النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وجد، وإذا أمكن لم يمتنع لذاته وجوده ثانيًا وإلا لزم انقلاب الممكن لذاته ممتنعًا
لذاته وهو محال، وتنبيه على مثال يرشد العاميَّ وهو ما يرى في الشاهد أن من
اخترع صنعة لم يُرَ مثلها ولم يجد لها أصلًا، صعب عليه ذلك وتعب فيها تعبًا شديدًا
وافتقر فيها إلى مكابدة أفعال ومعاونة أعوان ومرور أزمان، ومع ذلك فكثيرًا لا
يستتب له الأمر ولا يتم له المقصود، ومن أراد إصلاح منكسر أو إعادة منهدم،
وكانت العدد حاصلة والأصول باقية هان عليه ذلك وسهل جدًّا، فيا معشر الغواة،
تحيلون إعادة أبدانكم وأنتم تعترفون بجواز ما هو أصعب منها، بل هو كالمتعذر
بالنسبة إلى قدركم وقواكم، وأما بالنسبة إلى قدرة الله تعالى فلا سهولة ولا
صعوبة، يستوي عنده تكوين بعوض طيار وتخليق فلك دوار، كما قال: ﴿وَمَآ أَمْرُنَآَ
﴾ [القمر: ٥٠]، والحاصل: أن إنكارهم الإعادة بعد أن
٥٠
إِلَّا وَحِدَةُ كَلَيْجِ بِالْبَصَرِ
أقروا بالبداية تكذيب منهم له تعالى، والجملة حالية وعاملها قوله في: ((فَقَوْلُهُ))
وصاحبها الضمير المضاف إليه في قوله: (اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) أي: اختاره سبحانه،
وإنما كان ذلك شتمًا لما فيه من التنقيص؛ لأن الولد إنما يكون - أي: عادة - عن
والدة تحمله ثم تضعه ويستلزم ذلك سبق نكاح، والتناكح يستدعي باعثًا له على
ذلك، والله تعالى منَزَّهُ عن جميع ذلك. (وَأَنَا الأَحَدُ) أي: المنفرد المطلق ذاتًا
وصفاتًا، وقيل: إن أحدًا وواحدًا بمعنى، وأصل أحد وحد بفتحتين، وقيل: ليسا
مترادفين بل بينهما فرق من حيث اللفظ والمعنى جميعًا من وجوه، ذكره
القَسْطَلَانِي في ((شرح البخاري)) نقلا عن ((شرح المشكاة)). والجملة حالية كما مرَّ.
(الصَّمَدُ) فعل بمعنى مفعول كالقنص والنقص، وهو السيد المصمود، أي:
المقصود إليه في الحوائج، الغني عن كل أحد. (لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ) لأنه لما كان
الواجب الوجود لذاته قديمًا موجودًا قبل وجود الأشياء، وكان كل مولود محدثًا
انتفت عنه الولدیة، ولما كان لا يشبهه أحد من خلقه ولا یجانسه حتی یکون له من
جنسه صاحبة فيتوالد انتفت عنه الوالدية، ومن هذا قوله: ﴿أَنَّ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ
لَمُ صَحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢]. (وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًّا) بضم الكاف والفاء وسكونها مع
الهمزة وضمهما مع الواو، ثلاث لغات متواترات يعني مثلًا وهو خبر كان، وقوله:
(أَحَدٌ) اسمها أخر عن خبرها رعاية للفاصلة، ((ولي)) متعلق بكفوًا وقدم عليه؛ لأنه
محط القصد بالنفي، ونفي الكفو يعم الوالدية والزوجية وغيرها.

٢٦١
كِتَابُ الْإِيمَانِ
قال الطيبي: ذكر اللَّه تعالى تكذيب ابن آدم وشتمه وعظمتهما، ولعمري أن أقل
الخلق وأدناه إذا نسب ذلك إليه استنكف وامتلأ غضبًا وكاد يستأصل قائله،
فسبحانه ما أحمله وما أرحمه: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ
﴾ [الكهف: ٥٧] ثم انظر إلى
(٥٨
لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَّ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ، مَوْبِلًا
كل واحد من التكذيب والشتم وما يؤديان إليه من التهويل والفظاعة، أما الأول فإن
منكر الحشر يجعل الله عم كاذبًا، والقرآن الذي هو مشحون بإثباته مفترى،
ويجعل كلمة اللَّه تعالى في خلق السموات والأرض عبثًا ولعبًا. قال الله تعالى:
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِ سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِرُ الْأَمْرِّ﴾ إلى
قوله: ﴿لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ
وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٣، ٤] علل اللَّه خلق السماوات والأرض
والاستواء على العرض لتدبير العالم بالجزاء من ثواب المؤمن وعقاب الكافر، ولا
يكون ذلك إلا في القيامة، فيلزم منه أن لو لم يكن الحشر لكان ذلك عبثًا ولهوًا.
﴾ [الأنبياء: ١٦] إلى غير ذلك
وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَاُلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِبِينَ
من الآيات الدالة على ذلك. وأما الثاني: فإن قائله يحاول إزالة المخلوقات
بأسرها وتخريب السماوات من أصلها، قال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَوَتُ يَنَفَظَرْنَ مِنْهُ
وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ لَلْجِبَالُ هَذَّا (٥) أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًّا ﴾﴾ [مريم: ٩٠- ٩١]، ثم تأمل في
مفردات التركيب لفظة لفظة فإن قوله: (لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِك) من باب ترتيب الحكم
على الوصف المناسب المشعر بالعلية؛ لأن قوله: (لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) نفي الكينونة
التي بمعنى الانتفاء، كقوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُواْ شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠]،
أراد أنَّ تأتيَّ ذلك محال من غيره تعالى ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَغُلَّ﴾
[آل عمران: ١٦١] معناه: ما صحَّ له ذلك، يعني: أنَّ النبوة تنافي الغلول، فحينئذٍ يجب
أن يحمل لفظ ابن آدم على الوصف الذي يعلل الحكم به بحسب التلميح، وإلا لم
يكن لتخصيص لفظ ابن آدم دون الناس والبشر فائدة، وذلك من وجوه:
أحدها: أنه تلميح إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُواْ
لِلَدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] من اللّه تعالى عليهم بها، المعنى: أنا أنعمنا عليكم بإيجادكم
من العدم، وصورناكم في أحسن تقويم، ثم أكرمنا الملائكة المقربين بالسجود
لأبيكم؛ لتعرفوا قدر الإنعام فتشكروا، فقلبتم الأمر، فكفرتم ونسبتم المنعم

٢٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المتفضل إلى الكذب، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
[الواقعة: ٨٢] أي: شكر رزقكم.
٨٢١
وثانيها: تلميح إلى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ
خَصِيٌ مُّبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] المعنى: ألم تر أيها المكذب إلى أنا خلقناك من ماء مهين،
خرجت من إحليل أبيك واستقرت في رحم أمك، فصرت تخاصمني بحججك
وبرهانك فيما أخبرت به من الحشر والنشر بالبرهان، فأنت خصيم لي بين
الخصومة، وما أحسن موقع المفاجأة التي يعطيها قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ
مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] .
وثالثها: إلى قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ
مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] المعنى: أو ليس الذي خلق هذه الأجرام العظام بقادر على أن
يخلق مثل هذا الجرم الصغير الذي خلق من تراب ثم من نطفة، وكذلك قوله: (أَنَا
الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ) أوصاف مشعرة بعلية الحكم، أما قوله:
(الْأَحَدُ) فإنه بنى لنفي ما يذكر معه من العدد، فلو فرض له ولد يكون مثله، فلا
يكون أحدًا، والصمد هو الذي يصمد إليه في الحوائج، فلو كان له ولدًا لشركه
فيه، فيلزم إذًا فساد السماوات والأرض، وقوله: (كُفُوًّا) أي: صاحبة لا ينبغي له؛
لأنه لو فرض له ذلك للزم منه الاحتياج إلى قضاء الشهوة، وكل ذلك وصف له بما
فيه نقص وإزراء، وهذا معنى الشتم، والله أعلم، انتهى كلام الطيبي.
٢١ - [٢٠] وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لِي وَلَدٌ،
وَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]
الشّرْخُ
٢١ - قوله: (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أي: في هذا الحديث، قال الحافظُ بعد
ذكر الاختلاف بين روايتي أبي هريرة وابن عباس: وهو محمولٌ على أن كلًّا من
(٢١) البُخَارِي (٤٤٨٢) فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

٢٦٣
كِتَابُ الْإِيمَانِ
الصحابيين حفظ في آخره ما لم يحفظ الآخر. (لِي وَلَدٌ) اسم جنس يشمل الذكر
والأنثى. (وَسُبْحَانِي) وفي نسخة صحيحة بالفاء، وكذا في البخاري، وهو مضاف
إلى ياء المتكلم، أي: نزهت ذاتي. (أَنْ أَتَّخِذَ) أي: من أن أتخذ، وأن مصدرية
(صاحِبَةً) أي: زوجة. (أَوْ وَلَدًا) أو للتنويع لا للشك، ومناسبة الحديث لكتاب
الإيمان من حيث أن إنكار الحشر والنشر ونسبة الولد إلى الله تعالى ضد للإيمان
باليوم الآخر، والإيمان بالله المنعوت في حديث جبريل. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) عن أبي
هريرة في بدء الخلق، وفي تفسير سورة الإخلاص، وعن ابن عباس في تفسير
سورة البقرة، وأخرجه أحمد والنسائي أيضًا عن أبي هريرة.
٢٢ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الْأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ
وَالنَّهَارَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
٢٢ - قوله: (يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ) أي: يقولُ في حقي ما أكره، وينسب إلي ما لا
يليق لي أو ما يتأذى به من يجوز في حقِّه التأذي، وهذا من المتشابهات، والله
تعالى مُنَزَّهُ عن أن يلحقه أذى؛ إذ هو محال عليه، فإما أن يفوض أو يؤول كما
تقدم، ويقال: هو من التوسُّع في الكلام، والمرادُ: أن من وقع ذلك منه تعرض
لسخط الله وغضبه. وقال الطيبي: الإيذاء إيصال المكروه إلى الغير قولًا أو فعلًا
أثر فيه أو لم يؤثر، وإيذاء اللَّه تعالى عبارة عن فعل ما يكرهه ولا يرضى به، وكذا
إيذاء رسول اللَّه ◌َلَّ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَّهُمُ اللّهُ فِي الدُّنْيَا
وَاُلْأَخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧]. (يَسُبُّ الدَّهْرَ) بصيغة المضارع استئناف بيان، يعني: يقول
إذا أصابه مكروه من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك: تبًّ للدهر، وبؤسًا له،
ويا خيبة الدهر، ونحو ذلك، والدهر: اسم لمدة العالم من مبدأ تكوينه إلى
(٢٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: البُخَارِي (٤٨٢٦) فِي التَّوْحِيدِ، وَمُسْلِم (٢٢٤٦/٢) فِي الإِيمَانِ،
وأَبُو دَاوُد (٥٢٧٤). والنَّسَائِي في الكبرى (١١٦٨٧).

٢٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
انقراض العالم، كانت الجاهلية تضيف المصائب والنوائب إلى الدهر الذي هو
من الليل والنهار، وهم في ذلك فرقتان.
فرقة لا تؤمن بالله ولا تعرف إلا الدهر الليل والنهار اللذان هما محل للحوادث
وظرف لساقط الأقدار، فتنسب المكاره إليه على أنها من فعله، ولا ترى أن لها
مدبرًا غيره، وهذه الفرقة هي الدهرية من الكفار والفلاسفة الدورية المنكرين
للصانع، المعتقدين أن في كلِّ ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان
عليه، وزعموا أن هذا قد تكرَّر مرات لا تتناهى، فكابروا المعقول وكذبوا
المنقول، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجائية: ٢٤] أي: مرَّ الزمان وطول
العمر واختلاف الليل والنهار.
وفرقة تعرف الخالق وتنزهه من أن تنسب إليه المكاره فتضيفها إلى الدهر
والزمان، وعلى هذين الوجهين كانوا يسبون الدهر ويذمونه، وقد يقعُ من بعض
عوام المؤمنين غفلة وجهالة، قال المحققون: من نسب شيئًا من الأفعال إلى الدهر
حقيقة كَفَرَ، ومن جرى هذا اللفظ على لسانه غير معتقد لذلك فليس بكافر، لكنه
يُكره له ذلك لشبهه بأهل الكفر في الإطلاق.
(وَأَنَا الدَّهْرُ) برفع الراء، قيل: هو الصواب، ويؤيده الرواية التي فيها: ((فَإِنَّ اللَّهَ
هُوَ الدَّهْرُ))، وهو مضاف إليه أقيم مقام المضاف، أي: أنا خالق الدهر أو صاحب
الدهر، فحذف اختصارًا للفظ وتوسعًا في المعنى، وقيل: التقدير مقلب الدهر،
ولذا عقبه بقوله: بيدي الأمر أقلب الليل والنهار، وقيل: الدهر في قوله: (وَأَنَا
الدَّهْرُ) غير الأول، فإنه بمعنى زمان مدة العالم من مبدأ التكوين إلى أن ينقرض
العالم، والثاني: مصدر بمعنى الفاعل، ومعناه: أنا الداهر المتصرف المدبر
المفيض لما يحدث، واستضعف هذا القول لعدم الدليل عليه، وقيل: الأظهر في
معناه: أنا فاعل ما يضاف إلى الدهر من الخير والشر والمسرة والمساءة، فإذا سب
ابن آدم الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور عاد سبه إليَّ؛ لأني فاعلها، وإنما الدهر
زمان جعلته ظرفًا لمواقع الأمور. قال عياض: زعم بعض من لا تحقيق له أن الدهر
من أسماء اللَّه تعالى، وهو غلطٌّ؛ فإن الدهر مدة زمان الدنيا، وقال ابن كثير: قد
غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدهم الدهر من الأسماء الحسنى،

٢٦٥
كِتَابُ الْإِيمَانِ
أخذًا من هذا الحديث، انتهى. ويروى بنصب الدهر على الظرفية، أي: أنا
المتصرف في الدهر، أو أنا مدة الدهر، أقلب ليله ونهاره، أو أنا باقٍ مقيم أبدًا لا
أزول. (بِيَدِي الأَمْرُ) بالإفراد وفتح الياء وتسكن، وجوز التثنية وفتح الياء المشددة
للتأكيد والمبالغة، أي: الأمور كلها خيرها وشرها حلوها ومرها مما تنسبونها إلى
الدهر تحت تصرفي. (أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)، وعند أحمد (ج٢: ص٤٩٦) بسند
صحيح عن أبي هريرة: ((لاَ تَسُبُّوا الدَّهْرَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تعالى قَالَ: أَنَا الدَّهْرُ، الأَيَّامُ
وَالَّلَيَالِي لِى أُجَدِّدُهَا وَأَبْلِيهَا، وَآتِي بِمُلُوكٍ بَعْدَ مُلُوكٍ))، ولا تخفى مطابقة الحديث
لكتاب الإيمان على من تأمل في معناه.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود.
٢٣ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: ((مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ
عَلَى أَذَّى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ، يَدَّعُونَ لَهُ الْوَلَدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرْجُ
٢٣ - قوله: (مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ) أي: ليس أحد أشد صبرًا، وهو حبس النفس على
المكروه، والله تعالى منزه عن ذلك، فالمراد لازمه وهو حبس العقوبة عن
مستحقها إلى زمن آخر وتأخيرها أي: ترك المعاجلة بالعقوبة، وقال الحافظُ :
((أصبر)): أفعل تفضيل من الصبر، ومن أسمائه الحسنى الصبور، ومعناه: الذي لا
يعاجل العصاة بالعقوبة، وهو قريب من معنى الحليم، والحليم أبلغ في السلامة
من العقوبة. (عَلَى أَذَّى) قيل: إنه اسم مصدر آذى يؤذي بمعنى المؤذي، صفة
محذوف، أي: كلام مؤذٍ قبيح صادر من الكفار. (يَسْمَعُهُ) صفة أذى، وهو تتميم؛
لأن المؤذى إذا كان بمسمع من المؤذي كان تأثير الأذى أشد، وهذا بالنسبة إلينا
وإلا فالمسموع وغيره معلوم عنده تعالى (مِنَ اللَّهِ) متعلق بقوله: ((أصبر)) لا
(٢٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي مُوسَىَ؛ البُخَارِي (٧٣٧٨) فِي التَّوْحِيدِ، وَمُسْلِم (٢٨٠٤/٤٩) فِي التَّوْبَةِ،
والنَّسَائِي في الكبرى (١١٤٤٥).

٢٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بـ((يسمعه)). (يَدَّعُونَ لَهُ) بسكون الدال، وقيل: بتشديدها، أي: ينسبون إليه،
والجملة استئناف بيان للأذى، واستشكل بأن الله تعالى منزه عن تعلق الأذى به؛
لكونه صفة نقص، وهو منَزَّةٌ عن كل نقص، وأجيب بأن المراد أذى يلحق رسله
وصالحي عباده؛ إذ في إثبات الولد له إيذاء لهم؛ لأنه تكذيب لهم في نفي الصاحبة
والولد عن اللَّه وإنكاره لمقالتهم، فأضيف الأذى للّه تعالى للمبالغة في الإنكار
عليهم والاستعظام لمقالتهم. (ثُمَّ يُعَافِيهِمْ) بدفع المكاره والبليات والمضرات
عنهم. (وَيَرْزُقُهُمْ) السلامة وأصناف الأموال، ولا يعجل تعذيبهم، فهو أصبر على
الأذى من الخلق، لكن لا يؤخر النقمة قهرًا، بل تفضلًا مع القدرة على الانتقام،
وفي الحديث إشارة إلى أن الصبر على احتمال الأذى محمود، وترك الانتقام
ممدوح، ولهذا كان جزاء كل عمل محصورًا، وجزاء الصبر غير محصور، قال
تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَنَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في التوحيد باللفظ الذي ذكره المصنف، إلا أن
فيه: ((سَمِعَهُ)) بصيغة الماضي مكان قوله: ((يَسْمَعُهُ))، وأخرجه أيضًا في الأدب،
وأخرجه مسلم في باب الكفار، من كتاب صفة القيامة، وأخرجه النسائي في
النعوت .

٢٦٧
كِتَابُ الْإِيمَانِ
٢٤ - [٢٣] وَعَنْ مُعَاذٍ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ وََِّ عَلَى حِمَارٍ، لَيْسَ بَيْنِي
وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ: ((يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي ما حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ،
وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟)) قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى
الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ
لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: ((لَا
تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
٢٤ - قوله: (عَنْ مُعَاذٍ) بضمِّ الميم هو: معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن
عائذ بن عدي الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن المدني، أسلم وهو ابن ثمان
عشرة سنة، وشهد بدرًا وما بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام والقرآن،
روى الترمذي وغيره عن أبي قلابة عن أنس مرفوعًا في ذكر بعض الصحابة:
(وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ))، ويروى عن النبي ◌َّل مرسلًا ومتصلًا:
(يَأْتِي مُعَاذٌ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمَامَ الْعُلَمَاءِ بِرَتْوَّةٍ))، وقال ابنُ مسعود: كنا نشبهه بإبراهيم
◌َهُ، وكان أَمة قانتًا للَّه حنيفًا ولم يك من المشركين، وقال الأعمش: عن أبي
سفيان حدثني أشياخ لنا - فذكر قصة فيها فقال عمر: عجَزتِ النساءُ أنْ تلدنْ مِثلَ
معاذٍ، لولا مُعاذٌ لهلَكَ عُمر، وبعثه النبي ◌َّ قاضيًا ومعلمًا إلى اليمن، وقال أبو
نعيم في ((الحلية)): إمام الفقهاء وكثْز العلماء، شهد العقبة وبدرًا والمشاهد، وكان
من أفضل شباب الأنصار حلمًا وحياء وسخاء وكان جميلاً وسيمًا، ومناقبه كثيرة
جدًّا، روى عنه خلق من الصحابة والتابعين، له مائة وسبعة وخمسون حديثًا، اتفقا
على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بحديث، قدم اليمن في خلافة أبي
بكر، وكانت وفاته بالطاعون في الشام سنة سبع عشرة أو التي بعدها، وهو قول
الأكثر، وعاش أربعًا وثلاثين سنة، وقيل غير ذلك.
(٢٤) الخَمْسَةُ عَنْ مُعَاذٍ؛ البُخَارِي (٥٩٦٧) (٢٨٥٦) فِي التَّوْحِيدِ، وَمُسْلِم (٣٠/٤٨، ٣٠/٤٩) فِي
الإِيمَانِ، وأَبُو دَاوُد (٢٥٥٩)، والتِّرْ مِذِي (٢٦٤٣)، والنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٥٨٧٧).

٢٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ وََّ) الرِّدْف: بكسر الراء وسكون الدال، والرديف: الراكب
خلف الراكب بإذنه، وردف كل شيء مؤخره، وأصله من الركوب على الردف وهو
العجز، ولهذا قيل للراكب الأصلي: ركب صدر الدابة، وردفت الرجل إذا ركبت
وراءه وأردفته إذا أركبته وراءك. (عَلَى حِمَارٍ) اسمه ((عُفَيْر)) تصغير أعفر، أهداه
المقوقس أو فروة بن عمرو. (لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ) بفتح الراء وسكون
الحاء المهملة، وهو للبعير كالسرج للفرس، والمراد قدر مؤخرة الرحل، قاله
النووي، والمؤخرة: هي العود التي يجعل خلف الراكب يستند إليه، بضم الميم
وسكون الهمزة بعدها خاء مكسورة، وقد تفتح، وفيه لغة أخرى بفتح الهمزة
والخاء المشددة المكسورة وقد تفتح، وفائدة ذكره المبالغة في شدة قربه؛ ليكون
أرقع في نفس سامعه أنه ضبط ما رواه.
(مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟) قال الطيبي: الحقُّ نقيض
الباطل؛ لأنه ثابت والباطل زائل، ويستعمل في الواجب واللازم والجدير
والنصيب والملك، وحق الله تعالى بمعنى الواجب واللازم، وحق العباد بمعنى
الجدير؛ لأن الإحسان إلى من لم يتخذ رِبًّا سواه جدير في الحكمة أن يفعله، قال:
هذا هو الوجه، وقيل: حق العباد على الله تعالى ما وعدهم به من الثواب والجزاء،
ومن صفة وعده أن يكون واجب الإنجاز فهو حق بوعده الصدق، وقوله الحق
الذي لا يجوز عليه الكذب في الخبر ولا الخلف في الوعد، أو المراد أنه كالواجب
في تحقُّقه وتأكده، أو قال: حقهم على اللَّه على جهة المقابلة والمشاكلة لحقه
عليهم، فالله تعالى لا يجب عليه شيء بحكم الأمر؛ إذ لا آمر فوقه، ولا حكم
للعقل؛ لأنه كاشف لا موجب، قال الحافظُ: وتمسك بعض المعتزلة بظاهره ولا
متمسك لهم مع قيام الاحتمال. (قال: فإن) أي: إذا فوضت فاعلم أن (حَقَّ اللَّهِ
عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) المراد بالعبادة: عمل الطاعات واجتناب
المعاصي، وعطف عليها عدم الإشراك؛ لأنه تمام التوحيد، والحكمة في عطفه
على العبادة أن بعض الكفرة كانوا يدعون أنهم يعبدون الله، ولكنهم يعبدون آلهة
أخرى، فاشترط نفي ذلك، والجملة حالية، والتقدير: يعبدونه في حال عدم
الإشراك به، قال ابنُ حبان: عبادة اللَّه إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل
بالجوارح، ولهذا قال في الجواب: فما حق العباد إذا فعلوا ذلك؟ فعبر بالفعل ولم

٢٦٩
كِتَابُ الْإِيمَانِ
يعبر بالقول، كذا في ((الفتح)). (وَحَقَّ الْعِبَادِ) بالنصبِ ويجوز رفعه. (أَنْ لَا يُعَذِّبَ
مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) من الأشياء أو الإشراك، وفي رواية لمسلم: ((أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ
عَلَيْهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟)) والإشارة إلى ما تقدم من قوله: ((يَعْبُدُوهُ وَلَّا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)»،
وفي روايةٍ للبخاري: ((إِذَا فَعَلُوهُ))، قال القاري: أي: لا يعذبهم عذابًا مخلدًا، فلا
ينافي دخول جماعة النار من عصاة هذه الأمة كما ثبت به الأحاديث الصحيحة،
انتهى. قلتُ: لا حاجة إلى هذا التأويل فإن عدم التعذيب إنما هو لمن عبده ولم
يشرك به شيئًا، والمراد بالعبادة: عمل الطاعات واجتناب المعاصي مع الإقرارِ
باللسان والتصديق بالقلب كما علمت، ومن كان كذلك لا يعذب مطلقًا ويدخل
الجنة أولًا معافى، ومن ها هنا ظهر أن الوعد المذكور في الحديث، إنما هو بعد
ملاحظة جميع ما ورد في الشرع من الأوامر والنواهي، ومراعاة جميع الفرائض
والواجبات الشرعية، ثم الاتكال فيما وراء ذلك من فضائل الأعمال وفواضلها،
أي: السنن والنوافل، وهذا لأن الإنسان أرغب في دفع المضرة من جلب المنفعة،
فإذا علم أن الإقرار والتصديق والعمل بالفرائض والاجتناب عن المعاصي يكفي له
في نجاته من العذاب وتخليصه منه ذهب يقنع ويتكاسل عن السنن والمستحبات،
ولا يجتهد في تحصيل الدرجات العليا، وهذا أمر كأنه جُبل عليه، ولا شك أن
الاكتفاء بالفرائض والواجبات والتقاعد عن السنن والنوافل نقيصة وحرمان عن
المدارج العالية، فمنع النبي وَلّ معاذًا أن يخبر به؛ لئلا يتَّكِلُوا وليجتهدوا في معالي
الأمور، والدليل على أن المراد من الاتكال الآتي في الحديث الاتكال عن السنن
والنوافل: ما رواه الترمذي في صفة الجنة، عن معاذ بن جبل، أن رسول اللّه ◌َائل
قال: (مَنْ صَامَ رَمَضَان، وصَلَّى الصَّلَاةَ، وَحَجَّ الْبَيْتَ وَلاَ أَدْرِي: أَذَكَرَ الزَّكَاةَ أَمْ لَا؟
إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَّى اللَّهِ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، إِنْ هَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ مَكَثَ بِأَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ
بِهَا)). قَالَ مُعَاذْ: أَلَا أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ: ((ذَرِ النَّاسَ يَعْمَلُونَ، فَإِنَّ
فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، وَالْفِرْدَوْسُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُهَا))، قال: ((فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ
فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْس)). ففيه: ذكر الفرائض أيضًا والتحريض على الدرجة العلياء،
ويدل عليه أيضًا ما رواه أحمد عن معاذ، وسيأتي في آخر الفصل الثالث، فظهر أنه
لم يرد في الحديث المجمل الاتكال عن الفرائض، كيف وترك الفرائض لا يرجى
من عوام المؤمنين وشأن الصحابة أرفع؟!

٢٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟) الهمزة للاستفهام، ومعطوف الفاء محذوف، تقديرُهُ:
أقلتَ ذلك فلا أبشر؟ وبهذا يجاب عما قيل: إن الهمزة تقتضي الصدارة والفاء
تقتضي عدم الصدارة فما وجه جمعهما؟ قاله العيني. وقال القاري: الفاءُ في جواب
الشرط المقدر، أي: إذا كان كذلك أفلا أبشرهم بما ذكرت من حق العباد،
والبشارة: إيصال خبر إلى أحد يظهر أثر السرور منه على بشرته، وأما قوله:
فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، فمن الاستعارة التهكمية. (لَا تُبَشِّرْهُمْ) بذلك.
(فَيَتَّكِلُوا) منصوب في جوابٍ النهي بتقدير ((أن)) بعد الفاء، أي: يعتمدوا ويتركوا
الاجتهاد في حقِّ اللّه تعالى، فالنهي منصب على السبب والمسبب معًا، أي: لا
يكن منك تبشير فاتكال منهم، قال الطيبي: وإنما رواه معاذ مع كونه منهيًّا؛ لأنه
علم أن هذا الإخبار يتغير بتغير الأزمان والأحوال، والقوم يومئذٍ كانوا حديثي عهد
بالإِسلام ولم يعتادوا بتكاليفه، فلما استقاموا وتثبتوا أخبرهم به بعد ورود الأمر
بالتبليغ والوعيد على الكتمان والتضييع، ثم إن معاذًا مع جلالة قدره لم يخف عليه
ثواب من نشر علمًا، ووبال من كتمه ضًّا فرأى التحديث به واجبًا، ويؤيده ما وردَ
في الحديث الذي يتلوه: فأخبر به معاذ عند موته تأثمًا. انتهى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجَهُ البخاري في الجهاد وفي الاستئذان وفي الرقاق وفي
التوحيد، وأخرجه مسلم والترمذي في الإيمان، وأبو داود في الجهادِ مختصرًا.

٢٧١
كِتّابُ الإيمَان
<<<<<<<==**<<<<<<<<***<< <<<<<*
٢٥ - [٢٤] وَعَنْ أَنَس: أَنَّ النَّبِيَّ وََّ وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ: ((يَا
مُعَاذُ)) قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولُ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: ((يَا مُعَاذُ)) قَالَ: لَبَّيْكَ يَا
رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلَاثًا. قَالَ: ((مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَأَنَّ
مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ)) قَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: ((إِذَا يَتَّكِلُوا)) فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ
مَوْتِهِ تَأَثُّمًا.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
٢٥ - قوله: (أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ) أي: راكب خلفه، وَله
والجملة حالية معترضة بين اسم أن وخبرها، والرحل أكثر ما يستعمل في البعير،
لكن معاذًّا كان في تلك الحالة رديفه على حمار كما مرَّ، فيأول بما تقدم في كلام
النووي. (قَالَ: يَا مُعَاذُ) في محلِّ الرفع؛ لأنه خبر أن المتقدمة. (لَبَّيْكَ) بفتح اللام
مثنى مضاف بُني للتكرير والتكثير من غير حصر، من لب، أي: أجاب أو أقام،
أي: أجبت لك إجابة بعد إجابة، أو أقمت على طاعتك إقامة بعد إقامة، وكان حقه
أن يقال: لبالك، فثنى على معنى التأكيد، وقال العيني: قال ابن الأنباري: في
((لبيك)) أربعة أقوال، أحدها: إجابتي لك، مأخوذ من لبَّ بالمكان وألبَّ به: إذا
أقام به، وقالوا: لبيك فثنوا؛ لأنهم أرادوا إجابة بعد إجابة، كما قالوا: حنانيك،
أي: رحمة بعد رحمة. والثاني: اتجاهي يا رب وقصدي لك، فثنَّى للتأكيد أخذًا
من قولهم: داري تلب دارك أي: تواجهها. والثالث: محبتي لك يا رب، من قول
العرب: امرأة لبة إذا كانت محبة لولدها، عاطفة عليه. الرابع: إخلاصي لك يا
رب، من قولهم: حسب لباب إذا كان خالصًا محضًا، ومن ذلك لب الطعام
ولبابه. (وَسَعْدَيْكَ) تثنية سعد، والمعنى: أنا مسعد طاعتك إسعادًا بعد إسعاد،
فثنَّى للتأكيد وتكرير النداء بقوله: (يَا مُعَاذُ) لتأكيد الاهتمام بما يخبر به وليكمل تنبيه
معاذ فيما يسمعه، فيكون أوقع في النفس وأشد في الضبط والحفظ. (ثَلَاثًا) أي:
(٢٥) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: عَنْ مُعَاذٍ؛ البُخَارِي (١٢٨) فِي العِلْمِ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَمُسْلِم (٣٢/٥٣) فِي الإِيمَانِ.

٢٧٢
BREX
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قيلًا ثلاثًا، وهو يتعلق بقول كل واحد من النبي ◌َّ ومعاذ، أي: وقع هذا النداء
والجواب ثلاث مرات. (مَا مِنْ أَحَدٍ) من زائدة لاستغراق النفي، وأحد مبتدأ
وصفته قوله: (يَشْهَدُ) وخبر المبتدأ قوله: ((إلا حرمه اللَّه على النار))، وهو استثناء
مفرغ، أي: ما من أحد يشهد محرم على شيء إلا محرمًا على النار، والتحريم
بمعنى المنع، قاله القاري. وقال العيني: كلمة ما للنفي، وكلمة من زائدة لتأكيد
النفي، وأحد اسم ما ويشهد خبرها و((أن)) مفسرة، ((إلا حرمه الله على النار))
استثناء من أعمِّ عام الصفات، أي: ما أحد يشهد كائنًا بصفة التحريم، انتهى
فتأمل .
(صِدْقًا) يجوز أن يكون حالًا عن فاعل (يشهد) بمعنى صادقًا، أو يكون صفة
مصدر محذوف، أي: شهادة صدقًا. وقال القاري: هو مصدر فعل محذوف أي:
يصدق صدقًا، وقوله: (مِنْ قَلْبِهِ) صفة صدقًّا؛ لأن الصدق قد لا يكون من قلب
أي: اعتقاد كقول المنافقين: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، وقال العيني: قوله من قلبه يجوز
أن يتعلق بقوله صدقًا، أي: يشهد بلفظه ويصدق بقلبه، فالشهادة لفظية، ويجوز أن
يتعلق بقوله: ((يشهد))، فالشهادة قلبيه أي: يشهد بقلبه ويصدق بلسانه، قال
السندهي: الشهادة فعل اللسان، وفعل القلب لا يسمى شهادة، فجعل من قلبه
متعلقًا بيشهد على معنى أنه يشهد بالقلب غير ظاهر، نعم، يمكن جعله متعلقًا به
على معنى شهادة ناشئة من مواطاة قلبه، لكن لا يبقى حينئذٍ لقوله: ((صدقًا)) كثير
فائدة، انتهى. (إِلَّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ) ظاهر هذا يقتضي عدم دخول جميع من
شهد الشهادتين النار لما فيه من التعميم والتأكيد، وهو مصادم للأدلة القطعية الدالة
على دخول طائفة من عصاة الموحدين النار ثم يخرجون بالشفاعة، وقد أجيب عنه
بأجوبة :
منها: أن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة ومات على ذلك قبل أن يتمكن من
الإتيان بفرض آخر، وهذا قول البخاري.
ومنها: أن المراد بالتحريم تحريم الخلود لا أصلَ الدخول.
ومنها: أنه خرج مخرج الغالب، إذ الغالب أن الموحد يعمل بالطاعات ويجتنب
المعاصي.

٢٧٣
كِتَابُ الْإِيمَانِ
ومنها: أن ذلك لمن قال الكلمة وأدى حقها وفريضتها، ليكون الامتثال والانتهاء
مندرجين تحت الشهادة، وهذا قول الحسن.
ومنها: أن المراد تحريم جملته؛ لأن النار لا تأكل موضع السجود من المسلم
وكذا لسانه الناطق بالتوحيد.
ومنها: أن معناه حرمه الله على النار الشديدة المؤبدة التي أعدها للكافرين وإن
عمل الكبائر، وقد أوضحه الشاه ولي اللَّه في ((حجة الله)).
ومنها: أن ذلك يختصُّ لمن أخلص، والإخلاص يقتضي تحقيق القلب بمعناها،
ولا يتصور حصول التحقيق مع الإصرار على المعصية لامتلاء القلب بمحبة الله
تعالى وخشيته، فتنبعث الجوارح إلى الطاعة وتنكف عن المعصية.
ومنها: ما قاله الطيبي: إن قوله: ((صدقًا)) أقيم هنا مقام الاستقامة؛ لأن الصدق
يعبر به قولًا عن مطابقة القول المخبر عنه، ويعبر به فعلًا عن تحري الأخلاق
المرضية، كقوله تعالى: ﴿وَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّفَ بِهٌِ﴾ [الزمر: ٣٢]، أي: حقق
ما أورده قولًا بما تحراه فعلًا، انتهى. وحاصل ما قال: إن ذلك مقيد بمن عمل
الأعمال الصالحة، قال: ولأجل خفاء ذلك لم يؤذن لمعاذ في التبشير به.
ومنها: أنه مقيد بوجود شرائط وارتفاع موانع، كما ترتب الأحكام على أسبابها
المقتضية المتوقفة على انتفاء الموانع، فإذا تكامل ذلك عمل المقتضى علمه،
وإنما يذكر الكلام في مواقع الوعد والبشارة مرسلاً مع كون الشرائط والموانع
معتبرة وملحوظة هناك لظهوره؛ ولأن المناسب للبشارة الإجمال والإبهام، فلا
يتعرض فيها لتحقق الشرائط وانتفاء الموانع واستيفاء الأمور الواجبة.
والحاصل: أن الامتثال بالطاعات والاجتناب عن المعاصي مراعى ها هنا، وإن
لم يذكر في العبارة، وهذا لأنه ولقد كان فرغ من ذكر أكثر الفرائض والمناهي،
وتفصيلها واحدة واحدة، والترغيب في الطاعات طاعة طاعة، والترهيب في
المعاصي معصية معصية؛ لأن مثل هذا الحديث وقع لأبي هريرة كما رواه مسلم،
وصحبته متأخرة عن نزول أكثر الفرائض، كذا ورد نحوه من حديث أبي موسى
رواه أحمد بإسناد حسن، وكان قدومه في السنة التي قدم فيها أبو هريرة، فاستغنى
عن ذكرها في كل مرة؛ لأنه قد بين لهم أن الأعمال الصالحة لابد منها في الإيمان،

٢٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وأن المعاصي مضرة موجبة لسخط الله، فحصلت غنية عن تكريرها في كل موضع
لكون المعلوم كالمذكور، وإنما خص كلمة الشهادتين بالذكر من بين أجزاء
الإيمان، لكونها أصلًا وأساسًا للكل ومدارًا للحياة الأبدية.
وحاصل الكلام: أن تحريم النار وإن حصل بالمجموع لكنه خُصَّ من هذا
المجموع ما كان أهم من بينها وهو الكلمة، فهي كأصل الشجرة فإنه لا حياة لها
بدون الأصل، وهو أحسن الأجوبة عندي، وهو نحو قول الحسن البصري.
(فَيَسْتَبْشِرُوا) بحذف النون؛ لأن الفعل ينصب بعد الفاء المجاب بها بعد النفي
والاستفهام والعرض، والتقدير: فأن يستبشروا أي: يفرحوا، بأن يظهر أثر السرور
على بشرتهم. (إِذَا يَتَّكِلُوا) بتشديد المثناة الفوقية وكسر الكاف، وإذا حرف جواب
وجزاء، وقد يستعمل لمحض الجواب كما هنا، أي: لا تخبرهم بذلك؛ لأنك إن
أخبرتهم يعتمدوا على الكلمة والفرائض ويتركوا فضائل الأعمال وفواضلها من
السنن والنوافل، فينجروا إلى نقصان درجاتهم وتنزل حالاتهم، وهذا حكم
الأغلب من العوام، وإلا فالخواص كلما بشروا ازدادوا في العبادة، فتضمن هذا
الحديث أنه يخص بالعلم قوم فيهم الضبط وصحة الفهم، ولا يبذل المعنى اللطيف
لمن لا يستأهله، ومن يخاف عليه الترخص والاتكال لتقصير فهمه.
(فَأَخْبَرَ بِهَا) أي: بهذه البشارة. (عِنْدَ مَوْتِهِ) أي: موت معاذ. (تَأَثُّمًا) مفعول له،
وهو بفتح الهمزة وتشديد المثلثة المضمومة، أي: تجنبًا وتحرزًا عن الوقوع في إثم
كتمان العلم؛ إذ في الحديث: ((مَنْ كَتَمَ عِلْمًا أَلْجِمَ بِلِجَام مِنْ نَارٍ))، فإن قلت:
سلمنا أنه تأثم من الكتمان، فكيف لا يتأثم من مخالفة رسول اللّه وَّل في التبشير؟
أجيب بأن النهي كان مقيدًا بالاتكال، فأخبر به مَن لا يخشى عليه ذلك، وإذا زال
القيد زال المقيد، أو أن معاذًا عرف أنه لم يكن المقصود من النهي التحريم، بل هو
محمول على التنزيه، وإلا لما كان يخبر به أصلًا، والحاصل: أنه اطلع على أن
النهي للمصلحة لا للتحريم، فلذلك أخبر لعموم الآية بالتبليغ، والله أعلم.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في أواخر العلم، ومسلم في الإيمان، وهو من
مسند أنس، ذكر فيه حكم الشهادتين، والذي قبله من مسند معاذ، ذكر فيه ما يتعلق
بحق اللَّه على العباد، قال الحافظ في شرح حديث معاذ المتقدم في باب اسم

٢٧٥
كِتَابُ الْإِيمَانِ
الفرس والحمار من كتاب الجهاد ما لفظه: تقدَّم في العلم من حديث أنس بن مالك
أيضًا لكن فيما يتعلق بشهادة أن لا إله إلا الله، وهذا فيما يتعلق بحق الله على
العباد، فهما حديثان، ووهم الحميدي ومن تبعه حيث جعلوهما حديثًا واحدًا.
نعم، وقع في كل منهما منعه بَّه أن يخبر بذلك الناس لئلا يتكلوا، ولا يلزم من
ذلك أن يكونا حديثًا واحدًا، وزاد في الحديث الذي في العلم: فأخبر به معاذ عند
موته تأثمًا، ولم يقع ذلك هنا، انتهى.
٢٦ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: أَتَيْتُ النَِّيَّ وَّهِ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ وَهُوَ
نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ
عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ)) قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ زَنَى وَإِنْ
سَرَقَ))، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ)) قُلْتُ: وَإِنْ
زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ) وَكَانَ أَبُو
ذَرٍّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا، قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرْحُ
٢٦ - قوله: (عَنْ أَبِي ذَرِّ) الغفاري الزاهد المشهور الصادق اللَّهجة، في اسمه
أقوال أشهرها: جندب بن جنادة، كان من كبار الصحابة قديم الإسلام، يقالُ:
أسلم بمكة بعد أربعة، فكان خامسًا في الإسلام، ثم انصرف إلى بلاد قومه فأقام
بها حتى قدم على النبي ◌َّ المدينة بعد الخندق، وله في إسلامه خبر حسن، ذكره
ابن عبد البر في ((الاستيعاب))، والحافظ في ((الإصابة))، روي مرفوعًا: «مَا أَظَلَّتِ
الْخَضْرَاءُ، وَلاَ أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ، أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ أَبِي ذَرٍّ))، حسنه الترمذي من حديث
عبد الله بن عمرو بن العاص.
وقال أبو داود: كان يوازي ابن مسعود في العلم، ومناقبه وفضائله كثيرة جدًّا،
روي له مائتا حديث وأحد وثمانون حديثًا، اتفقا على اثني عشر، وانفرد البخاري
(٢٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، عنه؛ البُخَارِي (٥٨٢٧) فِي اللِّبَاسِ، وَمُسْلِم (٩٤/١٥٤) فِي الإِيمَانِ.

٢٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بحديثين، ومسلم بتسعة عشر، سكن الربذة إلى أن مات بها سنة (٣٢) في خلافة
عثمان، وكان يتعبد قبل أن يبعث النبي وَّ، روى عنه خلق كثير من الصحابة
والتابعين .
(أَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ) حال من النبي ◌ََّ. (وَهُوَ نَائِمٌ) عطف على
الحال. (ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ) حال من الضمير المنصوب، وفائدة ذكر الثوب
والنوم والاستيقاظ تقرير التثبت والإتقان فيما يرويه في آذان السامعين ليتمكن في
قلوبهم. (مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وإنما لم يذكر (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ))؛ لأنه
معلوم أنه بدونه لا ينفع. (ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِك) أي: الإقرار والاعتقاد، وثم للتراخي
في الرتبة؛ لأن العبرة بالخواتيم، وفيه إشارة إلى الثبات على الإيمان حتى الموت؛
احترازًا عمن ارتد ومات عليه، فحينئذٍ لا ينفع إيمانه السابق. (إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ)
استثناء مفرغ، أي: لا يكون له حال من الأحوال إلا حال استحقاق دخول الجنة،
قال الحافظُ: ليس في قوله: ((دَخَلَ الْجَنَّةَ)) من الإشكال ما تقدم في السياق
الماضي، أي: في حديث أنس المتقدم؛ لأنه أعم من أن يكون قبل التعذيب أو
بعده، انتهى. ففيه: إشارة إلى أنه مقطوع له بدخول الجنة، لكن إن لم يكن
صاحب كبيرة مات مصرًا عليها دخل الجنة أولًا، وإن كان صاحب كبيرة مات
مصرًّا عليها فهو تحت المشيئة، فإن عفى عنه دخل أولًا وإلا عذب بقدرها، ثم
أخرج من النار وخلد في الجنة، كذا قرروا في شرح الحديث، والظاهر: أن الذي
مات على التوحيد موعود بهذا الحديث بدخول الجنة ابتداءً، وقد تقدم أن الائتمار
بالطاعات والانتهاء عن المعاصي مراعى في هذه الأحاديث، ورفع الموانع وتحقق
الشرائط ملحوظ ومعتبر في مواقع الوعد والوعيد، وإنما ذكر الكلام مرسلاً من
غير تعرض للقيود لكونها معلومة؛ ولأنَّ المناسب في حق الوعد والبشارة هو
الإجمال والإبهام، وهذا كقولهم: مَن توضَّأ صحَّت صلاته، أي: مع سائر
الشرائط والأركان، وعلى هذا معنى الحديث: إن من مات مؤمنًا بجميعٍ ما يجب
الإيمان به مؤتمرًا بالطاعات ومحترزًا عن المعاصي دخل الجنة ابتداءً، والله أعلم.
(قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟) قال ابن مالك: حرف الاستفهام في أول هذا الكلام
مقدر، ولابد من تقديره، أي: أَدخل الجنة وإن زنى وإن سرق؟ وقال غيره:
التقدير: أَوْ إِنْ زنى أو إن سرق دخل الجنة، وتسمى هذه الواو واو المبالغة، و (إِنْ)

٢٧٧
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بعدها وصلية، وجزاءها محذوف لدلالة ما قبلها عليه، قاله القاري. (قَالَ: وَإِنْ
زَنَى وَإِنْ سَرَقَ) أي: وإن ارتكب كل كبيرة، فلابد من دخوله الجنة إما ابتداءً إن
عُفِي عنه، أو بعد دخوله النار حسبما نطقت به الأخبار، وإنما ذكر من الكبائر
نوعين ولم يقتصر على واحد؛ لأن الذنب إما حق الله وهو الزنا، أو حق العباد وهو
أخذ مالهم بغير حق، وفي تكريره أيضًا معنى الاستيعاب والعموم؛ كقوله تعالى:
﴿وَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيَهَا بَكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] أي: دائمًا، قاله الطيبي، وفيه: دليل على
أن الكبيرة لا تسلب اسم الإيمان، فإنه من ليس بمؤمن لا يدخل الجنة وفاقًا، وأنها
لا تحبط الطاعات لتعميمه وَليه الحكم وعدم تفصيله، وأن صاحبها لا يخلد في
النار، وأن عاقبته دخول الجنة، ففيه رد على الخوارج والمعتزلة الذين يدعون
وجود خلود من مات من مرتكبي الكبائر من غير توبة في النار. (عَلَى رَغْم أَنْفٍ أَبِي
ذَرٍّ) بفتح الراء وضمها وكسرها - أي: كراهة منه. (وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ) بكسر
الغين، وقيل: بالفتح والضم، أي: لصق بالرغام بفتح الراء وهو التراب،
ويستعمل مجازًا بمعنى كره أو ذل؛ إطلاقًا لاسم السبب على المسبب، وأما تكرير
أبي ذر فلاستعظام شأن دخول الجنة مع اقتراف الكبائر وتعجبه منه؛ وذلك لشدة
نفرته من معصية الله تعالى وأهلها، وأما تكريره وعليه فلإنكار استعظامه وتحجيره
واسعًا، أي: أتبخل يا أباذر برحمة الله؟! فرحمة الله واسعة على خلقه وإن كرهت
ذلك، وأما حكاية أبي ذر قول رسول اللّه وَ له: ((على رغم أنف أبي ذر)) فللتشرف
والافتخار.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في اللباس، ومسلم في الإيمان، وأخرجه أحمد
(ج٥: ص١٦٦)، وابن حبان، وغيرهما أيضًا.

٢٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٧ - [٢٦] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّنََّ قَالَ: ((مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا
إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ
وَرَسُولُهُ وَابْنُ أَمَتِهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَقٌّ،
أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرْجُ
٢٧ - قوله: (وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ) قال النووي: هذا حديث عظيم الموقع،
وهو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد، فإنه جمع فيه ما يخرج عنه جميع
ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدهم، وقال الطيبي: في ذكر عيسى تعريض
بالنصارى وإيذان بأن إيمانهم مع قولهم بالتثليث شرك محض، وكذا قوله: (عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ) تعريض باليهود في إنكارهم رسالته وانتمائهم إلى ما لا يحل من قذفه
وقذف أمه. (وَابْنُ أَمَتِهِ) تعريض بالنصارى وتقرير لعبديته، أي: هو عبدي وابن
أمتي، كيف ينسبونه إلى البنوة؟ وتعريض باليهود ببراءة ساحته من قذفهم،
فالإضافة في ((أمته)) إذًا للتشريف. (وَكَلِمَتُهُ) إشارة إلى أنه حُجة اللَّه على عباده،
أبدعه من غير أب، وأنطقه في غير أوانه، وأحيى الموتى على يده، فالإضافة
للتشريف، وقيل: سمي بكلمة الله؛ لأنه أوجده بقوله ((كُنْ))، فلما كان بكلامه
سمي به، وقيل: لما انتفع بكلامه سمي به، كما يقال: فلان سيف اللَّه وأسد الله،
وقيل: لما قال في صغره: ﴿إِّ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠]. (أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) استئناف
بيان، أي: أوصلها اللَّه تعالى إليها وحصلها فيها. (وَرُوحٌ مِنْهُ) قيل: سماه بالروح،
لما كان له من إحياء الموتى بإذن الله، فکان کالروح، أو لأنه ذو روح وجد من غیر
جزء من ذي روح كالنطفة المنفصلة عن حي وإنما اخترع اختراعًا من عند الله
تعالى، قال الطيبي: الإضافة في أمته للتشريف، وعلى هذا تسميته بالروح ووصفه
بقوله: (مِنْهُ)) إشارة إلى أنه عليه الصلاة والسلام مقربه وحبيبه، وتعريض باليهود
بحطهم من منزلته، وتنبيه للنصارى على أنه مخلوق من المخلوقات، وهذا كقوله
(٢٧) البُخَارِي (٣٤٣٥) فِي الأَنْبِيَاءِ، وَمُسْلِم (٢٨/٤٦) فِي الإِيمَانِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ عُبَادَةَ بنِ
الصَّامِتِ .

٢٧٩
كِتَابُ الْإِيمَانِ
ج
تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، فمعنى قوله:
((رُوحٌ مِنْهُ)) أي: كائن منه وحاصل من عنده وهو خالقه وموجده بقدرته، كما أن
معنى الآية أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة من عنده، أي: أنه مكون كل
ذلك وموجده بقدرته وحكمته ثم سخره لخلقه. (وَالْجَنَّةُ) منصوب ويرفع. (وَالنَّارُ
حَقٌّ) مصدر مبالغة في الحقية، وإنهما عين الحق، كزيد عدل، أو صفة مشبهة أي:
ثابت، وأفرد لأنه مصدر أو لإِرادة كل واحدة منهما، وفيه: تعريض بمن ينكر دار
الثواب والعقاب. (أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ) ابتداءً وانتهاءً، والجملة جواب الشرط أو
خبر المبتدأ. (عَلَى مَا كَانَ) حال من ضمير المفعول من قوله: ((أَدْخَلَهُ اللَّهُ)) أي:
كائنًا على ما كان عليه موصوفًا به. (مِنَ الْعَمَلِ) من صلاح أو فساد، لكن أهل
التوحيد لابد لهم من دخول الجنة، ويحتمل أن يكون معنى قوله: (عَلَى مَا كَانَ مِنَ
الْعَمَلِ)) أي: يدخل أهل الجنة الجنة على حسب أعمال كل منهم في الدرجات،
كذا في ((الفتح)).
قال القَسْطَلَانِي: في الحديثِ أنَّ عصاة أهل القبلة لا يخلدون في النار، لعموم
قوله: ((مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ))، وأنه تعالى يعفو عن السيئات قبل التوبة واستيفاء
العقوبة؛ لأن قوله: (عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ) حال من قوله: (أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ)،
ولا ريب أن العمل غير حاصل حينئذٍ بل الحاصل حال إدخاله استحقاق ما يناسب
عمله من الثواب والعقاب، لا يقالُ: إن ما ذكر يستدعي أن لا يدخل أحد من
العصاة النار؛ لأن اللازم منه عموم العفو وهو لا يستلزم عدم دخول النار؛ لجواز أن
يعفو عن بعضهم بعد الدخول وقبل استيفاء العذاب، وقال الطيبي: التعريف في
العمل للعهد والإشارة به إلى الكبائر، يدلَّ له نحو قوله: ((وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ)) فِي
حديث أبي ذر، وقوله: (عَلَى مَا كَانَ) حال، والمعنى: من شهد أن لا إله إلا الله
يدخل الجنة في حال استحقاقه العذاب بموجب أعماله من الكبائر، أي: حال هذا
مخالفة للقياس في دخول الجنة، فإن القياس يقتضي أن لا يدخل الجنة من شأنه
هذا، كما زعمت المعتزلة، وإلى هذا المعنى ذهب أبو ذر في قوله: ((وَإِنْ زَنَى وَإِنْ
سَرَقَ))، ورد بقوله: (وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْم أَنْفٍ أَبِي ذَرٍّ)، انتهى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الأنبياء، ومسلم في الإيمان، وأخرجه أيضًا
أحمد في ((مسنده)) (ج٥: ص٣١٤)، والنسائي في التفسير وفي ((اليوم والليلة)).