النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
**
يصدق في التزامها أنه ليس بمفلح، وهذا خلاف قول المرجئة، وليس فيه تسويغ
لترك السنن لما قال القرطبي: لم يسوغ له تركها دائمًا ولكن لقرب عهده بالإسلام
اكتفى منه بالواجبات، وأخره حتى يأنس وينشرح صدره ويحرص على الخير،
فیسهل عليه المندوبات، انتهى.
وفي الحديث رد على المرجئة، إذ شرط في فلاحه أن لا ينقص من الأعمال
والفرائض المذكورة، وهم يقولون: التصديق وحده كافٍ للنجاة، لا حاجة إلى
العمل، ولا يضر المعصية مع التصديق. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أبو داود
والنسائي .
١٧ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﴿َا قَالَ: إِنَّ وَقْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوَا النَّبِيَّ
وَِّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ ((مَنِ أَلْقَوْمُ؟ أَوْ مَنِ الْوَقْدُ؟)) قَالَوا: رَبِيعَةُ، قَالَ:
(مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ - أَوْ: بِالْوَفْدِ - غَيْرَ خَزَايَا وَلَاَ نَدَامَى))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ
كُفَّارٍ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرِ فَصْلِ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ، وَسَأَلُوهُ
عَنِ الْأَشْرِبَةِ، فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَّهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعِ، أَمَرَهُمْ: بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ،
قَالَّ: ((أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانَّ بِاللّهِ وَحْدَهُ؟)) قَأَلَوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ:
(شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ،
وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ))، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعِ: عَنِ
الْحَنْتُم، وَالدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُزَقَّتِ. وَقَالَ: ((احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِّنَّ مَنْ
و-0.
وَرَاءَكُمْ)).
[مُتَّفَقْ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ]
الشّرْجُ
١٧ - قوله: (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي
الهاشمي، أبو العباس المكي ثم المدني ثم الطائفي، ابن عم النبي وَّ وصاحبه،
(١٧) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: عَنِ ابن عباس رَوْلَهُ: البُخَارِي في الإيمان (٥٣)، ومُسْلِم في الإيمان (٢٤)،
والتِّرْمِذِي (٢٥٩٩)، والنَّسَائِي (١٢٠/٨).
٢٤١
#3
كِتَابُ الْإِيمَانِ
وأمه أم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث أخت ميمونة أم المؤمنين، ولد بالشعب
قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي النبي وقال وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقال أحمد:
خمس عشرة سنة، والأول أثبت، كان يقال له: الْحَبْرُ والبَحْرُ لكثرة علمه،
وترجمان القرآن. دعا له النبي وَّ بالحكمة والفقه والعلم وتأويل الكتاب، ورأى
جبرائيل ◌َلَّل مرتين، قال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلتُ: أجمل الناس،
وإذا نطق قلتُ: أفصح الناس، وإذا حدث قلتُ: أعلم الناس، وكان عمر يُدنيه
ويقربه ويشاوره مع أجلة الصحابة، ومناقبه كثيرة وفضائله مشهورة، بسط ترجمته
الحافظ في ((الإصابة))، وابن عبد البر في ((الاستيعاب)). روى عن النبي وَّ ألفًا
وستمائة وستين حديثًا، اتفقا على خمسة وسبعين، وانفرد البخاري بثمانية
وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين، روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين،
مات بالطائف سنة ٦٨، وهو ابن ٧١ سنة على الصحيح، في أيام ابن الزبير،
وصلى عليه محمد بن الحنفية، وقد كُفَّ بصرُه في آخر عمره، وقال الخزرجي :
ابن عباس سمعَ النبيَّ وَّل خمسة وعشرين حديثًا، وباقي حديثه من الصحابة،
واتفقوا على قبول مرسل الصحابي، انتهى.
(إن وفد عبد القيس) الوفد جمع وافد، وهو الذي أتى إلى الأمير برسالة من
قوم، وقيل: الوفد الجماعة المختارة من القوم ليتقدموهم إلى لقي العظماء
والمصير إليهم في المهمات، وعبد القيس: أبو قبيلة عظيمة تنتهي إلى ربيعة بن
نزار بن معد بن عدنان، وربيعة: قبيلة عظيمة في مقابلة مضر، وكان قبيلة عبد
القيس ينْزلون البحرين وحوالي القطيف وما بين هجر إلى الديار المصرية، وقال
صاحب ((التحرير)): وفد عبد القيس كانوا أربعة عشر راكبًا، كبيرهم الأشج
العصري، وقيل: كانوا ثلاثة عشر راكبًا، كما في ((المعرفة)) لابن منده، وقيل:
كانوا أربعين رجلاً، رواه الدولابي، وجمع بأن لهم وفادتين: إحداهما: في سنة
خمس أو قبلها أو سنة ست، وكان عدد الوفد فيها ثلاثة عشر راكبًا، وكان فيهم
الأشج العصري. وثانيتهما: كانت في سنة الوفود، وكان عددهم حينئذٍ أربعين
رجلًا، وكان فيهم الجارود العبدي، أو يقال: بأن الأربعة عشر كانوا رؤوس الوفد
وأشرافهم وكان الباقون أتباعًا، وقال العيني (ج١: ٣٠٩): جملة الجمع تكون
خمسة وأربعين نفسًا، فعلمنا أن التنصيص على عدد معين لم يصح، ولهذا لم
٢٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
cess
يخرجه البخاري ومسلم بالعدد المعين، ثم ذكر العيني نقلا عن ((شرح مسلم))
للنووي سبب قدومهم، قال القاضي: كان وفودهم عام الفتح قبل خروج النبي وَالله
إلى مكة، قال الحافظُ: تبع القاضي فيه الواقدي وليس بجيد؛ لأن فرض الحج كان
سنة ستٍّ على الأصحِّ، ولكن القاضي يختار أن فرض الحج كان سنة تسع حتى لا
يرد على مذهبه أنه على الفور.
(لَمَّا أَتَوْا النَّبِيِّ ◌َّهِ﴾ أي: حضروه. (مَنِ الْقَوْمُ؟ أَوْ مَنِ الْوَفْدُ؟) شك من الراوي،
والسؤال للاستئناس، أو ليعرفوا فينزلوا منازلهم. (قَالُوا: رَبِيعَةُ) أي: قال بعض
الوفد: نحن ربيعة أو وفد ربيعة، على حذف مضاف، وفي نسخة بالنصب، أي:
نُسَمَّى ربيعة، وفيه: التعبير عن البعض بالكل؛ لأنهم بعض ربيعة، وهذا من بعض
الرواة، فإن عند البخاري في الصلاة: فقالوا: إنا هذا الحي من ربيعة. (قَالَ:
مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ أَوْ بِالْوَفْدِ) أي: أصاب الوفد رُحبًا - بضم الراء - أي: سعة، والرَّحب
- بالفتح: الشيء الواسع أو أتى القوم موضعًا واسعًا، فالباء زائدة في الفاعل،
ومرحبًا مفعول به لمقدر، أو أتى الله بالقوم مرحبًا، فالباء للتعدية ومرحبًا مفعول
مطلق، وقيل: هو من المفاعيل المنصوبة بعامل مضمر لازم إضماره؛ لكثرة دورانه
على ألسنة العرب، ويقال: هذا لتأنيس الوافد وإزالة الاستحياء عن نفس من أتى
من باغي خير وقاصد حاجة. (غَيْرَ خَزَايَا) بفتح الخاءِ، جمع خزيان من الخزي،
وهو الذل والإهانة، أي: غير أذلاء مهانين، ونصب غير على الحال من الوفد،
والعامل فيه الفعل المقدر في مرحبًا، وفي رواية للبخاري: ((مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ الَّذِينَ
جَاءُوا غَيْرَ خَزَايَا))، قال القاري: وجوز جره على أنه بدل من القوم، وقال العيني:
ويروى ((غير)) بكسر الراء على أنه صفة للقوم، فإن قلت: إنه نكرة كيف وقعت صفة
للمعرفة؟ قلت: للمعرف بلام الجنس قرب المسافة بينه وبين النكرة فحكمه حكم
النكرة، إذ لا توقيت فيه ولا تعيين، انتهى. (وَلَا نَدَامَى) جمع نادم على غير قياس؛
إذ قياسه نادمين، لكنه اتبع خزايا تحسينًا للكلام، كما قالوا: العشايا والغدايا،
والقياس الغدوات جمع غداة لكنه اتبع لما يقارنه، وإذا أفردت لم يجز إلا
الغدوات، وقيل: هو جمع ندمان بمعنى نادم من الندامة، كما حكى القزاز
والجوهري وغيرهما من أهل اللغة، وعلى هذا يكون الجمع على الأصل ولا يكون
من باب الاتباع، والمعنى: ما كانوا بالإتيان إلينا خاسرين خائبين؛ لأنهم أسلموا
طوعًا من غير حرب أو سبي يخزيهم ويفضحهم.
٢٤٣
كِتَابُ الْإِيمَانِ
(قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ) فيه دليل على أنهم كانوا حين المقابلة مسلمين، وكذا في
قولهم: ((كُفَّارٍ مُضَرَ)) وفِي قولهم: ((اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ)). (لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ) أي:
في جميع الأزمنة. (إِلّا فِي الشَّهْرِ الْحَرَام) المراد بهِ الجنس، فيشمل الأربعة
الحرم، ويؤيده رواية البخاري في المغازيَ بلفظ. ((إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحُرُم))، وفي
المناقب: ((إِلَّا فِي كُلِّ شَهْرِ حَرَام))، وقيل: اللام للعهد، والمراد: شهر رجب، وفي
رواية للبيهقي التصريح به: وَكأَنَّت مضر تبالغ في تعظيمٍ شهر رجب، فلهذا أضيف
إليهم في حديث أبي بكرة عند البخاريِّ حيث قال: ((رَجَبُ مُضَر))، والظاهر: أنهم
يخصونه بمزيد التعظيم مع تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخرى، إلا أنهم
ربما أنسوها بخلافه، وإنما قالوا ذلك؛ اعتذارًا عن عدم الإتيان إليه وَّ في غير هذا
الوقت؛ لأن الجاهلية كانوا يحاربون بعضهم بعضًا، ويكفون في الأشهر الحرم،
تعظيمًا لها، وتسهيلا على زوار البيت الحرام من الحروب والغارات الواقعة منهم
في غيرها، ومن ثم كان يمكن مجيء هؤلاء إليه عليه الصلاة والسلام فيها دون ما
عداها .
قال الحافظُ: وفيه دليل على تقدم إسلام عبد القيس على قبائل مضر، الذين
كانوا بينهم وبين المدينة، ويدلّ على سبقهم إلى الإسلام أيضًا: ما رواه البخاري
في الجمعة عن ابن عباس قال: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد
رسول اللّه وَل في مسجد عبد القيس بجواثي من البحرين، وإنما جمعوا بعد
رجوع وفدهم إليهم، فدل على أنهم سبقوا جميع القرى إلى الإسلام، انتهى.
واحفظه فإنه ينفعك في مسألة الجمعة في القرى. (وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ)
الجملة حال من فاعل ((نأتيك))، أو بيان لوجه عدم الاستطاعة، والحي: هو اسم
المنْزل القبيلة؛ ثم سميت القبيلة به اتساعًا؛ لأن بعضهم يحيى ببعض. (مِنْ كُفَّارِ
مُضَرَ) كلمة: ((مِنْ)) للبيان، ومضر هو ابن نزار بن معد بن عدنان، فهو أخو ربيعة
أبي عبد القيس. (بِأَمْرٍ فَصْلٍ) الفصل بمعنى الفاصل كالعدل بمعنى العادل، أي:
يفصل بين الحق والباطل، أو بمعنى المفصل المبين المكشوف، حكاه الطيبي،
وقال الخطابي: الفصل هو الواضح البيِّن الذي ينفصل به المراد ولا يشكل ، وقيل :
المحكم، والأمر بمعنى الشأن، واحد الأمور؛ والباء صلة والمراد به معنى اللفظ
ومورده، وقيل: الأمر واحد الأوامر أي: القول الطالب للفعل والباء للاستعانة،
٢٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والمراد به اللفظ والمأمور به محذوف، أي: مرنا بعمل بقولك: آمنوا، أو قولوا:
آمنا، كذا في ((المرقاة)). (نُخْبِرْ) بالرفع على أنه صفة ثانية لأمر أو استئناف،
وبالجزم على أنه جواب الأمر. (مَنْ وَرَاءَنَا) بفتح الميم، والهمزة موصولة أي:
من استقروا خلفنا. (وَنَدْخُلْ) برفع اللام وجزمها عطفًا على نخبر الموجه بوجهين.
(بِهِ) أي: بسبب قبول أمرك والعمل به. (الْجَنَّةَ) هذا لا ينافي قوله {َّ: «لَنْ يَدْخُلَ
الْجَنَّةَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ))؛ لأن المراد نفي كون العمل سببًا مستقلًا في الدخول مع
قطع النظر عن كونه من الرحمة والفضل؛ إذ القصد به الرد على من يرى عمله
متكفلا بدخولها من غير ملاحظة لكونها من جملة رحمة الله، أو المراد الجنة
العالية أو أن درجاتها بالعمل ودخولها بالفضل.
(وَسَأَلُوهُ عَنِ الْأَشْرِبَةِ) جمع شراب وهو ما يشرب أي: عن حكم ظروف
الأشربة، فالمضاف محذوف، أو التقدير عن الأشربة التي تكون في الأواني
المختلفة، فعلى هذا يكون محذوف الصفة، والمراد عن حكمها. (فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَع)
أي: بأربع خصال، أو بأربع جمل بقولهم: حَدَّثَنَا بحمل من الأمر في رواية
البخاري في المغازي. (وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَع) أي: أربع خصال، وهي أنواع الشرب
باعتبار أصناف الظروف الآتية. (قَالُوا: أَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) تأدبًا وطلبًا للسماع منه
وَالر؛ لأن القوم كانوا مؤمنين.
(شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) برفع ((شهادة)) لا غير على أنها
خبر مبتدأ محذوف هو ((هو))، أي: الإيمان بالله وحده الذي هو بمعنى الإسلام
شهادة أن لا إله إلا الله ... إلخ. (وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ) برفع
الثلاثة على ما سيأتي بيانها، وقيل: بجرها عطفًا على الإيمان في قوله: أمرهم
بالإِيمان بالله وحده. (وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَم) بفتح الميم والنون، أي: الغنيمة.
(الْخُمُسَ) بضم الميم وسكونها، وأن تعطَوا في محل الرفع عطفًا على قوله:
((وصيام رمضان))، فيكون واحدًا من الأركان. قال الطيبي: في الحديثِ إشكالان:
أحدهما: أنَّ المأمور به واحد والأركان تفسير للإيمان بدلالة قوله: ((أَتَدْرُونَ مَا
الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟)) وقد قال: (أربع)) أي: الإيمان واحد، والموعود بذكره أربعٍ،
فأين الثلاثة الباقية؟ وثانيهما: أن الأركان، أي: المذكورة خمسة، وقد ذكر أولًا
أنها أربعة، وأجيب عن الأول بأنه جعل الإيمان أربعًا؛ نظرًا إلى أجزائه المفصلة،
٢٤٥
كِتَابُ الْإِيمَانِ
يعني: أن الإيمان باعتبار أجزائه المفصلة أربع، وهو في حدِّ ذاته واحد، والمعنى:
أنه اسم جامع للخصال الأربع التي ذكر أنه يأمرهم بها ثم فسرها، فهو واحد بالنوع
متعدد بحسب وظائفه، كما أن المنهي عنه وهو الانتباذ فيما يسرع إليه الإسكار
واحد بالنوع متعدد بحسب أوعيته، وعن الثاني بأن عادة البلغاء إذا كان الكلام
منصبًّا لغرض من الأغراض، جعلوا سياقه له، وكأن ما سواه مطروح، فهاهنا ذكر
الشهادتين ليس مقصودًا؛ لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمتي الشهادة، ولكن
ربما كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما كما كان الأمر في صدر الإسلام، قال:
فلهذا لم يعدَّ الشهادتين في الأوامر، وقال الكرماني: لم يجعل الشهادة بالتوحيد
وبالرسالة من الأربع لعلمهم بذلك، وإنما أمرهم بأربع لم يكن في علمهم أنها
دعائم الإيمان، وإلى هذا نحا القرطبي فقال: ذكر الشهادتين تبركًا بهما، كما في
قوله: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ مُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، ومحمل كلام الطيبي
والكرماني والقرطبي أن ذكرهما ليس مقصودًا من الأربع، بل هو جملة معترضة
بين الأربع وبين مبينها، ويؤيده رواية البخاري (ج٢: ص٦١٢) في الأدب: ((أَرْبَعٌ
وَأَرْبَعُ: أَقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَأَتُوا الزَّكَاةَ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَعْطُوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ ... ))
الحديث. ويؤيده أيضًا حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد (ج٣: ص٢٣) في
قصة وفد عبد القيس من طريق يحيى بن سعيد عن ابن أبي عروبة، وفيه: ((آمُرُكُمْ
بِأَرْبَع، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعِ: اعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا))، فهذا ليس من الأربع:
((وَأَقِيِّمُوا الصَّلاَةَ، وَ آتُوا الزَّكَاةَ، وَصُومُوا رَمَضَانَ، وَأَعْطُوا مِنَ الْغَنَائِمِ الْخُمُسَ ... ))
الحديث. لكن ينافي قولهم ويعارض حديث أبي سعيد هذا روايةَ البخاري في
المغازي بلفظٍ: ((آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعِ: الإِيمَانِ بِاللَّهِ شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ
اللَّهُ - وَعَقَدَ وَاحِدَةً -، وَفِي قَرْضِ الْخُمْسِ - وَّعَقَدَ بِیَدِهِ))، وفي رواية أبي داود:
((وَعَقَدَ بِيَدِهِ وَاحِدَةً)) فدلَّت هذه الروايات أن الشهادة إحدى الأربع، لا يقال: إن
العقد كان للإشارة إلى التوحيد؛ لأن المعهود فيها الإشارة بنصب المسبحة دون
العقد، والراوي ذكر العقد، وكذا يخالفهم ما في رواية البخاري في أوائل
المواقيت، ولفظُهُ: ((آمُرُكُمْ بِأَرْبَع، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعِ: الإِيمَانِ بِاللَّهِ))، ثم فسَّرها
لهم: ((شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ .. )) الحديث، فهذا أيضًا يدلُّ
على أنه عدَّ الشهادتين من الأربع؛ لأنه أعاد الضمير في قوله: ((ثُمَّ فَسَّرَهَا)) مؤنثًا
٢٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
SB
فيعود على الأربع، ولو أراد تفسير الإيمان لأعاده مذكرًا، لكن يمكن أن يقال: إنه
أنّث الضمير، نظرًا إلى أن المراد بالإِيمان الشهادة أو إلى أنه خصلة، وأجيب أيضًا
عن الإشكال الثاني بأنه عدّ الصلاة والزكاة واحدة؛ لأنها قرينتها في كتاب الله،
وتكون الرابعة أداء الخمس، وقيل: أداء الخمس داخل في عموم إيتاء الزكاة فلم
يعده مستقلًا. والجامع بينهما: أنهما إخراج مال معين في حال دون حال.
هذا وما ذكرناه في توضيح الإشكال ورفعه يوافق حديث جبريل ومذهب
السلف في الإيمان من كون الأعمال داخلة في حقيقته، فإنه قد فسر الإسلام في
حديث جبريل بما فسر به الإيمان في قصة وفد عبد القيس، فدلَّ هذا على أن الأشياء
المذكورة وفيها أداء الخمس من أجزاء الإيمان، وأنه لا بد في الإيمان من
الأعمال، خلافًا للمرجئة. قال الحافظ معتذرًا عن عدم ذكر الحج في الحديث:
إنما أخبرهم ببعض الأوامر؛ لكونهم سألوه أن يخبرهم بما يدخلون بفعله الجنة،
فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال، ولم يقصد إعلامهم بجميع الأحكام
التي تجب عليهم فعلًا وتركًا، ويدل على ذلك اقتصاره في المناهي على الانتباذ في
الأوعية، مع أن في المناهي ما هو أشد في التحريم من الانتباذ، لكن اقتصر عليها
لكثرة تعاطيهم لها، انتهى.
(وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَع) أي: خصال. (عَنِ الْحَنْتَم) بدل من قوله: ((عن أربع)) بإعادة
الجار، وهو من إطلاق المحل وإرادة الحال، أي: ما في الحنتم ونحوه، وصرَّح
بالمرادٍ في رواية للنسائي، فقال: ((وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعِ: مَا يُنْتَذُ فِي الْحَنْتَم ... ))
الحديث، والحنتم بفتح الحاء المهملة وسكون النون وَّفتح المثناة من فوق. هي
الجرة مطلقًا ، وقيل: خضراء، وقيل: حمراء، أعناقها في جنوبها يجلب فيها الخمر
من مضر، وقيل: من الطائف، وقيل: هي جرار تعمل من طين ودم وشعر، أقوال
للصحابة وغيرهم، ولعلهم كانوا ينتبذون في ذلك كله. (وَالدُّبَّاءِ) بضمِّ الدال
المهملة وتشديد الموحدة والمد وقد يقصر: وعاء القرع وهو اليقطين اليابس، وهو
جمع والواحدة دباءة، ومن قصر قال: دباة. (وَالَّقِيرِ) بفتح النون وكسر القاف:
أصل النخلة ينقر وسطه فيتخذ من وعاء وينبذ فيه. (وَالْمُزَقَّتِ) بتشديد الفاء أي:
المطلي بالزفت، أي: القار، وربما قال ابن عباس: المقير، بدل المزفت، ومعنى
كِتَابُ الْإِيمَانِ
RabIBS
٢٤٧
النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها؛ لأنه يسرع فيها الإسكار، فربما
شرب منها من لا يشعر بذلك، ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كل وعاء مع النهي
عن شرب كل مسكر، كما سيأتي في باب النقيع.
(احْفَظُوهُنَّ) أي: الكلمات المذكورات. (وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ) بفتح الهمزة. (مَنْ
وَرَاءَكُمْ) بفتح ((مَن)) وهي موصولة، ووراءكم يشمل من جاؤوا من عندهم، وهذا
باعتبار المكان، ويشملُ من يحدث لهم من الأولاد وغيرهم، وهذا باعتبار الزمان،
فيحتمل إعمالها في المعنيين حقيقة ومجازًا.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم. (وَلَفْظُهُ
لِلْبُخَارِيِّ) يعني: لمسلم معناه، فبهذا المعنى صار الحديث متفقًّا عليه .
١٨ - [١٧] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ وَحَوْلَهُ
عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: ((بَايِعُونِ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا،
وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِيُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ
وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمَّ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ
أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ
شَيْئًا، ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ)) فَبَا يَعْنَاهُ
عَلَى ذَلِك.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرْجُ
١٨ - قوله: (وَعَنْ عُبَادَةَ) بضمِّ العين وتخفيف الموحدة. (بْنِ الصَّامِتِ) بن
قيس الأنصاري الخزرجي المدني، يُكنى أبا الوليد، شهد العقبتين وبدرًا والمشاهد
كلها، وهو أحد النقباء، ثم وجهه عمر إلى الشام قاضيًا ومعلمًا، فأقام بحمص ثم
انتقل إلى فلسطين، ومات بها في الرملة، وقيل: ببيت المقدس سنة ٣٤ وهو
(١٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٨)، ومُسْلِم (٤١/ ١٧٠٩) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فِي الإِيمَانِ، والتِّرْ مِذِي
(١٤٣٩)، والنَّسَائِي (١٠٨/٧).
٢٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ابن ٧٢ سنة، وقيل: عاش إلى خلافة معاوية، وهو أحد من جمع القرآن في زمن
النبي وَّر، رواه البخاري في ((تاريخه الصغير)) وابن سعد عن محمد بن كعب
القرظي، وكان طويلاً جسيمًا جميلًا فاضلا، قال سعيد بن عفير: كان طوله عشرة
أشبار. له مائة وأحد وثمانون حديثًا، اتفقا منها على ستة، وانفرد البخاري
بحديثين، وكذا مسلم، روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين.
(وَحَوْلَهُ) نصب على الظرفية خبر لقوله: (عِصَابَةٌ) بالكسر اسم جمع كالعصبة
لما بين العشرة إلى الأربعين من العصب وهو الشد، كأن بعضهم يشدُّ بعضًا،
والجملة حالية. (مِنْ أَصْحَابِهِ) في محل الرفع؛ لأنه صفة لعصابة، أي: عصابة
كائنة من أصحابه، وكلمة ((مِنْ)) للتبعيض، ويجوز أن تكون للبيان. (بَايِعُونِي) أي:
عاقدوني، سميت المعاهدة على الإسلام بالمبايعة؛ تشبيهًا لنيل الثواب في مقابلة
الطاعة بعقد البيع الذي هو مقابلة مال، ووجه المفاعلة: أن كلًّا من المتبايعين
يصير كأنه باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته، كما في قوله
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:
١١١]. (لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا) مفعول به أو مفعول مطلق. (وَلَا تَسْرِقُوا) من سرق
بالفتح يسرق بالكسر سرقًا، وهو أخذ مال الغير محرزًا بخفية. (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ)
خص القتل بالأولاد؛ لأنه قتل وقطيعة رحم، فالعناية بالنهي عنه آكد، ولأنه كان
شائعًا فيهم، وهو وأد البنات خوف لحوق عيب وعار، وقتل البنين خشية إملاق
وإقتار، أو خصهم بالذكر؛ لأنهم بصدد أن لا يدفعوا عن أنفسهم. (وَلَا تَأْتُوا
بِيُهْتَانٍ) الباء للتعدية والبهتان بالضمِّ الكذب الذي يبهت سامعه أي يدهشه لفظاعته.
(تَفْتَرُونَهُ) أي: تخلقونه صفة بهتان. (بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ) أصل هذا كان في بيعة
النساء، وكنى بذلك عن نسبة المرأة الولد الذي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها كذبًا؛
لأن بطنها الذي يحمله بين يديها، وفرجها الذي تلد منه بين رجليها، ثم لما استعمل
هذا اللفظ في بيعة الرجال احتيج إلى حمله على غير ما ورد فيه أولًا، فقيل: معناه:
لا تأتوا ببهتان من قبل أنفسكم ومن عند ذواتكم، فاليد والرجل كنايتان عن
الذات؛ لأن معظم الأفعال يقع بهما، وقد يعاقب الرجل بجناية قولية، فيقال له:
هذا بما كسبت يداك. أو معناه: لا تنسبوا مبنيًّا على ظن فاسد وغش مبطن من
ضمائركم وقلوبكم التي بين أيديكم وأرجلكم، فالأول: كناية عن إلقاء البهتان من
٢٤٩
كِتَابُ الإِيمَان
تلقاء أنفسهم. والثاني: عن إنشاء البهتان من دخيلة قلوبهم مبنيًّا على الغش
المبطن. وقيل معناه: لا تبهتوا الناس بالعيوب كفاحًا مواجهة، كما يقال: فعلت
هذا بين يديك أي: بحضرتك، وأراد هاهنا الأيدي، وذكر الأرجل تأكيدًا له. (وَلَا
تَعْصُوا) بضمِّ الصاد، وفي رواية للبخاري: ((وَلَا تَعْصُونِي)) وهو مطابق للآية. (فِي
مَعْرُوفٍ) قال في ((النهاية)): هو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله تعالى
والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات
والمقبحات، انتهى. ونبه بذلك على أن طاعة المخلوق إنما تجب فيما كان غير
معصية لله، فهي جديرة بغاية التوقي في معصية اللَّهِ.
(فَمَنْ وَفَى) أي: ثبت على ما بايع عليه بتخفيف الفاء وتشديدها وهما بمعنى.
(فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) قال الحافظُ: أطلق هذا على سبيل التفخيم، لأنه لما ذكر المبايعة
المقتضية لوجود العوضين أثبت ذكر الأجر في موضع أحدهما، وأفصح في رواية
الصنابحي عن عبادة في هذا الحديث في ((الصحيحين)) بتعيين العوض، فقال:
بالجنة، وعبَّر هنا بلفظ ((على)) للمبالغة في تحقيق وقوعه كالواجبات. فإن قيل: لم
اقتصر على المنهيات ولم يذكر المأمورات؟ فالجواب: أنه لم يهملها بل ذكرها
على طريق الإجمال في قوله: ((وَلَا تَعْصُوا))؛ إذ العصيان مخالفة الأمر، والحكمة
في التنصيص على كثير من المنهيات دون المأمورات أن الكف أيسر من إنشاء
الفعل؛ لأن اجتناب المفاسد مقدم على اجتلاب المصالح، والتخلي عن الرذائل
قبل التحلي بالفضائل، وترك سائر المنهيات؛ لزيادة الاهتمام بالمذكورات، وفيه
ردٌّ على المرجئة الذين يقولون بأن التصديق وحده كافٍ للنجاة، وأنه لا تضر
المعصية مع الإيمان.
(وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ) أي: من المذكور. (فَعُوقِبَ بِهِ) هو أعم من أن تكون
العقوبة حدًّا أو تعزيرًا، واختلفوا في أنه يعم العقوبات الشرعية ويشمل العقوبات
القدرية كالمصائب والآلام والأسقام وغيرها أم لا؟ فقيل: نعم، كما في الحديث:
(لا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ نَصَبٌّ، وَلاَ هَمٌّ، وَلاَ حُزْنٌ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا
مِنْ خَطَايَاهُ))، وقيل: لا؛ لحديث خزيمة بن ثابت عند أحمد في ((مسنده)) (ج٥ :
ص٢١٤، ٢١٥) بإسناد حسن: ((مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ ذَلِكَ الذَّتْبِ فَهُوَ
كَفَّارَتُهُ»، فإنه صريح في أن المراد عن العقوبة المذكورة في الحديث الحدود دون
٢٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المصائب، وقال الحافظُ: يحتملُ أن يراد أن المصائب تكفر ما لا حدَّ فيه. (فَهُوَ)
العقاب، وهذا مثل ((هو)) في قوله تعالى: ﴿أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
(كَفَّارَةٌ لَهُ) زاد في رواية للبخاري: (وَطَهُورٌ)) بفتح الطاء أن يكفر إثم ذلك ولم
يعاقب به في الآخرة، قال النووي: عموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، فالمرتدُّ إذا قُتل على الردة لا يكون القتل
له کفارة، انتھی.
ويستفاد من الحديث: أن إقامة الحد كفارة للذنب ولو لم يتب المحدود، وهو
قول الجمهور، وقيل: لا بد من التوبة، وبذلك جزم بعض التابعين، وهو قول
للمعتزلة، ووافقهم ابن حزم، ومن المفسرين: البغوي وطائفة يسيرة، انتهى.
قلتُ: الأول قول مجاهد وزيد بن أسلم والثوري والإمام أحمد، ورجّحه ابن جرير
وضعف القول بخلاف ذلك ووهنه جدًّا؛ قال الحافظ في ((الفتح)): واستدلَّ البغوي
ومن وافقه باستثناء من تاب في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ
عَلَّهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]، قال: والجواب في ذلك أنه في عقوبة الدنيا؛ ولذلك قيدت
بالقدرة علیه. انتهى .
(ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ) أي: ذلك الشيء المصاب. (فَهُوَ إِلَى اللَّهِ) أي: أمره وحكمه من
العفو، العقاب مفوض إليه، فلا يجب عليه عقاب عاص كما لا يجب عليه ثواب
مطيع على المذهب الحق، وفيه ردٌّ على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، وردّ
على المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة؛ لأن النبي وَ لّ أخبر
بأنه تحت المشيئة، ولم يقل: لا بد أن يعذبه. (إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ)
يشملُ من تاب من ذلك ومن لم يتب، وقال بذلك طائفة، وذهب الجمهور إلى أن
من تاب لا يبقى عليه مؤاخذة، ومع ذلك فلا يأمن مكر اللَّه؛ لأنه لا اطلاع له هل
قبلت توبته أو لا؟ وقيل: يفرق بين ما يجب فيه الحد وما لا يجب، كذا في
((الفتح)).
واعلم: أنه ذهب أكثر العلماء ومنهم الشافعية إلى أن الحدود كفارات وسواتر،
واستدلوا بحديث عبادة هذا، وهو صريح في ذلك، ويؤيده ما رواه غير واحد من
الصحابة، منهم: علي بن أبي طالب، أخرج حديثه أحمد والترمذي في الإيمان
٢٥١
كِتَابُ الْإِيمَانِ
وحسَّنه، وابن ماجه والحاكم وصحَّحه، ومنهم: أبو تميمة الهجيمي أخرج حديثه
الطبراني بإسناد حسن، ومنهم: خزيمة بن ثابت أخرج حديثه أحمد، وقد تقدَّم
لفظه، ومنهم: ابن عمر وأخرج حديثه الطبراني مرفوعًا، واختلفت الحنفية فيه،
فقال أبو الحسن الطالقاني الحنفي كما في ((طبقات الشافعية)) وأبو بكر الكاساني
صاحب ((البدائع)): إن الحدود كفارات. وصرَّح صاحب ((الدر المختار)) بأنها
ليست بكفارة بل هي روادع وزواجر فقط. واستدل له بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ
خِزْيٌ فِ الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] في آية المحاربة، فإنه
يدل على أنهم يعذبون في الآخرة بعد إقامة الحد عليهم في الدنيا، فلم يكن الحد
كفارة لهم، وأجيب بأن الآية نزلت في العرنيين، ومعلوم أنهم كانوا ارتدوا بعد
إسلامهم، وحينئذٍ، فالآية خارجة عن موضع النزاع؛ لأن المسألة إنما كانت في
المسلمين؛ لأن التكفير في حق المشركين لم يقل به أحد، والآية وإن لم تأخذ
الكفر والارتداد في العنوان بل أدارت الحكم على وصف قطع الطريق، وهو
يقتضي أن يدور الحكم على هذا الوصف سواءً كان من المسلم أو المرتد أو الكافر
أو الذمي، ولا يقتصر على المرتد والكافر فقط، لكن يمكن أن يقال: إنه جرى ذكر
العذاب في الآخرة في الآية لحال الفاعلين، أي: لحال كفرهم لا لحال الفعل،
فإن المعصية الواحدة تختلف شدة وضعفًا باعتبار حال الفاعلين، فقد تكون
المعصية من المؤمن ويخف العذاب عليها، رعايةً لإيمانه، وقد تكون تلك
المعصية بعينها من الكافر ويزاد في عقوبته لحال كفرِهٍ، فقطع الطريق من المسلمين
شنيع، وهو من المرتدين أشنع، وعلى هذا فلا دليل في الآية على أن المسلم لو
فعل ذلك ثم أقيم عليه الحد كان له عذاب في الآخرة أيضًا؛ لأنه ليس جزاء للفعل
على هذا التقدير بل الشناعة في الجزاء بشناعة الفاعلين، كذا قرَّره الشيخُ محمد
أنور الحنفي. ويمكن أن يقال: إنه يحتمل أن يكون حديث عبادة مخصصًا لعموم
الآية أو مبينًا أو مفسرًا لها، واستدلوا له أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ
[المائدة: ٣٩] في آية حد السرقة،
وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ لَّ
قيل: هو دليل صريح على أن إقامة الحد لا تكون كفارة إلا بعد التوبة من ظلمه
وإصلاح عمله. وأجيب عنه: بأنه لا دليل في الآية على ذلك؛ لأن ظاهر معنى
الآية: أن من تاب من بعد ظلمه، أي: سرقته، يعني: حسن حاله في المستقبل
٢٥٢
*
e
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وأصلح عمله وعزم على ترك العود إلى مثل ذلك، فيقبل الله توبته ويرحمه ويطهره
من جميع الذنوب، وأما ذنب هذه السرقة فقد زال بنفس إقامة حد السرقة، ولم
يتوقف على التوبة، وبالجملة الآية إنما تتعلق بالتوبة والإصلاح في الاستقبال لا
بما تقدم من ذنب السرقة، وقيل: معنى الآية: ﴿فَنَ تَابَ﴾ [المائدة: الآية ٣٩]، أي: من
السرقة، وأصلح أمره فإن الله يتوب عليه، أي : يغفر له ويتجاوز عنه ويقبل توبته،
أي: يسقط عنه حق الله، وأما حق الآدميين من القطع ورد المال فلا يسقط.
نعم، إن عفا قبل الرفع إلى الإمام سقط القطع، كما ذهب إليه الشافعي،
واستدل له أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَ نَقْبَلُوْ لَمُمْ شَهْدَةً أَبَدًّا وَأُوْلَكَ هُمُ
الْفَسِقُونَ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٤- ٥] في
آية حد القذف، قيل: هو أقوى دليل على أن إقامة الحد لا تطهر القاذف من الذنب
ولا تخرجه من الفسق إلا بعد التوبة، وإنما وعد الله المغفرة والرحمة لمن تاب
بعد ذلك وأصلح عمله. وأجيب عنه: بأن حدَّ القذف ليس هو الجلد فقط، بل هو
مجموع أمرين أو ثلاثة أمور: الجلد، وعدم قبول الشهادة، والحكم بكونه فاسقًا،
لكن بينها فرق وهو أن الجلد لا يرتفع بالتوبة، فإنه يجلد التائب كالمصرِّ
بالإجماع، وأما عدم قبول الشهادة والحكم بالفسق فيزولان بالتوبة بناءً على أن
الاستثناء يتعلق بالجملتين، وهذا عند الأئمة الثلاثة، خلافًا لأبي حنيفة، فإنه ذهب
إلى أنه لا يقبل شهادة القاذف أبدًا، أي: مادام حيًّا وإن تاب؛ وهذا لأن الاستثناء
عنده يرجع إلى الجملة الأخيرة فقط، فلا يزول عنده بالتوبة إلا اسم الفسق، وأما
عدم قبول الشهادة فيبقى على حاله بعد التوبة، وإصلاح العمل أيضًا كالجلد، ففرق
أبو حنيفة بين القذف وسائر الكبائر مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر والميسر،
فقال بقبول الشهادة من التائبين من هذه المعاصي بعد إقامة الحدود عليهم كالأئمة
الثلاثة، وخالفهم في التائب من ذنب القذف، فلم يقبل شهادته أبدًا، وإذا كان عدم
قبول الشهادة داخلاً في حدِّ القذف وجزءًا منه خلافًا لسائر الحدود، حتى إنه لا
يقبل شهادته بعد التوبة أيضًا عند أبي حنيفة، ظهر منه أن حكم حدِّ القذف مخالف
لحكم سائر الحدود، فلا يتطهر القاذف من ذنب القذف إلا بالتوبة، كما نص على
ذلك الآية بخلاف سائر الحدود، فإنها تكون كفارة ومطهرة بنفسها من غير احتياج
إلى التوبة بعد إقامة الحدِّ، واستدلَّ له أيضًا بما سيأتي في باب الشفاعة في الحدود
٢٥٣
كِتَابُ الْإِيمَانِ
من حديث أبي أمية المخزومي: ((أن النبي (وَل ◌َ- أَتِي بلص قد اعترف اعترافًا ... ))
الحديث، وفيه: ((فَأَمِرَ بِهِ فَقُطِعٍ فَجِيء بهِ))، فقَالَ له رسول اللَّهِ وَهِ: ((اسْتَغْفِرِ اللَّهَ
وَتُبْ إِلَيْهِ))، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه، فقال رسول اللّه وَله: ((اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ))
أخرجَهُ أبو داود والنسائي وابن ماجه، قالو: لو كان الحدُّ كفارة لما احتاج إلى
الاستغفار بعد القطع مع أن النبي ◌َّ- أمره بالاستغفار، فعلم أن الحدود أصلها
للزجر لا للستر والتكفير. وأجيب عنه: بأن معنى قوله: ((تُبْ)) أي: في الاستقبال
بأن لا تفعله ثانيًا، فيخرج الحديث عما نحن فيه ولا يتم الاستدلال.
وقال السندي في ((حاشية النسائي)): قوله: ((أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ)) أي: في حديث أبي
أمية المذكور لعلَّ المراد الاستغفار والتوبة من سائر الذنوب، أو لعله قال ذلك
ليعزم إلى عدم العود إلى مثله، فلا دليل لمن قال: الحدود ليست كفارات لأهلها
مع ثبوت كونها كفارات بالأحاديث الصحاح التي كادت تبلغ حد التواتر، كيف
والاستغفار مما أمر به النبي ◌َّ فقال: ((اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك))، وقد قال الله تعالى:
﴿لَقَدِ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٧] لمعانٍ ومصالح ذكروا في محله، فمثله لا
يصلح دليلاً على بقاء ذنب السرقة، والله تعالى أعلم، انتهى.
وقال القاري: هذا منه وَلَه يدل على أن الحدَّ ليس مطهرًا بالكلية مع فساد الطوية
وإنما هو مطهر لعين ذلك الذنب، فلا عقاب عليه ثانيًا من جهة الرب، انتهى.
وتوقف بعض العلماء في كون الحدود كفارات ولم يقضوا في ذلك بشيء؛ لحديث
أبي هريرة أن النبي ◌َّ قال: ((لَا أَدْرِي الْحُدُودَ كَفَّارَاتٍ لِأَهْلِهَا أَمْ لَا؟)) أخرجَهُ
الحاكم في ((المستدرك))، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه البزار
وأحمد أيضًا، واختلف في وصله وإرساله، وأجيب عنه بأن حديث عبادة أصح
وصحته متفق عليها، بخلاف حديث أبي هريرة على ما نصّ عليه القاضي عياض
وغيره، فلا تعارض لكون حديث عبادة واجب التقديم فلا وجه للتوقف في كون
الحدود كفارة، ولو سلم التساوي والمعارضة جمع بينهما بأنه يمكن أن يكون
حديث أبي هريرة ورد أولًا قبل أن يعلمه الله ثم أعلمه بعد ذلك.
قال القاضي: فإن قيل: حديث عبادة هذا كان بمكة ليلة العقبة لما بايع الأنصار
رسول اللَّه ◌َلَه البيعة الأولى بمنى، وأبو هريرة إنما أسلم بعد ذلك بسبع سنين عام
٢٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
خيبر، فكيف يكون حديثه متقدمًا؟ قيل: يمكن أن يكون أبو هريرة ما سمعه من
النبي وَِّ، وإنما سمعه من صحابي آخر كان سمعه من النبي ◌َّ قديمًا، ولم يسمع
من النبي وَله بعد ذلك أن الحدود كفارة كما سمعه عبادة، انتهى.
وقال الحافظُ: الحقُّ عندي أن حديث أبي هريرة صحيح، وهو سابق عن حديث
عبادة، والمبايعة المذكورة في حديث عبادة على الصفة المذكورة لم تقع ليلة
العقبة، ثم ذكر نص بيعة ليلة العقبة من ((مغازي)) ابن إسحاق وغيره، وقال بعد سرد
الروايات من ((صحيح البخاري ومسلم)) والنسائي والطبراني: فهذه أدلة ظاهرة في
أن هذه البيعة صدرت بعد نزول آية الممتحنة، بل بعد صدور بيعة النساء، بل بعد
فتح مكة، وذلك بعد إسلام أبي هريرة، انتهى. هذا، وقد أطال الحافظ البحث
هاهنا، وتعقبه العيني فارجع إلى ((الفتح)) و((العمدة)) وتأمل في تعقبات العيني.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم.
١٩ - [١٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ فِي
أَضْحَّى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ،
تَصَدَّقْنَ؛ فَإِنِّي أُرِيِتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ)) فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ «تُكْثِرْنَ
اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْل وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ
الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ)، قُلْنَ: مَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَّقْلِنَا يََّ رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:
(أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟)) قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: ((فَذَلِك مِنْ
نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟)) قُلْنَ: بَلَى. قَالَ:
((فَذَلِك مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
مـ
١٩ - قوله: (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) بضمِّ الخاء وسكون الدال المهملة نسبة
إلى خدرة، وهو أبجر بن عوف أحد أجداد أبي سعيد، اسمه سعد بن مالك بن سنان
(١٩) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ؛ البُخَارِي (٣٠٤) فِي الْعِيدَيْنِ، وَمُسْلِم (٨٠/١٣٢) فِي
الإِيمَانِ، والنَّسَائِي (١٨٧/٣). وابن مَاجَهْ (١٢٨٨).
٢٥٥
كِتَابُ الْإِيمَانِ
ابن عبيد الأنصاري الخزرجي، اشتهر بكنيته، استصغر يوم أحد فرد، ثم غزا بعد
ذلك اثنتي عشرة غزوة مع رسول اللَّه ◌َ ل﴾، فأول مشاهده الخندق، واستشهد أبوه
يوم أحد، روي له ألف حديث ومائة وسبعون حديثًا، اتفقا منها على ستة وأربعين،
وانفرد البخاري بستة عشر، ومسلم باثنين وخمسين، روى عنه جماعة من الصحابة
والتابعين، قال ابن عبد البر: كان ممن حفظ عن رسول اللّه وَالله سننًا كثيرة، وروى
عنه علمًا جمًّا، وكان من نجباء الأنصار وعلمائهم وفضلائهم، قال حنظلة بن أبي
سفيان عن أشياخِهِ: لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول اللّه وَ ل أفقه من أبي
سعيد، مات بالمدينة سنة (٦٣) أو (٦٤) أو (٦٥)، وقيل: سنة (٧٤).
(فِي أَضْحَّى) بفتح الهمزة والتنوين واحدة أضحاة، لغة في الأضحية، أي: في
عيد أضحى على حذف المضاف، بل غلب على عيد النحر، فحينئذٍ مغنٍ عن
التقدير كالفطر، وفي بعض النسخ بترك التنوين، سمي بذلك؛ لأنه يفعل وقت
الضحى وهو ارتفاع النهار. (أَوْ فِطْرٍ) شك من الراوي. (إِلَى الْمُصَلَّى) هو موضع
صلاة العيد في الجبانة. (يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ) أي: جماعتهن، قال الليث: المعشر:
كل جماعة أمرِهم واحد. (أُرِيتُكُنَّ) بضمِّ الهمزة وكسر الراء على صيغة المجهول،
أي: أراني اللَّه إياكن. (أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ) بالنصب على الحال بناءً على أن أفعل لا
يتعرف بالإضافة كما صار إليه الفارسي وغيره، قيل: المراد أن اللّه تعالى أراهن في
ليلة الإسراء، والظاهر: أن هذه الرؤية وقعت في صلاة الكسوف كما يدلُّ عليه
رواية ابن عباس الآتية في صلاة الكسوف، وقيل: (أريتكن)، متعدٍّ إلى ثلاثة
مفاعيل: الأول: التاء التي هي مفعول ناب عن الفاعل. والثاني: كن. والثالث:
أكثر، أي: أخبرت وأعلمت على طريق الوحي بأنكن أكثر دخولًا في النار من
الرجال، والصدقة تقي منها، قال ثَالَُّ: ((اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ))، ولا يعارض
هذا ما أخرجه أبو يعلى عن أبي هريرة في حديث الصور الطويل مرفوعًا: ((فَيَدْخُلُ
الرَّجُلُ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِمَّا يُنْشِئُّ اللَّهُ وَزَوْجَتَيْنِ مِنْ وَلَدِ آدَمَ)) وغير ذلك من
الأحاديث الدالة على كون الزوجتين من نساء الدنيا، وكثرة النساء في الجنة دون
النار؛ لأنه يحتمل أن يكون ذلك في أول الأمر قبل خروج العصاة من النار
بالشفاعة، وقيل: كانت الأكثرية عند مشاهدته إذ ذاك، ولا تنسحب على مجموع
الزمان، فتأمل.
٢٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
keepatee *
(وَبِمَ) أصله: ((بما))، حذفت ألف ما الاستفهامية بدخول حرف الجرِّ عليها
تخفيفًّا، والباء للسببية متعلقة بمقدر بعدها، والواو للعطف على مقدر قبله،
والتقدير: كيف يكون ذلك، وبأي شيء نكن أكثر أهل النار، أو ما ذنبنا
وبم ... إلخ؟
(تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ) في مقام التعليل، وكان المعنى لأنكِنَّ تكثرن اللعن، وهو في
اللغة الطرد والإبعاد، وفي الشرع الإبعاد من رحمة الله تعالى، قال القاري: لعل
وجه التقييد بالإكثار أن اللعن يجري على ألسنتهن لاعتيادهن من غير قصد لمعناه
السابق، فخفف الشارع عنهن ولم يتوعدهن بذلك إلا عند إكثاره، قال: وقد
يستعمل في الشتم والكلام القبيح، يعني: عادتكن إكثار اللعن والشتم والإيذاء
باللسان، انتهى. (وَتَكْفُرْنَ) بضم الفاء، قال الراغب: الكُفر في اللغة: ستر
الشيء، وكفر النعمة وكفرانها سترها بترك أداء شكرها، والكفران في جحود النعمة
أكثر استعمالًا، والكفر في الدين أكثر والكفور فيهما. (الْعَشِيرِ) أي: المعاشر،
وهو المخالِطِ، والمراد به الزوج أو أعم من ذلك، وكفران العشير جحد نعمته
وإحسانه واستقلال ما كان منه. (مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلِ وَدِينٍ) من مزيدة
للاستغراق بمجيئها بعد النفي، صفة لمفعوله المحذوف، أيّ: ما رأيت أحدًا من
ناقصات. العقل: غريزة في الإنسان يدرك بها المعنى ويمنعه عن القبائح، وهو نور
الله في قلب المؤمن. (أَذْهَبَ) بالنصب، وهو صفة أخرى للمفعول المحذوف إن
كان رأيت بمعنى أبصرت، وهو مفعول ثانٍ له إن كان بمعنى علمت، والمفضل
عليه مفروض مقدر، وهو أفعل التفضيل من الإذهاب لمكان اللام في قوله: (لِلُبِّ
الرَّجُلِ) أي: أكثر إذهابًا للب، وهذا جائز على رأي سيبويه، حيث جوزه من
الثلاثي المزيد، واللب: العقل الخالص من شوائب الهوى، وسمي بذلك، لكونه
خالص ما في الإنسان من قواه كاللباب من الشيء، وقيل: ما ذكا من العقل، فكل
لب عقل ولا يعكس. (الْحَازِم) الضابط لأمره من الحزم، وهو ضبط الرجل أمره
وأخذه بالثقة، وهذه مبالغة فيَ وصفهنَّ بذلك؛ لأن الضابط لأمره إذا كان ينقاد لهن
فغير الضابط أولى. (مِنْ إِحْدَاكُنَّ) متعلق بأذهب. (وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا) هذا
استفسار منهن عن وجه نقصان دينهن، وذلك لأنه خفي عليهن ذلك حتى
استفسرن، وما ألطف ما أجابهن به وَ الر من غير تعنيف ولا لوم، بل خاطبهن على
قدر عقولهن و فهمهن.
٢٥٧
كِتَابُ الْإِيمَانِ
(أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ
يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ لأن الاستظهار بأخرى مؤذن بقلة ضبطها
وهو مشعر بنقص عقلها. (فَذَلِك) بكسر الكاف خطابًا للواحدة التي تولت
الخطاب، ويجوز فتحها على أنه للخطاب العام، والإشارة للحكم السابق. (مِنْ
نُقْصَانِ عَقْلِهَا) فيه دلالة على أن ملاك الشهادة العقل مع اعتبار الأمانة والصدق،
وعلى أن شهادة المغفل ضعيفة وإن كان قويًّا في الدين والأمانة. (قَالَ) هو موجود
في أكثر النسخ، وأما في أصل السيد جمال الدين ومتن ((صحيح البخاري)) فغير
موجود، قاله القاري. (فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا) قال النووي: قد يستشكلُ معنى
وصفه وَله النساء بنقصان الدين لتركهن الصلاة والصوم في زمن الحيض، وليس
بمشكل، فإن الدين والإيمان والإسلام مشتركة في معنى واحد، وقد قدمنا أن
الطاعات تسمى إيمانًا ودينًا، وإذا ثبت هذا علمنا أن من كثرت عبادته زاد إيمانه
ودینه، ومن نقصت عبادته نقص إيمانه ودینه، انتهى.
قال الحافظُ: وليس المقصود بذكر النقص في النساء لومهن على ذلك؛ لأنه من
أصل الخلقة، لكن التنبيه على ذلك، تحذيرًا من الافتتان بهن، ولذا رتب العذاب
على ما ذكر من الكفران وغيره لا على النقص، وليس نقص الدين منحصرًا فيما
يحصل به الإثم بل في أعم من ذلك، فإنه قد يكون على وجه لا إثم فيه كمن ترك
الجمعة أو الغزو أو غير ذلك مما لا يجب عليه لعذر، وقد يكون على وجه هو
مكلف به، كترك الحائض الصلاة والصوم، قال: فالنقص أمر نسبي، فالكامل
مثلًا ناقص عن الأكمل، ومن ذلك الحائض لا تأثم بترك الصلاة زمن الحيض
لكنها ناقصة عن المصلي.
وفي الحديث دليل على أن جَحْدَ النعمِ حرام، وكذا كثرة استعمال الكلام القبيح
كاللعن والشتم. واستدلَّ النووي على أنهما من الكبائر بالتوعد عليهما بالنار.
وفيه: ذم اللعن، وهو الدعاء بالإبعاد من رحمة الله، وهو محمول على ما إذا
كان في معين. وفيه: إطلاق الكفر على الذنوب التي لا تخرج من الملة، تغليظًا
على فاعلها؛ لقوله في رواية أخرى: ((بِكُفْرِهِنَّ)) ففيه: دلالة على جواز إطلاق
الكفر على غير الكفر بالله ككفر العشير والإحسان والنعمة والحق، لكنه كفر دون
٢٥٨
B
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
i*E
كفر، أي: كفر أدون وأخف من الكفر بالله، فالكفر متنوع متفاوت زيادة ونقصانًا
بعضه أخف من بعض، فكما أن الإيمان ذو شعب كثيرة، أعلاها: لا إله إلا الله،
وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، وبينها مراتب كثيرة، كذلك في الكفر مراتب
بعضها أخف من بعض، وبين أعلاه وأدناه مراتب كثيرة، أو يقال: إن الكفر
نوعان: كفرٌ بالله، وله أربعة أقسام: كفر إنكار، وجحود، وعناد، ونفاق، على ما
قاله الأزهري. وكفر بغير الله، وهو كفر دون كفر، أي: مغاير للكفر بالله،
فالأول: مخرج من الملة موجب للخلود والثاني: موجب للفسوق فقط غير
موجب للخلود، مثلًا الرجل يقرُّ بالوحدانية والنبوة بلسانه ويعتقد ذلك بقلبه لكنه
يرتكب الكبائر من القتل والسعي في الأرض بالفساد وكفران الحقوق والنعم ونحو
ذلك، ويوجد في ذلك صحة تأويل الأحاديث التي أطلق فيه الكفر على الكبائر مثل
قوله: ((وَقِتَالُهُ كُفْرٌ))، وقوله: ((مَنْ تَرََكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ))، وغير ذلك، فلا
حجة فيها للخوارج الذين يكفرون مرتكب الكبيرة.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا النسائي وابن ماجه، وأخرجه مسلم عن أبي هريرة
وابن عمر أيضًا وأخرجاه عن جابر أيضًا.
٢٠ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ
إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ
إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ، فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَّ اللَّهُ وَلَدًا، وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ
أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ)).
{صحيح}
الشّرْحُ
٢٠ - قوله: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) هذا من الأحاديث الإلهية، وتسمى القدسية
والربانية، وهي أكثر من مائة، وقد جمعها بعضهم في جزء كبير، والفرق بين
الحديث القدسي وبين القرآن: أن الأول: يكون بإلهام أو منام أو بواسطة ملك
(٢٠) البُخَارِي (٤٩٧٤) عَنْ أبي هُرَيْرَةَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الإِخْلَاصِ.
٢٥٩
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بالمعنى، فيعبره بلفظه وينسبه إلى ربه. والثاني: لا يكون إلا بإنزال جبريل باللفظ
المعين، وهو أيضًا متواتر بخلاف الأول، فلا يكون حكمه حكمه في الفروع وبقية
الأحاديث، وإن كانت كلها بالوحي، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَّ ٣) إِنْ هُوَ إِلَّا
وَحَّىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤،٣]، لكنها لم يضفها إلى اللّه تعالى ولم يروها عنه تعالى، فهي
في الدرجة الثالثة، وإن شئت التفصيل فارجع إلى قواعد التحديث (٣٩ - ٤٤).
(كَذَّبَنِي) بتشديدِ الذالِ المعجمة من التكذيب، وهو نسبة المتكلم إلى أن خبره
خلاف الواقع، والمعنى: نسب إلي الكذب حيث أخبرته أني أعيده يوم القيامة،
وهو ينكر البعث، ويكذبني في ذلك الإخبار. (ابْنُ آدَمَ) المراد به: بعض بني آدم
وهم من أنكر البعث من العرب وغيرهم من عباد الأوثان والدهرية وغيرهم. (وَلَمْ
يَكُنْ) أي: ما صحَّ وما استقام وما كان ينبغي لهِ. (ذَلِكَ) أي: التكذيب. (وَشَتَمَنِي)
ابن آدم، أي: بعضهم، وهم من ادعى أن للَّه ولدًا من اليهود والنصارى، ومن
مشركي العرب من قال: إن الملائكة بنات اللَّه، والشتم توصيف الشيء بما فيه
ازدراء ونقص، وإثبات الولد له كذلك؛ لأنه قول بمماثلة الولد في تمام حقيقته،
وهي مستلزمة للإمكان المتداعي إلى الحدوث، وذلك غاية النقص في حق الباري
تعالى، ولأن الحكمة في التوالد استبقاء النوع فلو كان الباري تعالى متخذًا ولدًا
لكان مستخلفًا خلفًا يقوم بأمره بعد عصره، فيلزم زواله وفناءه سبحانه تعالى الله عن
ذلك علوًّا كبيرًا. (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) أي: الشتم. (فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي) الإعادة: هي
الإيجاد بعد العدم المسبوق بالوجود، فالمعنى لن يحييني بعد موتي كما بدأني
أي: أوجدني عن عدم، وخلقني ابتداءً، أي: إعادة مثل بدئه إياي أو لن يعيدني
مماثلًا لما بدأني عليه. (وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ) من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف،
أي: ليس الخلق الأول للمخلوقات أو من قبيل حذف المضاف وإقامة المضاف
إليه مقامه، أي: ليس أول خلق الخلق، والخلق بمعنى المخلوق، أو اللام عوض
عن المضاف إليه، أي: أول خلق الشيء. (بِأَهْوَنَ) الباء زائدة للتأكيد، من هان
الأمر: إذا سهل. (عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ) أي: المخلوق أو الشيء، بل هو يستويان في
قدرتي، بل الإعادة أسهل عادة لوجود أصل البنية وأثرها، أو أهون على زعمكم
وبالنسبة إليكم، ففيه إشارة إلى تحقيق المعاد وإمكان الإعادة، وهو أن ما يتوقف
عليه تحقق البدن من أجزائه وصورته لو لم يكن وجوده ممكنًا لما وجد أولًا، وقد