النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ixE
٢٨ - [٢٧] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ فَقُلْتُ: ابْسُطْ
يَمِينَكَ فَلأُبَابِعَكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، فَقَالَ: ((مَا لَكَ يَا
عَمْرُو؟)): قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ. قَالَ: (تَشْتَرِطُ مَاذَا؟)) قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي،
قَالَ: ((أَمَا عَلِمْتَ يَا عَمْرو أَنَّ الْإِسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا
كَانَ قَبْلِهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
وَالْحَدِيثَانِ الْمَرْوِيَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى
الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ)) والآخر: ((الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي)) سَنَذْكُرُهُمَا فِي بَابِي الرِّيَاءِ
وَالْكِبْرِ، إِنَّ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الشرْخُ
٢٨ - قوله: (وَعَنْ عَمْرِو) بالفتح. (بْنِ الْعَاصِ) بن وائل السهمي القرشي،
أسلم عام الحديبية، وأمَّه النبي ◌ُّر على جيش ذات السلاسل، ثم استعمله على
عمان، فَقُبِضَ النبي ◌َّه وهو أميرها، وكان أحد أمراء الأجناد في فتوح الشام،
وافتتح مصر في عهد عمر بن الخطاب وعمل عليها له ولعثمان، ثم عمل عليها زمن
معاوية منذ غلب عليها معاوية إلى أن مات عمرو، أخرج أحمد من حديث ابن أبي
مليكة عن طلحة أحد العشرة رفعه: ((عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِنْ صَالِحِي قُرَيْش)» ورجال
سنده ثقات، إلا أن فيه انقطاعًا بين ابن أبي مليكة وطلحة، وقال مجاهد عن
الشعبي: دهاة العرب في الإسلام أربعة ... فعدَّ منهم عمرًا، وقال: فأما عمرو
فللمعضلات، وقال أبو عمر: كان عمرو من أبطال قريش في الجاهلية مذكورًا
بذلك فيهم، وفضائله ومناقبه كثيرة جدًّا، قال الخزرجي: له تسعة وثلاثون حديثًا،
اتفقا على ثلاثة، وانفرد البخاري بطرف حديث، ومسلم بحديثين، مات بمصر
سنة (٤٣) وله (٩٠) سنة، ودفن بالمقطم، وخلف أموالًا جزيلة.
واعلم: أنهم اختلفوا في لفظ ((العاصي)» المذكور هل هو بالياء أو بدونها؟ قال
الزرقاني في ((شرح الموطأ)): بالياء وبحذفها والصحيح بالياء، وقال في ((شرح
(٢٨) مُسْلِم (١٩٢ / ١٢١) فِي الإِيمَانِ عَنْ عَمْرٍو، وَفِيهِ قِصَّةٌ.

٢٨١
كِتَابُ الْإِيمَانِ
المواهب)): العاص بالياء وحذفها، والصحيح الأول عند أهل العربية، وهو قول
الجمهور كما قال النووي وغيره. وفي ((تبصير المنتبه)) قال النحاس: سمعت
الأخفش يقول: سمعت المبرد يقول: هو بالياء لا يجوز حذفها، وقد لهجت العامة
بحذفها، قال النحاس: هذا مخالف لجميع النحاة، يعني: أنه من الأسماء
المنقوصة فيجوز فيه إثبات الياء وحذفها، كذا في ((التعليق الممجد))، وقال
القاري: الأصحُّ عدم ثبوت الياء إما تخفيفًا أو بناءً على أنه أجوف، ويدل عليه ما في
(القاموس)): الأعياص من قريش أولاد أمية بن عبد شمس الأكبر، وهم العاص
وأبو العاص والعيص وأبو العيص، فعلى هذا لا يجوز كتابة العاص بالياء ولا
قراءته بها لا وقفًا ولا وصلاً، فإنه معتل العين، بخلاف ما يتوهم بعض الناس أنه
اسم فاعل من عصى، فحينئذٍ يجوز إثبات الياء وحذفه وقفًّا ووصلا بناءً على أنه
معتل اللام، انتهى.
(ابْسُطْ يَمِينَكَ) أي: افتحها ومدها. (فَلِأُبَابِعَكَ) بكسر اللام وفتح العين على
الصحيح، والتقدير: لأبايعك تعليلاً للأمر والفاء مقحمة، وقيل: بضم العين،
والتقدير: فأنا أبايعك، وأقحم اللام توكيدًا، ويحتمل وجوهًا أخرى. ذكرها
القاري. (فَقَبَضْتُ يَدِي) بسكون الياء وتفتح، أي: إلى جهتي. (مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟)
أي: أيُّ شيء خطر لك حتى امتنعت عن البيعة؟ (أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ) مفعوله
محذوف، أي: شرطًا أو شيئًا يحصل لي به الانتفاع. (قَالَ: تَشْتَرِطُ مَاذَا؟) قيل:
حقُّ ماذا أن يكون مقدمًا على ((تشترط))؛ لأنه يتضمن معنى الاستفهام وهو يقتضي
الصدارة، فحذف ماذا وأعيد بعد ((تشترط)) تفسيرًا للمحذوف، وقيل: كأنه عليه
الصلاة والسلام لم يستحسن منه الاشتراط في الإيمان، فقال: أتشترط؟ إنكارًا
فحذف الهمزة ثم ابتدأ فقال: ((مَاذَا))، أي: ما الذي تشترط؟ أو: أي شيء تشترط؟
وقال المالكي في قول عائشة: أقول: ماذا شاهد على أن ما الاستفهامية إذا ركبت
مع ذا تفارق وجوب التصدير، فيعمل فيها ما قبلها رفعًا ونصبًا، فالرفع كقولك:
((كَانَ مَاذَا))، والنصب كما في الحديث. (أَنْ يُغْفَرَ لِي) بالبناء للمفعول، وقيل:
للفاعل أي الله. (أَمَا عَلِمْتَ يَا عَمْرُو) أي: من حقك مع رزانة عقلك وجودة رأيك
وكمال حذقك أن لا يكون خفي عن علمك. (إِنَّ الِإِسْلَامَ) أي: إسلام الحربي؛ لأن
إسلام الذي لا يسقط شيئًا من حقوق العباد، قاله القاري. (يَهْدِمُ) بكسر الدال أي :

٢٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يمحو ويسقط. (مَا كَانَ قَبْلَهُ) من الكفر والمعاصي مطلقًا مظلمة كانت أو غيرها
صغيرة أو كبيرة. (وَأَنَّ الْهِجْرَةَ) من دار الحرب إلى دار الإسلام. (تَهْدِمُ مَا كَانَ
قَبْلِهَا) أي: من الخطايا المتعلقة بحقِّ اللَّه لا التبعات، وتكفر الكبائر التي بين العبد
ومولاه لا المظالم بين العباد وحقوق الآدميين. (وَأَنَّ الْحَجَّ) أي: المبرور. (يَهْدِمُ
مَا كَانَ قَبْلَهُ) الحكم فيه كالذي قبله، قيل: وعليه الإجماع، وإنما حملوا الحديث
في الحج والهجرة على ما عدا حقوق العباد والمظالم لما عرفوا ذلك من أصول
الدين، فردوا المجمل إلى المفصل، وعليه اتفاق الشارحين، وقد تكلم الطيبي في
الحديث كلامًا حسنًا بحسب ما تقتضيه البلاغة، وهو كالتعقب على الشارحین، إن
شئت الوقوف عليه فارجع إلى شرحه للمشكاة.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الإيمان، وأخرجه أحمد أيضًا في ((مسنده)) (ج٤: ص٢٠٤،
٢٠٥).
قوله: (وَالْحَدِيثَانِ الْمَرْوِيَّنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي: المذكوران هنا في
((المصابيح)). (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ... ) إلخ بيان للحديثين. (سَنَذْكُرُهُمَا فِي بَابِي الرِّیَاءِ
وَالْكِبْرِ) لف ونشر مرتب، أي: لأن الحديثين أنسب بالبابين من هذا الباب.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
٢٨٣
الفصل الثاني
أي: المعبر به عن قوله من الحسان في ((المصابيح)).
٢٩ - [٢٨] عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي بِعَمَلِ يُدْخِلُنِي
الْجَنَّةَ، وَيُبَاعِدُنِي من النَّارِ. قَالَ: (لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ أَمْرٍ عَظِيمَ، وَإِنَّهُ لَّيَّسِيرٌ عَلَى
مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِلُكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي
الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ))، ثُمَّ قَالَ: ((أَلَا أَدُلَّكَ عَلَى أَبْوَابِ
الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ الثَّارَ، وَصَلَةُ
الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ ثَلَا: ﴿نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاِعِ﴾ حَتَّى بَلَغَ:
﴿يَعْمَلُونَ﴾)). ثُمَّ قَالَ: ((أَلَا أَدُلَّكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟)) قُلْتُ:
بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((رَأْسُ الْأَمْرِ الَّإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ
الْجِهَادُ))، ثُمَّ قَالَ: ((أَلَا أُخْبِرَُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟) قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ،
فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، فَقَالَ: ((كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا)) فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ
بِمَا نَتَكَّلَّمُ بِهِ؟ قَالَ: ((ثَكِلَتْكَ أُمَُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى
وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟))
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ]
الشَّرْحُ
٢٩- قوله: (عَنْ مُعَاذٍ) أي: ابن جبل. (أَخْبِرْنِي بِعَمَلِ) التنوين للتعظيم أو
للتنويع، أي: بعمل عظيم أو معتبر في الشرع. (يُدْخِلُنِي) منَ الإدخال، وهو بالرفع
صفة العمل، وإسناد العمل إلى الإدخال مجازًا، وبالجزم على أنه جزاء شرط
محذوف هو صفة العمل، أي: أخبرني بعمل إن عملته يدخلني الجنة، أو لأنه
(٢٩) التِّرْ مِذِي (٢٦١٦)، وَصَحَّحَهُ فِي الإِيمَانِ، وَالنَّسَائِي (١١٣٩٤) فِي التفسير، وَابن مَاجَه (٢٩٧٣)
فِي الفِتَنِ، كُلُّهُمْ عَنْ مُعَاذٍ .

٢٨٤
ess
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
جواب الأمر؛ لأنه ترتب على فعل العمل المترتب على الإخبار، فترتبه على
الإخبار إشارة إلى سرعة الامتثال بعد الاطلاع على حقيقة الحال، وعطف.
(يُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ) على يدخلني الجنة يفيد أن مراده، دخول الجنة من غير سابقة
عذاب. (عَنْ أَمْرِ عَظِيم) أي: مستعظم الحصول لصعوبته على النفوس إلا من سهل
الله عليه. (وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ) أي: فعله سهل. (عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ) فيه: إشارة
إلى أن التوفيق كله بيد الله ث. (تَعْبُدُ اللَّهَ) خبر بمعنى الأمر، وهو خبر مبتدأ
محذوف على تقدير ((أن)) المصدرية، واستعمال الفعل موضع المصدر مجاز،
أي: هو ذلك العمل أن تعبد الله، وقد تقدم معنى العبادة وبيان الحكمة في عطف
عدم الإشراك على العبادة. (أَلَا أَدُلَّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟) أي: الطرق الموصلة
به، والمراد بها النوافل، يدل عليه قوله: ((صَلَةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ)) لئلا يلزم
التكرار؛ لأنه قد تقدم ذكر الصلاة وغيرها من الفرائض، وجعل هذه الأشياء أبواب
الخير؛ لأن الصوم شديد على النفس، وكذا إخراج المال في الصدقة، وكذا
الصلاة في جوف الليل، فمن اعتادها يسهل عليه كل خير؛ لأنَّ المشقة في دخول
الدار تكون بفتح الدار المغلق. (الصَّوْمُ جُنَّةٌ) بضمِّ الجيم: الترس والوقاية، أي:
يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات والمعاصي المؤدية إلى النار في الآخرة،
كالمجن الذي يقي صاحبه عند القتال من الضرب، فالشبع مجلبة للآثام منقصة
للإيمان، فإنه يوقع الإنسان في مداحض، فيزيغ عن الحق ويغلب عليه الكسل،
فيمنعه من وظائف العبادات ويكثر المواد الفضول فيه، فيكثر غضبه وشهوته ویزید
حرصه، فيوقعه في طلب ما زاد على حاجته، فيوقعه في المحارم. (تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ)
من الإطفاء يعني: تذهبها وتمحو أثرها، أي: إذا كانت متعلقة بحقِّ اللّه، وإذا
كانت من حقوق العباد فتدفع تلك الحسنة إلى خصمه عوضًا من مظلمته، ونزل في
الحديث الخطيئة منْزلة النار المؤدية هي إليها على الاستعارة المكنية، ثم أثبت لها
على الاستعارة التخييلية ما يلازم النار من الإطفاء. (وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ)
مبتدأ حذف خبره، أي: هي مما لا يكنه كنهها، أو هي مما نزلت فيها الأَية
المذكورة، أو هي من أبواب الخير، أو هي شعار الصالحين، والأظهر بل المتعين
أن يقدر خبره كذلك، أي: أنها تطفئ الخطيئة أيضًا كالصدقةِ، يدلَّ عليه ما أخرجه
أحمد من رواية عروة بن النَزال عن معاذ، قال: ((أقبلْتُ معَ النبيِّ وََّ من غزوةٍ

٢٨٥
كِتَابُ الْإِيمَانِ
تبوك ... ) فذكر الحديث، وفيه ((.إن الصَّوْمَ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةَ وَقِيَامَ الْعَبْدِ فِي جَوْفٍ
اللَّيْلِ يُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ)). (ثُمَّ تَلَا) يعني: قرأ هاتين الآيتين عند ذكره فضل صلاة
الليل؛ ليبين بذلك فضل صلاة الليل. ﴿نَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ [السجدة: ١٦] أي: تتباعد.
﴿وَيَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [السجدة: ١٦] بالصلاة والذكر والقراءة والدعاء، ويدخل في عموم لفظ
الآية من صلى بين العشائين، ومن انتظر صلاة العشاء فلم يقم حتى يصليها لا سيما
مع حاجته إلى النوم ومجاهدة نفسه على تركه لأداء الفريضة، ومن نام ثم قام من
نومه بالليل للتهجد، وهو أفضل أنواع التطوع بالصلاة مطلقًا، وربما دخل فيه من
ترك النوم عند طلوع الفجر وقام إلى أداء صلاة الصبح لا سيما مع غلبة النوم عليه .
(حَتَّى بَلَغَ - ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]) بقية الآية: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ فَلَا
تَعْلَمُ نَفْسُ مَّ أُخْفِىَ لَهُمْ مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦]. (أَلَا أَدُلَّكَ بِرَأْسٍ
الأَمْرِ؟) أي: مخبرًا بأصله، والمراد بالأمر الدين الذي بعث به. (وَعَمُودِهِ) بفتح
أوله أي ما يقوم به الدين ويعتمد عليه. (وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ) بكسر الذال وهو الأشهر
وبضمها، وحكى فتحها: أعلى الشيء والجمع ذرى بالضم، والسنام بفتح السين ما
ارتفع من ظهر الجمل قريب عنقه، يقال له بالفارسية: ((كوهان شتر)). (رَأْسُ الأَمْرِ
الْإِسْلَامُ) قد جاءَ تفسير الإسلام في رواية أخرى بالشهادتين، ففي رواية أحمد من
طريق شهر بن حوشب عن ابن غنم، عن معاذ: ((أَنَّ رَأْسَ هَذَا الْأَمْرِ: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا
إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ))، قال القاري: وهو من باب
التشبيه المقلوب؛ إذ المقصود تشبيه الإسلام برأس الأمر؛ ليشعر بأنه من سائر
الأعمال بمنزلة الرأس من الجسد في احتياجه إليه وعدم بقائه دونه. (وَعَمُودُهُ
الصَّلَاةُ) أي: ما يقوم به الدين - كما يقوم الفسطاط - على عموده هي الصلاة،
وفي الرواية المشار إليها: (وَإِنَّ قِوَامَ هَذَا الْأَمْرِ إِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ)). (وَذِرْوَةُ
سَنَامِهِ الْجِهَادُ) فيه: إشارة إلى صعوبة الجهاد وعلو أمره، وهو يدلُّ على أنه أفضل
الأعمال بعد الفرائض، كما هو قول الإمام أحمد وغيره من العلماء، قال
التُّورْبَشْتِي: المرادُ بالإسلام كلمتا الشهادة، وبالأمر أمر الدين يعني: ما لم يقر
العبد بكلمتي الشهادة لم يكن له من الدين شيء أصلاً، وإذا أقرَّ بهما حصل له أصل
الدين إلا أنه ليس له عمود، فإذا صلَّى وداوم على الصلاة قوي دينه، ولكن لم يكن
له رفعة وكمال، فإذا جاهد حصل لدينه رفعة. (بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ) الملاك بكسر

٢٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
BE
الميم وفتحها لغة، والرواية الكسر: ما به إحكام الشيء وتقويته، أي: بما به يملك
الإنسان ذلك كله بحيث يسهل عليه جميع ما ذكر من تلك العبادات. (فَأَخَذَ) أي :
رسول اللّه وَله. (بِلِسَانِهِ) الضمير راجع إلى النبي ◌َّل. (كُفّ) الرواية بفتح الفاء
المشدد أي: امنع. (هَذَا) إشارة إلى اللسان، وتقديم المجرور على المنصوب
للاهتمام به، وتعديته بعلى للتضمين أو بمعنى عن، وإيراد اسم الإشارة لمزيد
التعيين أو للتحقير، وهو مفعول كَفَّ، والمعنى: لا تتكلّم بما لا يعنيك، فإن من
كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ولكثرة الكلام مفاسد يطول
إحصاؤها وارجع لذلك إلى ((الإحياء)). (لَمُؤَاخَذُونَ) بالهمزة ويبدل، أي: هل
يؤاخذنا ويعاقبنا أو يحاسبنا ربنا. (بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ) أي: بجميعه؛ إذ لا يخفى على
معاذ المؤاخذة ببعض الكلام. (ثَكِلَتْكَ أُمُّك) بكسر الكاف، أي: فقدتك، وهو
دعاء عليه بالموت ظاهرًا، ولا يراد وقوعه، بل هو تأديب وتنبيه من الغفلة. (وَهَلْ
یگُبُّ) بفتح الياء وضم الکاف وتشديد الباء، من کبه إذا صرعه على وجهه، بخلاف
أكب فإن معناه سقط على وجهه، وهو من النوادر، وهو عطف على مقدر، أي:
هل تظن غير ما قلت؟ وهل يكب (عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ) شك من
الراوي، والمناخر جمع منخر بفتح الميم وكسر الخاء وفتحها ثقب الأنف والمراد
هنا الأنف، والاستفهام للنفي، خصهما بالكب؛ لأنهما أول الأعضاء سقوطًا. (إلا
حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟) جمع حصيدة، فعيلة بمعنى مفعولة؛ مِن حصد إذا قطع الزرع،
وهذا إضافة اسم المفعول إلى فاعله، أي: محصودات الألسنة، شبه ما يتكلم به
الإنسان بالزرع المحصود بالمنجل، وهو من بلاغة النبوة، فكما أن المنجل يقطع
ولا يميز بين الرطب واليابس والجيد والرديء، فكذلك لسان بعض الناس يتكلم
بكل نوع من الكلام حسنًا وقبيحًا، والمعنى: لا يكبُّ الناس في النار إلا حصائد
ألسنتهم، من الكفر والشرك والقول على الله بغير علم وشهادة الزور والسحر
والقذف والشتم والكذب والغيبة والنميمة والبهتان ونحوها، وسائر المعاصي
الفعلية لا يخلو غالبًا من قول يقترن بها يكون معينًا عليها، وهذا الحكم وارد على
الأغلب؛ لأنك إذا جربت لم تجد أحدًا حفظ اللسان عن السوء ولا يصدر عنه شيء
یوجب دخول النار إلا نادرًا .

٢٨٧
كِتَابُ الْإِيمَانِ
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) في ((مسنده)) (ج٥: ص٢٣١). (والتِّرْمِذِيُّ) في الإيمان. (وابْنُ
مَاجَهْ) في الفتن، وأخرجه أيضًا النسائي، كلهم من طريق معمر، عن عاصم بن أبي
النجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل، وقال الترمذي: حسن صحيح، قال ابن
رجب في ((شرح الأربعين)): وفيما قاله نظر من وجهين، أحدهما: أنه لم يثبت
سماع أبي وائل من معاذ وإن كان قد أدركه بالسنِّ، وكان معاذ بالشام وأبو وائل
بالكوفة، ومازال الأئمة كأحمد وغيره يستدلون على انتفاء السماع بمثل هذا، وقد
قال أبو حاتم الرازي في سماع أبي وائل من أبي الدرداء: قد أدركه وكان بالكوفة
وأبو الدرداء بالشام، يعني: أنه لم يصح له سماع منه، وقد حكى أبو زرعة
الدمشقي عن قوم أنهم توقفوا في سماع أبي وائل من عمر أو نفوه فسماعه من معاذ
أبعد. والثاني: أنه قد رواه حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن شهر بن
حوشب عن معاذ، خرجه الإمام أحمد مختصرًا (ج٥: ص٢٤٨). قال الدار قطني:
وهو أشبه بالصواب؛ لأن الحديث معروف من رواية شهر على اختلاف عليه فيه.
قلتُ: رواية شهر عن معاذ مرسلة يقينًا، وشهر مختلف في توثيقه وتضعيفه، قد
خرَّجه الإمام أحمد (ج٥: ص ٢٤٥) من رواية شهر عن عبد الرحمن بن غنم عن
معاذ، وخرجه الإمام أحمد أيضًا (ج٥: ص٢٣٧) من رواية عروة بن النزال بن
عروة، وميمون بن أبي شبيب كلاهما عن معاذ، ولم يسمع عروة ولا ميمون عن
معاذ، وله طرق أخرى عن معاذ كلها ضعيفة، انتهى.
٣٠ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رسول اللّهِ وَّهِ: ((مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ،
وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ)). [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
الشَّرْحُ
٣٠- قوله: (وَعَنْ أَبِي أَمَامَةَ) بضم الهمزة، اسمه صدي بالتصغير بن عجلان
ابن وهب الباهلي، غلبت عليه كنيته، سكن مصر ثم انتقل منها إلى حمص فسكنها
ومات بها، وكان من المكثرين في الرواية عن رسول اللّه وَليه، وأكثر حديثه عند
(٣٠) أَبُو دَاوُد (٤٦٨١) فِي السُّنَّةِ.

٢٨٨
6
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
الشاميين، قال له وَّه: ((أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ))، ذكره الحافظ في ((الإصابة)) (ج٢ :
ص١٧٢)، له مائتا حديث وخمسون حديثًا، روى له البخاري خمسة أحاديث،
ومسلم ثلاثة، روى عنه خلق كثير، مات سنة (٨١) وقيل: سنة (٨٦) وهو ابن
(٩١) سنة، وقيل: ابن (١٠٦) سنة، وهو آخر من مات بالشام من أصحاب
رسول اللَّه وَله في قول بعضهم.
(مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ) أي: لأجله ولوجهه لا لحظ نفسه. (وَأَبْغَضَ لِلَّهِ) أي: لكفره
وعصيانه لا لإِ يذائه له. (وَأَعْطَى لِلَّهِ) أي: لثوابه ورضاه لا لميل نفسه وريائه. (وَمَنَعَ
لِلَّهِ) أي: لأمر الله؛ فلا يصرف الزكاة عن كافر لخسته، ولا عن هاشمي لشرفه بل
لمنع اللَّه لهما منها، وكذلك سائر الأعمال، فسكت للَّه وتكلم لله، واختلط
بالناس للَّه واعتزل عن الخلق للَّه، كقوله تعالى حاكيًا: ﴿إِنَّ صَلَاتِ وَنُشُكِى وَمَحْيَاىَ
وَمَمَاتِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]، وإنما خص الأفعال الأربعة؛ لأنها حظوظ
نفسانية؛ إذ قلما يمحضها الإنسان للَّه، فإذا محضها مع صعوبة تمحيضها كان
تمحيض غيرها بالطريق الأولى، ولذا أشار إلى استكمال الدين بتمحيضها بقوله:
(فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ) بالنصبِ أي: أكمله، وقيل: بالرفع، أي: تكمل إيمانه.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في ((السنة)) وسكت عليه، وفي إسناده القاسم بن عبد الرحمن أبو
عبد الرحمن الشامي، قال المنذري: قد تكلم فيه غير واحد، انتهى. وأخرجه أيضًا
الضياء المقدسي، قال العزيزي: بإسناد ضعيف، والطبراني في ((الأوسط))، وفي
إسناده صدقة بن عبد الله السمين، ضعفه البخاري وأحمد وغيرهما، وقال أبو
حاتم: محله الصدق، كذا في («مجمع الزوائد)).

٢٨٩
كِتَابُ الْإِيمَانِ
٣١ - [٣٠] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: عَنْ مُعَاذِ بن أَنَسِ مَعَ تَقَدِيم وَتَأْخِيرٍ، وَفِيهِ :
[أخرجه الترمذي: وقال: هذا حديث منكر]
((فَقَدِ اسْتَكْمَلَ إِيمَانَهُ)).
الشَّرْجُ
٣١- قوله: (وَرَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) أي: في آخر أبواب الزهد. (عن معاذ بن أنس)
الجهني حليف الأنصار، قال ابن يونس: صحابي كان بمصر والشام، قد ذكر
فيهما، روى عن النبي ◌ُّر أحاديث، وله رواية عن أبي الدرداء وكعب الأحبار،
روى عنه ابنه سهل بن معاذ وحده، وهو لين الحديث إلا أن أحاديثه حسان في
الفضائل والرغائب، قال الخزرجي: له ثلاثون حديثًا، وروى البغوي في ((معجمه))
من طريقه ما يدل على أنه بقيٍ إِلى خلافة عبد الملك بن مروان. (مَعَ تَقَدِيم وَتَأْخِيرٍ)
ولفظه: «مَنْ أَعْطَى للَّهِ وَمَنَعَ للَّهِ، وَأَحَبَّ للَّهِ وَأَبْغَضَ للَّهِ، وَأَنْكَحَ اللَّهِ)). (وَّفِيهِ) أي:
في حديث الترمذي أو في مروي معاذ. (فَقَدِ اسْتَكْمَلَ إِيمَانَهُ) أي: بالإضافة.
قال الترمذي بعد إخراجه: هذا حديث منكر، قال شيخنا في ((شرح الترمذي)»:
لم يظهر لي وجه كون هذا الحديث منكرًا، انتهى. ويمكنُ أن يقال: إن الترمذي
أراد بقوله: منكر، أنه غريب من حديث معاذ بن أنس، فقد تفرَّد بروايته عنه ابنه
سهل، فهو غريب من جهة هذا الطريق، والمنكر يطلق على معنيين، أحدهما: ما
خالف فيه الضعيف القوي، والثاني: ما تفرد به الضعيف من دون اشتراط
المخالفة، وها هنا قد انفردَ بروايته سهل بن معاذ عن أبيه، وقد ضعَّفه ابنُ معين،
وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتجُّ به، ووقع في بعض نسخ الترمذي: ((حَدِيثٌ
حَسَنٌ))، بدلَّقوله: (مُنْكَرٌ)) فليحرر، ولعل الترمذي حسنه مع أن في سنده أبا
(٣١) زيادة لم ترد في الأصل، وفي بعض نسخ الترمذي: هذا حديث حسن دون قوله: منكر. ولعلها
هي الصواب؛ إذ لا وجه لكون هذا الحديث منكرًا. على أن المتقدمين من الأئمة كثيرًا ما يطلقون
هذا اللفظ على ما تفرد به راويه وإن كان من الثقات فيكون حديثه صحيحًا غريبًا، انظر مقدمة
((الفتح)) للحافظ ابن حجر صفحة (٤٣٦). أخرجه الترمذي (٢٥٢٣) في صفة القيامه، وأخرجه
أحمد (٤٣٨/٣)، ورواه الحاكم في ((المستدرك)) (١٦٤/٢)، ووافقه الذهبي.

٢٩٠
HOR*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مرحوم عبد الرحيم بن ميمون، وضعفه ابن معين وتكلم فيه غير واحد، وسهل بن
معاذ قد عرفت حاله؛ لأن أبا مرحوم هذا قد قال فيه النسائي : أرجو أنه لا بأس به.
وقال الحافظُ: صدوق، وسهل بن معاذ وثقه ابن حبان. وقال الحافظُ: لا بأس به،
إلا في رواية زبان عنه، وفي ((الاستيعاب)) و((تهذيب التهذيب)): هو لين الحديث إلا
أن أحاديثه حسان في الفضائل والرغائب، ولأن له شاهدين، أحدهما: حديث أبي
أمامة، والثاني: حديث أبي هريرة، أخرجه أحمد والبزار بلفظ: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَجِدَ
طَعْمَ الْإِيمَانِ فَلْيُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبَّهُ إِلَّ للهِ .. )) الحديث، ورجاله ثقات، وحديث
معاذ أخرجه أيضًا الحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وأخرجه أحمد بعين لفظ
الترمذي من روايتين، من رواية عبد الله بن يزيد عن سعيد بن أبي أيوب عن عبد
الرحيم بن ميمون عن سهل بن معاذ عن أبيه (ج٣: ص٤٤٠)، وهي طريق
الترمذي، والأخرى من طريق ابن لهيعة عن زبان بن فائد عن سهل عن أبيه معاذ
(ج ٣: ص٤٣٨).
٣٢ - [٣١] وَعَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ: ((أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ:
الْحُبُّ فِي اللَّهِ، وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ))
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
الشَّرْجُ
٣٢ - قوله: (أَفْضَلُ الأَعْمَالِ) أي: من أفضل أعمال الإيمان. (الْحُبُّ فِي اللَّهِ)
أي: لوجهه وفي سبيله لا لغرض آخر كميل قلب وإحسان، ومن لازم الحب في
اللَّه حَبَّ أولياءه وأصفياءه، ومن شرط محبتهم اقتفاء آثارهم وطاعتهم. (وَالْبُغْضُ
فِي اللَّهِ) أي: لأمر يسوغ له البغض كالفسق والظلم والكفر والعصيان. قال ابنُ
رسلان: فيه دليل على أنه يجب أن يكون للرجل أعداء يبغضهم في الله كما يكون له
أصدقاء يحبهم في اللَّه، بيانه أنك إذا أحببت إنسانًا؛ لأنه مطيع للَّه ومحبوب عند
اللَّه، فإن عصاه فلا بد أن تبغضه؛ لأنه عاصٍ للَّه وممقوت عند الله، فمن أحبَّ
(٣٢) أَبُو دَاوُد (٤٥٩٩) فِي ((السُّنَّةِ)) عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَفِي سَنَدِهِ رَجُلٌ لَمْ يُسَمَّ.

٢٩١
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بسبب فبالضرورة يبغض لضده، وهذان وصفان متلازمان لا ينفصل أحدهما عن
الآخر، وهو مطرد في الحب والبغض في العادات، انتهى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قال المنذري: في إسناده يزيد بن أبي زياد الكوفي، ولا يحتجُّ
بحديثه، وقد أخرج له مسلم متابعة. وفيه أيضًا: رجل مجهول، انتهى. وأخرجه
أحمد مطولًا وفيه أيضًا رجل لم يسم، وللحديث شواهد من حديث ابن عباس
أخرجه الطبراني في ((الكبير))، ومن حديث البراء بن عازب أخرجه أحمد
والبيهقي، ومن حديث ابن مسعود أخرجه الطبراني في ((الصغير)). وفيه: عقيل بن
الجعد، قال البخاري: منكر الحديث.
٣٣ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((الْمُسْلِمُ مَنْ
سَلِمَ الْمُسْلِمُوْنَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ
وَأَمْوَالِهِمْ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ]
الشَّرْحُ
٣٣- قوله: (وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ ... ) إلخ كعلمه أي: ائتمنوه، يعني:
جعلوه أمينًا عليها وصاروا منه على أمن؛ لكونه مجربًا مختبرًا في حفظها وعدم
الخيانة فيها، يقال: أمنت زيدًا على هذا الأمر وائتمنته، أي: جعلته أمينًا وصرت
منه على أمن، يعني: المؤمن الكامل هو الذي ظهرت أمانته وعدالته وصدقه
بحيث لا يخاف منه الناس على إذهاب مالهم وقتلهم ومد اليد على نسائهم،
والمقصود: أن الكمال في الإيمان لا يتحقق بدون هذا، ولا يكون المرء بدون هذا
الوصف مؤمنًا كاملًا لا أنه إذا تحقق هذا الوصف تحقق الكمال في الإيمان، وإن
كان مع ترك الصلاة ونحوها؛ لجواز عموم المحمول من الموضوع، قاله
السندهي .
(٣٣) الحَاكِمُ (١١٠١٠/١)، وَالْبَيْهَقِي (٣٣/٣٤) في ((الشُّعَب)) عَنْ فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ، وَعِنْدَ التِّرْ مِذِي
(٢٦٢٧)، وَالنَّسَائِي (١٠٤/٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ إِلَى قَوْلِهِ: ((وَأَمْوَالِهِمْ))، وَتَقَدَّم أصلُهُمَا،
وَلِلْبُخَارِيِّ (١٠) ((المُهَاجِرُ)) فَقَطْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو.

٢٩٢
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الطيبي: وفي ترتب ((مَنْ سَلِمَ)) على المسلم و((مَنْ أَمِنَهُ)) على المؤمن رعاية
للمطابقة لغة، انتهى. وقال القاري: حاصل الفقرتين إنما هو التنبيه على تصحيح
اشتقاق الاسمين، فمن زعم أنه متصف به ينبغي أن يطالب نفسه بما هو مشتق منه،
فإن لم يوجد فيه فهو كمن زعم أنه كريم ولا كرم له، انتهى. قال المناوي: وذكر
المسلم والمؤمن بمعنى واحد تأكيد أو تقرير.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: حسن صحيح. (وَالنَّسَائِيُّ) كلاهما في الإيمان، وأخرجه
أيضًا أحمد والحاكم وابن حبان.
٣٤ - [٣٣] وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ)) بِرِوَايَةٍ فَضَالَةَ:
((وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا
وَالذُّنُوبَ)).
الشَّرْحُ
٣٤ - (برواية فَضَالَةَ) بفتح الفاء، أي: ابن عُبيد الأنصاري الأوسي، كُنيته:
أبو محمد، أسلم قديمًا، أول مشاهده أحد، ثم شهد ما بعدها وبايع تحت الشجرة
وشهد فتح مصر والشام قبلها، ثم سكن الشام وولي الغزو، وولاه معاوية قضاء
دمشق بعد أبي الدرداء، وكان ذلك بمشورة من أبي الدرداء، قال ابن حبان: مات
في خلافة معاوية، وكان معاوية ممن حمل سريره، وكان معاوية استخلفه على
دمشق في سفرة سافرها، أرَّخ المدائني وغيره وفاته سنة (٥٣)، قال الخزرجي: له
خمسون حديثًا، انفرد مسلم بحدیثین. روى عنه جماعة.
(وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ) يعني: المجاهد ليس من قاتل الكفار
فقط، بل المجاهد من جاهد نفسه وحملها وأكرهها على طاعة اللَّه تعالى؛ لأن
نفس الرجل أشد عداوة من الكفار؛ لأن الكفار أبعد منه، ولا يتفق التلاحق
(٣٤) أخرجه أحمد بتمامه (٢١/٦١)، وابن ماجه الفقرة الأولى والأخيرة (٣٩٣٤)، وإسنادهما
صحيح، كما في ((الصحيحة)) (٥٤٦).

٢٩٣
كِتَابُ الْإِيمَانِ
والتقاتل معهم إلا حينًا بعد حين، وأما نفسه فأبدًا يلازمه ويمنعه من الخير
والطاعة، ولا شك أن القتال مع العدو الذي يلازم الرجل أهم من القتال مع العدو
الذي هو بعيد منه. قال الطيبي: اللام في قوله: (الْمُجَاهِدُ) للجنس أي: المجاهد
الحقيقي الذي ينبغي أن يسمى مجاهدًا من جاهد نفسه، وكان مجاهدته مع غيره
بالنسبة إليه كلا مجاهدته، ونحوه قوله وَلّ: ((فَذَلِكَ الرِّبَاطُ)). (وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ
الْخَطَايَا وَالذَّنُوبَ) قال القاري: أي: ترك الصغائر والكبائر، وقيل: الذنب أعم
من الخطيئة؛ لأنه يكون عن عمد بخلاف الخطيئة، انتهى. قال الطيبي: الحكمة
في الهجرة أن يتمكن المؤمن من الطاعة بلا مانع، ويتخلص عن صحبة الأشرار
المؤثرة بدوامها في اكتساب الأخلاق الذميمة والأفعال الشنيعة؛ فهي في الحقيقة
التحرز عن ذلك، والمهاجر الحقيقي من يتحاشا عنها، انتهى. وحديث فضالة هذا
أخرجه أيضًا أحمد في ((مسنده)) (ج٦: ص٢١، ٢٢)، والحاكم في ((مستدركه))
بإسناد على شرط مسلم، وابن حبان في ((صحيحه))، والطبراني في ((الكبير)).
٣٥ - [٣٤] وَعَنْ أَنَس رََِّهُ قَالَ: قَلَّمَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَِّ إِلَّا قَالَ:
(لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ)).
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))] (حسن}
الشَّرْجُ
٣٥ - قوله: (قَلَّمَا خَطَبَنَا) ما مصدرية، أي: قلَّ خطبة خطبنا، ويجوز أن تكون
كافة، وهو يستعمل في النفي ويدل عليه الاستثناء أي: ما وعظنا. (إِلَّا قَالَ) أي:
فيها، ولعل الحصر غالبي. (لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ) فإن المؤمن من أمنه الخلق
على أنفسهم وأموالهم، فمن خان وجار فليس بمؤمن، أراد نفي الكمال دون
الحقيقة، قاله المناوي. وقال القاري: انتفى كمال الإيمان بانتفاء الأمانة؛ لأنه
يؤدي إلى استباحة الأموال والأعراض والأبضاع والنفوس، وهذه فواحش تنقص
الإيمان وتقهقره إلى أن لا يبقى منه إلا أقله؛ بل ربما أدت إلى الكفر، ومن ثم قيل :
(٣٥) البَيْهَقِي (٦/ ٢٨٨) في الشُّعَب عَنْ أَنَسٍ رَضَّْهُ.

٢٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المعاصي بريد الكفر، انتهى. (وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ) المراد به الزجر والردع
ونفي الفضيلة والكمال دون الحقيقة، والمعنى: أن من جرى بينه وبين أحد عهد
وميثاق ثم غدر من غير عذر شرعي فدينه ناقص، قال الطيبي: وفي هذا الحديث
إشكال، وهو أنه قد سبق أن الدين والإيمان الإسلام أسماء مترادفة، فلِمَ فرَّق بينها
وخص كل واحد منها بمعنى؟ والجواب: أنها وإن اختلفت لفظًا فقد اتفقا هاهنا
معنى، فإن الأمانة ومراعاتها إما مع الله تعالى فهي ما كلفٍ به من الطاعة وسمي
أمانة؛ لأنه لازم الوجود كما أن الأمانة لازم الأداء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا
اُلْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَنُ﴾.
[الأحزاب: ٧٢]، وإما مع الخلق فظاهر، ولأن العهد وتوثيقه إما مع الله تعالى فاثنان،
العهد الأول الذي أخذه على جميع ذرية آدم في الأزل، وهو الإقرار بربوبيته قبل
الأجساد، مصداقه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَدَمَ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢].
والثاني: ما أخذه عند هبوط آدم - عليه الصلاة والسلام - إلى الدنيا من متابعة
هدى من الاعتصام بكتاب ينْزله ورسول يبعثه، مصداقه قوله تعالى: ﴿قُلْنَا أَهْبِطُواْ
مِنْهَا جَمِيعًاً فَإِمَّا يَأْتِيَتَّكُمْ مِنِّى هُدِّى﴾ [البقرة: ٣٨]، وإما مع الخلق وحينئذٍ فمرجع الأمانة
والعهد إلى طاعة الله بأداء حقوقه وحقوق العباد كأنه قال: لا إيمانَ ولا دين لمن لا
يفي بعهد الله بعد ميثاقه، ولا يؤدي أمانة اللَّه بعد حملها، وهي التكاليف من
الأوامر والنواهي، ويشهدُ له قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوَأْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾
إلى قوله ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، والتكرير المعنوي توكيد وتقرير، انتهى.
(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) وكذا رواه في السنن الكبرى (ج٦: ص٢٨٨)
قال القاري: وكذا رواه محي السنة، أي: صاحب المصابيح في شرح السنة
بإسناده، انتهى. قلتُ: وأخرجه أيضًا أحمد في المسند (ج٣: ص ١٣٥، ١٥٤،
٢١٠، ٢٥١)، وفي السنة (ص٩٧)، وابن حبان وأبو يعلى والبزار والطبراني في
الأوسط والضياء في المختارة، قال العزيزي: إسناده قوي، وقال الهيثمي: فيه أبو
هلال وثَّقه ابن معين وغيره، وضعَّفه النسائيُّ وغيره، انتهى. وللحديث شاهدان من
حديث أبي أمامة عند الطبراني في ((الكبير)) ومن حديث ابن مسعود ذكرهما
الهيثمي، وقال الشيخ الألباني: رواه الضياء في ((الأحاديث المختارة)). (ق٢٣٤/
٢) من طريقين عن أنس أحد إسناديه حسن وله شواهد.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
٢٩٥
الفصل الثالث
قوله: (الْفَصْلُ الثَّالِثُ) المرادُ به الأحاديث الملحقة بالباب ألحقها صاحب
((المشكاة)) غير مقيدة بأن تكون مما أخرجها الشيخان أو غيرهما من أصحاب
السنن، ولا بأن تكون عن صحابي أو تابعي.
٣٦ - [٣٥] عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَِشْتَهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ
يَقُولُ: ((مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ
النَّارَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشّرْحُ
٣٦- قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ: يَقُولُ) هذا ما يتكرر كثيرًا، وقد
اختلف في المنصوبين بعد (سمعت)، فالجمهور على أن الأول مفعول، وجملة
يقول حال، أي: سمعتُ كلامه؛ لأن السمع لا يقع على الذوات، ثمَّ بَيَّن هذا
المحذوف بالحال المذكور، فهي حال مبينة لا يجوز حذفها، واختار الفارسي: أن
ما بعد سمعت إن كان مما يسمع؛ كسمعت القرآن تعدت إلى مفعول واحد، وإلا
كما هنا تعدت إلى مفعولين، فجملة: (يقول) على هذا مفعول ثانٍ. (مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا
إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ... ) إلخ، أي: صادقًا من قلبه كما في حديث أنس في قصة معاذ، وقد
تقدَّم الكلام على معنى الحديث هناك.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥: ص٣١٨)، والترمذي في الإيمان.
(٣٦) مُسْلِم (٢٩) عن عُبَادة بنِ الصامت رَوَّلَهُ.

٢٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٣٧ - [٣٦] وَعَنْ عُثْمَانَ رَوْلَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَنْ مَاتَ وَهُوَ
يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرْحُ
٣٧ - قوله: (وَعَنْ عُثْمَانَ) أي: ابن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس
الأموي القرشي المدني، يكنى: أبا عبد الله وأبا عمرو، أمير المؤمنين، ومجهز
جيش العسرة، ومشتري بئر رومة، وأحد العشرة، وأحد الستة أصحاب الشورى
الذين أخبر عمر أنَّ رسول اللَّه وَليل مات وهو عنهم راضٍ، ولد بعد الفيل بست
سنين، أسلمَ في أول الإسلام على يدي أبي بكر قبل دخولَ رسول اللَّه وَّ في دار
الأرقم، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، ولم يشهد بدرًا لتخلفه على تمريض زوجته
رقية بنت رسول اللّه وَّله، وضرب له النبي وَّل فيها بسهم، ولم يشهد بالحديبية بيعة
الرضوان؛ لأن النبي وَلّ كان بعثه إلى مكة في أمر الصلح، فلما كانت البيعة ضرب
النبي وَل يده على يده وقال: ((هذه لعثمان))، وسمي ذا النورين لجمعه بين بنتي
رسول اللَّه وَ لَهَ رُقية وأم كلثوم، واحدة بعد أخرى، قال ابن عمر: كنا نقولُ على
عهد النبي ◌َّر: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، وقال ابن سيرين: كان يحيي الليل كله
بركعةٍ، ومناقبه وفضائله كثيرة شهيرة جدًّا، بويع له بالخلافة بعد دفن عمر بثلاثة
أيام، وذلك غرة المحرم سنة (٢٤)، وقتل مظلومًا في ذي الحجة سنة (٣٥) وهو
ابن (٨٢) سنة، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا أيامًا، له مائة وستة وأربعون
حديثًا، اتفقا على ثلاثة، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بخمسة، روى عنه خلق.
قال عبد الله بن سلام: لقد فتح الناس على أنفسهم بقتل عثمان باب فتنة لا يغلق إلى
يوم القيامة، وترجمته مستوفاة في ((تاريخ دمشق)).
(مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) هذه الكلمة عَلَم لكلمتي الشهادة، ولذا
اقتصر عليها، قال النووي: في قوله: (وَهُوَ يَعْلَمُ) إشارة إلى الردِّ على غُلاة المرجئة
أن مظهر الشهادتين يدخل الجنة وإن لم يعتقد ذلك بقلبه، وقد قيد ذلك في حديث
(٣٧) مُسْلِم (٢٦) عن جابرٍ رَوَهُ .

٢٩٧
كِتّابُ الإيمَان
آخر بقوله: ((غَيْرَ شَاكَ فِيهِمَا))، وهذا يؤيد ما قلنا، قال القاضي: وقد يحتجُّ به أيضًا
من يرى أن مجرد معرفة القلب نافعة دون النطق بالشهادتين لاقتصاره على العلم،
ومذهب أهل السنة أن المعرفة مرتبطة بالشهادتين لا تنفع إحداهما ولا تنجي من
النار دون الأخرى إلا لمن لم يقدر على الشهادة بلسانه إذا لم تمهله المدة ليقولها بل
اخترمته المنية، ولا حجة لمخالف الجماعة بهذا اللفظ، إذ قد ورد مفسرًا في
الحديث الآخر: ((مَنَ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنْ شَهِدَ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ
اللَّهِ))، وقد جاء هذا الحديث وأمثاله كثيرة، في ألفاظها اختلاف ولمعانيها عند أهل
التحقيق ائتلاف، انتهى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ٦٥، ٦٩).
٣٨ - [٣٧] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ: ((ثِنْتَانِ مُوجِبَتَانٍ)) قَالَ
رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمَّوجِبَتَانِ؟ قَالَ: ((مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ
النَّارَ، وَمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ))
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشّرْخُ
٣٨- قوله: (وَعَنْ جَابِرٍ) هو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري
الخزرجي السلمي أبو عبد الله، شهد العقبة الثانية مع أبيه وهو صغير ولم يشهد
الأولى، قال ابن عبد البر: ذكره بعضهم في البدريين ولا يصحُّ؛ لأنه قد روي عنه
أنه قال: لم أشهد بدرًا ولا أحدًا، منعني أبي، وذكر البخاري أنه شهد بدرًا وكان
ينقل لأصحابه الماء يومئذٍ ثم شهد بعدها مع النبي ◌ُّ ثمان عشرة غزوة، ذكر ذلك
الحاكم أبو أحمد، وكان من المكثرين الحفاظ للسنن، وكف بصره في آخر عمره،
روي عنه أنه قال: استغفر لي رسول اللّه وَ لال ليلة البعير خمسًا وعشرين مرة، وقال
هشام بن عروة: رأيت لجابر بن عبد الله حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه العلم،
توفي بالمدينة سنة (٧٣)، وقيل: (٧٤)، وقيل: (٧٧)، وقيل: (٧٨)، ويقال:
مات وهو ابن (٩٤) سنة، وصلى عليه أبان بن عثمان، وهو آخر من مات بالمدينة
(٣٨) مُسْلِم (٩٣) عن أبي هريرة رَو ◌َّةُ.

٢٩٨
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
من الصحابة في قول. له ألف وخمسمائة حديث وأربعون حديثًا، اتفقا على ثمانية
وخمسين حديثًا، وانفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم بمائة وستة وعشرين.
(ثِْتَانِ) صفة مبتدأ محذوف أي: خصلتان. (مُوجِبَتَانِ) يقالُ: أوجب الرجل إذا
عمل ما يجب به الجنة أو النار، ويقال: للحسنة والسيئة موجبة، فالوجوب عند
أهل السنة بالوعد أو الوعيد، وعند المعتزلة بالعمل. (مَا الْمُوجِبَتَانِ؟) السببان،
فإن الموجب الحقيقي هو اللَّه تعالى (مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ ... ) إلخ، فالموت على
الشرك سبب لدخول النار وخلودها، والموت على التوحيد سبب لدخول الجنة.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد في ((مسنده)) (ج٣: ص ٣٤٥، ٣٧٤، ٣٩١)،
وأخرج الطبراني في ((الكبير)) نحوه عن عمارة بن رويبة، وفيه: محمد بن أبان وهو
ضعيف .

كِتَابُ الْإِيمَانِ
٢٩٩
٣٩ - [٣٨] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، مَعَنَا
أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ◌ِ﴿ُّ فِي نَفَرٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا،
وَخَشِينَاً أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا، وَفَزِعْنَا فَقُمْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي
رَسُولَ اللَّهِ بَ لهِ حَتَّى أَتَيْتُ حَائِظًّا لِلْأَنْصَارِ لِبَنِي النَّجَّارِ، فَدُرْتُ بِهِ، هَلْ أَجِدُ لَهُ
بَابًا، فَلَمْ أَجِدْ، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ فِي جَوْفٍ حَائِطٍ مِنْ بِثْرِ خَارِجَةٍ - وَالرَّبِيعُ
الْجَدْوَلُ - قال: فَاحْتَفَرْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَقَالَ: ((أَبُو
هُرَيْرَةَ؟)) فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((مَا شَأْنُكَ؟)) قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ
أَظْهُرِنَا، فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا، فَخَشِيْنَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا، فَفَزِعْنَا فَكُنْتُ أَوَّلَ
مَنْ فَزِعَ، فَأَتَيْتُ هَذَا الْحَائِطَ فَاحْتَفَرْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، وَهَؤُلَاءِ النَّاسُ
وَرَائِي، فَقَالَ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ)) وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ، فَقَالَ: ((اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنٍ فَمَنْ
لَقِيَكَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ
بالْجَنَّةِ))، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَّعْلَانِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟
قُلْتُ: هَاتَانِ نَعْلَا رَسُولِ اللَّهِ وَلَهَ بَعَثَنِي بِهِمَا مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، فَضَرَبَ عُمَرُ بَيْنَ ثَدْبَيَّ، فَخَرَرْتُ لِاسْتِي،
فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَ فَأَجْهَشْتُ بِالْبُّكَاءِ،
وَرَكِبَنِي عُمَرُ، وَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَطَهِ: ((مَا لَكَ يَا أَبَا
هُرَيْرَةَ؟)) قُلْتُ: لَقِيتُ عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بَعَثْنَنِي بِهِ فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْبَيَّ ضَرْبَةً
خَرَرْتُ لِاسْتِي، فقَالَ: ارْجِعْ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: ((يَا عُمَرُ مَا حَمَلَكَ عَلَى
مَا فَعَلْتَ؟)) قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّ، أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ مَنْ
لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ مُسْتَيْقِنَّا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)) قَالَ:
فَلَا تَفْعَلْ؛ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا فَخَلَّهِمْ يَعْمَلُونَ، فَقَالَ رَسُولُ
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
اللَّهِ وَِّ: ((فَخَلَّهِمْ)).
الشَّرْحُ
٣٩- قوله: (كُنَّا قُعُودًا) أي: ذوي قعود أو قاعدين. (فِي نَفَرٍ) أي: مع جماعة
(٣٩) مُسْلِم (٣١) عن أبى هريرة. كلُّها عنده فى الإيمانِ.