُ، وَقَالَ
التِّرْمِذِي: حَسَنٌ غَرِيبٌ.