النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
رسول اللَّهِ وَ لَه سبعين سورة. وكان يشبه بالنبي وَّ في سمتِهِ ودلَّهِ وهديه، وشهد له
رسول الله ځ بالجنة، فيما ذكر في حديث العشرة بإسناد حسن جید. كان من كبار
العلماء من الصحابة، شهد فتوح الشام، وولي القضاء بالكوفة وبيت مالها لعمر
وصدرًا من خلافة عثمان، ثم صار إلى المدينة فمات بها سنة (٣٢) ودفن بالبقيع،
وله بضع وستون سنة. مناقبه وفضائله كثيرة جدًّا، بسط ترجمته الحافظ في
((الإصابة)) (ج٢ ص ٣٧٠، ٣٦٨) وابن عبد البر في ((الاستيعاب)). روى ثمان مائة
حديث وثمانية وأربعين حديثًا، اتفقا على أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد
وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين. روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين.
(أَيُّ الذَّتْبِ أَكْبَرُ؟) وفي رواية: أَعْظَمُ. (أَنْ تَدْعُوَ) أي: تجعل كما في روايةٍ
وكقوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾﴾ [البقرة: ٢٢]. (نِدًّا) بكسر النون
أي: شريكا ونظيرًا، والند في اللغة: المثل، المناوي: أي: المماثل المخالف
المضاد المعادي، من ند ندودًا إذا نفر، وناددت الرجل أي: خالفته، خص
بالمخالف في الأفعال والأحكام المماثل في الذات والصفات، كما خص
المساوي للمماثل في القدر والشكل فيما يشارك في القدر والمساحة، والشبه فيما
يشارك في الكيفية، والمثل عام في جميع ذلك، والضد أحد المتقابلين لا يمكن
اجتماعهما. (وَهُوَ خَلَقَك) أي: وغيره لا يستطيع خلق شيء، فوجود الخلق يدل
على الخالق، واستقامة الخلق تدل على توحيده، إذ لو كان المدبر اثنين لم يكن
على الاستقامة. والجملة حال من اللَّه أو من فاعل ((أَنْ تَدْعُوَ))، أي: والحال أنه
انفرد بخلقك ولم يخلقك غيره، ولم يقدر على أن يدفع السوء والمكاره منك غيره،
بل للَّه عليك الإِنعام بما لا تقدر على عده. وفي الخطاب إشارة إلى أن الشرك من
العالم بحقيقة التوحيد أقبح منه من غيره.
(قَالَ: ثُمَّ أَّ؟) استفهام بالتنوين بدل من المضاف إليه لكن يحذف التنوين وقفًا
بمعنى: أُّ شيءٍ من الذنوب أكبر بعد الشرك؟ فـ (ثم)) لتراخي الرتبة. (أَنْ تَقْتُلَ
وَلَدََ) أي: الذي هو أحب الأشياء عند الإنسان عادة، ثم الحامل على قتله خوف
أن يأكل معك، وهو في نفسه من أخس الأشياء، فإذا قارن القتل، سيما قتل الولد،
سيما من العالم بحقيقة الأمر، كما يدل عليه الخطاب زاد قبحًا على قبح. (خَشْيَةَ)
منصوب على أنه مفعول له. (أَنْ يَطْعَمَ) بنصب أوله. (مَعَكَ) بُخلا مع الوجدان أو
٣٢١
كِتّابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْكَبَائِرِ وَعَلَامَاتِ النفَّاقِ
إيثارًا لنفسه عليه عند الفقد، ولا اعتبار بمفهومه؛ لأنه خرج مخرج الغالب؛ لأنهم
كانوا يقتلونهم لأجل ذلك، وهو معنى قوله: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقِّ﴾
[الإسراء: ٣١] أي: فقر.
(أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِلَكَ) الحليلة بالحاء المهملة، وهي زوجته من حلَّ يحِلُّ
بالكسر؛ لأنها تحل له، فهي فعيلة بمعنى فاعلة، أو من حل يحُل بالضم حلولًا؛
لأنها تحل معه في فراش واحد. قال النووي: ومعنى ((تُزَانِيَ)) أي: تزني بها
برضاها، وذلك يتضمن الزنا وإفسادها على زوجها واستمالة قلبها إلى الزاني،
وذلك أفحش، وهو مع امرأة الجار أشد قبحًا وأعظم جرمًا؛ لأن الجار يتوقع من
جاره الذب عنه وعن حريمه، ويأمن بوائقه ويطمئن إليه، وقد أمر بإكرامه
والإحسان إليه، فإذا قابل هذا كله بالزنا بامرأته وإفسادها عليه مع تمكنه منهما على
وجه لا يتمكن غيره منه كان في غاية من القبح، انتهى.
والحاصل: أن هذه الذنوب - أي: الإشراك بالله والقتل والزنا - في ذاتها قبائح
أيُّ قبائح، وقد قارنها من الأحوال ما جعلها في القبح بحيث لا يحيطها الوصف.
وقال القاري: حاصل القيود من الند والولد والجار كمال تقبيح هذه الأصناف من
هذه الأنواع لا أنها قيود احترازية. (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهَا) أي: تصديق هذه المسألة
أو الأحكام، ونصبه على أنه مفعول له، أي: أنزل الله هذه الآية تصديقًا لها:
(﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾) هذا من جملة الأخبار عن المبتدأ المتقدم
وهو ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ (﴿ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ﴾) أي: قتلها. ﴿إِلَّا
بِالْحَقِ﴾ [الفرقان: ٦٨] كالرجم والردة والقصاص، والمعنى: لا يقتلون نفس غير
الحربي بوجه من الوجوه إلا بالحق، فهو استثناء مفرغ. (الآيَةَ) وهي بتمامها في
سورة الفرقان.
فإن قلت: القتل والزنا في الآية مطلقان، وفي الحديث مقيدان.
قلتُ: لأنهما بالقيد أعظم وأفحش، ولا مانع من الاستدلال لذلك بالآية. وقال
القاري: في كون هذه الآية مصدقة للحديث دليل واضح لما تقدم من أن المقصود
من الحديث: إنما هو بيان مطلق الزنا والقتل، وأن ذكر الولد والخشية وحليلة
الجار، لبيان زيادة الفحش والتشنيع والتفضيح، أو رعاية لحال السائل لا للتقييد،
٣٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابيح
وإلا لم تكن الآية الدالة على أكبرية القتل والزنا لا بقيد مطابقة للحديث حتى
تصدقه، بل كان الحديث مقيدًا لها. والحديث أخرجه البخاري في تفسير سورة
البقرة والفرقان، وفي الأدب، وفي المحاربة وفي التوحيد، ومسلم في الإيمان،
والترمذي في تفسير سورة الفرقان، والنسائي في المحاربة.
واعلم: أنه لم يقع في كثير من النسخ المطبوعة في الهند، وفي النسخة التي
طُبعت على ((حاشية المرقاة)) عزو الحديث لأحد من مخرجيه من أئمة الحديث.
والظاهر: أنه سقط لفظ: ((متفق عليه)) من تلك النسخ أو لم يكن موجودًا في
أصولها، والصواب: وجود هذه اللفظة لوقوعها في النسخ المخطوطة التي ذكرها
الشيخ أبو بكر زهير شاويش في مقدمته، ولما أنها ضبطها القاري في ((شرحه
للمشكاة))، وكانت عنده عدة نسخ مصححة مقروءة مسموعة معتمدة، أخذ من
مجموعها أصلاً وصححه منها، وضبط في شرحه على ما ذكره في أول الشرح.
٥٠ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الْكَبَائِرُ:
الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ)).
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ]
الشّرُْ
٥٠- قوله: (الْكَبَائِرِ) المراد به أكبر الكبائر، لما في رواية عند أحمد: ((من
أكبر الكبائر))، ولحديث عبد الله بن أنيس عند الترمذي بسندٍ حسن مرفوعًا قال:
((مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ... )) فذكر منها: ((الْيَمِين الْغَمُوس)). ولحديث ابن مسعود
المتقدم، فإنه جعل فيه الشرك بالله أكبر الذنوب، ولحديث أنس عند البخاري في
الديات وفيه: ((أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ ... )) الحديث. (الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ) أي: اتخاذ إله غير الله،
المراد به مطلق الكفر، وتخصيص الشرك بالذكر لغلبته في الوجود لا سيما في بلاد
العرب، فذكر تنبيهًا على غيره من أصناف الكفر.
(٥٠) البُخَارِي (٦٩٢٠) (٦٦٧٥) فِي الأَيمَانِ والنذور بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وَالتِّرْمِذِي (٣٠٢١)، والنَّسَائِي
(٧/ ٨٩) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، والبُخَارِي (٢٦٥٣) في الشهادات.
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْكَبَائِرِ وَعَلَامَاتِ النفَّاق
٣٢٣
(وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) بضمِّ العين المهملة أي: عصيان أمرهما وترك خدمتهما،
مشتق من العق وهو الشق والقطع، والمراد به: صدور ما يتأذِّى به الوالد من ولده
من قول أو فعل إلا في الشرك أو معصية ما لم يتعنت الوالد. وضبطه ابن عطية
بوجوب طاعتهما في المباحات فعلًا وتركًا، واستحبابها في المندوبات وفروض
الكفاية كذلك، ومنه: تقديمها عند تعارض الأمرين. ثم اقترانه بالإشراك لما
بينهما من المناسبة؛ إذ في كل قطع حقوق السبب في الإيجاد والإمداد، وإن كان
ذلك للَّه حقيقة وللوالدين صورة، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ،
شَيْئًا وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [النساء: ٣٦]. وقوله: ﴿أَنِ أُشْكُرْ لِ وَلِوَلِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤].
(وَقَتْلُ النَّفْسِ) أي: بغير حق. (وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ) أي: الكاذبة، بفتح الغين
المعجمة وضم الميم الخفيفة، وهو الحلف على ماضٍ متعمدًا للكذب، بأن
يقول: والله ما فعلت كذا أو فعلت كذا، وهو يعلم أنه ما فعله، أو أنه فعله، أو أن
يحلف كاذبًا متعمدًا ليذهب مال غيره، سمي غموسًا؛ لأنه يغمس أي: يُدخل
صاحبه في الإثم ثم في النار.
وقيل: في الكفارة بناءً على مذهب الشافعية.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في الأيمان والنذور وفي الديات وفي استتابة المعاندين
والمرتدين، وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي في التفسير، والنسائي في المحاربة.
٥١ - [٣] وَفَي رِوَايَةٍ أَنَسِ: ((وَشَهَادَةُ الزُّورِ)) بَدَلَ: ((الْيَمِينُ الْغَمُوسُ)).
[مُثَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْجُ
٥١- قوله: (وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ) خبر مقدم، والمبتدأ قوله: (وَشَهَادَةُ الزُّورِ)
بضمِّ الزاي، أي الكذب، وسمي زورًا لميلانه عن جهة الحق. قال الحافظُ: ضابط
الزور: وصف الشيء على خلاف ما هو به، وقد يضاف إلى القول، فيشمل الكذب
(٥١) وفي رواية أنس: ((وَشَهَادَةُ الزُّورِ)). بدل: ((الْيَمِينُ الغَمُوسُ)).
٣٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والباطل، وقد يضاف إلى الشهادة فيختص بها، وقد يضاف إلى الفعل ومنه:
(لَا بِس ثَوْبَيْ زُورٍ))، ومنه تسمية الشعر الموصول: زورًا. (بَدَلَ: الْيَمِينُ الْغَمُوسُ)
منصوب على الظرفية، وعامله معنى الفعل الذي في ((وَفِي رِوَايَةٍ أَنَسٍ)) ((وَالْيَمِينُ))
بالرفع حكاية، وبالجر عملاً بالإضافة.
قيل: ولعل اختلاف أنس لابن عمرو لاختلاف المجلس، أو نسيان كل منهما،
والله أعلم.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الشهادات والأدب والديات، ومسلم في
الإيمان، وأخرجه أيضًا الترمذي والنسائي.
٥٢- [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَخْتَهُ عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ
الْمُوبِقَاتِ)) قَالَوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: ((الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ،
وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّ بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ،
وَالتَّوَلِّ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ)). [مُتَّفَقُ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
٥٢- قوله: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ) أي: احذروا فعلها وابعدوا عنها. (الْمُوبِقَاتِ)
بموحدة مكسورة وقاف، أي: المهلكات، جمع موبقة. سميت بذلك؛ لأنها
سبب لإهلاك مرتكبها في الدنيا بما يترتب عليها من العقوبات وفي الآخرة من
العذاب، والمراد بها الكبائر، كما ثبت في روايات وأحاديث أخرى، ذكرها
الحافظ في شرح باب رمي المحصنات، وفي أواخر المحاربين. والتنصيص على
عدد لا ينفي غيره، وإلا فهي إلى السبعين أقرب، روي ذلك عن ابن عباس، وهو
محمول على المبالغة بالنسبة إلى من اقتصر على سبع.
وقيل في الجواب عن الحكمة في الاقتصار على سبع: إنه علم أولًا بالمذكورات
(٥٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ البُخَارِي (٢٧٦٦) فِي الوَصَايَا، وَمُسْلِم (١٤٥ /٨٩) فِي الإِيمَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَّهُ.
كِتَابَ الْإِيمَانِ
بَابُ الْكَبَائِرِ وَعَلَامَاتِ النِفَّاق
٣٢٥
ثم علم بما زاد، فيجب الأخذ بالزائد، أو أن الاقتصار وقع بحسب المقام بالنسبة
إلى السائل أو من وقعت له واقعة، ونحو ذلك.
(الشِّرْكُ بِاللَّهِ) أي: جعل أحد شريكًا للَّه تعالى، قال المناوي: أكبر الكبائر
وأعظمها: الشرك ثم القتل ظلمًا، وما عدا ذلك يحتمل أنه في مرتبة واحدة، فإن
الواو لا تقتضي الترتيب، ويقال في كل واحدة: إنها من أكبر الكبائر، انتهى بزيادة
يسيرة .
(وَالسِّحْرُ) بكسر السين وسكون الحاء المهملتين، وهو أمر خارق للعادة صادر
عن نفس شريرة، والذي عليه الجمهور أن له حقيقة تؤثر بحيث تغير المزاج، قال
النووى: عمل السحر حرام، ومنه ما يكون كفرًا ومنه ما لا يكون كفرًا بل معصية
كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه
فحرام، وفي حكم السحر ومتعلقاته اختلاف كثير وتفاصيل ومباحث ارجع لها إلى
((تفسير الفخر الرازي))، و((أحكام القرآن)) للجصاص الرازي، و((الفتح)) للحافظ.
(إِلَّا بِالْحَقِّ) أي: بفعل موجب للقتل شرعًا. (وَأَكْلُ الرِّبَا) أي: تناوله بأي وجه
كان. (وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ) أي: بغير حق. (وَالتَّوَلَّي) بكسر اللام أي الإدبار للفرار.
(يَوْمَ الزَّحْفِ) أي: يوَمَ القتال في الجهاد، و((الزَّحْفِ)) بفتح الزاي وسكون الحاء
اسم للجماعة التي يزحفون إلى العَدُوِّ أي: يمشون إليهم بمشقة، من زحف الصبي
إذا دب على استه. وقيل: سمي به لكثرته وثقل حركته كأنه يزحف. وقيل: اسم
لجيش الكفار سموا بذلك لكثرة زحفهم على المسلمين، سموا بالمصدر للمبالغة.
وإنما يكون التولي كبيرة إذا لم يزد عدد الكفار على مثلي المسلمين إلا متحرفًا
لقتال أو متحيزًا إلى فئة.
(وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ) أي: الحرائر العفيفات، يعني: رميهن بالزنا، جمع
محصنة بفتح الصاد أي: التي أحصنها اللَّه من الزنا، وبكسر الصاد أي: التي
حفظت فرجها من الزنا. (الْمُؤْمِنَاتِ) احتراز عن قذف الكافرات، فإن قذفهن ليس
من الكبائر، فإن كانت ذمية فقذفها من الصغائر ولا يوجب الحد، وفي قذف الأمة
المسلمة التعزير دون الحد، وإذا كان المقذوف رجلًا يكون القذف أيضًا من
الكبائر، ويجب الحد أيضًا، فتخصيصهن لمراعاة الآية والعادة. (الْغَافِلَاتِ) عن
٣٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفواحش وما قذفن به، كناية عن البريئات؛ لأن البريء غافل عما بهت به من
الزنا، وأما غير الغافلات عن الفواحش، فلا يحرم قذفهن إن كن معلنات. قال
القاري: والغافلات مؤخر عن المؤمنات في الحديث عكس الآية على ما في
النسخ المصححة، ووقع في ((شرح ابن حجر)) بالعكس وفق الآية.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). وأخرجه أيضًا أبو داود، والنسائي.
٥٣ - [٥] وَعنه قَالَ: قَالَ رسول الله وَّ: ((لَا يَزْنِي الزَّانِ حِينَ يَزْنِي
وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ
حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ
يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَغُلَّ أَحَدُكُمْ حِينَ يَغُلَّ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَإِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرُْ
٥٣- قوله: (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ) الواو للحال، وظاهره دليل
على أن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن كما قالت الخوارج والمعتزلة، خلافًا لأهل
السنة فأولوه بوجوه جمعًا بينه وبين الدلائل من الكتاب والسنة الصحيحة التي تدل
على أن أصحاب الكبائر - غير الشرك - لا يُكفّرُون بذلك، بل هم المؤمنون ناقصوا
الإِيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في
المشيئة .
فمن الوجوه التي أوَّل أهلُ الحق الحديثَ بها: أن المراد المؤمن الكامل في
إيمانه.
ومنها: أن معنى نفي الإيمان نفي الأمان من عذاب الله؛ لأن الإيمان مشتق من
الأمن.
ومنها: أن المراد بالمؤمن: المطيع لله، يقال: آمن له، إذا انقاد وأطاع.
(٥٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْهُ؛ البُخَارِي (٦٨١٠) فِي الأَشْرِبَةِ، وَمُسْلِم (١٠٠/ ٥٧) و ٥٧/١٠٣) فِي الإِيمَانِ.
كِتَابُ الْإِيمَان
بَابُ الْكَبَائِرِ وَعَلَامَاتِ النفّاقِ
٣٢٧
ومنها: أنه محمول على الزجر والوعيد للتنفير عنه.
ومنها: أنه محمول على الإنذار لمرتكب هذه الكبائر بسوء عاقبة الأمر؛ إذ
مرتكبها لا يؤمن عليه أن يقع في الكفر الذي هو ضد الإيمان.
ومنها: أن المراد أن الإيمان إذا زنى الرجل خرج منه، وكان فوق رأسه مثل
الظلة، فإذا انقطع رجع إليه .
ومنها: أن معنى مؤمن: مستحي من اللَّه؛ لأن الحياء شعبة من الإيمان، فلو
استحى منه واعتقد أنه ناظر، لم يرتكب هذا الفعل الشنيع، قاله الطيبي.
ومنها: أن صيغ الأفعال وإن كانت واردة على طريق الإخبار فالمراد منها النهي،
ويشهد له أنه روي: (لَا يَزْنٍ)) بحذف الياء ((وَلَا يَشْرَبِ)) بكسر الباء .
ومنها: أنه محمول على من فعله مستحلًا مع علمه بتحريمه .
ومنها: أن معنى نفي كونه مؤمنًا: أنه شابه الكافر في عمله، وموقع التشبيه أنه
مثله في جواز قتاله في تلك الحالة ليكف عن المعصية، ولو أدى إلى قتله، فإنه لو
قتل في تلك الحالة يكون دمه هدرًا، فانتفت فائدة الإيمان في حقه بالنسبة إلى
زوال عصمته في تلك الحالة.
ومنها: أن معناه ليس بمستحضر في حالة تلبسه بالكبيرة جلالَ من آمن به، فهو
كناية عن الغفلة التي جلبتها له غلبة الشهوة.
ومنها: أن معنى ((وَهُوَ مُؤْمِنٌ)) أي: مصدق بالعقاب عليه؛ إذ لو كان معه تصديق
بالعقاب ما وقع في الذنب. وارجع لمزيد البسط والتوضيح إلى ((الفتح)) في أول
الحدود .
(وَلَا يَنْتَهِبُ) انتهب ونهب إذا أغار على أحدٍ وأخذ ماله قهرًا. (نُهْبَةً) بالضم.
المال الذي ينهب جهرًا قهرًا، ظلمًا لغيره، فهو مفعول به، وبالفتح مصدر. (يَرْفَعُ
النَّاسُ) صفة («نُهْبَةً)). (إِلَيْهِ) أي: إلى الناهبِ. (فِيهَا) أي: لسببها ولأجلها أو في
حال فعلها أو أخذها. (أَبْصَارَهُمْ) أي: تعجبًا من جرأته أو خوفًا من سطوته، أي:
يتضرعون لديه ولا يقدرون على دفعه، أو هو كناية عن عدم التستر بذلك، فيكون
صفة لازمة للنهب، بخلاف السرقة فإنه يكون خفية، والانتهاب أشد لما فيه من
٣٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مزيد الجرأة وعدم المبالاة، ولم يذكر الفاعل في الشرب وما بعده ففيه كما قال ابن
مالك: حذف الفاعل لدلالة الكلام عليه، والتقدير: لا يشرب الشارب ... إلخ؛
كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ في قراءة هشام أي: حاسب، انتهى. ولا
يرجع الضمير إلى الزاني لئلا يختص به، بل هو عام في كل من شرب وكذا في
الباقي، ويجوز أن يكون في كل منهما ضمير مستتر يعود إلى مؤمن. (وَلَا يَغُلَّ
أَحَدُكُمْ) الغلول الخيانة أو الخيانة في الغنيمة، والغِلُّ الحقد، ومضارع الأول
بالضمِّ، وهو المراد، والثاني بالكسر. (حِينَ يَغُلَّ) أي: يسرق شيئًا من غنيمة أو
يخون في أمانة. (فَإِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ) نصبه على التحذير، والتكرير للتوكيد والمبالغة،
أي: أحذركم من فعل هذه الأشياء المذكورة.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) إلا قوله: (وَلَا يَغُلَّ)) فإنه من إفراد مسلم، والحديث أخرجه
البخاري في المطاعم والأشربة والحدود والمحاربين، ومسلم في الإيمان،
وأخرجه أيضًا الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وفي الباب عن جماعة من
الصحابة، ذكر أحاديثهم الهيثمي في ((مجمع الزوائد)).
٥٤ - [٦] وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((وَلَا يَقْتُلُ حِينَ يَقْتُلُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ)). قَالَ
عِكْرِمَةُ: قُلْتُ لِاِبْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ يُنْزَّعُ الْإِيمَانُ مِنْهُ؟ قَالَ: هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ
أَصَابِعِهِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا، فَإِنَّ تَابَ عَادَ إِلَيْهِ هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. وقَالَ أَبُوِ
عَبْدِ اللّهِ: لَا يَكُونُ هَذَا مُؤْمِنًا تَامًّا، وَلَا يَكُونُ لَهُ نُورُ الْإِيمَانِ. وَهَذَا لَفْظُ
الْبُخَارِيِّ.
{صحيح}
الشَّرْحُ
٥٤- (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أي: في حديثه زیادة، وحديث ابن عباس هذا
أخرجه البخاري في المحاربين وَفي الحدود. (وَلَا يُقْتَلُ) أي: القاتل مؤمنًا بغير
حق. (قَالَ عِكْرِمَةُ) بكسر أوله وسكون الكاف وكسر الراء المهملة، هو عكرمة أبو
(٥٤) البُخَارِي (٦٨٠٩) فِي الحُدُودِ.
كِتَابَ الْإِيمَانِ
بَابُ الْكَبَائِرِ وَعَلَامَاتِ النِفَّاقِ
٣٢٩
عبد الله المدني مولى ابن عباس، أصله بربري، وهو أحد الأئمة الأعلام وأحد
فقهاء مكة وتابعيها. قال في ((التقريب)): ثقة، ثبت، عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه
عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة، من أوساط التابعين، مات بالمدينة سنة (١٠٧)
وقيل غير ذلك، وله ثمانون سنة، روى عنه خلق كثير. وبسط ترجمته الحافظ في
((تهذيب التهذيب)) (ج٧: ص٢٦٣، ٢٧٣) من أحبَّ البسط والتفصيل رجع إليه.
(كَيْفَ يُنْزَعُ) بضم الياء وفتح الزاي المعجمة. (الْإِيمَانُ مِنْهُ) عند ارتكابه هذه
الكبائر. (قَالَ: هَكَذَا) أي: تفسيره. (وَشَبَّك) أو قال هكذا وفعل التشبيك، يعني:
جمع بين قوله: ((هَكَذَا)) وفعل التشبيك. (ثُمَّ أَخْرَجَهَا) تعبير للأمر المعنوي
بالمدرك الحسي تقريبًا للفهم. (فَإِنْ تَابَ) أي: رجع المرتكب عن ذلك وأقلع .
(عَادَ إِلَيْهِ) الإيمان، قيل: أي كماله ونوره، وجاء مثل ما قاله ابن عباس مرفوعًا،
فقد أخرج أبو داود، والحاكم بسند صحيح، عن أبي هريرة: ((إِذَا زَنَى الرَّجُلُ خَرَجَ
مِنْهُ الإِيمَانُ فَكَانَ عَلَيْهِ كَالظَّلَّةِ، فَإِذَا أَقَلَعَ رَجَعَ إِلَيْهِ الإِيمَانُ)). وعند الحاكم عنه أيضًا
مرفوعًا: ((مَنْ زَنَى أَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ، نَزَعَ اللَّهُ مِنْهُ الْإِيمَانَ كَمَا يَخْلَعُ الْإِنْسَانُ قَمِيصَهُ
عَنْ رَأْسِهِ)). وأخرج الطبري عن ابن عباس مرفوعًا: ((مَنْ زَنَى نَزَعَ اللَّهُ مِنْهُ نُورَ
الِإِيمَانِ مِنْ قَلْبِهِ، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِ رَدَّهُ)). (وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أي: الإمام البخاري
في تأويل الحديث: (لَا يَكُونُ هَذَا مُؤْمِنًا تَامًّا) أي: كامل الإيمان. (وَلَا يَكُونُ لَهُ نُورُ
الْإِيمَانِ) أي: كماله، بل يقعُ في إيمانه نقصانٌ أُّ نقصانٍ، والحاصل أن الإيمان:
تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان. ونورُهُ - أي: كماله - الأعمال
الصالحة واجتناب المنهيات، فإذا أخلَّ بالعمل أو ارتكب معصية مثل: الزنا
وشرب الخمر والسرقة، ذهب نوره، وزال كماله، وبقي صاحبه في الظلمة.
(وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ) أي: هذا التأويل الذي ذكرناه نقلًا عن البخاري هو عن
لفظ البخاري لا معناه. لكن لم نجد هذا القول في النسخ الموجودة الحاضرة عندنا
من ((صحيحه))، ولعله في نسخة أخرى منه، أو في تصنيف آخر له، والله أعلم.
قال ميرك: في قول المصنف: ((وَفِي رِوَايَةٍ)) وقوله: ((وَقَالَ)) وكذا في قوله: ((هَذَا
لَفْظُ الْبُخَارِيِّ)) سماجة لا تخفى، انتهى فتأمل.
٣٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٥٥- [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ
ثَلَاثٌ)) زَادَ مُسْلِمٌ: ((وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى، وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ)) ثُمَّ اتْفَقَا: ((إِذَا حَدَّثَ
كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اقْتُمِنَ خَانَ)).
(صحيح}
الشَّرْحُ
٥٥- قوله: (آيَةُ الْمُنَافِقِ) الآية العلامة، واللام للجنس، و کان القیاس جمع
المبتدأ الذي هو «آيَةَ» ليطابق الخبر الذي هو: (ثَلَاثٌ) أي: خصال، وأجيب بأن
الثلاث اسم جمع، ولفظه مفرد على أنَّ التقدير: آية المنافق معدودة بالثلاث.
وقال الحافظ: الإفراد على إرادة الجنس، أي: كل واحد منها آية. وقد روى أبو
عوانه في ((صحيحه)) بلفظ: ((عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِ))، وأجيب أيضًا بأنه مفرد مضاف
فيعم، كأنه قال: آياته ثلاث.
والنفاق لغة: مخالفة الباطن للظاهر، فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق
الكفر، ويقال: النفاقُ الأكبر، وإلا فهو نفاق العمل، ويدخل فيه الفعل والترك،
وتفاوت مراتبه، ويقال له: النفاق الأصغر، وهو ترك المحافظة على أمور الدين
سرًّا، ومراعاتها علنًا، وهو نفاق دون نفاق. (وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى) أي: وإن عمل
أعمال المسلمين من الصوم والصلاة وغيرهما من العبادات، وهذا الشرط اعتراض
وارد للمبالغة لا يستدعي الجواب. (وَزَعَمَ) أي: ادعى. (أَنَّهُ مُسْلِمٌ) أي: كامل.
(ثُمَّ اتَّفَقًا) أي: البخاري ومسلم. (إِذَا حَدَّثَ) في كل شيء. (كَذَبَ) بالتخفيف
أي: أخبر عنه بخلاف ما هو به قاصدًا للكذب. (وَإِذَا وَعَدَ) أي: بالخير في
المستقبل؛ لأن الشر يستحب إخلافه، بل قد يجب. وقال العلقمي: الوعد يستعمل
في الخير والشر، يقال: وعدته خيرًا ووعدته شرًّا. فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا
في الخير: الوعد والعدة، وفي الشر: الإيعاد والوعيد. قال الشاعر [من الطويل]:
لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
وإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُه
(٥٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٣٣)، ومُسْلِم (١٠٧ / ٥٩) و ١٠٩/ ٥٩) عَنه في الإيمان، والتِّرْمِذِي
(٢٦٣١)، والنَّسَائِي (١١٦/٨).
٣٣١
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْكَبَائِرِ وَعَلَامَاتِ النِفّاقِ
(أَخْلَفَ) أي: لم يف بوعده، والاسم منه الخلف، ووجه المغايرة بين هذه وما
قبلها: أن الإخلاف الذي هو لازم الوعد قد يكون بالفعل، وهو غير لازم التحديث
الذي هو الكذب الذي لا يكون فعلًا. وخلف الوعد لا يقدح إلا إذا كان العزم عليه
مقارنًا للوعد، أما لو كان عازمًا ثم عرض له مانع أو بدا له رأي فهذا لم يوجد منه
صورة النفاق، قاله الغزالي، فخلف الوعد إن كان مقصودًا حال الوعد أثم فاعله،
وإلا فإن كان بلا عذر كره له ذلك أو بعذر فلا كراهة. وفي الطبراني من حديث
سلمان يشهد له حيث قال: ((إِذَا وَعَدَ وَهُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ أَنَّهُ يُخْلِفُ))، وكذا قال في
باقي الخصال. وإسناده لا بأس به، ليس فيهم من أجمع على تركه، وهو عند أبي
داود، والترمذي من حديث زيد بن أرقم بلفظ: ((إِذَا وَعَدَ الرَّجُلُ وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَفِيَ بِهِ
فَلَمْ يَفِ بِهِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ».
(وَإِذَا اقْتُمِنَ) بصيغة المجهول، أي: جعل أمينًا على شيء. (خَانَ) بأن تصرف
فيه على خلاف الشرع. وإنما خص هذه الثلاث بالذكر لاشتمالها على المخالفة
التي هي مبنى النفاق من مخالفة السر العلن؛ فالكذب هو الإخبار عن الشيء على
خلاف ما هو به، والأمانة حقها أن تؤدى إلى أهلها، فالخيانة مخالفة لها،
والخلاف في الوعد ظاهر، ولذا صرح بـ ((أخلف))، قاله الطيبي.
فإن قلتُ: إذا وجدت هذه الخصال في مسلم، فهل يكون منافقًا؟
أجيب: بأنها خصال نفاق، لا نفاق، فهو على سبيل المجاز، أي: صاحب هذه
الخصال كالمنافق، وهو بناء على أن المراد بالنفاق نفاق الكفر. أو المراد الاعتياد،
ولذا قيد هذا بإذا المقتضية للتكرار، يعني: أن المتصف بذلك هو من اجتمعت فيه
هذه الخصال، واعتادها وصارت له ديدنًا وعادة، واستمر عليها حتى رسخت فيه،
بحيث لم يبق للصدق فيه مذهب، ولا للأمانة ممكن، ومن كان كذلك فهو
بالحري أن يسمى منافقًا، فإنه لا يوجد على هذه الصفة إلا من طبع على قلبه،
وختم على سمعه وبصره، فأما المؤمن المقترن بتلك الخصال فإنه إن فعلها مرة
تركها أخرى، وإن أسرَّ عليها زمانًا أقلع عنها زمانًا آخر، وإن وجدت فيه خلة
عدمت منه أخرى، فمجموع الخصال الخمس على وجه الاعتياد لا يوجد في غير
المنافق بنفاق الكفر. أو المراد الإنذار والتحذير من أن يعتاد هذه الخصال،
فتفضي به إلى النفاق الحقيقي، أي: نفاق الاعتقاد والكفر. أو المراد بالنفاق هو
٣٣٢
tHEr
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
النفاق العملي لا النفاق الإيماني أي: الاعتقادي، وهذا ارتضاه القرطبي، وهذه
الأجوبة كلها مبنية على أن اللام في المنافق للجنس، وقيل: إنها للعهد إما منافقي
زمن رسول اللَّه وَ له، وإما منافق خاص شخص بعينه. وكان ◌َّ لا يواجههم
بصريح القول فيقول: منافق، وإنما يشير إشارة.
قال الحافظُ: تمسك هؤلاء بأحاديث ضعيفة جاءت في ذلك لو ثبت شيء منها
لتعين المصير إليه، وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي، انتهى.
قال شيخنا في شرح الترمذي: الأمر كما قال الحافظ من أن أحسن الأجوبة ما
ارتضاه القرطبي، وقد نقل الترمذي هذا القول عن أهل العلم مطلقًا، انتهى.
والحديث أخرجه البخاري في الإيمان والوصايا والشهادات والأدب، ومسلم،
والترمذي، والنسائي في الإيمان.
٥٦ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وََّ: «أَرْبَعُ مَنْ
كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتَّ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ
النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا
خَاصَمَ فَجَرَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْخُ
٥٦- قوله: (أَرْبَعٌ) أي: خصال أربع، أو أربع من الخصال مبتدأ، خبره. (مَنْ
كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا) أي: في هذه الخصال فقط لا في غيرها، أو شديد الشبه
بالمنافقين بسبب هذه الخصال، أو المراد: اجتمعن فيه على وجه الاعتياد
والاستمرار والرسوخ كما تقدم، وقيل: وصفه بالخلوص يؤيد قول من قال: إن
المراد النفاق العملي لا الإيماني، أو النفاق العرفي لا الشرعي؛ لأن الخلوص
بهذين المعنيين لا يستلزم الكفر المُلْقِي في الدرك الأسفل من النار. (حَتَّى يَدَعَهَا)
أي: يتركها .
(٥٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٣٤)، ومُسْلِم (١٠٦ / ٥٨) عَنه فِيهِ.
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْكَبَائِرِ وَعَلَامَاتِ النفَّاق
٣٣٣
جوج!
(وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ) قيل: ومن حدث عن عيش له سلف فبالغ فهذا لا يضر،
وإنما يضر من حدث عن الأشياء بخلاف ما هي عليه قاصدًا للكذب. (وَإِذَا عَاهَدَ
غَدَرَ) أي: نقض العهد ابتداء وترك الوفاء لما عاهد عليه. (وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) أي:
في خصومته، أي: مال عن الحق، وقال الباطل والكذب. قال أهل اللغة: أصل
الفجور: الميل عن القصد. وقال القاري: أي: شتم ورمى بالأشياء القبيحة. فإن
قيل: ظاهر الحديث المتقدم يقتضي الحصر في ثلاث، فكيف جاء في هذا الحديث
أربع؟ أجاب القرطبي باحتمال أنه استجد له وَّ من العلم بخصالهم ما لم يكن
عنده. وأجيب أيضًا بأن في رواية لمسلم ما يدل على عدم الحصر، فإن لفظها: ((مِنْ
عَلَامَةِ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ))، فيكون قد أخبر ببعض العلامات في وقت وبعضها في وقت
آخر. وقيل: التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد، وقد تحصل من الحديثين
خمس خصال، الثلاثة السابقة في الأول، والغدر في المعاهدة، والفجور في
الخصومة، فهي متغايرة باعتبار تغاير الأوصاف واللوازم. ووجه الحصر فيها: أن
إظهار خلاف ما في الباطن إما في الماليات وهو ما إذا اؤتمن، وإما في غيرها، وهو
إما في حالة الكدورة فهو إذا خاصم، وإما في حالة الصفاء، فهو إما مؤكد باليمين
فهو إذا عاهد، أو لا، فهو إما بالنظر إلى المستقبل فهو إذا وعد، وإما بالنظر إلى
الحال فهو إذا حدث، لكن هذه الخمسة في الحقيقة ترجع إلى الثلاث؛ لأن الغدر
بالعهد مُنْطَوٍ تحت الخيانة في الأمانة، والفجور في الخصومة داخل تحت الكذب
في الحديث، كذا في شرح القَسْطَلَانِي.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي، والنسائي، وأبو داود.
٥٧ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: «مَثَلُ الْمُنَافِقِ
كَالشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ، تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً، وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً». [رَوَاهُ مُسْلِمْ]
الشَّرْجُ
٥٧- قوله: (كَالشَّاةِ الْعَائِرَةِ) أي: المترددة. (بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ) أي: قطيعين
وثُلْتَيْنِ من الغنم لا تدري أيهما تتبع، فإن الغنم اسم جنس يقع على الواحد
(٥٧) مُسْلِم (١٧ / ٢٧٨٤) عَنِ ابن عُمَرَ فِي أَوَاخِرِ الكِتَابِ.
٣٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والجمع. وقال السندهي: الغنم جمع، ففي الحديث تثنية الجمع بتأويله
بالجماعة. نقل السيوطي عن الزمخشري أنه قال في ((المفصل)): قد يثنى الجمع
على تأويل الجماعتين والفرقتين، ومنه هذا الحديث، انتهى. والعائرة هي: التي
تطلب الفحل فتردد بين قطيعين ولا تستقر مع إحداهما، والمنافق مع المؤمنين
بظاهره ومع المشركين بباطنه، تبعًا لهواه وغرضه الفاسد، وميلًا إلى ما يتبعه من
شهواته، فصار بمنزلة تلك الشاة، وبذلك وصفهم الله تعالى في قوله: ﴿مُذَبْدَبِينَ
ج
بَيْنَ ذَلِكَ لَآ إِلَى هَؤُلَاءٍ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءٍ﴾ [النساء: ١٤٣]، قال الطيبي: وخص الشاة العائرة
بالذكر إيماءً بمعنى سلب الرجولية عن المنافقين من طلب الفحل للضراب. (تَعِيرُ)
بفتح أوله، أي: تردد وتذهب، من عار الفرس عيارًا انفلت وذهب هنا وهنا من
مرجه. (إِلَى هَذِهِ) أي: القطيعة. (مَرَّةً وَإِلَى هَذِهِ) أي: القطيعة الأخرى. (مَرَّةً)
أخرى ليضربها فحلها، فلا ثبات لها على حالة واحدة، وإنما هي أسير شهوتها .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في صفات المنافقين قبل صفة القيامة من أواخر صحيحه، وأخرجه
أيضًا أحمد، والنسائي، وزاد: ((لَا تَدْرِي أَيَّهُمَا تَتَّبعُ)).
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْكَبَائِرِ وَعَلَامَاتِ النفَّاق
٣٣٥
الفصل الثاني
٥٨ - [١٠] عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ، قَالَ: قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا
إِلَى هَذَا النَّبِيِّ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: لَا تَقُلْ: نَبِيٌّ، إِنَّهُ لَوْ سَمِعَكَ لِكَانَ لَهُ أَرْبَعُ
أَعْيُنِ، فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ وَِّ فَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ، فَقَالَ لَهُمْ: (لَا
تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَّلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ
إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ، وَلَا تَسْحَرُوا، وَلَا تَأْكُلُوا
الرِّبَا، وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً، وَلَا تُوَلَّوا الْفِرَارَ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً
الْيَهُودَ: أَنْ لَا تَعْتَدُوا فِي السَّبْتِ)) قَالَ: فَقَبَّلَا يَدَيْهُ وَرِجْلَيْهُ، فَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّكَ
نَبِيٌّ. قَالَ: ((فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَتَّبِعُونِي؟)) قَالَوا: إِنَّ دَاوُدَ مَلَُّ دَعَا رَبَّهُ أَنْ لَا يَزَالَ
مِنْ ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ، وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ تَبِعْنَاَكَ أَنْ يَقْتُلَنَا الْيَهُودُ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيّ ]
الشّرْحُ
٥٨- قوله: (صَفْوَانَ) بفتح الصاد وسكون الفاء. (بْنِ عَسَّالٍ) بالمهملة وتشديد
الثانية، المرادي الجملى، غزا مع النبي وَّل ثنتي عشرة غزوة، وسكن الكوفة. له
عشرون حديثًا، روى عنه ابن مسعود مع جلالته، وزر بن حبيش وعبد الله بن سلمة
المرادي وغيرهم. (قَالَ يَهُودِيُّ لِصَاحِبِهِ) أي: من اليهود. (اذْهَبْ بِنَا) الباء
للمصاحبة أو التعدية. (لَا تَقُلْ: نَبِيٍّ) مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هو
نبي. وهو مقولة القول، كما في قوله تعالى: ﴿يُقَالُ لَهُ: إِبْرَهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] أي: هو
إبراهيم. (إِنَّهُ) بكسر الهمزة استئناف، فيه: معني التعليل أي: لأنه (لَوْ سَمِعَكَ)
أي: سمع قولك: إِلَى هَذَا الشَّبِّ. (لكَانَ لَهُ أَرْبَعُ أَعْيُنٍ) قال التُّورْ بَشْتِي: أي: يُسَرُّ
بقولك هَذَا النَّبِيُّ سرورًا يمد الباصرة فيزداد به نورًا على نور، كذي عينين أصبح
(٥٨) التِّرْ مِذِي (٣١٤٤) فِي الاسْتِئْذَانِ، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٨٦٥٦)، وهو في ((المجتبى)) (٧/
١١١، ١١٢) فِي السِّيرِ، وَابن مَاجَهْ (٣٧٠٥) عَنْ صَفْوَانَ بنِ عَسَّالٍ.
٣٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يبصر بأربع، فإنَّ الفرح يمد الباصرة، كما أن الهم والحزن يخل بها، ولذا يقال
لمن أحاطت به الهموم: أظلمت عليه الدنيا. وبذلك شهد التنزيل: ﴿وَأَنْيَضَتْ
عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤]، انتهى.
قال السندي: هو كناية عن زيادة الفرح وفرط السرور؛ إذ الفرح يوجب قوة
الأعضاء، وتضاعف القوى يشبه تضاعف الأعضاء الحاملة لها. (فَسَأَلَاهُ) أي:
امتحانًا. (عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) أي: واضحات، والآية العلامة الظاهرة تستعمل
في المحسوسات كعلامة الطريق، والمعقولات كالحكم الواضح والمسألة
الواضحة، والمراد في الحديث إما المعجزات التسع كما هو المراد في قوله
تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِ جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ فِ نِسْعِ ءَايَاتٍ﴾ [النمل: ١١]، وبقية
التسع هي: العصا والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والسنون ونقص من
الثمرات. وعلى هذا فالجواب في الحديث متروك، ترك ذكره الراوي؛ استغناءً بما
في القرآن أو بغيره، وقوله: (لَا تُشْرِكُوا ... )) إلخ كلام مستأنف ذكره عقب
الجواب، وإما الأحكام العامة الشاملة للملل كلها كما جوز ذلك في قوله تعالى:
﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءَايَتٍ بَيْنَتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] إلخ. وعلى هذا فالمذكور في
الحديث هو الجواب، لكن زيد فيه ذكر ((وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً يَهُودُ)) استئنافًا لزيادة
الإفادة؛ ولذا غير السياق وذهب المظهر والتوربشتي من شراح ((المصابيح)) إلى أن
الآيات المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ ءَبَتٍ بَيِّنَتِّ﴾ هي الأحكام
التي تعبَّد بها قوم موسى، وهي التي سُئل عنها رسول اللّه وَ ل فأجاب عنها، لا
المعجزات، وقالا: إن هذا الحديث من أظهر الدلائل على ذلك، فإنه رواه
الترمذي في ((سننه)) وقال وفي رواية: ((فسألاه عن قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا
مُوسَىْ تِسْعَ ◌َيَتٍ بَيِّنَتٍ﴾)) فعلم أن الحديث وإن كان في جواب اليهوديَّيْنِ فإنه
مشتمل على بيان الآية.
وقال ابن كثير في ((تفسيره)): ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ ءَايَتٍ بَيِّنَتِّ﴾ الآية، يخبر
تعالى أنه بعث موسى بتسع آيات بينات، وهي الدلائل القاطعة على صحة نبوته
وصدقه فيما أخبره به عمن أرسله إلى فرعون، وهي العصا واليد والسنون والبحر
والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، آيات مفصلات. قال ابن عباس:
فهذه الآيات التسع هي المرادة هنا، وهي المعنية في قوله تعالى: ﴿وَأَلَقِ عَصَالَّ فَلَمَّا
٣٣٧
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْكَبَائِرِ وَعَلَامَاتِ النفَّاق
رَءَاهَا تَهْتَرُّ كَأَنَّهَاَ جَانٌ وَلَى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبَّ يَمُوسَى لَا تَخَفْ﴾ إلى قوله: ﴿فِيِ نِسْعِ ءَايَتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ
وَقَوْمٌِّ إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [النمل: ١٠ - ١٢] فذكر هاتين الآيتين العصا واليد، وبين
الآيات الباقية في سورة الأعراف وفصلها، وقد أوتي موسى ظلَّل آيات أخر كثيرة،
منها: ضربه الحجر بالعصا، وخروج الماء منه، ومنها: تظليلهم بالغمام، وإنزال
المن والسلوى، وغير ذلك مما أوتوه بنو إسرائيل بعد مفارقتهم بلاد مصر، ولكن
ذكرها هنا التسع الآيات التي شاهدها فرعون وقومه من أهل مصر، فكانت حجة
عليهم، فخالفوها وعاندوها كفرًا وجحودًا، وأما الحديث الذي رواه أحمد وفيه:
حتى نسأله عن هذه الآية ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ ءَايَتٍ بَيِّنَةٍ﴾ ... الحديث، فهو
حديث مشكل، وعبد الله بن سلمة - يعني: راوي هذا الحديث عن صفوان - في
حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات،
فإنها وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون، فإن هذه الوصايا ليس
فيها حجج على فرعون وقومه، وأي مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين على
فرعون؟ وما جاء هذا الوهم إلا من قبل عبد الله بن سلمة، فإن له بعض ما ينكر،
انتھی مختصرًا.
(وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ) بهمزة وإدغام، أي: بمتبرئ من الإثم، والباء للتعدية، أي:
لا تسعوا ولا تتكلموا بسوء فيمن ليس له ذنب. (إِلَى ذِي سُلْطَانٍ) أي: صاحب
سلطنة وقوة وحكم وغلبة وشوكة. (لِيَقْتُلَهُ) يعني: كي لا يقتله مثلًا. (وَلَا تَسْحَرُوا)
بفتح الحاء المهملة، فإن بعض أنواعها كفر، وبعضها فسق. (وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا)
أي: لا تعاملوا بالربا ولا تأخذوه. (وَلَا تَقْذِفُوا) بكسر الذال. (مُحْصَنَةً) بفتح الصاد
وكسرها، أي: لا ترموا بالزنا عفيفةً. قال ثعلب: كل امرأة عفيفةٍ فهي محصنة
ومحصَّنة، وكل امرأة متزوجة فهي محصنة بالفتح لا غير. (وَلَا تُوَلّوا) بضم التاء
واللام، من ولى يولي تولية إذا أدبر، أي: ولا تولوا أدباركم، ويجوز أن تكون
بفتح التاء واللام من التولي وهو الإعراض والإدبار، أصله تتولوا فحذف إحدى
التائين. (لِلْفِرَارِ) أي: لأجله. وفي بعض النسخ: ((الفرار)) بلا لام العلة منصوبًا
على أنه مفعول له، قاله القاري. (يَوْمَ الَّحْفِ) أي: يوم لقاء العدو في الحرب،
والزحف الجيش يزحفون إلى العدو، أي: يمشون. (وَعَلَيْكُمْ) ظرف وقع خبرًا
مقدمًا. (خَاصَّةً) منونًا حال والمستتر في الظرف عائد إلى المبتدأ، أي:
٣٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مخصوصين بهذه العاشرة، أو حال كون عدم الاعتداء مختصًا بكم دون غيركم من
الملل أو تمييز، والخاصة ضد العامة. (الْيَهُودَ) نصب على التخصيص والتفسير،
أي: أعني اليهود، ويجوز أن تكون خاصة بمعنى خصوصًا، ويكون اليهود معمولًا
لفعله المحذوف، أي: أخص اليهود خصوصًا. (أن لا تعتدوا) بتأويل المصدر في
محل الرفع على أنه مبتدأ من الاعتداءِ. (فِي السَّبْتِ) أي: لا تتجاوزوا أمر اللَّه في
تعظيم السبت، بأن لا تصيدوا السمك فيه، وقيل: ((عَلَيْكُمْ)) اسم فعل بمعنى خذوا،
و((أَنْ لَا تَعْتَدُوا)) مفعوله، أي: الزموا ترك الاعتداء. (نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ) إذ هذا العلم
من الأَمِّيِّ معجزة، لكن نشهد أنك نبي إلى العرب. (أَنْ تَتَِّعُونِي) بتشديد التاء،
وقيل: بالتخفيف أي: من أن تقبلوا نُّبُوَّتِي وتتبعوني في الأحكام الشرعية. (دَعَا أَنْ
لَا يَزَالَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ) أي: فنحن ننتظر ذلك النبي لنتبعه. وهذا منهم تكذيب
لقولهم: نشهد أنك نبي، وأنهم ما قالوا عن صدق اعتقاد ضرورة أنه پ# كان يدعى
ختم النبوة به ◌ََّ، فالقول بأنه نبي يستلزم صدقه فيه، وانتظار نبي آخر ينافيه،
فانظر إلى تناقضهم وكذبهم، قاله السندي.
وقال الطيبي: يعني: دعا داود الثّا أن لا ينقطع النبوة عن ذريته إلى يوم القيامة،
فيكون دعاؤه مستجابًا البتة؛ لأنه لا يرد الله تعالى دعاء نبي، فإذا كان كذلك فيكون
نبي في ذريته ويتبعه اليهود، وربما يكون لهم الغلبة والشوكة، فإن تركنا دينهم
واتبعناك لقتلنا اليهود إذا ظهر لهم نبي وقوة، وهذا كذب منهم وافتراء على داود
◌َلِّ؛ لأنه لم يَدْعُ بهذا الدعاء، ولا يجوز لأحد أن يعتقد في داود تعلَّ هذا الدعاء؛
لأنه قرأ في التوراة والزبور بعث محمد ◌ّله وأنه خاتم النبيين وأنه ينسخ به جميع
الأديان والكتب، فكيف يدعو على خلاف ما أخبره الله تعالى به من شأن محمد
وَله؟ انتهى. ولئن سلم فعيسى من ذرية داود، وهو نبي باقٍ إلى يوم الدين، ظهرت
المعجزات على يده أيضًا فلم يصدقوه، فعلم أن التكذيب عادة لهم، وعذرهم هذا
كذب وافتراء. والحديث يدل على جواز تقبيل اليد والرجل، ويأتي الكلام عليه في
باب المصافحة والمعانقة.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في آخر الاستئذان والأدب وفي تفسير سورة بني إسرائيل،
وقال: حديث حسن صحيح. (وَأَبُو دَاوُدَ) لم أجده في ((سننه)). وقال الحافظ في
((الدراية)): رواه الأربعة إلا أبا داود. وهذا يدل على أن أبا داود لم يخرجه في
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْكَبَائِرِ وَعَلَامَاتِ النفَّاق
*<<< sere *** *<<< > <<<<<<< > <<**<<<<
٣٣٩
(سننه))، ويدل عليه أيضًا أنه لم يعز هذا الحديث أحد لأبي داود. (وَالنَّسَائِيُّ) في
المحاربة، وأخرجه أيضًا أحمد في ((مسنده)) (ج٤ ص٢٣٩، ٢٤٠)، وابن ماجه في
((الأدب)) مختصرًا، والحاكم في ((المستدرك))، وقال: صحيح لا نعرف له علة
بوجه من الوجوه ووافقه الذهبي، وأخرجه أيضًا الطيالسي، وأبو نعيم، والبيهقي،
والطبراني، وابن جرير وغيرهم.
٥٩- [١١] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ تَّهِ: («ثَلاَثٌ مِنْ أَصْل
الْإِيمَانِ: الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، لَا تُكَفِّرُهُ بِذَنْبٍ، وَلَا تُخْرِجْهُ مِنَ
الْإِسْلَامِ بِعَمَل. وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُذْ بَعَثَنِي اللَّهُ إِلَى أَنْ يُقَاتِّلَ آخِرُ هَذِهِ الْأَمَّةِ
الدَّجَّالَ، لَا يَّبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ،ً وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ. وَالْإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
الشَّرْجُ
٥٩- قوله: (ثَلَاثٌ) خصال. (مِنْ أَصْلِ الْإِيمَانِ) أي: أساسه وقاعدته، إحداها
أو منها: (الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) أي: وأن محمدًا رسول اللّه وَّل، فمن
قال كلمتي الشهادة وجب الامتناع عن التعرض بنفسه وماله. (لَا تُكَفَّرْهُ) بالتاء نهي،
وبالنون نفي، وكلاهما مروي وهو بيان للكف؛ ولذا قطعه عنه، والتكفير والإكفار
نسبة أحد إلى الكفر. (بِذَنْبِ) أي: سوى الكفر ولو كبيرة، وفيه رد على الخوارج؛
لأنهم يكفرون من يصدر منه ذنب. (وَلَا تُخْرِجْهُ) بوجهين. (مِنَ الْإِسْلَامِ بِعَمَلٍ) ولو
كبيرة سوى الكفر، خلافًا للمعتزلة في إخراج صاحب الكبيرة إلى منزلَّة بين
المنزلتين. (وَالْجِهَادُ مَاضٍ) أي: الخصلة الثانية اعتقاد كون الجهاد ماضيًا أو
ثانيتها الجهاد أو الجهاد منَّ أصل الإيمان، و((ماضٍ)) خبر مبتدأ محذوف، أي: هو
ماضٍ ونافذ وجارٍ ومستمر. (مُذْ) وفي نسخة: ((مَنَّذ)). (بَعَثَنِي اللَّهُ) أي: من ابتداء
زمانَ بعثني الله إلى المدينة أو بالجهاد. (إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ هَذِهِ الأَمَّةِ) أي: عيسى
أو المهدي. (الدَّجَّالَ) مفعول له. قال القاري: وبعد قتل الدجال لا يكون الجهاد
(٥٩) أَبُو دَاوُد (٢٥٣٢) فِي الجِهَادِ.