النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الْعَمَلِ إِلَّ مَا يُطِيقُ))، يسمى معضلًا عند أصحاب الحديث، نقله ابن الصلاح عن
الحافظ أبي نصر السجزى.
قال العراقي: وقد استشكل لجواز أن يكون الساقط واحدًا؛ فقد سمع مالك عن
جماعة من أصحاب أبي هريرة كسعيد المقبري ونعيم المجمر ومحمد بن
المنكدر. والجواب: أن مالكًا وصله خارج الموطأ عن محمد بن عجلان عن أبيه
عن أبي هريرة، فعرفنا بذلك سقوط اثنين منه. قال السيوطي: بل ذكر النسائي في
((التمییز)) أن محمد بن عجلان لم يسمعه من أبيه، بل رواه عن بكير عن عجلان،
انتھی .

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
٣٨١
٣ - بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
(بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ) هذا نوع تخصيص بعد تعميم، أو ذكر جزئي بعد الكلي؛
اهتمامًا لما وقع فيه من الاختلاف الناشئ عن التحير في هذا الأمر. والقَدَر بفتحتين
وهو المشهور، وقد تسكن دالُهُ.
قال الراغب: القدر بوضعه يدل على القدرة وعلى المقدور الكائن بالعلم
يتضمن الإرادة عقلًا والقول نقلًا، وحاصله وجود شيء في وقت وعلى حال بوفق
العلم والإرادة والقول؛ وقدَّر الله الشيء بالتشديد قضاه، ويجوز بالتخفيف.
وقال الجزري: القدر ما قضاه الله وحكم به من الأمور. وقال في ((القاموس)):
القدر محركة: القضاء والحكم، انتهى.
وهذا يدل على أن القدر والقضاء بمعنى واحد، وقد يُفرَّق بينهما؛ فقيل:
القضاء: الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل. والقدر: الحكم بوقوع
الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل فيما لا يزال؛ قال تعالى: ﴿وَإِن
مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ، إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
[الحجر: ٢١]. وقيل:
القضاء: الإرادة الأزلية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص. والقدر:
تعلّق تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها. وعلى هذا يكون القضاء سابقًا على القدر،
[الرعد: ٣٩]،
قال تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللّهُ مَا يَشَآءُ وَيُتْبِتٌ وَعِندَهُ: أُمُّ الْكِتَبِ
فالمحو والإثبات عبارة عن القدر، وفي قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ، أُمُّ الْكِتَبِ﴾ إشارة
إلى القضاء، وارجع لتوضيح الآية إلى ((حاشية الجلالين)) للشيخ سليمان الجمل،
فإنه أطال الكلام فيها وأجاد.
وقال بعضهم: القدر هو: التقدير، والقضاء هو: الخلق بوفق التقدير، نحو:
﴿ فَقَضَدُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] أي: خلقهن، فيكون القدر سابقًا على القضاء،
وعلى هذا المعنى جف القلم بما هو كائن عبارة عن التقدير؛ وفي قوله تعالى:
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأَنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] إشارة إلى القضاء. وقيل: القضاء أخصُّ من القدر؛
لأنه الفصل من التقدير، والقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع.

ECENE
٣٨٢
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وذكر بعضُهم أن القدر بمنزلة المعد للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل. وفي قول
عمر لأبي عبيدة: ((أَفِرُّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ)) تنبيه على أن القدر ما لم يكن
قضاء فمرجو أن يدفعه اللَّه، فإذا قضى فلا مدفع له، ويشهد لذلك قوله تعالى:
﴿وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١]، ﴿ كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١] تنبيهًا على أنه
صار بحيث لا يمكن تلافيه. وقال الغزالي في ((المقصد الأسنى في شرح الأسماء
الحسنى)): ها هنا ثلاثة أشياء: الحكم والقضاء والقدر. ثم بين الفرق بينها
بالتفصيل فارجع إليه .
والإيمان بالقدر هو: أن يعتقد أن كل ما يوجد في العالم من الخير والشر والضر
والنفع، حتى إن أفعال العباد من الإيمان والكفر والطاعة والعصيان والغواية
والرشد بقضاء الله وقدره وإرادته ومشيئته وخلقه وتأثيره، غير أنه يرضى الإيمان
والطاعة ووعد عليهما الثواب، ولا يرضى الكفر والمعصية وأوعد عليهما العقاب.
قال أهل السنة: إن الله تعالى قدَّر الأشياء أي: علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها
قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه، فلا محدث في العالم العلوي
والسفلي إلا وهو صادر عن علمه وقدرته وإرادته دون خلقه، وإن الخلق ليس لهم
فيها إلا نوع اكتساب ومحاولة ونسبة وإضافة، وإن ذلك كله إنما حصل لهم بتيسير
اللَّه وبقدرة الله وإلهامه، لا إله إلا هو ولا خالق غيره كما نص عليه القرآن والسنة.
وقال ابن السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون
محض القياس والعقل، فمن عدل عن التوقيف فيه ضلَّ وتاه في بحار الحيرة، ولم
يبلغ شفاء ولا ما يطمئن به القلب؛ لأن القدر سرٍّ من أسرار الله، اختص العليم
الخبير به، وضرب دونه الأستار، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من
الحكمة، فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب. قيل: إن القدر ينكشف لهم إذا
دخلوا الجنة، ولا ينكشف قبل دخولها، وارجع إلى كتاب: ((الأسماء والصفات))
للبيهقي، و((خلق أفعال العباد)) للإمام البخاري، و((مدارج السالكين)) للإمام ابن
القيم، و(شرح الإحياء)) للعلامة الزبيدي، والجزء السادس من ((طبقات الشافعية
الكبرى)) للعلامة السبكي، و((حجة الله)) للشيخ ولي الله الدهلوى، وغيرها من
الكتب الكلامية .

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
٣٨٣
الفصل الأول
٧٩ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عَمْرِوٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: («كَتَبَ اللَّهُ
مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قَالَ:
((وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرْجُ
٧٩- قوله: (كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ) جمع: مقدار، وهو الشيء الذي
يعرف به قدر الشيء وكميته كالمكيال والميزان، وقد يستعمل بمعنى القدر نفسه،
وهو الكمية والكيفية أي: أمر الله القلم أن يثبت في اللوح المحفوظ ما سيوجد من
الخلائق ذاتًا وصفة وفعلًا وخيرًا وشرًّا على ما تعلقت به إرادته الأزلية.
قال النووي: قال العلماء: المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو
غيره لا أصل التقدير، فإن ذلك أزلي لا أول له، انتهى. (قَالَ) أي: النبي ◌َّ .
(وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) وفي بعض النسخ: ((وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)). أي: بزيادة
لفظ: ((كَانَ)) وكذا في ((المصابيح))، ووقع في ((صحِيح مسلم)): ((وَعَرْشُهُ عَلَى
الْمَاءِ)) بغير لفظ: ((كان))، وذكر الحافظ حديث عبد الله هذا نقلاً عن مسلمٍ بلفظ:
((وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)) فليحرر. والمعنى: كان عرشه قبل أن يخلق السموات
والأرض على وجه الماء، وفيه إشارة إلى أن الماء والعرش كانا مبدأ هذا العالم؛
لكونهما خلقا قبل خلق السماوات والأرض، وقد روى أحمد والترمذي وصححه
من حديث أبي رزين العقيلي مرفوعًا: ((أَنَّ الْمَاءَ خُلِقَ قَبْلَ الْعَرْشِ)). وروى السدي
في ((تفسيره)) بأسانيد متعددة: ((إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا مِمَّا خَلَقَ قَبْلَ الْمَاءِ)). وأما
حديث: ((أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ)) فسيأتي الكلام عليه في الفصل الثاني من هذا
الباب.
(٧٩) مُسْلِمٍ (١٦ / ٢٦٥٣)، وَالتِّرْ مِذِي (٢١٥٦) فِي كِتَابِ القَدَرِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو.

٣٨٤
*
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرج أحمد والترمذي أول الحديث أي: بدون قوله: ((وَعَرْشُهُ
عَلَى الْمَاءِ)).
٨٠- [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: («كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ،
حَتَّى الْعَجْزِ والْكَيْسِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرْحُ
٨٠- قوله: (كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ) بفتح الدال أي: كل شيء لا يقع في الوجود إلا
وقد سبق به علم الله ومشيئته وتقديره. (حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ) بفتح الکاف روي
برفعهما عطفًا على ((كُلَّ)) أو على أنه مبتدأ حذف خبره، أي: حتى العجز والكيس
كذلك أي: كائنان بتقدير اللَّه تعالى؛ وبجرهما عطفًا على ((شَيْءٍ)). قيل: والأوجه
أن يكون ((حتى)) هنا جارة بمعنى إلى؛ لأن معنى الحديث يقتضي الغاية؛ لأنه أراد
بذلك أن اكتساب العباد وأفعالهم وإن كانت معلومة لهم ومرادة منهم فلا تقع مع
ذلك منهم إلا بمشيئة الله تعالى؛ فكلها بتقدير خالقهم حتى الكيس الذي يتوسل
صاحبه به إلى البغية، والعجز الذي يتأخر به عنها.
قال عياض: يحتمل أن العجز ها هنا على ظاهره، وهو عدم القدرة. وقيل: هو
ترك ما يجب فعله والتسويف به وتأخيره عن وقته. قال: ويحتمل العجز عن
الطاعات، ويحتمل العموم في أمور الدنيا والآخرة. والكيس ضد العجز وهو
النشاط والحذق بالأمور، ومعناه: أن العاجز قد قُدِّرَ عجزه، والكيس قد قدر
کیسه، انتهى.
وفي الحديث: إثبات للقدر، وأنه عام في كل شيء، وأن جميع ذلك مقدر في
الأزل، معلوم لله تعالى مراد له.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في القدر، وأخرجه أيضًا مالك وأحمد (ج٢: ص ١١٠) والبخاري
في ((خلق أفعال العباد)).
(٨٠) مُسْلِم (١٨ / ٢٦٥٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ.

٣٨٥
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
٨١ - [٣] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِفَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((احْتَجَّ آدَمُ
وَمُوسَى عِنْدَ رَبِّهِمَا، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، قَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ
بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ
أَهْبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الْأَرْضِ؟ قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاَكَ
اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، وَأَعْطَالَكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا،
فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللَّهَ كَتَبَ الثَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا. قَالَ
آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا: ﴿وَعَصَّ ءَدَمُ رَبَُّ فَغَوَى﴾؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَقْتَلُومُنِي
عَلَى أَنْ عَمِلْتَ عَمَلَا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟»
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه: ((فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى)).
13 4
الشَّرْجُ
٨١- قوله: (احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى) أي: تحاجًّا وتناظرا. (عِنْدَ رَبِّهِمَا) هذه العندية
عندية اختصاص وتشريف لا عندية مكان، فيحتمل وقوع ذلك في كل من الدارين
الدنيا والآخرة؛ فقد اختلف في وقت هذه المحاجة، فقيل: وقعت في زمانٍ موسى
فأحي اللَّه له آدم معجزة له فكلمه، أو كشف له عن قبره فتحدثا، أو أراه الله روحه
كما أُرِيَ النبي ◌َّ ليلة المعراج أرواح الأنبياء، أو أراه الله له في المنام ورؤياء
الأنبياء وحي.
وقيل: كانت تلك المحاجة بعد وفاة موسى، فالتقيا في البرزخ أوَّلَ مَا مات
موسى فالتقت أرواحهما في السماء، وبذلك جزم ابن عبد البر والقابسي.
(فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى) أي: غلب عليه بالحجة بأن ألزمه أن جملة ما صدر عنه لم
يكن هو مستقلا بها متمكنًا من تركها بل كان أمرًا مقضيًّا، وما كان كذلك لا يحسن
اللوم عليه عقلًا، وأما اللوم شرعًا فكان منتفيًا بالضرورة؛ إذ ما شرع لموسى أن
يلوم آدم في تلك الحال، وأيضًا هو في عالم البرزخ وهو غير عالم التكليف ولا
يتوجه فيه اللوم شرعًا، وأيضًا لا لوم على تائب معفو عنه. (قَالَ مُوسَى ... ) إلخ
(٨١) مُسْلِم (١٣ / ٢٦٥٢) وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالْبُخَارِي (٦٦١٤) بِنَحْوِهِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ.

٣٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
جملة مبينة لمعنى: ((فحج آدم، وموسى)) ومفسرة للجملة، وقوله في آخر
الحديث: ((فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى)) فذلك للتفصيل تقريرًا وتثبيتًا للأنفس على توطين هذا
الاعتقاد، ويحتمل أن يقال: أن قوله: ((فَحَجَّ)) أولًا تحرير للدعوى، وثانيًا: إثبات
لها، فالفاء في الأولى للعطف، وفي الثاني للنتيجة، وهما متغايران في المعنى.
(أَنْتَ آدَمُ؟) استفهام تقرير. (خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ) هي محمولة على ظاهرها فنؤمن
بها من غير تكييف وتشبيه وتعطيل، ولا نتعرض لتأويلها مع اعتقاد أن الجارحة غير
مرادة. (وَنَفَخَ فِيكَ) خصه بالذكر إكرامًا وتشريفًا له، وأنه خلق إبداعًا من غير
واسطة أب وأم. (مِنْ رُوحِهِ) من زائدة على رأي، والنفخ بمعنى الخلق، والإضافة
للتشريف أي : خلق فیك الروح أو نفخ فيك من الروح الذي هو مخلوق ولا يد فيه
لأحد. (وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ) أي: أمرهم أن يسجدوا لك، والسجود في الأصل:
التذلل والتواضع مع التطامن، وفي الشرع: وضع الجبهة وغيرها من أعضاء
السجود على الأرض على قصد العبادة، والمرادهنا المعنى الشرعي، والدليل عليه
ما رواه أحمد ومسلم مرفوعًا من حديث أبي هريرة: ((إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ
فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي وَيَقُولُ: يَا وَيْلَهُ؛ أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ
الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِىَ النَّارُ)). قيل: كانت هذه السجدة لآدم تحية
وسلامًا وإكرامًا واحترامًا وإعظامًا، وهي طاعة للَّه ريت؛ لأنها امتثال لأمره، وقد
كان هذا مشروعًا في الأمم الماضية، ولكنه نسخ في ملتنا. وقد قواه الرازي في
((تفسيره) ورجحه وضعف ما عداه. وقيل: إن المسجود له في الحقيقة هو الله
تعالى وجعل آدم قبلة تفخيمًا لشأنه، واللام في ((لك)) حينئذ بمعنى إلى. وقيل:
المراد به المعنى اللغوي، أي: التواضع والتذلل لآدم تحية وتعظيمًا؛ كسجود
إخوة يوسف. قال البغوي: هذا القول أصح، قال: ولم يكن فيه وضع الوجه على
الأرض، إنما كان انحناء، فلما جاء الإسلام أبطل ذلك بالسلام، انتهى.
(فِي جَنَّتِهِ) الخاصة به، والمراد بها: جنة الخلد التي هي دار الجزاء في الآخرة،
وهي موجودة من قبل آدم، هذا هو الحق. (أَهْبَطْتَ النَّاسَ) أي: كنت سببًا لإهباط
الناس وإنزالهم، فإنهم وإن لم يكونوا موجودين لكنهم كانوا على شرف الوجود،
فكأنه جعلهم مهبطين منها. (بِخَطِيئَتِكَ) أي: التي صدرت عنك غير لائقة بعلو
مقامك، وهي أكله من الشجرة وإن كان نسيانًا أو خطأ في الاجتهاد؛ لأن الكُمَّل

٣٨٧
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدرِ
يعاتبون ويؤاخذون بما لا يؤاخذ به غيرهم، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين،
وليس فيه ما يخل بالأدب مع الأب؛ لأنه يغتفر في بعض الأحوال ما لا يغتفر في
بعض؛ كحالة الغضب والأسف والاحتجاج والمناظرة، وخصوصًا ممن طبع على
حدة الخلق وشدة الغضب، ولذلك لم يجترئ على هذا السؤال والاحتجاج من
أولاد آدم غير موسى؛ فإنه كان في طبعه شدة وحدة، وهذا من اختلاف الطبائع
والأحوال.
(اصْطَفَاَ) أي: اختارك. (بِرِسَالَتِهِ) بالإفراد لإرادة الجنس، وفي بعض النسخ :
(بِرِسَالَاتِهِ)) بالجمع لإرادة الأنواع، وليس فيه ما ينفي رسالةَ آدم؛ لأن كلَّ ذكر ما
هو الأشرف من صفات صاحبه، وتخصيص الشيء بالذكر لا ينفي ما عداه.
(وَبِكَلَامِهِ) اختصٍ بذلك؛ لأنه لم يسمع كلامَ اللَّهِ من غير واسطة أحدٌ في الأرض
غيره. (وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ) أي: ألواح التوراة. (فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ) أي: بيان كل
شيء مما يحتاج إليه في أمر الدين، وهذا مستمد من قوله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ
مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥]. (وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا) النجي
المناجى، يستوي فيه الواحد والجمع، وهو حال من الفاعل أو المفعول أي:
وكلمك الله من غير واسطة ملك، أو المعنى: وخصك بالنجوى. (فَِكَمْ) مميزة
محذوف أي: فبكم زمانًا. (وَجَدْتَ اللَّهَ) أي: علمته. (كَتَبَ الثَّوْرَاةَ) أي: أمر
بكتب التوراة في الألواح. (قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ) بصيغة المجهول. (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ) أي :
فعل خلاف ما أمر به ربه. (فَغَوَى) أي: فخرج بالعصيان من أن يكون راشدًا في
فعله، والغي ضد الرشد، ويطلق على مجرد الخطأ أيضًا أي: أخطأ صواب ما أمر
به، وليس المراد أن لفظه بهذا التركيب بل معناه بالعبرية. (أَفَتَلُومُنِي) أي: تجد
هذا في التوراة فتلو مني. (كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ) أي: في الألواح. (أَنْ أَعْمَلَهُ) بدل من
ضمير (کتبه)) المنصوب.
قال التُّورْبَشْتِي: ليس معناه أنه ألزمه إياي وأوجبه علي، فلم يكن لي في تناول
الشجرة كسب واختيار، وإنما المعنى: أن اللَّه حكم قبل كوني بأنه كائن لا محالة،
فهل يمكن أن يصدر عني خلاف علم اللَّه؟ فكيف تغفل عن العلم السابق وتذكر
الكسب الذي هو السبب، وتنسى الأصل الذي هو القدر وأنت من المصطفين
الذين يشاهدون سرَّ اللَّه؟! ولا يجوز للعاصي أن يعتذر بمثل هذا ويتمسك

٣٨٨
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بالتقدير؛ لأنه باق في دار التكليف وعالم الأسباب الذي لا يجوز فيه قطع النظر
وصرفه عن الوسائط والأسباب، جار عليه أحكام المكلفين من العقوبة واللوم
والتوبيخ وغيرها، وفي لومه وعقوبته زجر له ولغيره عن مثل هذا الفعل، وأما آدم
فهو خارج عن هذا العالم المشهود وعن الحاجة إلى الزجر، فلم يبق في لو مه سوى
الإيذاء والتخجيل، ولأن الاحتجاج بالتقدير يكون على طريقين: الأول: للاجتراء
على المعاصي ودفع العار عن نفسه والتشجع على الفواحش. ولا شك أنه وقاحة،
ودليل لعدم استحياء العاصي من ربه تبارك وتعالى، وذلك لا يجوز عقلًا ولا شرعًا.
والثاني: ما يكون لتسلية النفس ودفع اضطرابها وقلقها الحاصل بسبب ارتكاب
الخطيئة، ولا قبح فيه شرعًا ولا عقلًا، فلا بأس به، فمن أذنب وظلم على نفسه
فاضطربت نفسه وانزعجت، فجعل يكشف همه ويزيل حزنه بتذكر القدر، فهذا
التمسك بالقدر ليس لعدم المبالاة بالمعاصي، بل لتسلية النفس، واحتجاج آدم
بالقدر كان من القسم الثاني، وتمسُّك العصاة بالقدر يكون من القسم الأول غالبًا.
قال الإمام ابن القيم في ((مدارج السالكين)) (ج١: ص١٨٩، ١٩٠، ١٩١): اعلم
أنه لا عذر لأحد البتة في معصية الله تعالى ومخالفة أمره مع علمه بذلك وتمكنه من
الفعل والترك، ولو كان له عذر لما استحق العقوبة واللوم لا في الدنيا ولا في
العقبى، فالاعتذار بالقدر غير مقبول ولا يعذر به أحد، بل يزيد في ذنب الجاني
ویغضب الرب علیه، ثم إن الاعتذار بالقدر يتضمن تنزيه الجاني نفسه وتنزيه ساحته
وهو الظالم الجاهل، والجهل على القدر نسبة الذنب إليه، وتظليمه بلسان الحال
أو القال بتحسين العبارة وتلطيفها كما قيل:
أَلْقَاهُ فِي الْيَمِّ مَكْتُوفًا وَقَالَ لَهُ
إِيَّاكَ إِيَّاكَ أَنْ تَبْتَلَّ بِالْمَاءِ
وقال آخر:
مِنِّي فَفِعْلِي كُلُّهُ طَاعَات
أَصْبَحْتِ مُنْفَعِلًا لِمَ تَخْتَارُهُ
وقال آخر شاكيًا متظلمًا:
إِذَا كَانَ الْمُحِبُّ قَلِيلَ حَظّ
فَمَا حَسَنَاتُهُ إِلَّا ذُنُوب
ولخصماء الله هناك تظلمات وشكايات، ولو فتشوا زوايا قلوبهم لوجدوا هناك
خصمًا متظلمًا شاكيًا يقول: لا أقدر أن أقول شيئًا وإني في صورة ظالم، ويقول

٣٨٩
كِتّابُ الإيمَان
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
بحُرقة وتنفس الصعداء: مسكين ابن آدم لا قادر ولا معذور، وقال آخر: ابن آدم
كرة تحت صولجانات الأقدار يضربها واحد ويردها الآخر، وهل تستطيع الكرة
الانتصاف من الصولجان؟! ومن له أدنى فهم وبصيرة يعلم أن هذا كله تظلم
وشكاية وعتب، فتبًّا له ظالمًا في صورة مظلوم، وشاكيًا والجناية منه، وقد جد في
الإعراض وهو ينادي: طردوني وأبعدوني، ولى ظهره الباب بل أغلقه على نفسه
وأضاع مفاتيحه وكسرها ويقول:
دُخُولِي سَبِيلٌ بَيْنُوا لِي قَضِيَّتِي
دَعَانِي وَسَدَّ الْبَابَ دُونِي فَهَلْ إِلَى
يأخذ الشفيق حجزته عن النار، وهو يجاذبه ثوبه ويغلبه ويقتحمها ويستغيث: ما
حيلتي وقد قدموني إلى الحفيرة وقذفوني فيها. والله كم صاح به الناصح: الحذر
الحذر إياك إياك، وكم أمسك بثوبه، وكم أراه مصارع المقتحمين وهو يأبى إلا
الاقتحام :
وَقَدْ يَسْتَفِيدُ البغضَةِ الْمُتَنَصِّح
وَكَمْ سُقْتُ فِي آثَارِكُمْ مِنْ نَصِيحَةٍ
ياويله ظهيرًا للشيطان على ربه، خصمًا لله على نفسه، جبري المعاصي، قدري
الطاعات، عاجز الرأي مضياع لفرصته، قاعد عن مصالحه، معاتب لأقدار ربه،
يحتج على ربه بما لا يقبله من عبده وامرأته وأمته إذا احتجوا به في التهاون في
بعض أمره، فلو أمر أحدهم بأمر ففرط فيه أو نهاه عن شيء فارتكبه، وقال: القدر
ساقني إلى ذلك، لما قبل منه هذه الحجة ولبادر إلى عقوبته، فإن كان القدر حجة
لك أيها الظالم الجاهل في ترك حق ربك، فهلًّا كان حجة لعبدك وأمتك في ترك
بعض حقك؟ بل إذا أساء إليك مسيء وجنى عليك جان واحتج بالقدر، لاشتد
غضبك عليه وتضاعف جرمه عندك ورأيت حجته داحضة، ثم تحتج على ربك به
وتراه عذرًا لنفسك، فمن أولى بالظلم والجهل ممن هذه حالة ... إلى آخر ما
قال .
(قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً) قيل: المراد بالأربعين سنة ما بين قوله تعالى:
﴿إِنِ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] إلى نفخ الروح فيه، أو هي مدة لبثه طينًا إلى
أن نفخت فيه الروح، والأظهر أن ابتداء المدة وقت الكتابة في الألواح وآخرها
ابتداء خلق آدم. (فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى) تقدم بيان وجه غلبة آدم على موسى.

٣٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: لم يعذر الله أحدًا قط بالقدر، ولو عذره به لكان
أولياؤه وأنبياؤه أحق بذلك، وآدم إنما حج موسى لأنه لامه على المصيبة التي
أصابت الذرية، فقال له: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ كما في بعض
الروايات. وما أصاب العبد من المصائب فعليه أن يسلم فيها للَّه تعالى ويعلم أنها
مقدرة عليه، والحاصل: أنه حصل من موسى ملام على المصيبة التي أصابت
الذرية بخروجهم من الجنة ونزولهم إلى دار المشقة والبلوى بسبب خطيئة أبيهم،
فذكر موسى الخطيئة تنبيهًا على سبب المصيبة، فاحتج آدم بالقدر على المصيبة،
وقال: إن هذه البلية التي أصابت ذريتي بسبب خطيئتي كانت مكتوبة علي بقدره قبل
أن أخلق بكذا وكذا سنة. والقدر يحتج به في المصائب والبلايا دون القبائح
والمعاصي، وارجع لتوضيح هذا الجواب إلى ((شفاء العليل)) لابن القيم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص٢٤٩، ٢٦٥، ٢٦٩، ٢٨٨)
والبخاري والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه بألفاظ مختلفة مختصرًا
ومطولًا. ولعله لم يعزه المصنف إلى البخاري لكونه رواه مختصرًا وإن كان
الأحسن العزو مع التنبيه، وفي الباب عن عمر عند أبي داود وأبي عوانة وغيرهما،
وجندب بن عبد الله عند النسائي، وأبي سعيد عند البزار.

٣٩١
كِتَابُ الإِيمَانِ
Bac>< >xeax:
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
٨٢- [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ وَهُوَ
الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: ((إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنٍ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً،
ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا
بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ
الرُّوحُ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا
يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَغْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ
فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا
ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا)). (مُتَّفَقُ عَلَيْهِ]
الشّرْحُ
٨٢- قوله: (وَهُوَ الصَّادِقُ) الأولى أن تجعل هذه الجملة اعتراضية لا حالية؛
لتعم الأحوال كلها، وأن يكون من عادته ذلك فما أحسن موقعه ها هنا، ومعناه:
الصادق في أقواله المتحري للصدق في جميع أفعاله، والمراد أنه الكامل في
الصدق، أو الظاهر كونه صادقًا بشهادة المعجزات الباهرة، وذكر ذلك تبركًا
وتلذذًا وافتخارًا. (الْمَصْدُوقُ) في جميع ما أتاه من الوحي، يقال: صدقه زيد
راست كفت باوزيد. قال النبي ◌ّ في أبي العاص بن الربيع: (فَصَدَقَنِي))، وقال في
حديث أبي هريرة: ((صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ))، وقال علي في حديث الإفك: (سَلِ
الْجَارِيَةَ تَصْدُفْك)) ونظائره كثيرة، وكذا قال السيد جمال الدين.
(إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ) بكسر الهمزة على الحكاية، ويجوز فتحها أي: مادة خلق
أحدكم أو ما يخلق منه أحدكم وهو الماء. (يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أَمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا) أي :
يتم جمعه في الرحم في هذه المدة، وهذا يقتضي التفرق. (نُطْفَةً) حال من فاعل
(يجمع)، أي: النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله أن يخلق منها بشرًا طارت في
جسم المرأة تحت كل ظفر وشعر، ثم تمكث أربعين ليلة ثم تنزل دمًا في الرحم،
(٨٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٣٢٠٨)، ومُسْلِم (١ / ٢٦٤٣)، فِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

٣٩٢
**=
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فذلك جمعها، كذا فسره ابن مسعود فيما رواه ابن أبي حاتم وغيره، ويجوز أن يريد
الجمع مُكث النطفة في الرحم أربعين يومًا يتخمر فيه حتى يتهيأ للخلق والتصوير،
ثم يخلق بعد الأربعين، كذا في ((النهاية)). (ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً) بفتح العين واللام أي:
دمًّا غليظًا جامدًا. (مِثْلَ ذَلِكَ) إشارة إلى محذوف، أي: مثل ذلك الزمان - يعني:
أربعين يومًا - أي: ثم يبقى ويمكث دمًا أربعين يومًا. (مُضْغَةً) أي: قطعة لحم قدر
ما يمضغ. (مِثْلَ ذَلِكَ) ويظهر التصوير في هذه الأربعين. قال المظهر: في هذا
التحويل مع قدرته على خلقه في لمحة فوائد وعبر.
منها: أنه لو خلقه لشق على الأم لعدم اعتيادها، وربما تظن علة فجعل أولًا نطفة
لتعتاد بها مدة، وهكذا إلى الولادة.
ومنها: إظهار قدرته ونعمته ليعبدوه ويشكروه؛ حيث قلبهم من تلك الأطوار إلى
كونهم إنسانًا حسن الصور متحليًا بالعقل والشهامة.
ومنها: إرشاد الناس وتنبيههم على كمال قدرته على الحشر؛ لأن من قدر على
خلق الإنسان من ماء مهين ثم من علقة ثم من مضغة مهيأة لنفخ الروح فيه، يقدر
علی حشره ونفخ الروح فيه .
ومنها: تعليم العباد في تدريج الأمور وعدم تعجيلهم فيها، فإنه تعالى مع كمال
قدرته وقوته على خلقه دفعة حيث خلقه مدرجًا، فإن الإنسان أولى به التأني في
فعله .
ومنها: تنبيههم وتفهيمهم أصلهم وفرعهم، فلا يغتروا بقوة أبدانهم وأعضائهم
وحواسهم، ويعرفوا أنها كلها عطايا وهدايا، بل على وجه العارية موجودة عندهم
لينظروا إلى مبدئهم.
(ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا) أي: يرسل، أي: في الطور الرابع حين يتكامل بنيانه
ويتشكل أعضاؤه، والمراد بالبعث والإرسال بهذه الأشياء أمره بها وبالتصرف فيها
بهذه الأفعال، وإلا فقد صرح في الحديث بأنه موكل بالرحم، وأنه يقول: يا رب
نطفة، يا رب علقة. وقيل: ذلك ملك آخر غير ملك الرحم. (بِأَرْبَع كَلِمَاتٍ) أي:
بكتابتها. (فَيُكْتَبُ) أي: بين عينيه كما ورد مرفوعًا عن ابن عمر في ((مسند البزار))،
وفي صحيفته أيضًا كما يدل عليه حديث حذيفة بن أسيد عند مسلم في باب كيفية

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
٣٩٣
خلق الآدمي في بطن أمه من كتاب القدر. وورد في رواية أخرى لحذيفة عند مسلم
أيضًا أنه: ((إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانٍ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكَّا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ
سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي
رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَك .. )) الحديث. وظاهر هذا أن تصوير الجنين وخلق
سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظامه، وكتابة الملك يكون في أول الأربعين
الثانية، وهو مخالف لحديث ابن مسعود هذا، ولعل ذلك يختلف باختلاف
الأجنة؛ فبعضهم يصور ويكتب له ذلك بعد الأربعين الأولى، وبعضهم بعد
الأربعين الثالثة .
وقال النووي: لتصرف الملك أوقات، أحدها: حين يخلقها اللَّه نطفة ثم ينقله
علقة، وهو أول علم الملك بأنه ولد وذلك عقب الأربعين الأولى، وحينئذٍ يكتب
رزقه وأجله وعمله وشقاوته أو سعادته وخلقته وصورته، ثم للملك فيه تصرف آخر
في وقت آخر وهو تصويره وخلق سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظمه وكونه ذكرًا
أو أنثى، وذلك إنما يكون في الأربعين الثالثة، وهي مدة المضغة وقبل انقضاء هذه
الأربعين وقبل نفخ الروح، فالمراد بتصويرها وخلق سمعها بعد الأربعين الأولى،
أي في أول الأربعين الثانية: أنه يكتب ذلك ثم يفعله في وقت آخر؛ لأن التصوير
عقب الأربعين الأولى غير موجودة في العادة، وإنما يقع في الأربعين الثالثة، وهي
مدة المضغة، ثم يكون للملك فيه تصرف آخر وهو وقت نفخ الروح عقب الأربعين
الثالثة حين يكمل له أربعة أشهر، انتهى مختصرًا.
وأما الاختلاف في وقت الكتابة كما هو ظاهر من ملاحظة الروايات، فقال
بعض العلماء في دفعه: إنه يكتب ذلك مرتين: أحدهما في السماء، والآخرة في
بطن الأم. وقد يقال: إن لفظة (ثُمَّ)) في حديث ابن مسعود إنما يراد به ترتيب
الأخبار لا ترتيب المخبر عنه في نفسه. وقال بعضهم: قوله: ((ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا
فَيُكْتَبُ عَمَلُهُ ... )) إلخ عطف على ((يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أَمِّهِ)) لا على (ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً))،
وإنما أخر ذكرها إلى ما بعد ذكر المضغة؛ لئلا ينقطع ذكر الأطوار الثلاثة التي
يتقلب فيها الجنين، فإن ذكر هذه الثلاثة على نسق واحد أعجب وأحسن، والأظهر
هو الأول. (وَأَجَلُهُ) أي: مدة حياته وانتهاء عمره. (وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ) خبر مبتدأ
محذوف، أي: ويكتب هو شقي أو سعيد، والظاهر أن يقال: ويكتب سعادته

٣٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وشقاوته، فعدل إلى الصفة حكاية لعين ما يكتب، أو التقدير: يعلم للملك أن
المقضي في الأزل هكذا، حتى يكتب على جبهته مثلًا، ثم الترديد في الحكاية لا
في المحكي، وإنما جاءت الحكاية على لفظ الترديد نظرًا إلى التوزيع والتقسيم
على آحاد المولود، فمنهم شقي وسعيد، والأمر بكتابة الأمور الأربعة لا ينفي كتابة
شيء آخر مما قدر له فيه. (ثُمَّ يُنْفَخُ) على البناء للمجهول، وقيل: إنه معلوم. (فِیهِ
الرُّوحُ) على الوجهين أي: ثم بعد هذا البعث لا قبله. (وَإِنَّ أَحَدَكُمْ) وفي
((المصابيح)): وإن الرجل أي: الشخص. (حَتَّى مَا يَكُونَ) بالنصب بـ(حَتَّى))، وما
نافية غیر مانعة من العمل، وجوز بعضهم کون حتى ابتدائیة فیکون بالرفع. قال ابن
الملك: الأوجه أنها عاطفة، ويكون بالرفع عطف على ما قبله. (إِلّا ذِرَاعٌ) تمثيل
لغاية قربها. (فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ) أي: يغلب عليه، والكتاب بمعنى المكتوب
أي: المقدر أو التقدير. (فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا) المعنى: أنه يتعارض
عمله في اقتضاء السعادة، والمكتوب المقدر في الأزل في اقتضاء الشقاوة فيتحقق
مقتضى المكتوب، فعبر عن ذلك بالسبق؛ لأن السابق يحصل مراده دون
المسبوق. (فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) بأن يستغفر ويتوب. وفي الحديث: تصريح
بإثبات القدر، وأن التوبة تهدم الذنوب، وأن من مات على شيء حكم له بذلك من
خير أو شر، إلا أن أصحاب المعاصي غير الكفر في المشيئة.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه. قال
الحافظ في شرح حديث ابن مسعود في أول القدر: رواه عن النبي وَّل مع ابن
مسعود جماعة من الصحابة. ثم ذكر أحاديثهم.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
٣٩٥
٨٣- [٥] وَعَنْ سَهْل بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((إِنَّ الْعَبْدَ
لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّهُ مِنْ
أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّمَّا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيم)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْجُ
٨٣- قوله: (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بن مالك بن خالد الأنصاري الساعدي
المدني، يكنى أبا العباس، وكان اسمه حزنًا، فسماه النبي ◌َّ سهلًا، وهو من
مشاهير الصحابة. مات النبي ◌َّ وهو ابن خمس عشرة سنة. له مائة حديث
وثمانية وثمانون حديثًا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر.
روى عنه جماعة من التابعين، مات سنة (٨٨) وقيل: بعدها وقد جاوز المائة.
ويقال: إنه آخر من بقي بالمدينة من أصحاب الرسول اللَّه وَل . .
(إِنَّ الْعَبْدَ) أي: عبد من عبيد اللَّه. (لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ) أي: ظاهرًا وصورة
أو أولًا أو في نظر الخلق. (وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أي: باطنًا ومعنى أو آخرًا أو في
علم اللَّه، والواو حالية وإن مكسورة بعدها. (وَيَعْمَلُ) أي: عبد آخر. (إِنَّمَا
الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ) أي: اعتبار الأعمال بالعواقب والأواخر، وهو جمع خاتمة،
وهذا تذييل للكلام السابق مشتمل على معناه لمزيد التقرير، يعني: أن العمل
السابق ليس بمعتبر، وإنما المعتبر العمل الذي ختم به كما لوح به حديث ابن
مسعود حيث قال: ((فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ ... )) إلخ. وفيه حث على المواظبة
بالطاعات ومحافظة الأوقات عن المعاصي؛ خوفًا من أن يكون ذلك آخر عمله.
وفيه زجر عن العجب والتفرح بالأعمال فإنه لا يدري ماذا يصيبه في العاقبة. وفيه
أنه لا يجوز الشهادة لأحد بالجنة ولا بالنار، فإن أمور العبد بمشيئة الله وقدره
السابق. وفيه أيضًا أن الله يتصرف في ملكه ما يشاء وكيف يشاء. وكل ذلك عدل
وصواب، وليس لأحد اعتراض عليه؛ لأنه مالك والمخلوق مملوك، واعتراض
المملوك على المالك قبيح وموجب للتعذيب، قال تعالى: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ
(٨٣) البُخَارِي (٦٦٠٧) فِيهِ فِي آخِرِ حَدِيثٍ لِسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، اتَّفَقَا عَلَى أَصْلِهِ مُسْلِم (١١٢/١٧٩).

٣٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
[الأنبياء: ٢٣]. وفيه حجة قاطعة على القدرية في قولهم: إن الإنسان
يُسْتَلُونَ
يملك أمر نفسه ويختار لها الخير والشر. وهذه القطعة من الحديث لم يروها مسلم
من حديث سهل، بل روي معناها من حديث أبي هريرة.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أي: على أصل الحديث، وإلا فقوله: ((وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيم))
ليس عند مسلم، وكذا أخرجه أحمد (ج٥: ص٣٣٢) بغير هذه الزيادة، وفي البابَ
عن أبي هريرة عند مسلم، وعائشة عند أحمد وابن حبان، وابن عمر والعرس بن
عميرة عند البزار، وعمرو بن العاص وأكتم بن أبي الجون عند الطبراني، وأنس
عند أحمد، وصححه ابن حبان، وعبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد والنسائي
والترمذي، وعلي عند الطبراني، ومعاوية عند ابن حبان.
٨٤- [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ رَّا قَالَتْ: دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ إِلَى جِنَازَةٍ صَبِيٍّ
مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طُوبَى لِهَذَا، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ
لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ. قَالَ: ((أَوَ غَيْرُ ذَلِكِ يَا عَائِشَةُ؟ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ
أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابٍ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ)).
الشَّرْحُ
٨٤- قوله: (وَعَنْ عَائِشَةَ) هي أم المؤمنين الصديقة بنت أبي بكر الصديق
التيمية، تكنى أم عبد الله، وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر، أفقه النساء
مطلقًا، وأفضل أزواج النبي وَّ إلا خديجة، ففيها خلاف شهير، خطبها النبي وَل
وتزوجها بمكة في شوال سنة (١٠) من النبوة، وقبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل
غير ذلك، وبَنى بها بالمدينة في شوال سنة (٢) من الهجرة على رأس ثمانية عشر
شهرًا، ولها تسع سنين. وبقيت معه تسع سنين، ومات عنها ولها ثماني عشرة سنة،
ولم يتزوج غيرها بكرًا، وكانت فقيهة عالمة فصيحة فاضلة كثيرة الحديث عن
رسول اللَّه ◌َله، عارفة بأيام العرب وأشعارها، روى عنها جماعة كثيرة من الصحابة
(٨٤) مُسْلِم (٣/ ٢٦٦٢) فِيهِ، وَأَبُو دَاوُد (٤٧١٣)، وَالنَّسَائِي (٤/ ٥٧)، وَابن مَاجَهْ (٨٢) عَنْهَا.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
٣٩٧
والتابعين، وماتت بالمدينة سنة (٥٧) ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان،
وأمرت أن تدفن ليلًا فدفنت بالبقيع، وصلى عليها أبو هريرة، وكان يومئذٍ خليفة
مروان على المدينة في أيام معاوية. قال الخزرجي: لها ألفان ومائتان وعشرة
أحاديث، اتفقا على مائة وأربعة وسبعين، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين،
ومسلم بثمانية وستين. ومناقبها وفضائلها كثيرة جدًّا، بسط ترجمتها الحافظ في
((الإصابة)) (ج٤: ص٣٥٩، ٣٦١) وابن عبد البر في ((الاستيعاب)).
(طُوبَى لِهَذَا) طوبى فُعلى من طاب يطيب طيبًا، قلبت الياء واوًا للضمة قبلها،
واختلفوا في معناه فقيل: هو اسم الجنة، وقيل: اسم شجرة فيها، وقيل: معناه
أطيب معيشة له، وقيل: فرح له وقرة عين، وقيل: معناه أصيب خيرًا؛ لأن إصابة
الخير مستلزمة لطيب العيش، فأطلق اللازم وأراد الملزوم. (عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ
الْجَنَّةِ) يعني: هو مثلها من حيث أنه لا ذنب عليه، وينزل في الجنة حيث يشاء. قال
ابنُ الملك: شبهته بالعصفور كما هو صغير؛ لكونه خاليًا من الذنوب من عدم كونه
مكلفًا. (وَلَمْ يُدْرِكْهُ) أي: أوانه بالبلوغ لموته قبل التكليف فضلاً عن عمله. (أَوَ غَيْرُ
ذَلِك) بفتح الواو وضم الراء وكسر الكاف، هو الصحيح المشهور من الروايات،
والتقدير: أتعتقدين ما قلت، والحق غير ذلك، وهو عدم الجزم بكونه من أهل
الجنة؟ فالواو للحال، قاله القاري. وقيل: الهمزة للاستفهام الإنكاري والواو
عاطفة، و((غَيْرُ)) مرفوع بعامل مضمر تقديره: أقلت هذا؟ ووقع غير ذلك، وقيل:
يجوز أن يكون (أو) بسكون الواو التي لأحد الأمرين أي: الواقع هذا أو غير ذلك،
ويجوز نصب (غير) أي: أو يكون غير ذلك، وقيل: يجوز أن يكون (أو) بمعنى بل،
أي: بل غير ذلك أحسن وأولى وهو التوقف.
قال التُّورْبَشْتِي: وكأنه ظلِّ لم يرتض قولها؛ لما فيه من الحكم بالغيب والقطع
بإيمان أبوي الصبي أو أحدهما؛ إذ هو تبع لهما. وفيه: إرشاد الأمة إلى التوقف
عند الأمور المبهمة، والسكوت عما لا علم لهم به، وحسن الأدب بین یدي علام
الغيوب .
قلت: الصواب أن النبي وَلّ قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في
الجنة، وقد أجمع من يعتد به من علماء المسلمين أن من مات من أطفال المسلمين

٣٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
فهو في الجنة، ودل عليه الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة، فلا معنى للتوقف فيه،
وإنما نهى عائشة عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع.
(وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ) قيل: عُيِّنَ أهلُ الجنة من أهل النار في الأزل، فعبَّر عن
الأزل بأصلاب الآباء تقريبًا لأفهام العامة.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
٨٥ - [٧] وَعَنْ عَلِّ رَضِ ثَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّهِ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ
إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَفْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، وَمَفْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا
نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ قَالَ: ((اعْمَلُوا، فَكُلّ مُيَسَرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ؛ أَمَّا
مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ
أَهْلِ الشَّقَاءِ فَسَيُّيَسَّرُ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ)) ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنََّى (@) وَصَدَّقَ
◌ِاَ لْحُسْنَى﴾ [الليل: ٦،٥]).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرْحُ
٨٥- قوله: (وَعَنْ عَلِيّ) هو أمير المؤمنين على بن أبي طالب بن عبد المطلب
ابن هاشم، أبو الحسن الهاشمي القرشي، ابن عم رسول اللّه وَ ◌ّل وزوج ابنته
فاطمة، كناه رسول اللَّه وَ ل أبا تراب، والخبر في ذلك مشهور. وأمه فاطمة بنت
أسد بن هاشم، أسلمت وماتت في حياة رسول اللّه وَ ليل، وصلى عليها ونزل في
قبرها، وهو أول من أسلم من الصبيان، جمعًا بين الأقوال، وأحد العشرة، وقد
اختلف في ◌ِنِّهِ يوم إسلامه فقيل: كان له (١٥) سنين، وقيل (٨) سنة، وقيل (١٠)
سنين، وقيل (١٣) سنة، صلى القبلتين وشهد بدرًا وسائر المشاهد، وأبلى بيدر
وأحد والخندق وخيبر البلاء العظيم، وكان لواء رسول اللّه وَليل بيده في مواطن
كثيرة، ولم يتخلف إِلا في تبوك فإنه خلفه في أهله، وفيها قال له : ((أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةٍ
هَارُونَ مِنْ مُوَسى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي))، مناقبة وفضائله شهيرة كثيرة جدًّا.
(٨٥) البُخَارِي (١٣٦٢) و٤٩٤٥) و٤٩٤٩)، وَمُسْلِم (٦/ ٢٦٤٧) فِي القَدَرِ وَغَيْرِهِ عَنْ عَلِيٍّ ◌َْتَهُ، وأَبُو
دَاوُد (٤٦٩٤)، والتِّرْمِذِي (٢١٣٦)، والنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (١١٦٧٩)، وابن مَاجَهْ (٧٨).

كِتّابُ الإيمَان
0
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ
٣٩٩
وقد روي عن أحمد بن حنبل أنه قال: لم يُروَ لأحد من الصحابة من الفضائل ما
رُوِيَ لعلي(*)، وكذا قال النسائي وغير واحد، وفي هذا كفاية، استخلف يوم قتل
عثمان، وهو يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة (٣٥). قال ابن عبد
البر: بويع لعلي يوم قتل عثمان، فاجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار إلا نفرًا
منهم لم يهجهم علي. وقال: أولئك قوم قعدوا عن الحق، ولم يقوموا مع الباطل.
وتخلف عنه معاوية في أهل الشام، فكان منهم في صفين بعد الجمل ما كان، ثم
خرجت عليه الخوارج وكفروه بسبب التحكيم، ثم اجتمعوا وشقوا عصى
المسلمين وقطعوا السبيل، فخرج إليهم بمن معه فقاتلهم بالنهروان، فقتلهم
واستأصل جمهورهم، فانتدب لهم من بقاياهم عبد الرحمن بن ملجم المرادي
وكان فاتكًا فقتله بالكُوفةِ ليلة الجمعة لثلاث عشرة خلت، وقيل: بقيت من رمضان
سنة (٤٠) وله من العمر (٦٣) سنة، وهو يومئذٍ أفضل الأحياء من بني آدم بالأرض
بإجماع أهل السنة، وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر وأيامًا، روى عنه خلائق
من الصحابة والتابعين. قال الخزرجي: له خمس مائة حديث وستة وثمانون
حديثًا، اتفقا على عشرين، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر.
(مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) من مزيدة لاستغراق النفي. (إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ) الواو للحال
والاستثناء مفرغ أي: ما وجد أحد منكم في حال من الأحوال إلا في هذه الحالة،
أي: إلا وقد قدر مقعده من النار. (مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ) أي: موضع
قعوده، كنى عن كونه من أهل الجنة أو النار باستقراره فيها، والواو المتوسطة بينها
بمعنى أو التي تكون للتنويع، وقد ورد في بعض الروايات بلفظ: ((أَوْ)) وهي قرينة
لحمل الواو على معنى ((أو)) وهي أوفق بالمقصود. (أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا) المقدر
لنا في الأزل، قيل: الفاء جواب الشرط أي: إذا كان الأمر كذلك أفلا نعتمد على
ما كتب لنا في الأزل. (وَنَدَعُ الْعَمَلَ) أي: نترك السعي في العمل، يعني: إذا سبق
القضاء لكل أحد منا بالجنة أو النار فأي فائدة في السعي فإنه لا يرد قضاء الله
وقدره. (اعْمَلُوا فَكُلّ) الفاء للسببية، والتنوين عوض عن المضاف إليه. (مُيَسَّرٌ لِمَا
(*) قال الامام ابن تيمية في ((المنهاج)) (ج٤: ص ٢٥٣): لكن أكثر ذلك من نقل من علم كذبه أو
خطؤه، اهـ. وقال أيضًا (ج٤: ص٩٩): إن في نقل هذا عن أحمد كلامًا، اهـ. وكتبه مصححه.