النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
يَنْفَعَنِي فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، حَسْبِيَ اللَّهُ
وغيرهما المتوفى سنة ٩٧٥ هـ، قال الشيخ عبدالحق الدهلوي في ((زاد المتقين)) في
ترجمته: وشرح دارد بر شمائل ترمذي وبر أربعين نووي وبر مشكاة نيز نوشته كه
دروي داد فقاهت داده، انتهى (١). وعلى ((المشكاة)) حاشية لعلي بن محمد بن علي
المعروف بالسيد الشريف، والسيد السند الجرجاني وهي مختصرة من شرح
الطيبي مع بعض زيادات قليلة. وحاشية للسيد جمال الدين المحدث. وللعلامة
علي بن سلطان المعروف بالقاري المتوفى سنة ١٠١٤ هـ، شرح عظيم ممزوج على
((المشكاة)) مسمى بـ((المرقاة)) جمع فيه جميع الشروح والحواشي واستقصاها. ثم
جاء بعده واحد من الفضلاء فزاد في كل باب فصلًا آخر، فصار كله أربعة فصول
مما وجد بعدهما في الدواوين المعتبرة للأئمة السبعة من كل حديث استدلَّ به
مجتهد في مذهبه، فكان كالشرح لهذين الكتابين وسماه ((أنوار المشكاة))، ومن
شروح المشكاة ((لمعات التنقيح))، و((أشعة اللمعات))، الأول بالعربية وهو شرح
لطيف بين الإيجاز والإطناب، والثاني بالفارسية، كلاهما للعلامة الشيخ عبدالحق
الدهلوي المتوفى سنة ١٠٥٢هـ، وللحافظ ابن حجر تأليف خرج فيه أحاديث
((المصابيح)) و((المشكاة))، اسمه ((هداية الرواة إلى تخريج المصابيح
والمشكاة))(٢)، ذكره صاحب ((كشف الظنون))، وهو أيضًا مذكور في فهرس
تصانيف الحافظ، واعلم أنه أنكر على القاري أن يكون للسيد الشريف حاشية على
((المشكاة)) حيث قال في ((المرقاة)) في شرح حديث: خرج معاوية على حلقة فقال:
ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، قال: آللَّه وما أجلسكم إلا
هذا؟ .. الحديث، قال السيد جمال الدين: قوله: ((آللَّه)) بالجرِّ لقول المحقق
الشريف في حاشيته: همزة الاستفهام وقعت بدلًا عن حرف القسم ويجب الجر
معها، انتهى. وهو يشعر بأن خلاصة الطيبي حاشية من المحقق الشريف
الجرجاني على ((المشكاة)) كما هو المشهور بين الناس، وهو بعيد جدًّا؛ أما أولًا:
(١) أي له شروح على ((الشمائل)) للترمذي و((الأربعين)) للنووي وعلى ((المشكاة))، وقد أظهر فيها براعته
في الفقه.
(٢) وقد وضعنا على هامش هذا الكتاب مختصرًا.

١٨١
خُطْبَةُ الْكِتَابِ
وَنِعْمَ الْوَكِيلِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
فلأنه غير مذكور في أسامي مؤلفاته، وأما ثانيًا: فإنه مع جلالة قدره كيف يختصر
كلام الطيبي اختصارًا مجردًا لا يكون معه تصرف مطلقًا كما لا يخفى، انتهى كلام
القاري.
قلت: فيه نظر، فقد نسبها إليه جماعة، منهم المصطفى بن عبد اللَّه المعروف
بكاتب جلبي، وبحاجي خليفة في كشف الظنون، ومنهم السخاوي في ((الضوء
اللامع)) نقلًا عن سبط السيد الشريف، وحاشية السيد الشريف هذه موجودة في
مكتبة خدا بخش خان بعظيم آباد. بتنه. ((الهند)).
قال القاري في ((المرقاة)) (ج١: ص١٠): قيل: أحاديث ((المصابيح)) أربعة آلاف
وأربعمائة وأربعة وثلاثون حديثًا، وزاد صاحب ((المشكاة)) ألفًا وخمسمائة وأحد
عشر حديثًا، فصار المجموع خمسة آلاف وتسعمائة وخمسة وأربعين، وينضبط
بستة آلاف إلا كسر خمس وخمسين، انتهى. قلتُ: ما نقل القاري من قول البعض
في عدد أحاديث ((المصابيح)) هو مخالف لما ذكره حاجي خليفة جلبي في ((كشف
الظنون)) وابن الملك في ((شرح المصابيح))، فالله أعلم.
هذا ولم أقف على ترجمة صاحب ((المشكاة)) وعلى مولده ووفاته ولا على
مذهبه مع الجهد البالغ في التتبع، وقال الشيخ أبو بكر شاويش ناشر ((مشكاة
المصابيح)) بتحقيق العلامة الشيخ ناصر الدين الألباني في مقدمته: صاحب
المشكاة من علماء القرن الثامن لِلْهِجرة، ولم نجد له فيما بين أيدينا ترجمة وافية
إلا أن من عرضوا له ذكروه بالعلم والصلاح. قال فيه شيخه العلامة حسن بن محمد
الطيبي أحد شراح ((المشكاة)): بقية الأولياء، قطب الصلحاء. وقال عنه الملا علي
القاري صاحب ((مرقاة المفاتيح)): مولانا الحبر العلامة، والبحر الفهامة، مظهر
الحقائق، وموضح الدقائق الشيخ التقي النقي، وإنَّ فيما ألّفه لدليلًا واضحًا على
سعة علمه ووفرة فضله، ولا نعرف تاريخ وفاته على الضبط كما لا نعرف تاريخ
ولادته، غير أننا نستطيع الجزم بأنه توفي بعد سنة (٧٣٧هـ)، وهي السنة التي أكمل
فيها كتابه ((المشكاة)).

١٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمِ
١ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضْلَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّةِ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ
بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِمْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّه وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ
إِلَى اللَّه وَرَسُولِهِ، وَمِّنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا،
فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرْجُ
١ - قوله: (عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) هو: أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن
عبد العزى العدوي القرشي المدني، يجتمعُ مع النبي وَّ في كعب بن لؤي. أحد
فقهاء الصحابة، ثاني الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد
ضجيعي المصطفى، وأول خليفة دُعي ((أَمير المؤمنين))، أسلم سنة ست من النبوة،
وقيل: سنة خمس بعد أربعين رجلًا، وإحدى عشرة امرأة، ويقال: به تمت
الأربعون، ظهر الإسلام بإسلامه، وسمي ((الفاروق)) لذلك، شهد بدرًا والمشاهد
كلها مع النبي وَّ، ولي الخلافة بعد أبي بكر بعهده إليه ونَصِّهِ عليه، وله مشاهد في
الإِسلام وفتوحات مشهورة في العراق والشام، عن ابن عمر مرفوعًا: ((إِنَّ اللَّهَ جَعَلَّ
الحَقَ عَلَى لِسَانٍ عُمَرَ وَقَلِهِ))، ولما دُفِن قال ابن مسعود: ذهب اليوم بتسعة أعشار
العلم، وكان أشدهم في أمر اللّه، له خمسمائة وتسعة وثلاثون حديثًا، اتفقا على
عشرة، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر، قاله الخزرجي، طعنه
نصراني اسمه: أبو لؤلؤة، غلام مغيرة بن شعبة بالمدينة في صلاة الصبح من
الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ٢٣ من الهجرة، وله من العمر ثلاث وستون
سنة، ودفن يوم الأحد في أول المحرم سنة ٢٤هـ، وكانت خلافته عشر سنين
(١) رَوَاهُ الْبُخَارِي في كتابٍ بَدء الوَحْي (١)، ومُسْلِم في كتَابِ الإمارةِ (٥٠٣٦).

١٨٣
كِتَابُ الْإِيمَانِ
ونصفًا، وصلى عليه صهيب، ودفن في الحجرة النبوية، ومناقبه جمة، روى عنه
أبو بكر وباقي العشرة، وخلق كثير من الصحابة والتابعين.
(إِنَّمَا الأَعَمَالُ بِالنِيَاتِ) أشار المصنف بالبداية بهذا الحديث قبل الشروع في ذكر
الكتب والأبواب إلى حسن نيته في تأليفه هذا الكتاب، وأنه قصد به وجه الله فقط،
وأراد به تنبيه الطالب على تحسين النية وترغيبه إلى تصحيح الطوية، وكان
المتقدمون يستحبون تقديم هذا الحديث أمام كل شيء ينشأ ويبتدأ من أمور الدين
لعموم الحاجة إليه، ولهذا صدَّر به المصنف تبعًا للبخاري وغيره، فينبغي لمن أراد
أن يصنف كتابًا أن يبدأ به. قال عبد الرحمن بن مهدي: لو صنفت كتابًا في الأبواب
لجعلت حديث عمر بن الخطاب في الأعمال بالنيات في كلِّ باب، وعنه أنه قال:
من أراد أن يصنّف كتابًا فليبدأ بحديث ((الأعمال بالنيات))، وقد تواتر النقل عن
الأئمة في تعظيم قدر هذا الحديث، وهو أحد الأحاديث التي يدور عليها الدين،
اتفق ابن مهدي والشافعي وابن حنبل وابن المديني وأبو داود والترمذي وغيرهم
على أنه ثلث الإسلام، ومنهم من قال: ربعه، وقد تكلّم العلماء على هذا الحديث
في أوراق وأطالوا فيه الكلام، والظاهر عندي في معناه: أن الأعمال فيه على
عمومها لا يختصُّ منها شيء، فالمراد بها مطلق الأفعال الاختيارية الصادرة عن
المكلفين، وتقدير الكلام: الأعمال واقعة أو متحققة أو حاصلة بالنيات، فيكون
إخبارًا عن الأعمال الاختيارية أنها لا تقع إلا عن قصد من العامل، هو سبب عملها
ووجودها، فهي مقدمة عقلية ذكرها النبي ولو تمهيدًا لما بعدها من المقدمات
الشرعية وتوضيحًا لها، ولا استبعاد فيه، ومنه قوله وَّيّة: ((لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ
الأَمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاح))، ويكون قوله بعد ذلك: ((وَإِنَّما لامْرِئٍ مَا نَوى)) إخبارًا
عن حكم الشرع، وهو أَن حظّ العامل من عمله نيته، فإن كانت صالحة فعمله
صالح فله أجره، وإن كانت فاسدة فعمله فاسد فعليه وزره، فالذي يرجع إليه من
العمل نفعًا وضرًّا هي النية، فإن العمل بحسبها يحسب خيرًا وشرًّا، ويجزى المرء
بحسبها على العمل ثوابًا وعقابًا، وإذا تقرَّر هاتان المقدمتان ترتب عليهما قوله:
(فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّه وَرَسُولِهِ - أي: قصدًا ونية - فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّه وَرَسُولِهِ))
أجرًا وثوابًا ... إلى آخر الحديث، وعلى هذا فالنية في الحديث محمولة على
المعنى اللغوي أي: القصد، لا الشرعي، وهو توجه القلب نحو الفعل؛ ابتغاء

١٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لوجه الله وامتثالاً لحكمه، وذلك ليحسن تطبيقه على ما بعده وتقسيمه بقوله: (فَمَنْ
كَانَتْ هِجْرَتُهُ ... ) إلخ، فإنه تفصيل لما أجمل، فالحديث ورد لبيان الفرق بين النية
الفاسدة والصحيحة الصالحة، فالأولى: مذمومة ضارة، والثانية: محمود نافعة،
ولم يرد لبيان ما فيه النية وما ليست فيه، فلم يتعرض لوجود النية وعدمها، ولم
يختص بعمل دون عمل ولا بحكم دون حكم كما يشعر به تفاريع الشافعية
والحنفية، وقد بسط المعنى الذي ذكرناه العلامة السندهي في تعليقه على البخاري
فارجع إليه. وقيل: التقدير في قوله: (الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) صالحة أو فاسدة أو مقبولة
أو مردودة أو مثاب عليها أو غير مثاب عليها بالنيات، فيكون خبرًا من الحكم
الشرعي، وهو أن صلاحها وفسادها بحسب صلاح النية وفسادها؛ كقوله وقال له :
((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيم)) أي: إن صِلاحها وفسادها وقبولها وعدمها بحسب
الخاتمة، وقوله بعد ذلكَ: ((وَإِنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى)) إخبار أنه لا يحصل له من
عمله إلا ما نواه به، فإن نوی خیرًا حصل له خیر، إن نوی به شرًّا حصل له شر،
وليس هذا تكريرًا محضًا للجملة الأولى، فإنَّ الجملة الأولى: دلَّت على أن صلاح
العمل وفساده بحسب النية المقتضية لإيجاده، والجملة الثانية: دلت على أن ثواب
العامل على عمله بحسب نيته الصالحة، وأن عقابه عليه بحسب نيته الفاسدة، وقد
تكون نيته مباحة فيكون مباحًا، فلا يحصل له ثواب ولا عقاب، فالعمل في نفسه
صلاحه وفساده بحسب النية الحاصلة عليه المقتضية لوجوده، وثواب العامل
وعقابه وسلامته بحسب النية التي صار بها العمل صالحًا أو فاسدًا أو مباحًا.
(وَإِنَّمَا لِِمْرِئٍ مَا نَوَى) وكذا لا مرأةٍ ما نوت؛ لأن النساء شقائق الرجال. (فَمَنْ
كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَّى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... ) إلخ، هو تفصيل ما
أجمله أولًا كما تقدمت الإشارة إليه، وقد ذكرنا هناك في تقدير الكلام ما يدلّ على
التغاير بين الشرط والجزاء، وقيل: اتحد الشرط والجزاء لقصد المبالغة في
التعظيم، ولإرادة التحقير في ما سيأتي، فيكون التغاير معنى بدليل قرائن السياق،
بأن يراد المعهود المستقر في النفس كقولهم: أنت أنت، أي: الصديق الخالص،
وقولهم: هم هم، أي: الذين لا يقدر قدرهم، وغير ذلك من الأمثلة، فالمهاجر
إلى دار الإسلام حبًّا لله ورسوله ورغبة في تعلم دين الإسلام وإظهار دينه هو
المهاجر إلى الله ورسوله، و کفاه شرفًا وفخرًا أنه حصل له ما نواه من هجرته إلى

١٨٥
كِتَابُ الْإِيمَانِ
الله ورسوله، ولهذا المعنى اقتصر في جواب هذا الشرط على إعادته بلفظه؛ لأن
حصول ما نواه بهجرته نهاية المطلوب في الدنيا والآخرة. (وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى
دُنْيَا) فُعْلَى من الدنو، لا تنون؛ لأن ألفها مقصورة للتأنيث، أو هي تأنيث أدنى،
وهي كافية في منع الصرف، وتنوينها في لغية شاذ، ولإجرائها مجرى الأسماء
وخلعها عن الوصفية نكرت كرُجْعَى، ولو بقيت على وصفيتها لعرفت كالحسنى.
(يُصِيبُهَا) أي: يحصلها. (أَوِ امْرَأَةٍ) قيل: خُصت بالذكر تنبيهًا على سبب الحديث،
وإن كانت العبرة بعموم اللفظ، وهو قصة مهاجر أم قيس المروية في ((المعجم
الكبير)) للطبراني بإسناد رجاله ثقات، قال الحافظ بعد ذكره: لكن ليس فيه أن
حديث الأعمال سيق بسبب ذلك، ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح
بذلك، انتهى. وقال ابن رجب في ((شرح الأربعين)): قد اشتهر أنَّ قصة مهاجر أم
قيس هي كانت سبب قول النبي وَله: ((وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا .. )) إلخ، وذكر
ذلك كثير من المتأخرين في كتبهم، ولم نر لذلك أصلًا يصح، انتهى.
قال الحافظُ: لم نقف على تسمية مهاجر أم قيس، ونقل ابن دحية أن اسمها:
قيلة. وقال العلامة القنوجي في ((عون الباري)): لم يسم هذا الرجل أحد ممن صنف
في الصحابة فيما رأيته، والظاهر: أن التنصيص على المرأة من باب التنصيص على
الخاص بعد العام للاهتمام، والنكرة إذا كانت في سياق الشرط تعم، ونكتة
الاهتمام الزيادة في التحذير؛ لأن الافتتان بها أشد، وإنما وقع الذم هاهنا على
مباح، ولا ذم فيه ولا مدح؛ لكون فاعله أبطن خلاف ما أظهر؛ إذ خروجه في
الظاهر ليس لطلب الدنيا، وإنما خرج في صورة طلب فضيلة الهجرة. (فَهِجْرَتُهُ إِلَى
مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) أي: منصرفة إلى الغرض الذي هاجر إليه، وفيه تحقير لما طلبه من
أمر الدنيا واستهانة به، حيثُ لم يذكر بلفظه، وأيضًا: أن الهجرة إلى الله ورسوله
واحدة فلا تعدد فيها، فلذلك أعاد الجواب فيها بلفظ الشرط، والهجرة لأمور
الدنيا لا تنحصر، فقد يهاجر الإنسان لطلب الدنيا مباحة تارة ومحرمة تارة، وإفراد
ما يقصد الهجرة من أمور الدنيا لا تنحصر، فلذلك قال: (فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)
يعني: كائنًا ما كان.
واعلم: أن النية في اللغة نوع من القصد والإرادة، وفي كلام العلماء تقع
بمعنيين: أحدهما: تمييز العبادات بعضها عن بعض كتمييز صلاة الظهر من صلاة

١٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ixE
العصر مثلًا، وتمييز رمضان من صيام غيره، أو تمييز العبادات من العادات كتمييز
الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظف ونحو ذلك، وهذه النية هي التي توجد
كثيرًا في كلام الفقهاء في كتبهم. والمعنى الثاني: بمعنى تمييز المقصود بالعمل،
وهل هو للَّه وحده لا شريك له أم للَّه وغيره؟ وهذه هي النية التي يتكلّم فيها العارفون
في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه، وهي التي توجد كثيرًا في كلام
السلف المتقدمين، وهي التي يتكرَّر ذكرها في كلام النبي وَّ تارة بلفظ النية، وتارة
بلفظ الإرادة، وتارة بلفظ مقارب لذلك، قيل: وحديث الباب دلَّ على هذه النية
بالقصد، وإن كان يدخل في عموم قوله وَّ: (وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى) المعنى الأول
أيضًا. وفي بعض المسائل المتفرعة على المعنى الأول اختلاف مشهور بين العلماء،
كما أنهم اختلفوا في اشتراط النية للطهارة بعد اتفاقهم على اشتراطها في العبادات
المقصودة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وهذا
الخلاف يرجع إلى أن الطهارة للصلاة هل هي عبادة مستقلة أم هي شرط من شروط
الصلاة كإزالة النجاسة وستر العورة؟ فمن لم يشترط لها النية جعلها كسائر شروط
الصلاة، ومن اشترط لها النية جعلها عبادة مستقلة، فإذا كانت عبادة في نفسها لم
تصح بدون النية، وهذا قول جمهور العلماء مالك والشافعي وأحمد وأبي ثور
وداود، قال ابن رجب: ويدلَّ على صحَّة ذلك تكاثر النصوص الصحيحة عن النبي
وَلّ أن الوضوء يكفر الذنوب والخطايا، وأن مَن توضَّأ كما أُمِر كان كفارة لذنوبه،
وهذا يدلُّ على أن الوضوء المأمور به في القرآن عبادة مستقلة بنفسها، حيث رتَّب
عليه تكفير الذنوب، والوضوء الخالي من النية لا يكفر شيئًا من الذنوب بالاتفاق،
فلا يكون مأمورًا به ولا تصح به الصلاة، ولهذا لم يرد في شيء من بقية شرائط
الصلاة كإزالة النجاسة وستر العورة ما ورد في الوضوء من الثواب.
(مُتَّفَق عَلَيْهِ) أي: اتفق البخاري ومسلم على روايته، ويقال عند المحدثين
للحديث الذي اتفق الشيخان على روايته من صحابي واحد: متفق عليه، أي: بين
الشيخين، وهذا الحديث قد اتفق العلماء على صحَّته وتلقيه بالقبول، قال الحافظُ:
ولم يبق من أصحاب الكتب المعتمد عليها من لم يخرجه سوى مالك، فإنه لم
يخرجه في ((موطئه))، ووهم مَن زعم أنه في ((الموطأ)) مغترًّا بتخريج الشيخين له،
والنسائي من طريق مالك، وردّه السيوطيُّ في ((تنوير الحوالك)) بقوله: في ((موطأ))

١٨٧
كِتَابُ الْإِيمَانِ
محمد بن الحسن عن مالك أحاديث يسيرة زائدة على سائر الموطآت، منها
حديث: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ))، وبذلك يتبين صحة قول مَن عزى روايته إلى
((الموطأ»، ووهم من خطأه في ذلك، انتهى.

١٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٥
١ - كِتَابُ الإِيمَانِ
(كِتَابُ الْإِيْمَانِ) الكتاب: مصدر بمعنى المكتوب، مأخوذ من ((الْكُتُبُ)) بمعنى
الجمع والضم، أي: هذا مجموع الأحاديث الواردة في الإيمان، والكتاب عند
المصنفين: عبارة عن طائفة من المسائل اعتبرت مستقلة شملت أنواعًا أي: أبوابًا،
أو لم تشمل، وإنما عنون به مع ذكره الإسلام أيضًا؛ لأنهما بمعنى واحد في
الشرع، وعلى اعتبار المعنى اللغوي من الفرق يكون فيه إشارة إلى أنه الأصل،
وقدمه لأنه أفضل الأمور على الإطلاق وأشرفها، ولأنه أول واجب على المكلَّف؛
ولأنه شرط لصحة العبادات المتقدمة على المعاملات، والكلام في الإيمان على
أنواع: الأول: في معناه اللغوي، وقد أوضحه الزمخشري وابن تيمية وغيرهما.
والثاني: في معناه الشرعي، واختلفوا فيه على أقوال: فقال الحنفية: الإيمان
هو مجرد تصديق النبي وَلّ فيما علم مجيئه به بالضرورة تفصيلًا في الأمور
التفصيلية، وإجمالًا في الأمور الإجمالية؛ تصديقًا جازمًا ولو بغير دليل. فالإيمان
بسيط عندهم غير مركب، لا يقبل الزيادة والنقصان من حيث الكمية، فجعلوه
كالكلي المتواطئ، لا تفاوت في صدقه على أفراده، واستدلوا على ذلك بوجوه
ذكرها العيني في ((شرح البخاري)) وغيره في غيره، لا يخلو واحد منها من الكلام،
ثم المتكلمون منهم جعلوا الإقرار شرطًا لإجراء الأحكام، فمن صدَّق فهو مؤمن
بينه وبين اللَّه وإن لم يقر بلسانه، وقال الفقهاء منهم: الإقرار بالشهادتين ركن،
لكنه ليس بأصلي له كالتصديق، بل هو ركن زائد، ولهذا يسقط حالة الإكراه
والعجز.
قال القاري: والحقُّ أنه ركن عند المطالبة به وشرط لإجراء الأحكام عند عدم
المطالبة، انتهى. وفي ((المسايرة)): وجعل الإقرار بالشهادتين ركنًا من الإيمان هو
الاحتياط بالنسبة إلى جعله شرطًا خارجًا عن حقيقة الإيمان، انتهى. وإنما جعل
هؤلاء الإقرار بالشهادتين وبالتزام الطاعة ركنًا أو شرطًا لإخراج تصديق أبي طالب

١٨٩
كِتَابُ الْإِيمَان
ج
وهرقل والذين قال الله فيهم: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَاَ أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّا﴾ [النمل: ١٤]
من مسمى الإيمان الشرعي.
وقال المرجئةُ: هو اعتقاد فقط، والإقرار باللسان ليس بركن فيه ولا شرط،
فجعلوا العمل خارجًا من حقيقة الإيمان كالحنفية وأنكروا جزئيته، إلا أن الحنفية
اهتموا به وحرَّضوا عليه، وجعلوه سببًا ساريًا في نماء الإيمان، وأما المرجئة
فهدروه، وقالوا: لا حاجة إلى العمل، ومدار النجاة هو التصديق فقط، فلا يضر
المعصية عندهم مع التصديق، وقال الكرامية: هو نطق فقط، فالإقرار باللسان
يكفي للنجاة عندهم، سواء وجد التصديق أم لا .
وقال السلف من الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من أصحاب
الحديث: هو اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، فالإيمان عندهم
مركب ذو أجزاء، والأعمال داخلة في حقيقة الإيمان، ومن هاهنا نشأ لهم القول
بالزيادة والنقصان بحسب الكمية، فهو كالكلي المشكك عندهم، واحتجوا لذلك
بالآيات والأحاديث، وقد بسطها البخاري في ((جامعه))، والحافظ ابن تيمية في
كتاب الإيمان. قيل: وهو مذهب المعتزلة والخوارج، إلا أن السلف لم يجعلوا
أجزاء الإيمان متساوية الأقدام، فالأعمال عندهم كواجبات الصلاة لا كأركانها،
فلا ينعدم الإيمان بانتفاء الأعمال، بل يبقى مع انتفائها، ويكون تارك الأعمال وكذا
صاحب الكبيرة مؤمنًا فاسقًّا لا كافرًا، بخلاف جزئيه التصديق والإقرار، فإن فاقد
التصديق وحده منافق، والمخل بالإقرار وحده كافر، وأما المخل بالعمل وحده
ففاسق ينجو من الخلود في النار ويدخل الجنة.
وقال الخوارج والمعتزلة: تارك الأعمال خارج من الإيمان؛ لكون أجزاء
الإِيمان المركب متساوية الأقدام في أن انتفاء بعضها - أي بعض كان - يستلزم
انتفاء الكل، فالأعمال عندهم ركن من أركان الإيمان كأركان الصلاة، ثم اختلف
هؤلاء، فقالت الخوارج: صاحب الكبيرة وكذا تارك الأعمال كافر مخلد في النار،
والمعتزلة أثبتوا الواسطة، فقالوا: لا يقالُ له: مؤمن ولا كافر، بل يقال له: فاسق
مخلد في النار.
وقد ظهر من هذا أن الاختلاف بين الحنفية وأصحاب الحديث اختلاف معنوي

١٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حقيقي لا لفظي كما توهّم بعض الحنفية، والحقُّ ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة
والمحدِّثُون لظاهر النصوص القرآنية والحديثية، ومحل الجواب عن دلائل
الحنفية هو المطولات.
والثالث: في أن الإيمان هل يزيد وينقص؟ قيل: هو من فروع اختلافهم في
حقيقة الإيمان.
والرابع: في أن الإسلام مغاير للإيمان شرعًا، أو هما متحدان؟ فقال بعضهم
بالترادف والتساوي، وإنهما عبارة عن معنى واحد، وإليه ذهب البخاريُّ، وقيل :
بالتغاير والاختلاف والتباين، وقيل: إن بينهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا، وقال
بعضهم: إن بينهما عمومًا وخصوصًا من وجهٍ، وقيل: إنهما مختلفان باعتبار
المفهوم، متحدان في الماصدق، والتفصيل في ((إحياء العلوم)) للغزالي، و((شرحه))
للزبيدي الحنفي .
والخامس: في قران المشيئة بالإيمان، ومحل بسط الدلائل والجواب عن أدلة
الأقوال الزائغة هو المطولات مثل ((شرح مسلم)) للنووي، و((الفتح)) للحافظ،
و((كتاب الإيمان)) لابن تيمية، و((العمدة)) للعيني، و((حجة الله)) للشيخ ولي الله
الدهلوي .

كِتَابُ الْإِيمَانِ
١٩١
الفصل الأول
٢ - [١] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَوْلَهُ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴾
ذَاتَ يَوْمٍ؛ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ، شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا
يُرَى عَلَيَّهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَّسَ إِلَى النَّبِيِّ وَهِ، فَأَسْنَدَ
رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ
الْإِسْلام؟ قَالَ: ((الْإِسْلَامُ: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ
اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ
اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)). قَالَ: صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدَّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي
عَنِ الْإِيمَانِ. قَالَّ: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَّائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ،
وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّه)). قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ.
قَالَ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاَكَ)). قَالَ: فَأَخْبِرْنِي
عَنِ السَّاعَةِ. قَالَ: (مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ)). قَالَ: فَأَخْبِرْنِ عَنْ
أَمَارَاتِهَا. قَالَ: ((أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ
يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ)). قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: ((يَا عُمَرُ
أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟)) قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ
يُعَلَّمُكُمْ دِینَكُمْ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرْحُ
٢ - قوله: (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ) قال القرطبي: هذا الحديث يصلح أن يقال
له: (أم السنة)؛ لما تضمنه من جمل علم السنة، قال الطيبي: ولهذه النكتة استفتح
به البغوي كتابه ((الْمَصَابِيحَ)) و((شرح السنة)) اقتداءً بالقرآن في افتتاحه بالفاتحة؛
لأنها تضمنت علوم القرآن إجمالاً، انتهى. وبالجملة: إنه حديث جليل فيه وحده
كفاية لمن تأمل فيه، سمي ((حَدِيثُ جِبْرِيل)) و((أُم الأَحَادِيث))؛ لأن العلوم الشرعية،
(٢) رَوَاهُ مُسْلِم في الإِيمانِ (٨).

١٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
التي يتكلم عليها فرق المسلمين من الفقه والكلام، والمعارف والأسرار كلها
منحصرة فيه، راجعة إليه، ومتشعبة منه، كما أن فاتحة الكتاب تسمى أم القرآن،
وأم الكتاب؛ لاشتمالها على المعاني القرآنية، والمقاصد الفرقانية إجمالًا .
(بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ وَ إِ ذَاتَ يَوْم؛ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ) أي: بين أوقات
نحن حاضرون عنده، فاجأنا وقت طلوع ذلك الرجل، فأصله ((بَيْنَ)) عوض بما عن
كلمة أوقات المحذوفة، التي تقتضيها ((بين)) عند الإضافة إلى الجملة، وهو ظرف
زمان مثل: إِذْ بمعنى المفاجأة، يضافان إلى الجملة الاسمية تارة، وإلى الفعلية
أخرى، ويكون العامل معنى المفاجأة في إِذْ ويكون بينما ظرفًا لفاجأنا المقدر،
و(إِذْ) مفعول به لهذا المقدر بمعنى الوقت، و(نَحْنُ) مبتدأ و(عِنْدَ) ظرف مكان
و(ذات يوم) ظرف لقوله: عند، باعتبار أن فيه معنى الاستقرار، أي: بين أوقات
نحن حاضرون عنده، فنحن مخبر عنه بجملة ظرفية، والمجموع صفة المضاف إليه
المحذوف وزيادة ذات، لدفع توهم التجوز بأن يراد باليوم مطلق الزمان لا النهار،
وقيل: (ذات) مقحم، وقيل: بمعنى الساعة، وكان مجيء هذا الرجل في آخر عمر
النبيِ وَل﴾ كما يدلَّ عليه رواية ابن منده في كتاب ((الإيمان)) بإسناده الذي هو على
شرط مسلم، فجاء بعد إنزال جميع الأحكام لتقرير أمور الدين التي بلغها متفرقة في
مجلس واحد؛ لتضبط وتحفظ.
وسبب ورود الحديث ما في ((مسلم)): أن رسول اللَّه وَ لَه قال: ((سَلُونِي)) فهابوه
أن يسألوه، فجاء رجلٌ فجلس عند ركبتيه، وقوله: (طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ) أي: ظهر علينا
رجل في غاية الأبهة ونهاية الجلالة، كما تطلع علينا الشمس، وفيه دليل على تمثل
الملائكة بأي صورة شاءوا من صور بني آدم، كقوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا
سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]، وقد كان جبريل يتمثل بصورة دحية وغيره كما في هذا الحديث.
(شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ) بإضافة شديد إلى ما بعده إضافة لفظية
مفيدة للتخفيف فقط، صفة رجل، واللام في الموضعين عوض عن المضاف إليه
العائد إلى الرجل، أي: شديد بياض ثيابه شديد سواد شعره، والمراد به: شعر
اللحية، كما في رواية ابن حبان: ((شَدِيدُ سَوَادِ اللُّحْيَةِ)). (لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ)
رُوي بصيغة المجهول الغائب ورفع الأثر، وهو رواية الأكثر والأشهر، وروي

١٩٣
كِتَابُ الْإِيمَانِ
=>
بصيغة المتكلم المعلوم ونصب الأثر، والجملة حال من رجل أو صفة له، والمراد
بالأثر: ظهور التعب والتغير والغبار. (وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ) استندَ في ذلك عمر إلى
صريح قول الحاضرين، ففي رواية لأحمد: ((فَنَظَرَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ،
فَقَالُوا: مَا نَعْرِفُ هَذَا)). والمعنى: تعجبنا من إتيانه وترددنا في أنه من الملك
والجن؛ إذ لو كان بشرًا من المدينة لعرفناه، أو كان غريبًا لكان عليه أثر السفر.
(حَتَّى جَلَسَ) غاية لمحذوف دلَّ عليه طلع؛ لأنه بمعنى أتى، أي: أقبل واستأذن
حتى جلس متوجهًا ومائلاً إلى النبي ◌َّه (فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ) أي: إلى ركبتي
رسول اللَّه ◌َّيه؛ لأن الجلوس على الركبة أقرب إلى التواضع والأدب، وإيصال
الركبة بالركبة أبلغ في الإصغاء وأكمل في الاستئناس، (عَلَى فَخِذَيْهِ) أي: على
فخذي النبي ◌َل*، كما تفيده رواية ابن خزيمة في ((صحيحه)) وغيره، وحديث ابن
عباس وأبي عامر الأشعري عند أحمد بإسناد حسن، ورواه النسائي من حديث أبي
هريرة وأبي ذرٍّ بلفظ: ((حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُكْبَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ وَل﴾))، وسنده صحيح،
والظاهر: أنه أراد بذلك جبريل المبالغة في تعمية أمره؛ ليقوى الظن بأنه من جفاة
الأعراب، ولهذا تخطى الناس حتى انتهى إلى النبي وقّه، ولهذا استغرب الصحابة
صنيعه. (وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ) أي: بعد ما قال: ((السَّلَامُ عَلَيْكَ)) كما في حديث أبي
هريرة وأبي ذرٍّ عند أبي داود والنسائي، ووقع في حديث ابن عمر عند الطبراني،
وفي حديث عمر عند أبي عوانة في (صحيحه))، وفي حديث أبي هريرة عند
البخاري في تفسير سورة لقمان، أنه قال له: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ))، ويجمعُ بأنه بدأ أولًا
ببداءة اسمه؛ قصدًا للتعمية، فصنع صنيع الأعراب، ثم خاطبه بعد ذلك بقوله: ((يَا
رَسُولَ اللَّهِ)). (أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَام) فيه أنه قدَّم السؤال عن الإسلام وثنَّى بالإيمان
وثَلَّث بالإحسان، وفي رواية أبي عوانة بدأ بالإِسلام وثنَّى بالإحسان وثلَّث
بالإِيمان، وفي حديث أبي هريرة عند البخاري قدَّم السؤال بالإيمان وثنَّى بالإسلام
وثَلَّث بالإحسان، قال الحافظُ: لا شك أن القصة واحدة، واختلفت الرواة في
تأديتها، وليس في السياق ترتيب، ويدلَّ عليه رواية مطر الوراق عند أبي عوانة،
فالحقُّ أن الواقع أمر واحد، والتقديم والتأخير وقع من الرواة، عبروا عنه بأساليب
مختلفة .

١٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
واعلم: أن البغوي ذكر في ((المصابيح)) السؤال عن الإيمان وجوابه مقدمًا على
الإسلام، هو خلاف ما وقع في حديث عمر عند مسلمٍ وغيره، ففي إيراد الحديث
بهذا اللفظ اعتراض فعلي من صاحب (المشكاة) على البغوي في ((المصابيح)).
(وَتُقِيمَ) أي: وأن تقيم، وكذا بالنصب في تؤتي وتصوم وتحج. (الصَّلاةَ) أي:
المكتوبة كما في حديث أبي هريرة عند مسلم. (الزَّكَاةَ) أي: المفروضة. (الْبَيْتَ)
أي: الحرام، قال فيه للعهد، أو اسم جنس غلب على الكعبة علمًا، واللام فيه جزء
كما في النجم. (إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) المراد بهذه الاستطاعة: الزاد والراحلة،
وكان طائفة لا يعدونهما منها، ويثقلون على الحاج فنهو عن ذلك، وإيراد الأفعال
المضارعة لإفادة الاستمرار التجددي لكل من الأركان الإسلامية، وحكم الإسلام
يظهر بالشهادتين، وإنما أضاف إليهما الأعمال المذكورة؛ لأنها أظهر شعائره
وأعظمها. (قَالَ) أي: الرجل (صدَّقَتْ) بفتح الفوقيَّة؛ دفعًا لتوهم أن السائل ما عدَّه
من الصواب. (قَالَ) أي: عمر. (فَعَجِبْنَا لَهُ) أي: للسائل. (يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ) سبب
تعجبهم أن هذا خلاف عادة السائل الجاهل، إنما هذا كلام خبير بالمسئول عنه،
ولم يكن في ذلك الوقت من يعلم هذا غير النبي وَّ، وليس هذا السائل ممن عُرف
بلقاء النبي ◌ُ ﴾ ولا بالسماع منه.
(فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللّهِ) دل الجواب على أنه يَّ علم أنه سأله
عن متعلقات الإيمان لا عن معنى لفظه، وإلا لكان الجواب: الإيمان التصديق،
وقال الطيبي: هذا يُوهم التكرار وليس كذلك، فإن قوله: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ مضمن
معنى تعترف به، ولهذا عداه بالباء، أي: أن تصدق معترفًا بكذا، والإيمان بالله هو
التصديق بوجوده، وأنه متصف بصفات الكمال منَزَّه عن صفات النقص.
(وَمَلَائِكَتِهِ) أي: تصدق بوجودهم، وأنهم كما وصفهم الله عباد مكرمون، وقدم
الملائكة على الكتب والرسل نظرًا للترتيب الواقع؛ لأنه لم أرسل الملك بالكتاب
إلى الرسول، وليسٍ فيه تمسك لمن فضل الملك على الرسول. (وَكُتُبِهِ) أي:
تصدق بأنها كلام اللَّه، وأن ما تضمنته حق. (وَرُسُلِهِ) أي: تصدق بأنهم صادقون
فيما أخبروا به عن الله، ودل الإجمال في الملائكة والكتب والرسل على الاكتفاء
بذلك في الإيمان پھم من غير تفصيل إلا من ثبتت تسميته، فيجب الإيمان به على
التعيين. (وَالْيَوْمِ الآخِرِ) أي: يوم القيامة؛ لأنه آخر أيام الدنيا، والمراد بالإيمان به

١٩٥
كِتَابُ الْإِيمَانِ
التصديق بما يقع فيه من الحساب والميزان والجنة والنار. (وَتُؤْمِنَ) أي: وأن تؤمن
(بِالْقَدَرِ) بفتح الدال ويسكن ما قدره الله وقضاه، والمراد: أن اللَّه عَلِم مقاديرَ
الأشياءِ وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدث
صادر عن علمه وقدرته وإرادته، وهذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية،
وسيجيء الكلام عليه في كتاب القدر، وأعاد العامل ومتعلقه، تنبيهًا على الاهتمام
بالتصديق به، لشرف قدره وتعاظم أمره. (خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) بالجرِّ بدل من القدر.
(فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ) أي: الإحسان في العبادة، وهو إتقانها والإخلاص فيها
والخشوع وفراغ البال حال التلبس بها، ومراقبة المعبود، قال الحافظُ: وأشار في
الجواب إلى حالتين أرفعهما أن يغلب عليه مشاهدة الحق حتى كأنه يراه بعينه هو
قوله: كَأَنَّكَ تَرَاهُ أي: وهو يراك، والثانية: أن يستحضر أن الحق مطلع عليه، يرى
كل ما يعمل، وهو قوله: يَرَاكَ، وهاتان الحالتان يثمرهما معرفة الله وخشيته، وقال
النووي: معناه أنك إنما تراعي الآداب المذكورة إذا كنت تراه ويراك، لكونه يراك
لا لكونك تراه، فهو دائمًا يراك فأحسن عبادته وإن لم تره، فتقدير الحديث: فإن لم
تكن تراه فاستمر على إحسان العبادة فإنه يراك. (كَأَنَّكَ تَرَاهُ) صفة مصدر
محذوف، أي: عبادة شبيهة بعبادتك حين تراه، أو حال من الفاعل، أي: حال
كونك مشبهًا بمن يراه، قاله الكرماني، وقال العيني: التقدير: الإحسان عبادتك
الله تعالى حال كونك في عبادتك مثل حال كونك رائيًا، وهذا التقدير أحسن
وأقرب للمعنى من تقدير الكرماني؛ لأن المفهوم من تقديره أن يكون هو في حال
العبادة مشبهًا بالرائي إياه، وفرق بين عبادة الرائي بنفسه وعبادة المشبه بالرائي
بنفسه، انتهى. وقال السندهي: وليس المقصود على تقدير الحالية أن ينتظر بالعبادة
تلك الحال فلا يعبد قبل تلك الحال، بل المقصود تحصيل تلك الحال في العبادة،
والحاصل: أن الإحسان هو مراعاة الخشوع والخضوع وما في معناهما في العبادة
على وجه مراعاته لو كان رائيًا، ولا شك أنه لو كان رائيًا حال العبادة لما ترك شيئًا
مما قدر عليه من الخشوع وغيره، ولا منشأ لتلك المراعاة حال كونه رائيًا إلا كونه
رقيبًا مطلعًا على حاله، وهذا موجود وإن لم يكن العبد يراه تعالى. ولذلك قال وعَظله
في تعليله: (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَالَكَ)، أي: هو يكفي في مراعاة الخشوع على
ذلك الوجه، فإنّ على هذا وصلية لا شرطية، والكلام بمنزلة فإنك وإن لم تكن تراه

**
١٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فإنه يراك، انتهى. (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ) أي: تعامله معاملة من تراه. (فَإِنَّهُ يَرَاكَ) أي:
فعامل معاملة من يراك أو فأحسن في عملك، فإنه يراك. فالفاء دليل الجواب
وتعليل الجزء الأول؛ لأن ما بعدها لا يصلح للجواب؛ لأن رؤية الله للعبد حاصلة
سواء رآه العبد أم لا ، بل الجواب محذوف استغناء عنه بالمذكور؛ لأنه لازمه، كذا
في المرقاة.
(عَنِ السَّاعَةِ) أي: عن وقت قيامها. (مَا الْمَسْئُولُ) ما نافية. (عَنْهَا) أي: عن
وقتها. (بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ) الباء مزيدة لتأكيد النفي، والمقام يقتضي أن يقال: لست
بأعلم بها منك، لكنه عدل إشعارًا بالتعميم؛ تعريضًا للسامعين أن كل سائل
ومسئول فهو كذلك، قال الحافظُ: هذا وإن كان مشعرًا بالتساوي في العلم، لكن
المراد التساوي في العلم بأن اللَّه تعالى استأثر بعلمها؛ لقوله بعد خمس: لا يعلمها
إلا اللَّه، انتهى. فهو كناية عن تساويهما في عدم العلم، وإنما سأل جبريل ليعلمهم
أن الساعة لا يسأل عنها. (عَنْ أَمَارَاتِهَا) بفتح الهمزة جمع أمارة، أي: علامة،
والمراد منها ما يكون من نوع المعتاد ويكون سابقًا على غير المعتاد مثل طلوع
الشمس من مغربها. (أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا) أي: تحكم البنت على الأم من كثرة
العقوق حكم السيدة على أمتها، ولما كان العقوق في النساء أكثر خصصت البنت
والأمة بالذكر، ووقع في الرواية الأخرى ربها على التذكير، والمراد بالرب
والربة: السيد والسيدة، أو المالك والمالكة، واختلفوا في معنى ذلك على
وجوه، والأوجه عندنا ما قدمنا من أنه يكثر العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمه
معاملة السيد أمته من الإهانة بالسب والضرب والاستخدام، فأطلق عليها ربها
مجازًا لذلك، قال الحافظُ: أو المراد بالرب المربي، فيكون حقيقة، وهذا أوجه
الأوجه عندي لعمومه؛ ولأن المقام يدل على أن المراد حالة تكون مع كونها تدل
على فساد الحال مستغربة، ومحصلة الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند
انعكاس الأمور بحيث يصير المربى مربيًّا، والسافل عاليًا، وهو مناسب لقوله في
العلامة الأخرى: ((أَنْ تَصِيرَ الْحُفَاةُ الْعُرَاةُ مُلُوَ الأَرْضِ)) انتهى. (الْحُفَاةَ) بضم
الحاء جمع الحافي، وهو من لا نعل له. (الْعُرَاةَ) جمع العاري، وهو المجرد عن
الثياب. (الْعَالَةَ) جمع عائل، وهو الفقير، مِنْ عَالٍ يَعِيلُ إذا افتقر، أو من عَالٍ
يَعُولُ، إذا افتقر وكثر عياله. (رِعَاءَ الشَّاءِ) بكسر الراء والمد، جمع راعٍ والشاء

١٩٧
كِتَابُ الإيمَان
جمع شاة. (يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ) أي: يتفاضلون في ارتفاعه وكثرته ويتفاخرون في
حسنه وزينته، وهو مفعول ثانٍ إن جعلت الرؤية فعل البصيرة، أو حال إن جعلتها
فعل الباصرة، والمراد: أن أسافل الناس يصيرون رؤساءهم، وتكثر أموالهم حتى
يتباهون بطول البنيان وزخرفته وإتقانه.
(قَالَ) أي: عمر: (ثُمَّ انْطَلَقَ) أي: السائل. (فَلَبِثْتُ مَلِيًّا) بفتح الميم وتشديد
الياء، من الملاوة، أي: زمانًا أو مكثًا طويلًا، وبيَّنَتْه رواية أبي داود والنسائي
والترمذي: قَالَ عمر: فَبِثْتُ ثَلَاثًا، وهو مخالف لحديث أبي هريرة من أنه وَّه
ذكره في ذلك المجلس، وجمع النووي بين الحديثين بأن عمر لم يحضر قول النبي
وَله في المجلس، بل كان ممن قام، إما مع الذين توجهوا في طلب الرجل أو
لشغل آخر، ولم يرجع مع من رجع لعارض عرض له فأخبر النبي ◌َّةِ الحاضرين
في الحال ولم يتفق الإخبار لعمر إلا بعد ثلاثة أيام، ويدل عليه قوله: ((فَقَالَ لِي: يَا
عُمَرُ))، فوجه الخطاب له وحده بخلاف إخباره الأول. (فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ) أي: إذا
فوضتم العلم إلى الله ورسوله، فإنه جبريل على تأويل الإخبار، أي: تفويضكم
ذلك سبب للإخبار به، وقرينة المحذوف قوله: (اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) فالفاء فصيحة؛
لأنها تفصح عن شرط محذوف. (أَتَاكُمْ) استئناف بيان أو خبر لجبريل على أنه
ضمير الشأن. (يُعَلَّمُكُمْ دِينَكُمْ) جملة حالية من الضمير المرفوع في أتاكم، أي:
عازمًا تعليمكم، فهو حال مقدرة؛ لأنه لم يكن وقت الإتيان معلمًا، أو مفعول له
بتقدير اللام كما في رواية، أسند التعليم إليه مجازًا؛ لأنه السبب فيه، أو لأن غرضه
من السؤال كان التعليم، فأطلق عليه المعلم لذلك، وفيه دلالة على أن السؤال
الحسن يسمى علمًا وتعليمًا؛ لأن جبريل لم يصدر منه سوى السؤال ومع ذلك فقد
سماه معلمًا، وقد اشتهر قولهم: السؤال نصف العلم.
فإن قيل: قد فرق النبي ◌َّ في هذا الحديث بين الإسلام والإيمان، وجعل
الأعمال كلها من الإسلام لا من الإيمان، والمشهور عن السلف وأهل الحديث أن
الإيمان قول وعمل ونية، وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان، وحكى
الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم، تدل على
دخول الأعمال في الإيمان النصوص الصريحة من آيات القرآن والأحاديث

١٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الصحيحة، وأيضًا ظاهر سؤال جبريل عن الإسلام والإيمان وجوابه يقتضي
تغايرهما، وأن الإيمان تصديق بأمور مخصوصة، والإسلام إظهار أعمال
مخصوصة، وتقدم عن البخاري أنه يرى أنهما عبارة عن معنى واحد. قلتُ: عقد
البخاري على حديث جبريل هذا بابًا في ((صحيحه)) ليرد ذلك بالتأويل إلى مسلكه
وطريقته فارجع إليه، وقال البغوي في الكلام على حديث جبريل هذا: جعل النبي
وَّ الإِسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد،
وليس ذلك؛ لأن الأعمال ليست من الإيمان، والتصديق بالقلب ليس من الإسلام،
بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين، ولذلك قال وَاليه :
(أَتَاكُمْ يُعَلَّمُكُمْ دِينَكُمْ))، والتصديق والعمل يتناولهما اسم الإِيمان والإسلام
ج
جميعًا، يدل عليه قوله سبحانه تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٨]،
﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، ﴿وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَ الْإِسْلَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾
[ آل عمران: ٨٥]، فأخبر ◌َّلَ أن الدين الذي رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام، ولا
يكون الدين في محل القبول والرضاء إلا بانضمام التصديق إلى العمل، انتهى.
وقيل: فسر في الحديث الإيمان بالتصديق والإسلام بالعمل، وإنما فسر إيمان
القلب والإسلام في الظاهر لا الإِيمان الشرعي والإسلام الشرعي، ولا شك في
تغايرهما لغة، وأجاب ابن رجب في ((شرح الأربعين)) (١٩) بوجه آخر، ومحصل
جوابه: أن الإيمان والإسلام يفترقان إذا اجتمعا، وحيث أفرد كل منهما بالذكر فلا
فرق بينهما، وارجع للتفصيل إلى ((شرح الأربعين)) وكتاب ((الإيمان)) لابن تيمية.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) هذا الحديث تفرَّد به مسلمٌ عن البخاري بإخراجه، قال الحافظُ:
وإنما لم يخرجه البخاري لاختلاف فيه على بعض رُواته، انتهى. وحديث عمر هذا
أخرجه أيضًا أحمد وأبو داود في السنة، والترمذي والنسائي في الإيمان، وابن
ماجه في السنة، وابن خزيمة وأبو عوانة وابن حبان وغيرهم، وفي الباب عن غير
واحد من الصحابة، ذكرهم الحافظ في ((الفتح)) والعيني في ((العمدة)).

١٩٩
كِتَابُ الْإِيمَانِ
٣ - [٢] وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ مَعَ اخْتِلَافٍ، وَفِيهِ: ((وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ
الصُّمَّ الْبُكْمَ مُلُوَكَ الْأَرْضِ فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ)). ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّكُ الْغَيْثَ﴾ الآية [لقمان: الآية ٣٤].
الشّرْحُ
٣- (رواه أبو هريرة): الدوسي اليماني الصحابي الجليل حافظ الصحابة
الفقيه، كان من أوعية العلم، ومن كبار أئمة الفتوى مع الجلالة والعبادة
والتواضع، واختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا يبلغ إلى نحو ثلاثين قولًا،
وأشهر ما قيل فيه: إنه كان في الجاهلية عبد شمس أو عبد عمرو، وفي الإسلام
عبد الله أو عبد الرحمن، وقال أبو أحمد الحاكم في ((الكنى)): أصحُّ شيء عندنا في
اسم أبي هريرة: عبد الرحمن بن صخر، وقد غلبت عليه كنيته فهو كمن لا اسم له
غيرها، أسلمَ عام خيبر وشهدها مع النبيِ وَّ، ثمٍ لزمه وواظب عليه؛ رغبةً في
العلم راضيًا بشبع بطنه، فكانت يده مع يد رسول الله وَالر، وكان يدور معه حيث ما
دار، وكان من أحفظ الصحابة، وكان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين
والأنصار؛ لاشتغال المهاجرين بالتجارة والأنصار بحوائطهم، وقد شهد له
رسول اللَّه ◌َله بأنه حريص على العلم والحديث، وقال أبو هريرة: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا، وَأَنَا أَخْشَى أَنْ أَنْسَى، فقال: ((ابْسُطْ رِدَاءَ)).
قَالَ: فَبَسَطْتُهُ، فَغَرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: ((ضُمُّهُ)). فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ.
وقال البخاري: روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل من بين صاحب وتابع، وممن
روى عنه من الصحابة: ابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله وأنس وواثلة، ولم
يزل يسكن المدينة، وبها كانت وفاته سنة ٥٧هـ، وقيل: سنة ٥٨هـ، وقيل: سنة
٥٩هـ، وهو ابن ثمان وسبعين، وقيل: مات بقصره بالعقيق، فحُمِلَ إلى المدينة،
وصلى عليه الوليد بن عقبة بن أبي سفيان، وكان يومئذٍ أميرًا على المدينة، كذا في
((الاستيعاب)). قال أبو هريرة: كنتُ أرعى غنمًا وكان لي هِرَّة صغيرة ألعب بها
(٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: فِي الإِيمانِ؛ البُخَارِي (٥٠، ٤٧٧٧)، ومُسْلِم (٩).