النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
من الصحابة. (مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا) أَظْهُر زائدة للتأكيد، أي: من بيننا. (فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا)
أي: مكث وتوقف عنا كثيرًا. (أَنْ يُقْتَطَعَ) بصيغة المجهول. (دُونَنَا) حال من
الضمير المستتر في يقتطع، أي: خشينا أن يصاب بمكروه من عدوٍّ أو غيره متجاوزًا
عنا وبعيدًا منا. (وَفَزِعْنَا) بكسر الزاي أي: اضطربنا. قال عياض: الفزع يكون
بمعنى الروع، وبمعنى الهبوب للشيء والاهتمام به، وبمعنى الإغاثة، قال: فتصح
هنا هذه المعاني الثلاثة، أي: ذعرنا لاحتباس النبي وَّل عنا، ألا تراه كيف قال:
((وخشينا أن يقتطع دوننا؟)) ويدلَّ على الوجهين الآخرين قوله: ((فكنت أول من
فزع))، انتهى. وقال الطيبي: عطف أحد المترادفين على الآخر لإرادة الاستمرار
كما في قوله تعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا﴾ [القمر: ٩]، أي: كذبوه تكذيبًا
غب تكذيب، انتهى. (فَقُمْنَا) للتجسس والتفحص. (فَخَرَجْتُ) أي: من
المجلس. (أَتَيْتُ حَائِطًا) أي: بستانًا له حيطان، أي جدران. (لِبَنِي النَّجَّارِ)
تخصيص بعد تعميم أو بدل بعض. (فَدُرْتُ بِهِ) أي: بحول الحائط. (فَإِذَا رَبِيعٌ) إذا
للمفاجأة، أي: فاجأ عدم وجودي للباب روية نهر صغير. (يَدْخُلُ فِي جَوْفٍ خَائِطٍ)
أي: في جوف جدار من جدران ذلك الحائط، مبتدأ أو مستمد ذلك النهر. (مِنْ
بِتْرٍ) مؤنثة مهموزة يجوز تخفيف همزها. (خَارِجَةٍ) رُوي على ثلاثة أوجه: أحدها:
بالتنوين في بئر وفي خارجة على أن خارجة صفة لبئر. والثاني: بئرٌ خارجهُ بتنوين
بئر وبهاء في آخر خارجه مضمومة، وهي هاء الضمير للحائط أي: البئر في موضع
خارج عن الحائط. والثالث: من بئرٍ خارجةٍ بإضافة بئر إلى خارجة آخره تاء
التأنيث، وهو اسم رجل، والوجه الأول هو المشهور الظاهر، قال النووي: هكذا
ضبطناه بالتنوين في بئر وخارجة، وكذا نقله ابن الصلاح، انتهى. وقيل: البئر هنا
البستان، سمي بما فيها من الآبار، يقولون: بئر بضاعة، وبئر أريس، وبئر خارجة،
وهي بساتين. (وَالرَّبِيعُ الْجَدْوَلُ) تفسير من بعض الرواة. (فَاحْتَفَزْتُ) بالزاي
المعجمة أي: تضاممت ليسعني المدخل.
(فَقَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ؟) أي: فقال النبي ◌َّ: أأنت أبو هريرة؟ خبر مبتدأ محذوف،
والاستفهام إما للتقرير وهو الظاهر، وإما للتعجب لاستغرابه أنه من أين دخل عليه
والطرق مسدودة. (مَا شَأَنُك) أي: ما حالك وما سبب مأتاك واضطرابك؟ (وَهَؤُلَاءِ
النَّاسُ وَرَائِي) أي: ينتظرون علم ما وقع لك. (فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ) يقرأُ بالهمز ولا
٣٠١
كِتَابُ الْإِيمَانِ
يكتب، قاله القاري. (وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ) الجملة حال. (فَقَالَ) تأكيد للأول. (اذْهَبْ
بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنٍ) قال الطيبي: لعل فائدة النعلين أن يبلغ مع الشاهد فيصدقوه، وإن كان
خبره مقبولًا بغير هذا، وتخصيصهما بالإرسال: إما لأنه لم يكن عنده غيرهما، وإما
للإشارة إلى أن بعثته وقدومه لم يكن إلا تبشيرًا وتسهيلًا على الأمة رافعًا للآصار
التي كانت في الأمم السالفة، وإما للإشارة إلى الثبات بالقدم والاستقامة بعد
الإقرار لقوله عليه الصلاة والسلام: ((قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ))، انتهى. وقال
النووي: أما إعطاؤه النعلين، فلتكون علامة ظاهرة معلومة عندهم، يعرفون بها أنه
لقي النبي ◌َّ، ويكون أوقع في نفوسهم لما يخبرهم به عنه ◌َّ، ولا ينكر كون مثل
هذا يفيد تأكيدًا وإن كان خبره مقبولًا بغير هذا. (مُسْتَيْقِنًا بِهَا) أي: بمضمون هذه
الكلمة. (فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ) معناه: أَخْبِرْ أنَّ مَن كانت هذه صفته فهو من أهل الجنة
وإلا فأبو هريرة لا يعلم استيقان قلوبهم، وفي هذا دلالة ظاهرة لمذهب أهل الحق
أن اعتقاد التوحيد لا ينفع دون النطق عند القدرة، ولا النطق دون الاعتقاد
بالإجماع، بل لا بد منهما، وذكر القلب هنا للتأكيد ونفي توهم المجاز، وإلا
فالاستيقان لا يكون إلا بالقلب. (فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَرُ) منصوب على أنه خبر
كان، وقيل: مرفوع على الاسمية وأول بالعكس، قيل: وهو أولى؛ لأنه وصف
وهو بالخبرية أحرى. (بَعَثَنِي بِهِمَا مَنْ لَقِيتُ) بصيغة المتكلم أي: بعثني بهما حال
كوني قائلاً أو مبلغًا أو مأمورًا بأن من لقيت يشهد ... إلخ. (فَضَرَبَ عُمَرُ بَيْنِ
ثَدْبَيَّ) تثنية ثدي بفتح التاء، هو مذكر، وقد يؤنث في لغة قليلة، أي: في صدري،
قال القاري: لا بدهنا من تقدير يدل عليه السياق من السباق واللحاق، يعني: فقال
عمر: ارجع، قصدًا للمراجعة بناءً على رأيه الموافق للصواب، فأبيت وامتنعت
عن حكمه امتثالاً لظاهر أمره ظلَّل المقدم على أمر كل آمر، فضرب عمر بيده في
صدري، فإنه يبعد كل البعد ضربه ابتداءً من غير باعث، انتهى. (فَخَرَرْتُ) بفتح
الراء. (لاسْتِي) بهمزة وصل، وهو اسم من أسماء الدبر، أي: سقطت على مقعدي
من شدة ضربه لي.
قال النووي: أما دفع عمر رقۈڤهُ فلم يقصد به سقوطه وإيذاءه، بل قصد رده عما
هو عليه، وضرب بيده في صدره، ليكون أبلغ في زجره، قال القاضي عياض وغيره
من العلماء: وليس فعل عمر ومراجعته النبي ◌َّ﴾ اعتراضًا عليه وردًّا لأمره؛ إذ ليس
٣٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
فيما بعث به أبا هريرة غير تطييب قلوب الأمة وبشراهم، فرأى عمر أن كتم هذا
عنهم أصلح لهم، وأحرى أن لا يتكلوا، وأنه أعود عليهم بالخير من معجل هذه
البشرى، فلما عرضه على النبي ◌َّ صوبه فيه، انتهى. (فَأَجْهَشْتُ بِالْبُكَاءِ) من
الإجهاش، وروي جهشت - بكسر الهاء وغير همز - وهما صحيحان، وكلاهما
بصيغة الفاعل، والجهش كالإجهاش: أن يفزع الإنسان إلى إنسان ويلجأ إليه وهو
متغير الوجه متهيئ للبكاء ولما يبك بعد، كما يفزع الصبي إلى أمه. (وَرَكِبَنِي عُمَرُ)
أي: تبعني ومشى خلفي في الحال بلا مهلة، قاله النووي. وقال القاري: أي:
أثقلني عدو عمر من بعيد خوفًا واستشعارًا منه، كما يقال: ركبته الديون أي:
أثقلته، يعني: تبعني عمر. (عَلَى أَثَرِي) فيه لغتان فصيحتان مشهورتان: فتحهما
وهو الأصح، وكسر الهمزة وسكون الثاء أي: عقبي. (بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) الباء متعلقة
بمحذوف، قيل: هو اسم، تقديره: أنت مفدى بأبي، وقيل: فعل أي: فديتك
بأبي، وحذف هذا المقدر تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال وعلم المخاطب به. (بَشَّرَهُ
بِالْجَنَّةِ) بصيغة الماضي أي: من لقيه بشره بالجنة. (يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا) أي: على
هذه البشارة الإجمالية. (فَخَلَّهِمْ) أي: اتركهم بغير البشارة. (يَعْمَلُونَ) حال، فإن
العوام إذا بشروا يتركون الاجتهاد في العمل بخلاف الخواص، فإنهم إذا بشروا
يزيدون في العمل .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) كان المناسب لدأبه أن يقول: روى الأحاديث الأربعة مسلمٌ.
٤٠ - [٣٩] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ: ((مَفَاتِيحُ
الْجَنَّةِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ]
الشَّرْحُ
٤٠- قوله: (مَفَاتِيحُ الْجَنَّةِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) أي: وأن محمدًا رسول
اللَّه، قال الزين بن المنير: قول: لا إله إلا الله لقب جرى على النطق بالشهادتين
(٤٠) أَحْمَد (٥/ ٢٤٢) عن معاذٍ.
٣٠٣
كِتَابُ الْإِيمَانِ
شرعًا، انتهى. قال الطيبي: (مفاتيح الجنة) مبتدأ، و(شهادة) خبره، وليس بينهما
مطابقة من حيث الجمع والإفراد، فهو من قبيل قول الشاعر: ومعي جياعًا. جعل
الناقة الضامرة من الجوع، كأن كل جزء من معاها معَّى واحد من شدة الجوع،
وكذا جعلت الشهادة المستتبعة للأعمال الصالحة التي هي كأسنان المفاتيح كل
جزء منها منزلة مفتاح واحد، انتهى. قال القاري: والأظهر: أن المراد بالشهادة
الجنس، فشهادة كل أحد مفتاح لدخوله الجنة إما ابتداءً أو انتهاءً، والأعمال إنما
هي لرفع الدرجات، أو لأن الشهادة لما كانت مفتاح أبواب الجنة فكأنها مفاتيح،
انتهى. وفيه استعارة؛ لأن الكفر لما منع من دخول الجنة شبه بالغلق المانع، ولما
كان الإسلام سبب دخولها شبه بالمفاتيح، بجامع أن كلّا سبب للدخول ثم حذف
أداة التشبيه وقلب زيادة في تحقيق معنى المشبه والمبالغة فيه.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥ : ص٢٤٢) من طريق إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عبد
الرحمن بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب عن معاذ، ورواية شهر عن معاذ
مرسلة، وشهر مختلف في توثيقه وتضعيفه، وإسماعيل بن عياش روايته عن أهل
الحجاز ضعيفة، وهذا منها، قال الهيثمي: وأخرجه البزار أيضًا، وفيه من الكلام
ما في رواية أحمد.
٣٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٤١ - [٤٠] عَنْ عُثْمَانَ رَضِاشْتَهُ قَالَ: إِنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهُ حِينَ
تُوُفِّيَ حَزِئُوا عَلَيْهِ حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يُوَسْوِسُ، قَالَ عُثْمَانُ: وَكُنْتُ مِنْهُمْ، فَبَيْنَا
أَنَا جَالِسٌ مَرَّ عَلَيَّ عُمَرُ رَنْتَهُ وسَلَّمَ، فَلَمْ أَشْعُرْ بِهِ، فَاشْتَكَى عُمَرُ إِلَى أَبِي بَكْرِ
ثُمَّ أَقْبَلَا حَتَّى سَلَّمَا عَلَيَّ جَمِيعًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا حَمَلَكَ أَنْ لَا تَرُدَّ عَلَىَّ
أَخِيَكَ عُمَرَ سَلَامَهُ؟ قُلْتُ: مَا فَعَلْتُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: بَّلَى، وَاللَّهِ لَقَدْ فَعَلْتَ. قَالَ:
قُلْتُ: وَاللَّهِ مَا شَعَرْتُ أَنَّكَ مَرَرْتَ وَلَا سَلَّمْتَ. قَالَ أَبُو بَكْرِ: صَدَقَ عُثْمَانُ،
وَقَدْ شَغَلَكَ عَنْ ذَلِكَ أَمْرٌ. فَقُلْتُ: أَجَلْ قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ:َ تَوَفَّى اللَّهُ تَعَالَى
نَبِيَّهُ وَ قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ عَنْ نَجَاةِ هَذَا الْأَمْرِ. قَالَ أَبُو بَكْرِ: قَدْ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ.
فَقُمْتُ إِلَيْهِ، وَقُلْتُ لَهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَنَتَ أَحَقُّ بِهَا. قَالَ أَبُو بَكْرِ: قُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ مَا نَجَاةُ هَذَا الْأَمْرِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: (مَنْ قَبِلَ مِنِّي الْكَلِمَةَ
الَّتِي عَرَضْتُ عَلَى عَمِّي فَرَدَّهَا فَهِيَ لَهُ نَجَاةٌ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ]
الشّرْجُ
13 95
٤١- قوله: (حِينَ تُوُنِّيَ) بضم التاء والواو ماضٍ مجهول. (حَزِنُوا) بكسر
الزاي. (عليه) أي: على موته وفقدان حضرته. (يُؤَسْوِسُ) قال القاري: أي: يقع
في الوسوسة بأن يقع في نفسه انقضاء هذا الدين وانطفاء نور الشريعة بموته عليه
الصلاة والسلام، وخطور هذا بالنفوس الكاملة مهلك لها حتى يتغير حاله ويختلط
كلامه ويدهش في أمره ويختل عقله، ويجيء أحوال بقيتهم في آخر الكتاب من أن
بعضهم أقعد وأسكت وبعضهم أنكر موته عليه الصلاة والسلام وأظهر اللَّه فضل
الصديق بثبات قدم صدقه، انتهى.
قال الطيبي: الوسوسة حديث النفس وهو لازم، يقال: وسوس الرجل إذا
أصيب في عقله، وتكلم بغير نظام، ووسوس الرجل أي: أصابته الوساوس فهو
موسوس، ويقال لما يخطر بالقلب من شر أو لما لا خير فيه: وسواس جمعه
وساوس.
(٤١) أَحْمَد (١ / ٦) عن عُثمان رَضِفَهُ.
٣٠٥
كِتّابُ الْإِيمَانِ
(وَكُنْتُ مِنْهُمْ) أي: من البعض الذي كاد أن يوسوس من شدة الحزن. (فلم
أشعر به) أي: بمروره وسلامه، لشدة ما أصابني من الذهول لذلك الهول، فعند
أحمد في ((مسنده): ((فَلَمْ أَشْعُرْ أَنَّه مَرَّ وَلَا سَلَّمَ)). (وَاللَّهِ مَا شَعَرْتُ) بفتح العين
ويضم أي: ما علمت ولا فطنت. (فَقَالَ أَبُو بَكْر) أي: لعمر (صَدَقَ عُثْمَانُ) في
اعتذاره بعدم شعوره، وقال لي على وجه الالتفات: (قَدْ شَغَلَكَ عَنْ ذَلِكَ أَمْرٌ) أي:
ألهاك عن الشعور أمر عظيم. (تَوَفَّى اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ) أي: قبض روحه. (عَنْ نَجَاةِ
هَذَا الأَمْرِ) بفتح النون مصدر بمعنى الخلاص. قال الطيبي: يجوز أن يراد بالأمر ما
عليه المؤمنون من الدين، أي: نسألُه عما نتخلص به من النار، وهو مختص بهذا
الدين، وأن يراد ما عليه الناس من غرور الشيطان وحب الدنيا والتهالك فيها
والركون إلى شهواتها وركوب المعاصي وتبعاتها، أي: نسأله عن نجاة هذا الأمر
الهائل، انتهى كلام الطيبي.
وتعقّبه الشيخ عبد الحق الدهلوي في ((أشعة اللمعات)) بما محصله: إن في الوجه
الأول نظرًا، فإن عثمان قد روى هو عن النبي وَّ أنه: ((مَنَ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ
إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ)) فكيف يقول: إنه توفي وَلَه قبل أن نسأله عما نتخلص به من
النار في الدين؟ ومن البعيد كل البعد أن يخفى على عثمان هذا العلم الذي هو من
أول فرائض دين الإسلام، اللّهم إلا أن يقال: إنه نسيه من شدة الحزن وذهل عنه من
عظم المصيبة، والظاهر بل الصواب: أنه أراد بقوله من نجاة هذا الأمر: النجاة من
وسوسة الشيطان وحديثه كما يشير إليه سياق الحديث وسباقه، ورواية محمد بن
جبير في هذه القصة صريحة في ذلك، وقد أخرج أبو يعلى في ((مسنده)) عن محمد
بن جبير: أن عمر مرَّ على عثمانَ وهو جالسٌ في المسجدِ، فسلّم عليه فلم يرد عليه،
فدخل على أبي بكر فاشتكى ذلك إليه، فقال: مررتُ على عثمان فسلمت عليه فلم
يرد عليّ، فقال: أَيْنَ هوَ؟ قال: هُو في المسْجِدِ قاعِد، فانطلقا إليهِ، فقال لهُ أبو بكر
رَضِ فَلَّهُ: ما منعكَ أن تردَّ على أخيك حين سلَّم عليك؟ قال: واللهِ ما شعرتُ أنَّه مرَّ
بي، وأنا أحدث نفسي، ولم أشعر أنه سلَّمَ، فقال أبو بكر: فماذا تحدِّثُ نفسك؟
قال: خلا بي الشيطان، فجعل يلقي في نفسي أشياء ما أحب أني تكلمت بها، وأن
لي ما على الأرضِ، قلتُ في نفسي حين ألقى الشيطان ذلك في نفسي: يا ليتني
سألتُ رسولَ اللَّه ◌َله: ما الذي يُنجينا من هذا الحديثِ الذي يُلقي الشيطان في
٣٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
acese
أنفسنا؟ فقال أبو بكر: فإنِّي والله لقد اشتكيتُ ذلكَ إلى رسول اللّهِ وَّه وسألته: ما
الَّذي ينجينا من هذا الحديث الذي يلقي الشيطان في أنفسنا؟ فقال رسول اللّه وَئه . :
((يُنَجِّيكُمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَقُولُوا مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُ بِهِ عَمِّ عِنْدَ الْمَوْتِ فَلَمْ يَفْعَلْ))، قال
البوصيري في ((الزوائد العشرة)): سنده حسن، كذا في ((جمع الجوامع)) للسيوطي،
انتهى. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج١: ص٨) بعد ذكره: رواه أبو يعلى،
وعند أحمد طرف منه وفي إسناده أبو الحويرث عبد الرحمن بن معاوية، وثّقه ابن
حبان والأكثر على تضعيفِهِ، انتهى.
(أَنْتَ أَحَقُّ بِهَا) أي: بالمسألة والسبق بها، والبحث عنها، فإنك إلى كل خير
أسبق. (مَنْ قَبِلَ مِنِّي) أي: بطوع ورغبة من غير نفاق وريبة. (عَلَى عَمِّي) أبي
طالب. (فَهِيَ) أي: فهذه الكلمة وهي كلمة الشهادة. (لَّهُ نَجَاةٌ) إما في بداية أو
نهاية. قال الطيبي: كأنه وّ يقول: النجاة في الكلمة التي عرضتها على مثل أبي
طالبٍ، وهو الذي عاش في الكفر سنين ونيف على السبعين، ولم يصدر عنه كلمة
التوحيد، ولو قالها مرة كان لي حجة عند الله باستخلاصه ونجاة له من عذابه
وعقابه، فكيف بالمؤمن المسلم وهي مخلوطة بلحمه ودمه، فلو صرح صلوات
اللّه عليه بها في كلامه لم يفخم هذا التفخيم، وهذا الحديث رواه الصحابي عن
الصحابي يعني: عثمان عن أبي بكر.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج١ : ص٦) عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري قال: أخبرني
رجل من الأنصار من أهل الثقة أنه سمع عثمان بن عفان يحدث: أن رجالًا من
أصحاب النبي وَّر ... الحديث، وعن يعقوب عن أبيه عن صالح عن الزهري قال:
أخبرني رجل من الأنصار غير متهم أنه سمع عثمان بن عفان ... الحديث، وفيه
رجل لم يسم، كما ترى، وقول الزهري: رجلٌ منْ أهل الثقة وغير متهم. تعديل
على الإبهام، وفيه اختلاف، وعند الجمهور لا يقبل حتى يسمى، وقال الهيثمي في
((مجمع الزوائد)) بعد ذكر الحديث من ((مسند أحمد)) بسنده الأول: رواه أحمد
والطبراني في ((الأوسط)) باختصارٍ وأبو يعلى بتمامه والبزار نحوه، وفيه رجل لم
يسم، ولكن الزهري وثقه وأبهمه، انتهى.
كِتَابُ الْإِيمَانِ
<<<****<<<<<<<<<< > << Ber <<< ><> <<****
٣٠٧
٤٢ - [٤١] وَعَنِ الْمِقْدَادِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ وَ لَهِ يَقُولُ: ((لَا يَبْقَى عَلَى
ظَهْرِ الْأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ، بِعِزٌّ عَزِيزِ أَوْ ذُلِّ
ذَلِيلَ، إِمَّا يُعِزُّهُمُ اللَّهُ بَنَ فَيَجَّعَلُهُمْ مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ يُذِلُّهُمْ فَيَدِينُونَ لَّهَا)).
قُلْتٍّ: فَيَكُونُ الدِّينُ كُلَّهُ لِلِهِ.
[ْرَوَاهُ أَحْمَدُ] {صحيح}
نت
الشَّرْحُ
٤٢- قوله: (وعن المقداد) بكسر الميم، هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة
البهراني الكندي حلفًا، أبو الأسود أو أبو عمرو، المعروف بالمقداد بن الأسود،
نسبة إلى الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف الزهري؛ لأنه كان تبنّاه
وحَالفه في الجاهليةِ، فقيل: المقداد بن الأسود، وكان من الفضلاء النجباء الكبار
الخيار من أصحاب النبي وَّر، كان سادسًا في الإسلام وهاجر الهجرتين، وشهد
بدرًا والمشاهد كلها، وكان فارسًا يوم بدر حتى إنه لم يثبت أنه كان فيها على فرس
غيره. قال النبي وَّهِ: ((أَمَرَنِي اللَّهُ بِحُبِّ أَرْبَعَةٍ ... )) فذكر منهم المقداد، ومناقبه
كثيرة، شهد فتح مصر، ومات في أرضه بالجرف على ثلاثة أميال من المدينة،
فحمل إليها ودفن بالبقيع، وصلى عليه عُثمان سنة (٣٣) وهو ابن (٧٠) سنة، له
اثنان وأربعون حديثًا، اتفقا على حديث، وانفرد مسلم بثلاثة، روى عنه جماعة.
(لَا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ) أي: على وجهها من جزيرة العرب وما قرب منها،
وقيل: هو محمول على العموم. (بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ) أي: المدن والقرى
والبوادي، وهو من وبر الإبل، أي: شعرها، لأنهم كانوا يتخذون منه ومن نحوه
خيامهم غالبًا، والمدر: جمع مدرة، وهي قطعة الطين اليابس واللبنة والطين
العلك، أي: اللزج الذي لا يخالطه رمل. (كَلِمَةَ الْإِسْلام) هي مفعول أدخل،
والضمير المنصوب فيه ظرف وقوله: (بِعِزِّ عَزِيزِ) حال أي: أدخل الله تعالى كلمة
الإسلام في البيت متلبسة بعزِّ شخص عزيز، أيّ: يعزه الله بها حيث قبلها من غير
سبي وقتال. (وَذُلُّ) بضم الذال. (ذَلِيل) أي: أو يذله اللَّه بها حيث أباها بذل سبي أو
(٤٢) أَحْمَد (٦ / ٤) عن المقداد.
٣٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
قتال حتى ينقادون لها طوعًا أو كرهًا، أو يذعن لها ببذل الجزية، والحديث مقتبس
من قوله تعالى: ﴿هُوَ أَلَّذِىَّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ
﴾ [الصف: ٩]، ثم فسر العز والذل بقوله: ((إما يعزهم
كُلِهِ، وَلَوْ كَرِهَ اُلْمُشْرِكُونَ
اللَّه ... أو يذلهم)). (فَيَدِينُونَ لَهَا) بفتح الياء أي: فيطيعون وينقادون لها، من دان
الناس أي: ذلوا وأطاعوا. (قُلْتُ) القائلَ المقداد، والظاهر أنه قال في غير حضرته
وَّه بل عند روايته. (فَيَكُونُ الدِّينُ كُلَّهُ للَّهِ)، قال الطيبي: أي: إذا كان الأمر
كذلك، فتكون الغلبة لدين الله طوعًا أو كرهًا، انتهى. وقيل: في آخر الزمان،
أي: حين ينزل عيسى ظلّل من السماء ويقتل الدجال، لا يبقى على وجه الأرض
محل الكفر، بل جميع الخلائق يصيرون مسلمين إما بالطوع والرغبة ظاهرًا
وباطنًا، وإما بالإكراه والجبر، وإذا كان كذلك، فيكون الدين كله لله، يشير إليه ما
رواه مسلم عن عائشة قالت: سمعت رسول اللّه وَ لَه يقول: ((لاَ يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ
حَتَّى تُعْبَدَ اللَّتُ وَالْعُزَّى)). فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كُنْتُ لأَظُنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ
وَى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ
أَنَّ ذَلِكَ تَامًّا. قَالَ: ((إِنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ
كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (
يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا طَيَِّةً فَيَتَوَفَى كُلَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَيَبْقَى مَنْ لاَ
خَيْرَ فِيهِ، فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينٍ آبَائِهِمْ)). ويدلَّ له حديث أبي هريرة، قال النبي ◌َّه:
((وَتَهْلَُكَ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلُ كُلَّهَا إِلَّ الْإِسْلَامُ)).
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٦: ص١٠٣) بسند صحيح، وأخرجه أيضًا الحاكم (ج٤:
ص٤٣٠، ٤٣١)، والطبراني في ((الكبير)) والبيهقي، وأخرج أحمد (ج٤:
ص١٠٣)، والطبراني في ((الكبير)) والحاكم والبيهقي عن تميم الداري مرفوعًا:
(لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرِ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ
هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزَّا يُعِزّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذَلَّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ))،
وكان تميم الداري يقولُ: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم
الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافرًا الذل والصغار والجزية.
٣٠٩
كِتَابُ الْإِيمَانِ
٤٣ - [٤٢] عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهِ، قِيْلَ لَهُ: أَلَيْسَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِفْتَاحُ
الْجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحٌ إِلَّا وَلَهُ أَسْنَانٌ، فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحِ لَهُ
[ رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي تَرْجَةِ بَابٍ]
أَسْنَانٌ فُتِحَ لَكَ، وَإِلَّا لَمْ يُفْتَحْ لَكَ.
الشّرْخُ
٤٣- قوله: (وَعَنْ وَهْبٍ بْنِ مُنَبِّهِ) بضم الميم وفتح النون وتشديد الباء الموحدة
وكسرها، هو وهب بن منبه بن كامل اليماني الصنعاني أبو عبد الله الأنباري، من
ثِقات أوساط التابعين، قال مسلم بن خالد: لبث وهب أربعين سنة لم يرقد على
فراشه، له في البخاري حديث واحد، رواه في كتاب العلم، مات سنة (١١٤)،
وقيل: غير ذلك، وقيل: إن يوسف بن عمر ضربه حتى مات. (قِيْلَ لَهُ: أَلَيْسَ) كأنَّ
القائل أشار إلى ما ذكر ابن إسحاق في ((السيرة)): أن النبي ◌َّ لما أرسل العلاء بن
الحضرمي قال له: ((إِذَا سُئِلْتَ عَنْ مِفْتَاح الْجَنَّةِ، فَقُلْ: مِفْتَاحُهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ))،
وروي عن معاذ بن جبل نحوه، أخرجه البيهقي في ((الشعب)) وزاد: ((لَكِنْ مِفْتَاحٌ بِلَا
أَسْنَانٍ، فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحِ لَهُ أَسْنَانٌ فُتِحَ لَكَ، وَإِلَّا لَمْ يَفْتَحْ لَكَ))، وهذه الزيادة نظير ما
أجاب به وهب، قال الحافظُ: فيحتمل أن تكون مدرجة في حديث معاذ. (لَا إِلَهَ إِلَّا
اللَّهُ) في محل الرفع على أنه اسم ليس، وخبره. (مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ)، وقيل بالعكس،
وقدم لشرفه. (قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ) أي: أقول بموجب ذلك، وإنها مفتاحها كما تقدَّم
في الحديث السابق، ولكن لا يغتر أحد بذلك ويظن أنه بمجرد تلفظه بتلك الكلمة
التي هي المفتاح يفتح له الجنة حتى يدخلها مع الناجينٍ، وإن لم يعمل عملهم؛ لأنه
وإن أتى بالمفتاح غير نافع له؛ لأنه (لَيْسَ مِفْتَاحٌ إِلَّا لَهُ أَسْنَانٌ) أي: عادة هي
الفاتحة. (فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحِ لَهُ أَسْنَانٌ) المراد بالأسنان: الأعمال الصالحة المنجية
المتضمنة لترك الأعمال السَّيئة، وشبهها بأسنان المفتاح من حيث الاستعانة بها في
فتح المغلقات وتيسير المستصعبات. (فُتِحَ لَكَ) أي: أولًا. (وَإِلّا) بأن جئت بمفتاح
(٤٣) علَّقه البُخَارِي (٣/ ١٠٩) أول الجنائز. ووصلَهُ في ((تاريخِهِ)) (١/ ٩٥/ ٢٦١)، وأبو نعيمٍ في
((الحلية)) (٤ / ٦٦).
٣١٠
se
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لا أسنان له. (لَمْ يُفْتَحْ لَك) أي: فتحًا تامًّا أو في أول الأمر، وهذا بالنسبة إلى
الغالب، وإلا فالحق أن أهل الكبائر في مشيئة الله تعالى، ولا بد من هذا التأويل
ليستقيم على مذهب أهل السنة، وقيل: معنى قول وهب: ((إِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاح لَهُ
أَسْنَانٌ)) جياد، فهو من باب حذف النعت إذا دل عليه السياق؛ لأن مسمى المفتاحَّ لا
يعقل إلا بالأسنان، وإلا فهو عود أو حديدة، هذا وفي ذكر المصنف قول ابن وهب
إشارة إلى أنه اختار في معنى الأحاديث التي جاءت في ترتيب دخول الجنة وحرمة
النار على مجرد الشهادتين قول من قال من العلماء: إن كلمة الشهادتين سبب
مقتض لدخول الجنة والنجاة من النار، لكن له شروط وهي: الإتيان بالفرائض،
وموانع وهي: اجتناب الكبائر، قال الحسن للفرزدق: إن لـ((لا إله إلا الله)) شروطًا،
فإياك وقذف المحصنة. وروي عنه أنه قال: هذا العمود، فأين الطنب؟ يعني: أن
كلمة التوحيد عمود الفسطاط، ولكن لا يثبت الفسطاط بدون أطنابه، وهي فعل
الواجبات وترك المحرمات، وقيل للحسن: إن ناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا
الله دخل الجنة، فقال: من قال: لا إله إلا الله، فأدَّى حقها وفرضها دخل الجنة،
وقد تقدم الكلام فيه مفصلًا.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ بَابٍ) من عادته أن يذكر بعد الباب حديثًا معلقًا مرفوعًا
أو موقوفًا على صحابي أو تابعي بغير إسناد، فيه بيان ما يشتمل عليه أحاديث الباب
ويضيف إليه الباب، وأثر وهب هذا ذكره البخاري في أول كتاب الجنائز تعليقًا،
ووصله في ((التاريخ الكبير))، وأبو نعيم في الحلية، وقول المصنف: (رَوَاهُ
البُخَارِيُّ) سهو منه، فإنه لم يروه البخاري في ((صحيحه))، لا في ترجمة بابٍ ولا في
غيرها، بل ذكره معلّقًا، ولا يقال في مثل هذا: رَوَاهُ بل يقال: ذَكَرَهُ.
٣١١
كِتَابُ الْإِيمَانِ
٤٤ - [٤٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا أَحْسَنَ
أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
ضِعْفٍ، وَكُلَّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّه)).
الشّرْجُ
٤٤ - قوله: (إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ) أي: أجاد وأخلص، كقوله تعالى:
﴿بَلَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٣] قاله الطيبي. ووقع في ((مسند
إسحاق بن راهويه)): ((إِذَا حَسُنَ إِسْلَامُ أَحَدِكُمْ))، وكأنه رواه بالمعنى؛ لأنه من
لازمه، والمعنى: صار إسلامه حسنًا باعتقاده وإخلاصه ودخوله فيه بالباطن
والظاهر، وأن يستحضر عند عمله قرب ربه منه واطلاعه علیه، کما دلّ عليه تفسير
الإحسان في حديث سؤال جبريل، وقد تقدم، والخطاب للحاضرين، والحكم عام
لهم ولغيرهم باتفاق؛ لأن حكمه ◌َّ على الواحد حكم على الجماعة، ويدخل فيه
النساء والعبيد، لكن النزاع في كيفية التناول أهي حقيقة عرفية أو شرعية أو مجاز؟
(فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا) مبتدأ خبره: (تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) فضلًا من اللَّه ورحمة،
حال كونها منتهية. (إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ) بكسر الضاد، أي: مِثْلٍ. قال الأزهري:
والضعف في كلام العرب: المثل إلى ما زاد، وليس بمقصور على المثلين، بل
جائز في كلام العرب أن تقول: هذا ضعفه أي: مثلاه وثلاثة أمثاله؛ لأن الضعف
في الأصل زيادة غير محصورة؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَأَوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضّرْفِ
بِمَا عَمِلُواْ﴾ [سبأ: ٣٧] لم يُرِدْ مثلًا ولا مثلين، ولكن أراد بالضعف الأضعاف، فأقل
الضعف محصور وهو المثل، وأكثره غير محصور. قال الطيبي: ((إِلَى)) لانتهاء
الغاية، فيكون ما بين العشرة إلى سبعمائة درجات بحسب الأعمال والأشخاص
والأحوال، انتهى.
وقد أخذ بعضهم فيما حكاه الماوردي بظاهر هذه الغاية فزعم أن التضعيف لا
يتجاوز سبعمائة، ورد بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، قال
(٤٤) متَّفَقٌ عَلَيْهَ؛ البُخَارِي (٤٢)، ومُسْلِم (١٢٩) عن أبي هريرة رََّْهُ، في الإيمان.
٣١٢
B
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحافظُ: والآية محتملة للأمرين، فيحتمل أن يكون المراد أنه يضاعف تلك
المضاعفة بأن يجعلها سبعمائة، وهو الذي قاله البيضاوي، ويحتمل أنه يضاعف
السبعمائة بأن يزيد عليها، والمصرح بالرد عليه حديث ابن عباس عند المصنف أي
البخاري في الرقاق، ولفظه: «كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائةِ ضِعْفٍ إِلَی
أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ))، انتهى. فالمراد بـ ((سبعمائة)): الكثرة. (تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا) من غير
زيادة، والباء للمقابلة، قال القاري: أي: كمية، فضلًا منه تعالى ورحمة، وإن
كانت السيئات تتفاوت كيفيةً باختلاف الزمان والمكان وأشخاص الإنسان ومراتب
العصيان. (حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ) أي: إلى أن يلقى الله يوم القيامة فيجازيه أو يعفو عنه،
وفي حديث أبي سعيد عند البخاري: ((وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا)).
والعدول إلى الماضي، لتحقق وقوعه، كقول تعالى: ﴿أَنَ أَمْرُ اُللَّهِ﴾ [النحل: ١]، ولا
يبعد تعلق ((حَتَّى)) بالجملتين، وإرادة اللقي بمعنى الموت، قال الحافظ في شرح
حديث أبي سعيد بلفظ: ((إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ يُكَفَّرْ عَنْهُ كُلُّ سَيِّئَةٍ زَلَفَهَا ... ))
إلخ، والحديث يرد على من أنكر الزيادة والنقص في الإيمان؛ لأن الحسن تتفاوت
درجاته، انتهى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجَهُ أيضًا أحمدُ والبيهقيُّ.
٤٥ - [٤٤] وَعَنْ أَبِ أُمَامَةَ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ مَّهِ: مَا الْإِيمَانُ؟
قَالَ: ((إِذَا سَرَّتْكَ حَسَنَتُكَ وَسَاءَتْكَ سَيَّتَنُكَ، فَأَنْتَ مُؤْمِنٌ)) قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
[رَوَاهُ أَحْمَدُ]
فَمَا الْإِثْمُ؟ قَالَ: ((إِذَا حَاَكَ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ فَدَعْهُ)).
الشّرْحُ
٤٥- قوله: (مَا الْإِيمَانُ) أي: علامته. (قَالَ: إِذَا سَرَّتْكَ حَسَنَتُكَ وَسَاءَتْكَ
سَيَِّتُك) أي: أحزنك ذنبك، قال الطيبي: يعني: إذا صدرت منك طاعة وفرحت
بها مستيقنًا أنك تثاب عليها، وإذا أصابتك معصية حزنت عليها، فذلك علامة
الإيمان بالله واليوم والآخر. (فَأَنْتَ مُؤْمِنٌ) أي: كامل الإيمان. قال المناوي:
لفرحك بما يرضي الله وحزنك بما يغضبه، وفي الحزن عليها إشعار بالندم الذي هو
(٤٥) أَحْمَد (٥/ ٢٥١) عن أبي أمامة رَفَهُ.
٣١٣
كِتَابُ الْإِيمَانِ
أعظم أركان التوبة. (فَمَا الإِثْمُ؟) أي: ما علامته إذا لم يكن نص صريح أو نقل
صحيح واشتبه أمره والتبس حكمه. (إِذَا حَالَكَ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ) أي: تردد ولم
يطمئن به قلبك وأثر فيه تأثيرًا يديم تنفيرًا. (فَدَعْهُ) أي: اتركه، وهو كقوله: ((دَعْ مَا
يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ))، وهذا بالنسبة إلى أرباب البواطن الصافية والقلوب الزاكية
لا العوام الذين قلوبهم مظلمة بالمعاصي، فإنهم ربما يحسبون الإثم برًّا والبر
إثمًا. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥: ص٢٥١، ٢٥٢، ٢٥٦)، وفي سنده يحيى بن أبي كثير،
وهو مدلس، وأخرجه أيضًا الطبراني في ((الأوسط)). قال الهيثمي: ورجالُهُ رجال
الصحيح، إلا أن فيه يحيى بن أبي كثير، وهو مدلس وإن كان من رجال الصحيح،
انتهى. وأخرجه أيضًا ابن حبان، والطبراني في ((الكبير))، والحاكم، والبيهقي في
((شعب الإيمان))، والضياء في ((المختارة))، كذا في ((الجامع الصغير))، وأخرج
أحمد والبزار والطبراني في ((الكبير)) عن أبي موسى نحوه.
٤٦ - [٤٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلَ فَقُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَاَ الْأَمْرِ؟ قَالَ: ((حُرٍّ وَعَبْدٌ)) قُلْتُ: مَا الْإِسْلَامُ؟
قَالَ: ((طِيبُ الْكَلَامِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَام)) قُلْتُ: مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: ((الصَّبْرُ
وَالسَّمَاحَةُ)) قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ
لِسَانِهِ وَيَدِهِ)) قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الْإِيمَانِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((خُلُقٌ حَسَنٌ)) قَالَ: قُلْتُ:
أَُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((طُوْلُ الْقُنُوتِ)) قَالَ: قُلْتُ: أَبُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟
قَالَ: ((أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرِهَ رَبُّكَ)) قَالَ: قُلْتُ: فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((مَنْ عُقِرَ
جَوَادُهُ وَأُهْرِيقَ دَمُهُ)) قَالَ: قُلْتُ: أَبُّ السَّاعَاتِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((جَوْفُ اللَّيْلِ
الْآخِرُ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٤٦- قوله: (عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ) بعين مهملة وموحدة وسين مهملة
مفتوحات، ابن عامر بن خالد السلمي، كنيته أبو نجيح، كان أخا أبي ذر لأمه،
(٤٦) أَحْمَد (٤/ ٣٨٥) والحاكم (١ / ١٦٤) مطولًا ومختصرًا، وبعضُهُ عند مُسْلِم (٢٩٤) في الإيمانِ.
٣١٤
ese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أسلم قديمًا بمكة، قال ابن سعد: يقولون: إنه رابع أو خامس في الإسلام، ثم
رجع إلى بلاد قومه فأقام بها إلى أن هاجر بعد خيبر وقبل الفتح فشهدها، قال أبو
نعيم: كان قبل أن يسلم يعتزل عبادة الأصنام ويراها باطلًا وضلالًا، وكان يرعى
فتظلَّه غمامة، روى عنه ابن مسعود مع تقدمه وأبو أمامة الباهلي وسهل بن سعد، له
ثمانية وأربعون حديثًا، انفرد له مسلم بحديث يأتي في باب أوقات النهي، قال
الحافظ في ((الإصابة)) (ج٣: ص٦) و((تهذيب التهذيب)) (ج٨: ص٦٩): كانت
وفاته في أواخر خلافة عثمان، فإني ما وجدت له ذكرًا في الفتنة ولا في خلافة
معاوية .
(مَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ؟) أي: من يوافقك على ما أنت عليه من أمر الدين.
(قَالَ: حُرٍّ وَعَبْدٌ) قال القاري: أي كل حر وعبد، يعني: مأمور بالموافقة، وقيل:
أبو بكر وزيد، وقيل: أبو بكر وبلال، ويؤيده ما في إحدى روايات مسلم: ومعه
يومئذٍ أبو بكر وبلال، ولعل عليًّا لم يذكر لصغره، وكذا خديجة لسترها وعدم
ظهورها، انتهى.
قلتُ: وكذا وقع في رواية لعمرو بن عبسة عند أحمد: ومعه أبو بكرٍ وبِلال. وفي
أخرى عنده: مَن تابعك على أمرك هذا؟ قال: ((حر وعبد))، يعني: أبا بكر وبلالًا.
(مَا الْإِسْلَامُ؟) أي: علامته أو شعبه أو كماله. (طِيبُ الْكَلَامِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَام) ذكر
الإطعام ليدخل فيه الضيافة وغيرها، وفيهما إشارة إلى الحثَ على مكارم الأخلاق
وبذل الإحسان ولو بحلاوة اللسان. (مَا الْإِيمَانُ؟) أي: ثمرته ونتيجته، أو خصاله
وشعبه. (قَالَ) محصل خصال الإيمان أو ثمرة الإيمان. (الصَّبْرُ) أي: على الطاعة
وعن المعصية وفي المعصية. (وَالسَّمَاحَةُ) أي: السخاوة بالزهد في الدنيا
والإحسان والكرم للفقراء، وقال الطيبي: فسر الإيمان بالصبر والسماحة؛ لأن
الأول يدل على ترك المنهيات، والثاني يدل على فعل المأمورات، كما فسره
الحسن البصري بقوله: الصبر عن معصية الله، والسماحة على أداء فرائض الله.
ثم جمع هاتين الخصلتين بالخلق الحسن، بناءً على ما قالت الصِّدِّيقَةُ: ((كَانَ خُلُقُهُ
الْقُرْآنَ))، أي: يأتمر بما أمره الله، وينتهي عما نهى الله عنه، ويجوز أن يحملا على
الإطلاق، ويكون قوله: ((خُلُقٌ حَسَنٌ)) بعد ذكرهما كالتفسير له؛ لأن الصبر على
أذى الناس والسماحة بالموجود يجمعهما الخلق الحسن، انتهى.
٣١٥
كِتَابَ الْإِيمَانِ
(أَُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟) أي: أيُّ ذوي الإسلام وأهله أكثر ثوابًا. (أَُّ الْإِيمَانِ؟)
أي: أخلاقه أو خصاله أو شعبه. (خُلُقٌ حَسَنٌ) بضم اللام وَتُسَكَّن، وهو صفة
جامعة للخصال السَّنِيَّة والشمائل البهيَّة، والخلق: ملكة تصدر بها الأفعال عن
النفس بسهولة من غير سبق روية، وتنقسم إلى فضيلة وهي الوسط، ورذيلة وهي
الأطراف. (أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟) أي: أركانها أو كيفياتها. (قَالَ: طُولُ الْقُنُوتِ)
أي: القيام أو القراءة أو الخشوع، والأول أظهر. واختلف العلماء في أن طول
القيام أفضل أو كثرة السجود، ويأتي الكلام فيه في الصلاة. (أَيُّ الْهِجْرَةِ؟) أي:
أفرادها. (أَفْضَلُ) فإن الهجرة أنواع، إلى الحبشة عند إيذاء الكفارة للصحابة، ومن
مكة إلى المدينة، وفي معناه: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وهجرة
القبائل لتعلم المسائل من النبي وَّه، والهجرة عما نهى الله عنه. (أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرِهَ
رَبُّك) فهذا النوع هو الأفضل؛ لأنه الأعم الأشمل. (فَأَُّّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟) أي:
أنواعه أو أهله، وهو الظاهر. (مَنْ عُقِرَ) بصيغة المجهول (جَوَادُهُ) أي: قتل فرسه.
(وَأُهْرِيقَ دَمُهُ) بضم الهمزة وسكون الهاء، أي: صب وسكب، يقال: أراق يريق،
وهراق يهريق، بقلب الهمزة هاء، وأهراق يهريق بزيادتها، كما زيدت السين في
استطاع، والهاء في مضارع الأول محركة وفي مضارع الثاني ساكنة، كذا قاله
صاحب الفائق. وإنما كان هذا الجهاد أفضل لجمعه بين الإنفاق في سبيل الله،
والشهادة في مرضاة الله (جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرِ) صفة جوف أي: النصف الأخير من
الليل، وقيل: المراد به وسط النصف الثاني، وهو السدس الخامس من أسداس
الليل، وهو الوقت الذي ورد فيه النُّزول الإلهي، وفي رواية لأحمد (ج٤:
ص ١٨٧): ((جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرِ أَجْوَبُهُ دَعْوَةً))، وروى الترمذي عن عمرو بن عبسة
مرفوعًا: ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ
تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ)). (رواه أحمد) (ج٤: ص٣٨٥)،
وأخرجه أيضًا الطبراني في الكبير، وفي إسنادهما شهر بن حوشب، وقد وثق على
ضعف فيه، وأخرجه الطبراني في الكبير مختصرًا من حديث أبي موسى ورجاله
موثوقون .
٣١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٤٧ - [٤٦] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل ◌َوَّلَهُ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَه
يَقُولُ: ((مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيََّا، وَيُصَلِّي الْخَمْسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ،
[رَوَاهُ أَحْمَدُ]
غُفِرَ لَهُ)) قُلْتُ: أَفَلَا أُبَشِّرُهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((دَعْهُمْ يَعْمَلُوا))
الشَّرْجُ
٤٧ - قوله: (مَنْ لَقِيَ اللَّهَ) أي: مات. (لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) أي: حال كونه غير
مشرك. (وَيُصَلِّ الْخَمْسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ) ترك ذكر الزكاة والحج؛ لأنهما
مختصان بالأغنياء، وخص الصلاة والصوم بالذكر؛ لكونهما أفضل وأشهر وأعم.
(غُفِرَ لَهُ) أي: غفر اللَّه ذنوبه الصغائر والكبائر التي بينه وبين اللَّه تعالى إن شاء،
وأما حقوق العباد فيمكن أن يرضيهم الله تعالى من فضله. (يَعْمَلُوا) مجزوم على
جواب الأمر، أي: يجتهدوا في زيادة العبادة من السنن والنوافل، ولا يتكلوا على
الشهادة والفرائض. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥ : ص٢٣) بسند صحيح.
٤٨ - [٤٧] وَعَنْ مُعَاذٍ: أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيِّ ◌َّهِ عَنْ أَفْضَلِ الْإِيمَانِ، قَالَ: ((أَنْ
تُحِبَّ لِلَّهَ، وَتُبْغِضَ لِلَّهِ، وَتُعْمِلَ لِسَانَكَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ))، قَالَ: وَمَاذَا يَا رَسُولَ
اللَّهِ؟ قَالَ: ((وَأَنْ تُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَتَكْرَهَ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ]
الشَّرْجُ
٤٨- قوله: (عَنْ أَفْضَلِ الْإِيمَانِ) أي: عن شُعَبِه ومَراتبه وأحواله أو خصال
أهله. (أَنْ تُحِبَّ) أي: كلَّ ما تحبه. (لِلّهِ) لا لغرض سواه. (وَتُبْغِضَ) أي:
مبغوضك. (لِلَّهِ) لا لطبع وهِوى. (وَتُعْمِلَ) من الإعمال بمعنى الاستعمال
والإشغال. (لِسَانَكَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ) بأن لا يزال رطبًا به، بشرط الحضور.
(٤٧) أَحْمَد (٥/ ٢٣٢) عن معاذٍ.
(٤٨) رَوَاهُ أَحْمَد (٥/ ٢٤٧) رَضِ فْلَهُ .
٣١٧
كِتَابُ الْإِيمَانِ
(وَمَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أي: وماذا أصنع بعد ذلك؟ ((وَمَاذَا)) إما منصوب بأصنع،
أو مرفوع، أي: أيُّ شيءٍ أصنعه؟ فعلى الأول مقول قال (وَأَنْ تُحِبَّ) يكون
منصوبًا، وعلى الثاني مرفوعًا، والواو للعطف على مقدر، والتقدير: أن تستقيم
على ما قلنا، وأن تحب (لِلنَّاسِ) يحتملُ التعميم ويحتمل التخصيص بالمؤمنين.
(مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ) أي: تحب لهم من الطاعات والمباحات الدنيوية والأخروية مثل
الذي تحب لنفسك، والمراد: أن تحبّ أن يحصل لهم مثل ما حصل لك لا عينه،
سواء كان ذلك في الأمور المحسوسة أو المعنوية، وليس المراد أنك تحب أن ما
عندك ينتقل إليهم، أو أنه بذاته يكون عندهم؛ إذ الجسم الواحد لا يكون في
مكانين؛ لأن قيام الجوهر أو العرض بمحلين محال، وهذا في عوام الناس، أما
أهل الخصوص فلا يكمل إيمان أحدهم إلا إذا أحب أن يكون كل مسلم فوقه، ولذا
قال الفضيل بن عياض لابن عيينة: إنَّك لا تكون ناصحًا أتم النصح للناس إلا إذا
كنت تحب أن كل مسلم يكون فوقك. وقال العلقمي: فإن قيل: ظاهر الحديث
طلب المساواة، وكل أحد يحب أن يكون أفضل من غيره. يجابُ: بأن المراد
الحث على التواضع، فلا يحب أن يكون أفضل من غيره ليرى عليه مزية. ويستفاد
ذلك من قوله تعالى: ﴿ِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوَّا فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا
(٨٣)﴾ [القصص: ٨٣]، ولا يتمُّ ذلك إلا بترك الحسد والحقد والغش،
وَاُلْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
و كلها خصال مذمومة، انتهى.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥: ص٢٤٧) من طريقين، في أحداهما رشدين، وفي
الأخرى: ابن لهيعة، وكلاهما يرويان عن زبان، والثلاثة مضعَّفون، وأخرجه أيضًا
الطبراني في ((الكبير))، وفي سنده أيضًا ابن لهيعة.
٣١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
١ - بَابُ الْكَبَائِرِ وَعَلَامَاتِ النَّفَاق
(بَابُ الْكَبَائِرِ) جمع: كبيرة، اعلم: أنه ذهب الجمهور من السلف والخلف من
جميع الطوائف إلى أن من الذنوب كبائر ومنها صغائر، وقد تظاهر على ذلك
دلائل من الكتاب، كقوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا ثُنْهَوَّنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنِكُمْ
سَبِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَرَ آلْإِثْمِ وَالْفَوَِشَ إِلَّ الََّمْ﴾
[النجم : ٣٢] وغير ذلك من الآيات والسنة الصحيحة، كالأحاديث التي دلَّت على
انقسام المعاصي إلى ما تكفره الصلوات الخمس أو صوم رمضان أو الحج أو
العمرة أو الوضوء أو صوم عرفة أو صوم عاشوراء أو فعل الحسنة أو غير ذلك مما
جاءت به الأحاديث الصحيحة الثابتة، وإلى ما لا يكفره ذلك كما ثبت في
((الصحيح)): ((مَا لَمْ يَغْشَ كَبِيرَةً)). وشذت طائفة، فقالت: ليس في الذنوب
صغيرة، بل كل ما نهى الله عنه كبيرة، ثم اختلف الجمهور في ضبط الكبيرة
اختلافًا كثيرًا:
فقيل: كل ذنب ختمه اللَّه بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، روي ذلك عن ابن
عباس .
وقيل: ما وجبت فيه الحدود في الدنيا أو توجه إليها الوعيد بالنار في الآخرة،
ومراد قائله: ضبط ما لم يرد فيه نص بكونه كبيرة.
وقيل: الأولى ضبطها بما يشعر بتهاون مرتكبها بدينه إشعارًا دون الكبائر
المنصوص عليها .
والراجح: أن كل ذنب نص على كبره أو عظمه أو توعد عليه بالعقاب في الآخرة
أو ختم بالغضب أو اللعنة أو علق عليه حد أو شدد النكير عليه أو وصف فاعلها
بالفسق فهو كبيرة. وذهب جماعة إلى أن الذنوب التي لم ينص على كونها كبيرة
مع كونها كبيرة لا ضابط لها .
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْكَبَائِرِ وَعَلَامَاتِ النِفَّاقِ
٣١٩
قال الواحدى: ما لم ينص الشارع على كونه كبيرة، فالحكمة في إخفائه أن
يمتنع العبد من الوقوع فيه، خشية أن يكون كبيرة كإخفاء ليلة القدر وساعة الجمعة
والاسم الأعظم. هذا وارجع للتفصيل إلى ((شرح مسلم)) للنووي في باب الكبائر
من كتاب الإيمان، و((الفتح)) (ج٥: ص ٥٢٦) في شرح باب عقوق الوالدين من
الكبائر من أبواب الأدب، وفي شرح باب رمى المحصنات من كتاب المحاربين
(ج٦: ص٣٨٣) و((الزواجر)) لِلْهيتمي، و((الإحياء)) للغزالي. (وعلامات النفاق)
تخصيص بعد تعميم .
الفصل الأول
٤٩ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَُّ
الذَّتْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟! قَالَ: (أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ)) قَالَ: ثُمَّ أَّ؟
قَالَ: (ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْبَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ)) قَالَ: ثُمَّ أَّ؟ قَالَ: ((ثُمَّ أَنْ
تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارَِ)) فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَ تَصْدِيقَهَا: ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا
ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ
أَثَامًا (٨﴾ الْآيَةَ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
٤٩- قوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) بن غافل بن حبيب الهذلي، يكنى: أبا
عبد الرحمن، أسلم قديمًا في أول الإسلام قبل دخول النبي ◌َّ دار الأرقم وقبل
عمر بزمان، وقيل: كان سادسًا في الإسلام، ثم ضمه إليه رسول اللّه وَ ل فكان من
خواصه، وكان يعرف في الصحابة بصاحب النعلين والسواك والسواد والطهور،
هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وصح عنه أنه قال: أخذتُ منْ فِي
(٤٩) الخَمْسَةُ؛ البُخَارِي (٦٨٦١) فِي الدِّياتِ، وَمُسْلِم (١٤٢ / ٨٦) فِي الإِيمَانِ، وَأَبُو دَاوُد (٢٣١٠)،
والتِّرْمِذِي (٣١٨٢)، والنَّسَائِي (٧/ ٨٩) عنه.