النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وَأَبِي عَبْداللَّهِ مُحَمَّد بْنِ يَزِيدِ ابْنِ مَاجَهْ الْقَزْوِينِي، الباء والمعنى قريب، والأشهر هو الأخير، وإذا أطلق أهل الحديث على أن النسائي روى حديثًا فإنما يريدون ((المجتبى)) لا ((السنن الكبرى))، وهي إحدى الكتب الستة. قال الحافظ أبو عليٍّ: للنسائي شرط في الرجال أشد مِن شرط مسلم، وكذلك الحاكم والخطيب كانا يقولان: إنه صحيح، وإن له شرطًا في الرجال أشد من شرط مسلم، لكن قولهم غير مسلّم، قال البقاعي في ((شرح الألفية)) عن ابن كثير: إن في النسائي رجالًا مجهولين إما عينًا أو حالًا، وفيهم المجروح، وفيه أحاديث ضعيفة ومعللة ومنكرة. وقال الشوكاني: وله مصنفات كثيرة في الحديث والعلل، منها (السنن))، وهي أقل السنن الأربع بعد الصحيح حديثًا ضعيفًا. قال الذهبي والتاج السبكي: إن النسائي أحفظ من مسلم صاحب الصحيح، هذا ملتقط من مقدمة ((تحفة الأحوذي)) (٦٤ - ٦٥)، و((التذكرة)) (ج٢: ٢٦٦ - ٢٦٩)، و((التهذيب)) (ج١: ٣٧ - ٣٩)، و((إتحاف النبلاء)) (١٨٩ - ١٩٠)، و((بستان المحدثين))، هذا وقد ادعى الشيخ التقي النقي العلامة عبدالصمد شرف الدين في مقدمته القيمة لـ((السنن الكبرى)) (١٧ - ١٩) أن حكاية ابن الأثير المذكورة كذب وزور، ولنا في كلامه نظر لا يخفى على الباحث المتأمل. (وَأَبِي عَبْدِاللَّهِ مُحمَّد بْن يَزِيد ابْنِ مَاجَهْ) بفتح الميم وتخفيف الجيم وبينهما ألف وفي الآخر هاء ساكنه لا تاء مربوطة. (القَزْوِينِي) بفتح القاف وسكون الزاي وكسر الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون، نسبة إلى قَزوين وهي من أشهر مدن عراق العجم، كانت ولادته سنة ٢٠٩هـ، وتوفي يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء لثمان بقين من شهر رمضان سنة ٢٧٣ هـ، وله أربع وستون سنة، وهو الحافظ الكبير المشهور المفسر أبو عبدالله محمد بن يزيد ابن ماجه الربعي بالولاء - نِسْبَة إِلَى رَبِيعَة - القزويني، مصنف كتاب ((السنن في الحديث))، كان إمامًا في الحديث عارفًا بعلومه وجميع ما يتعلق به، ارتحل إلى العراق والبصرة والكوفة وبغداد ومكة والشام ومصر والري لكتب الحديث، وله ((تفسير القرآن الكريم))، و((تاريخ مليح))، وكتابه في الحديث أحد الصحاح الستة. قال الخليلي: ثقة كبير متفق عليه محتج به، له معرفة بالحديث وحفظ، وله مصنفات في السنن والتفسير والتأريخ، قال: وكان عارفًا بهذا الشأن، سمع أصحاب مالك والليث. وعنه أبو الحسن خُطْبَةُ الْكِتَابِ ١٦١ . القطان وخلق سواه، قال السندي في مقدمة تعليقه على ((سنن ابن ماجه)): قد اشتمل هذا الكتاب من بين الكتب الست على شئون كثيرة انفرد بها عن غيره. والمشهور: أن ما انفرد به يكون ضعيفًا، وليس بكلي، لكن الغالب كذلك، ولقد ألَّف الحافظ الحجة العلامة أحمد بن أبي بكر البوصيري في ((زوائده) تأليفًا نبه على غالبها. وقال السيوطي في حاشية الكتاب: قال الحافظ نقلًا عن الرافعي أنه قال: سمعت والدي يقول: عرض كتاب ((السنن)) لابن ماجه على أبي زرعة الرازي فاستحسنه، وقال: لم يخطئ إلا في ثلاثة أحاديث، وقال في حاشية النسائي نقلًا عن غيره: إن ابن ماجه قد انفرد بإخراج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب ووضع الأحاديث، وبعض تلك الأحاديث لا تعرف إلا من جهتهم، مثل حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك، والعلاء بن زيد، وداود بن المحبر، وعبدالوهاب بن الضحاك، وإسماعيل بن زياد السكوني وغيرهم، وأما ما حكاه ابن طاهر عن أبي زرعة الرازي أنه نظر فيه فقال: لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثًا مما فيه ضعف، فهي حكاية لا تصح لانقطاع سندها، وإن كانت محفوظة فلعله أراد ما فيه من الأحاديث الساقطة إلى الغاية، أو أراد من الكتاب بعضه، ووجد فيه هذا القدر، وقد حكم أبو زرعة على أحاديث كثيرة منه بكونها باطلة أو ساقطة أو منكرة، وذلك محكي في كتاب ((العلل)) لأبي حاتم، انتهى. قال السندي: وبالجملة فهو دون الكتب الخمسة في المرتبة، فلذلك أخرجه كثير من عده في جملة الصحاح الستة، لكن غالب المتأخرين على أنه سادس الستة، انتهى. وقال الذهبي: سنن أبي عبد الله كتاب حسن، لولا ما كدر من أحاديث واهية ليست بالكثيرة، قال أبو الحسن القطان صاحب ابن ماجه: في السنن ألف وخمس مائة باب، وجملة ما فيها أربعة آلاف حديث، وقال ابن الأثير: كتابه كتاب مفيد قوي النفع في الفقه لكن فيه أحاديث ضعيفة جدًّا بل منكرة، حتى نقل عن المزي أن الغالب فيما تفرد به - يعني بذلك: ما انفرد به من الحديث عن الأئمة الخمسة - الضعف؛ ولذا لم يضفه غير واحد إلى الخمسة بل جعلوا السادس ((الموطأ))، وفيه عدة أحاديث ثلاثيات من طريق جبارة بن المغلس، وفيه حديث في ١٦٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وَأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِي، فضل قزوين منكر بل موضوع، ولذا طعنوا فيه، وفي مصنفه، وواضعه رجل اسمه ميسرة، قال الحافظ في ((التهذيب)) (ج٩: ص٥٣١): كتابه في السنن جامع جيد كثير الأبواب والغرائب، وفيه أحاديث ضعيفة جدًّا حتى بلغني أن السري كان يقول: مهما انفرد بخبر فيه فهو ضعيف غالبًا، وليس الأمر في ذلك على إطلاقه باستقرائي، وفي الجملة ففيه أحاديث كثيرة منكرة، ونقل القاري عن الحافظ أنه قال: وأول من أضاف ابن ماجه إلى الخمسة الفضل بن طاهر حيث أدرجه معها في أطرافه، وكذا في شروط الأئمة الستة، ثم الحافظ عبدالغني في كتاب ((الإكمال في أسماء الرجال)) الذي هذبه الحافظ المزي، وقدموه على ((الموطأ))؛ لكثرة زوائده على الخمسة بخلاف ((الموطأ))، انتهى. تنبيه: اختلف في ماجه، فقيل: إنه لقب والد محمد بن يزيد، وقيل: إنه اسم أمه، قال القاري في ((المرقاة)) ما لفظه: بإثبات ألف - يعني: في ابن ماجه - خطأ، فإنه بدل من ابن يزيد، ففي ((القاموس)): ماجه لقب والد محمد بن يزيد صاحب السنن لا جده، وفي شرح الأربعين: أن ماجه اسم أمه، انتهى. وقال صاحب ((الحطة)): والصحيح أن ماجه أمه، وعلى كلا القولين يكتب الألف على لفظ: (ابْن) في الرسم ليعلم أنه وصف لمحمد لا لما يليه، فهو مثل عبدالله بن مالك ابن بحينة، وإسماعيل بن إبراهيم ابن عُلية، وفي ((إنجاح الحاجة)): (مَاجَه) على ما ذكر المجد في ((القاموس))، والنووي في تهذيب الأسماء، لقب والده لا جده، انتهى. والصحيح هو الأول، انتهى ما في الحطة -. قال في تاج العروس شرح القاموس (ج٢: ص١٠٢) ما لفظه: (مَاجَه) بسكون الهاء كما جزم به الشمس بن خلكان، لقب والد محمد بن يزيد القزويني صاحب السنن لا جده - أي: لا لقب جده - كما زعمه بعض. قال شيخنا: وما ذهب إليه المصنف فقد جزم به أبو الحسن القطان، ووافقه على ذلك هبة الله بن زاذان وغيره، قالوا: وعليه فيكتب ابن ماجه بالألف لا غير. وهناك قول آخر ذكره جماعة وصححوه وهو أن ماجه اسم لأمه، انتهى. (وَأَبِي مُحمَّد عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد الرَّحْمَن) بن فضل بن بهرام بن عبد الصمد التميمي السمر قندي. (الدَّارِمِي) بكسر الراء المهملة - نسبة إلى دَارِم بن مالك بطن كبير من ١٦٣ خُطْبَةُ الْكِتَابِ وَأَبِي الْحَسَنِ عَلِيٍّ بْنِ عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيِّ، تميم. ولد سنة ١٨١ هـ، وتوفي يوم التروية ودفن يوم عرفة، وقيل: مات يوم الخميس يوم عرفة ودفن يوم الجمعة للعاشر من ذي الحجة سنة ٢٥٥هـ، وله من العمر أربع وسبعون سنة، وهو الإمام الحافظ شيخ الإسلام عالم سمرقند صاحب المسند المشهور، وهو على الأبواب لا على الصحابة على خلاف اصطلاح المحدثين. سمع النضر بن شميل ويزيد بن هارون وجعفر بن عون وطبقتهم بالحرمين وخراسان والشام والعراق ومصر. وحدث عنه مسلم وأبو داود والترمذي وعبد الله بن الإمام أحمد والنسائي خارج ((سننه)) وآخرون، وقال الخطيب: كان أحد الحفاظ والرحالين، موصوفًا بالثقة والصدق والورع والزهد، استقضى على سمرقند فأبى، فألح عليه السلطان فقضى بقضية واحدة ثم استعفى فأعفي ... إلى أن قال: وكان على غاية العقل وفي نهاية الفضل، يضرب به المثل في الديانة والحلم والاجتهاد والعبادة والتقلل. صنف ((المسند)) و((التفسير)) وكتاب ((الجامع)). قال أحمد بن حنبل وذكر الدارمي: عُرِضتْ عليه الدنيا فلم يقبل. وقال أبو حاتم بن حبان: كان من الحفاظ المتقنين وأهل الورع في الدين ممن حفظ وجمع وتفقه وحدث، وأظهر السنة في بلده ودعا إليها وذبَّ عن حريمها وقمع من خالفها، وقال الحاكم أبو عبدالله: كان من حفاظ الحديث المبرزين، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: إمام أهل زمانه، وارجع لكشف حال مسنده وبيان مرتبته إلى ((تدريب الراوي)) (٥٧)، ومقدمة ((المشكاة)) في مصطلح الحديث للشيخ الدهلوي، وثبت الشيخ محمد عابد السندي، و((توضيح الأفكار)) للأمير اليماني. (وَأَبِي الْحَسَنِ عَلِيٍّ بْنِ عُمَرَ) بن أحمد بن مهدي البغدادي الحافظ الشهير صاحب ((السنن)). (الدَّارَقُطْنِي) بالدال المهملة بعدها ألف ثم راء مهملة مفتوحة وقاف مضمومة وطاء مهملة ساكنة وفي آخرها نون - منسوب إلى دار القطن محلة كبيرة كانت ببغداد قديمًا - ولد سنة ٣٠٥هـ أو سنة ٣٠٦هـ، ومات يوم الأربعاء لثمان خلون من ذي القعدة سنة ٣٨٥هـ، وله ثمانون سنة. قال الذهبي في ((التذكرة)) (ج٣: ص١٩٩ - ٢٠٢): سمع البغوي وابن أبي داود وابن صاعد وابن دريد وخلائق ببغداد والبصرة والكوفة وواسط، وارتحل في كهولته إلى مصر وشام. ١٦٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ *** وَأَبِي بَكْرِ أَحْمَد بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَِيّ، وصنف التصانيف، حدث عنه الحاكم وأبو حامد الأسفرائني وتمام الرازي والحافظ عبد الغني الأزدي وأبو بكر البرقاني، وأبو ذر الهروي وأبو نعيم الأصبهاني - صاحب ((حلية الأولياء)) - وأبو محمد الخلال والقاضي أبو الطيب الطبري وأبو محمد الجوهري وأمم سواهم. قال الحاكم: صار الدارقطني أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع وإمامًا في القراء والنحويين، وأقمتُ في سنة سبع وستين ببغداد أربعة أشهر، وكثر اجتماعنا فصادفته فوق ما وصف لي، وسألته عن العلل والشيوخ، وله مصنفات يطول ذكرها، فأشهد أنه لم يخلف على أديم الأرض مثله. وقال الخطيب: كان فريد عصره وإمام وقته، وانتهى إليه علم الأثر والمعرفة بالعلل وأسماء الرجال مع الصدق والثقة وصحة الاعتقاد والأخذ من علوم كالقراءات، فإن له فيها مصنفًا سبق فيه إلى عقد الأبواب قبل فهرس الحروف، وتأسى القراء به بعده، ومن ذلك المعرفة بمذاهب الفقهاء، بلغني أنه درس الفقة على أبي سعيد الأصطخري، ومنها المعرفة بالآداب والشعر فقيل: كان يحفظ دواوين جماعة، منها ديوان السيد الحميري، ولهذا نسب إلى التشيع. قال ابن الذهبي: ما أبعده من التشيع، قال القاضي أبو الطيب الطبري: الدار قطني أمير المؤمنين في الحديث. قال الذهبي: إذا شئت أن تبين براعة هذا الإمام، فطالع ((العلل)) له، فإنك تندهش ويطول تعجبك، انتهى ما في ((التذكرة)) مختصرًا ملخصًا. وارجع للتفصيل إلى ((إتحاف النبلاء)) (٣١٦ - ٣١٧)، و((تاريخ ابن لخكان)) (ج١: ص٣٣١)، و((بستان المحدثين)) (٤٨ - ٤٩). (وَأَبِي بَكْرٍ أَحْمَدِ بْنِ الْحُسَيْنِ) بن علي بن عبد الله بن موسى الخسروجردي. (البَيْهَقِي) نسبة لبيهق بموحدة مفتوحة ومثناة تحتية ساكنة وهاء مفتوحة فقاف، وهي قرى مجتمعة بنواحي نيسابور على عشرين فرسخًا منها، ولد بخسروجرد - قرية من قراها - في شعبان سنة ٣٨٤هـ، وتوفي في العاشر من جمادى الأولى سنة ٤٥٨ هـ بنيسابور، وله من العمر أربع وسبعون سنة، ونقل إلى بيهق ودفن بخسروجرد، وقال أبو الحسن عبدالغافر في ذيل ((تاريخ نيسابور)): أبو بكر البيهقي ١٦٥ خُطْبَةُ الْكِتَابِ وَأَبِي الْحَسَنِ رَزِينِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْعَبْدَرِيِّ، الفقيه الحافظ الأصولي الديِّن الورع، واحد زمانه في الحفظ، وفرد أقرانه في الإتقان والضبط، من كبار أصحاب الحاكم أبي عبد الله بن البيع في الحديث، ويزيد عليه بأنواع من العلوم، كتب الحديث وحفظه من صباه وتفقه وبرع وأخذ في الأصول، وارتحل إلى العراق والجبال والحجاز ثم صنَّف، وتواليفه تقارب ألف جزء ما لم يسبقه إليه أحد، وجمع بين علم الحديث والفقه وبيان علل الحديث ووجه الجمع بين الأحاديث، طلب منه الأئمة الانتقال من الناحية إلى نيسابور لسماع الكتب، فأتى في سنة إحدى وأربعين وأعدوا له المجلس لسماع كتب المعرفة، وحضره الأئمة، وكان على سيرة العلماء قانعًا باليسير. قال الذهبي: ولم يكن عنده ((سنن النسائي)) ولا ((جامع الترمذي)) ولا ((سنن ابن ماجه))، بلى كان عنده الحاكم فأكثر عنه، وعنده عوالٍ، وبورك له في عمله لحسن مقصده وقوة فهمه وحفظه، وعمل كتبًا لم يُسبق إلى تحريرها، منها ((الأسماء والصفات)) مجلدان، و((السنن الكبير)) عشر مجلدات، و((معرفة السنن والآثار)) أربع مجلدات، و(شعب الإيمان)) مجلدان، و((دلائل النبوة)) ثلاث مجلدات، و((السنن الصغير)) مجلدان، و((الزهد)) مجلد، و((البعث)) مجلد، و((الدعوات)) مجلد، و((نصوص الشافعي)) ثلاث مجلدات، و((المدخل)) مجلد، و((الترغيب والترهيب)) مجلد، و((مناقب الشافعي))، و((مناقب أحمد))، وكتب عديدة لا أذكرها . قال إمام الحرمين أبو المعالي: ما من شافعي إلا وللشافعي عليه مِنَّة إلا أبا بكر البيهقي، فإن له منة على الشافعي لتصانيفه في نصرة مذهبه، سمع أبا عبد الله الحاكم وأبا بكر بن فورك وأبا علي الروذباري وخلفًا بخراسان وبغداد والكوفة، وحدث عنه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري بالإجازة وولده إسماعيل بن أحمد وأبو عبد الله الفزاري وخلق كثير، انتهى كلام الذهبي مختصرًا، وقد بسط ترجمته في ((إتحاف النبلاء)) (١٩٠ - ١٩١)، و((بستان المحدثين)) (٥٤ - ٥٥). (وَأَبِي الْحَسَنِ رَزِين) - بفتح الراء وكسر الزاي - بن معاوية السرقسطي. (العَبْدَرِيّ) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة وفتح الدال المهملة وبالراء ١٦٦ *** مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَلِيلٌ مَا هُوَ. المخففة، منسوب إلى عبد الدار بن قصي بطن من قريش، وهذه النسبة على خلاف قواعد النسبة، وهو الذي جمع الكتب الستة في كتابه ((تجريد الصحاح الستة))، وهو أكبر الكتب الذي رآها ابن الأثير الجزري وأعمها، حيث حوى الكتب الستة التي هي أم كتب الحديث وأشهرها، لكن قد أودع فيه أحاديث في أبواب غير تلك الأبواب أولى بها، وكرر فيه أحاديث كثيرة وترك أكثر منها، وفيه أيضًا أحاديث كثيرة لا توجد في كتب أصول الستة، وقد اعتمد في ترتيب كتابه هذا على أبواب البخاري، وذكر فيه أيضًا أقوال التابعين والأئمة سيما فقه مالك، كما يظهر من كلام ابن الأثير في مقدمة كتابه ((جامع الأصول لأحاديث الرسول)). قال الشوكاني في ((الفوائد المجموعة)) (١٩): لقد أدخل رزين بن معاوية العبدري في كتابه الذي جمع بين دواوين الإسلام بلايا وموضوعات لا تعرف ولا يدرى من أين جاء بها؟! وذلك خيانة المسلمين. وقد أخطأ ابن الأثير خطأً بينًا بذكر ما زاده رزين في ((جامع الأصول))، ولم ينبِّه على عدم صحته في نفسه إلا نادرًا؛ كقوله بعد ذكر هذه الصلاة - أي: صلاة الرغائب المشهورة التي اتفق الحفاظ على أنها موضوعة - ما لفظه: هذا الحديث مما وجدته في كتاب رزين ولم أجده في واحد من الكتب الستة، والحديث مطعون فيه. انتهى كلام الشوكاني. قال المؤلف في ((الإكمال))، وطاش كبرى زاده في ((مفتاح السعادة)) (ج٢ : ص١٢): مات رَزِين بعد العشرين وخمس مائة، وقال العلامة القنوجي البوفالي في ((الإتحاف)) (٣٥): توفي سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، فالله أعلم. (وَغَيْرِهِمْ) بالجر عطفًّا على أبي عبدالله، وقيل: بالرفع عطفًا على (مثل). (وَقَلِيلٌ مَا) (ما) زائدة إبهامية تزيد الشيوع والمبالغة في القلة. (هُوَ) أي: غيرهم والإفراد للفظ. (غَيْرهم) وهو مبتدأ، خبره (قَلِيل) يعني: غير الأئمة الثلاثة عشر المذكورين قليل، كالنووي وابن حبان وابن عبدالبر وغيرهم، ولما قال فيما قدمه : (فَأَعْلَمْتُ مَا أَغْفَلَهُ) استشعر اعتراضًا بأن الإعلام الحقيقي إنما هو بإيراد الإسناد الكلي ليترتب عليه معرفة رجاله التي يتوقف عليها الحكم بصحة الحديث وحسنه وضعفه وسائر أحواله، وأيضًا كان طعن بعض النقاد على صاحب ((المصابيح)) من ١٦٧ خُطْبَةُ الْكِتَابِ وَإِنِّي إِذَا نَسَبْتُ الْحَدِيثَ إِلَيْهِمْ كَأَنِّي أَسْنَدتُ إِلَى النَّبِّ وَةِ؛ لِأَنَّهِمْ قَدْ فَرَغُوا مِنْهُ، وَأَغْنَوْنَا عَنْهُ، وَسَردتُ الْكُتُبَ وَالْأَبْوَابَ كَمَا سَرَدَّهَا، وَاقْتَفَيْتُ أَثَرهُ فِيهَا، وَقَسَمْتُ كُلَّ بَابِ غَالِبًا عَلَى فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ : أَوَّلَهَا: مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، جهة ترك ذكر الإسناد وهو باقٍ على حاله؛ لأنه لم يتأت ذكر الإسناد بذكر أحد من المؤلفين، فاعتذر عن الإشكال، فقال: (وَإِنِّي إِذَا نَسَبْتُ) أي: كل حديث. (إِلَيْهِمْ) أي: إلى بعض الأئمة المذكورين المعروفة كتبهم بأسانيدهم. (كَأَنِّي أَسْنَدتُ) أي: الحديث برجاله (إِلَى النَّبِي ◌َّ) أي: فيما إذا كان الحديث مرفوعًا وهو الغالب؛ (لأَنَّهِمْ قَدْ فَرَغُوا مِنْهُ) أي: من الإسناد الكامل بذكرهم على حدٍّ قوله: ﴿أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىُ﴾ [المائدة: ٨]. (وَأَغْنَوْنَا) بهمزة قطع، أي: جعلونا في غنى وكفاية. (عَنْهُ) أي: عن ذكر الإسناد، وقال القاري: أي: عن تحقيق الإسناد من وصله و قطعه ووقفه ورفعه وضعفه و حسنه وصحته ووضعه، ومن ثم لزم الأخذ بنص أحدهم على صحة السند أو الحديث أو على حسنه أو ضعفه أو وضعه. (وَسَردتُ الْكُتُبَ وَالأَبْوَابَ) أي: أوردتها ووضعتها متتابعة ومتوالية. (كَمَا سَرَدَهَا) أي: رتَّبها وعيَّنها البغوي في ((المصابيح)). (وَاقْتَفَيْتُ) أي: اتبعتُ. (أَثْرَهُ) بفتحتين، وقيل: بكسر الهمزة وسكون المثلثة، أي: طريقه. (فِيهَا) أي: في الكتب والأبواب من غير تقديم وتأخير وزيادة وتغيير، فإن ترتيبه على وجه الكمال وتبويبه في غاية من الحسن. (وَقَسَمْتُ) بالتخفيف. (غَالِبًا) أي: في غالب الأحوال، وقيَّد الغالبية بمعنى الأكثرية؛ لأنه قد لا يوجد الفصل الأول أو الثاني أو الثالث أو الثاني والثالث كلاهما في بعض الأبواب كما يأتي. (أَوَّلهَا) أي: أول الفصول في هذا الكتاب بدل قول البغوي في ((المصابيح)) مِنَ الصِّحَاحِ. (مَا أَخْرَجَهُ) أي: رواه (الشَّيْخَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا) أي: بزعم صاحب ((المصابيح)) لما سيأتي من قوله: (وَإِنْ عَثُرْتُ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي الْفَصْلَيْنِ) أو المراد في الغالب، والنادر كالمعدوم، والمراد بالشيخين في اصطلاح المحدثين: البخاري ومسلم، والإخْرَاج والتخريجُ هو: إيراد المحدِّثِ الحديثَ بسنده في كتابه، ويقال له: الرواية أيضًا، فلا يقالُ في ١٦٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ حقِّ أحد ممن جمع الأحاديث في مؤلفاتهم ونقلوها من كتب الأصول الصحاح الستة والمسانيد والمعاجم والسنن، وأمثالها كالبغوي في ((المصابيح))، والخطيب في ((المشكاة))، والحميدي في ((الجمع بين الصحيحين))، وابن الأثير في ((جامع الأصول))، والسيوطي في ((جمع الجوامع))، والمناوي في ((الجامع الأزهر))، والهيثمي في ((مجمع الزوائد))، والروداني المغربي المالكي في ((جمع الفوائد))، وأمثالهم: أنه أخرجَهُ أو خرَّجَه أو رواه في كتابه؛ لأنه لم يرو هؤلاء تلك الأحاديث في كتبهم بأسانيدهم، بل نقلوها من الكتب المروية فيها مع ذكر الصحابة وذكر من خرَّجها من المحدثين، والفرق بين المخرِّج - اسم فاعل - والمخرَّج في قولهم في بعض الأحاديث ((عُرِفَ مُخرِجُهُ)) أو (لَمْ يُعْرَف مَخْرَجَهُ)) أن المخرِّج - بالتشديد أو التخفيف على صيغة اسم الفاعل - هو ذاكر الحديث على سبيل الرواية كالبخاري مثلًا، وأما المَخرَّج المذكور في القول المتقدم فهو بفتح الميم والراء اسم مكان، بمعنى محل خروجه، وهو الصحابي الراوي للحديث، أو رجاله الراوون له؛ لأنه خرج منهم، وقد يطلق لفظ الإخراج أو التخريج على ذكر الحديث وإيراده مطلقًا، أي: أعم من أن يذكره بسنده على سبيل الرواية، أو يذكره على سبيل النقل من الأصول مع ذكر المخرج، أي: الصحابي، والمخرج، أي: المحدّث الذي رواه في كتابه، وعلى هذا يجوز أن يقال: خرَّجه أو أخرَجَه الخطيب في ((المشكاة))، والهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ونحو ذلك، فيكون الإخراج والتخريج أعم من الرواية، ثم رأيت الجزائري قال في ((توجيه النظر)) (١٤٢): أما المَخرج - بفتح الميم - هو في الأصل بمعنى مكان الخروج، فأطلق على الموضع الذي ظهر منه الحديث، وهم الرواة الذين جاء عنهم، وأما التخريج فيطلق على معنيين أحدهما: إيراد الحديث بإسناده في كتاب أو إملاء، وأكثر ما تقعُ هذه العبارة للمغاربة، والأولى أن يقولوا: الإخراج كما يقوله غيرهم، الثاني: عزو الأحاديث إلى من أخرجها من الأئمة، ومنه قيل: ((خَرَّجَ فُلَانٌ أَحَاديثَ كِتَاب كَذَا))، و((فلانٌ لَهُ كِتَابٌ فِي تَخْرِيج أَحَادِيثِ الْإِحْيَاءِ»، ونحو ذلك، انتهى. ١٦٩ خُطْبَةُ الْكِتَابِ وَاكْتَفَيْتُ بِهِمَا، وَإِنِ اشْتَرَكَ فِيهِ الْغَيْرُ لِعُلُّوِّ دَرَجتهمَا فِي الرِّوَايَةِ. وَثَانِيهَا: مَا أَوْرَدُهُ غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَئْمَةِ الْمَذْكُورِينَ. وَثَالِثِهَا: مَا اشْتَمَلَ عَلَى مَعْنَى الْبَابِ مِنْ مُلْحَقَاتٍ مُنَاسِبَةٍ مَعَ مُحَافَظَةٍ عَلَى الشَّرِيطَة، وَإِنْ كَانَ مَأَتُورًا عَنِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. وقد أطلق بعضهم لفظ الرواية على ذكر الحديث معلقًا من غير سند، كما قال المجد ابن تيمية في ((المنتقى)) وحفيده في ((فتاواه)) وابن قدامة في ((المغني)) والخطيب في ((المشكاة)) في حديث أبي هريرة الذي ذكره مسلم تعليقًا بلفظ: ((إِذَا قُرِئْ فَأَنْصِتُوا)) رواه مسلم. وهذا الإطلاق غير جيد عندي، بل غير صحيح. (وَاكْتَفَيْتُ بِهِمَا) أي: بذكرهما في التخريج. (وَإِنِ اشْتَرَكَ) وصلية لا تطلب جزاء وجوابًا. (فِيهِ الْغَيْرُ) أي: في تخريج الحديث وروايته غيرهما من المحدثين كبقية الكتب الستة ونحوها. (لِعِلُوِّ دَرَجتهمًا) ورفعة شأنهما على سائر المخرجين مع الفرق بينهما. (فِي الرِّوَايَةِ) متعلَّق بالعلوِّ، أي: في شرائط إسنادها والتزم صحتها ما لم يلتزمه غيرهما من المحدثين فلا يحتاج مع تخريجهما إلى ذكر رواية غيرهما الذين اشتركوا فيه في نفس صحة الحديث، وإن كان لرواية الغير مدخل في تقوية الحديث وتأييده وتوكيده، لكن ما ذكرت الغير طلبًا للاختصار. (وَثَانِيهَا) أي: الفصول، وهو المعبر عنه في ((المصابيح)) بقوله: ((الْحِسَان)). (عَلَى مَعْنَى الْبَابِ) أي: على معنى عقد له الباب. (مِنْ مُلْحَقَاتٍ) بفتح الحاءِ، ومن بيانية لما اشتمل. (مُنَاسِبَةٍ) بكسر السين صفة لملحقات، والمراد بها زيادات ألحقها صاحب ((المشكاة)) على وجه المناسبة بكل كتاب وباب غالبًا لزيادة الفائدة. (مَعَ مُحَافَظَةٍ عَلَى الشَّرِيطَةِ) أي: من إضافة الحديث إلى راويه من الصحابة والتابعين ونسبته إلى مخرجه من الأئمة المذكورين. ولما كان صاحب ((المصابيح)) ملتزمًا للأحاديث المرفوعة في كتابه في الفصلين ولمٍ يلتزم المصنّف ذلك نبّه عليه بقوله: (وَإِنْ كَان) أي: المشتمل. (مَأْتُورًا) أي: منقولًا ومرويًّا. (عَنِ السَّلَفِ) المتقدمين وهم الصحابة. (وَالْخَلَفِ) أي: المتأخرين وهم التابعون، يعني: أنه لم يلتزم ذكر الأحاديث المرفوعة في ما زاد من الفصل الثالث، بل أورد فيه بعض ما روي من أقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم المناسبة للباب أيضًا، ومن المعلوم أنه يطلق عليه أيضًا لفظ الحديث. ١٧٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ثُمَّ إِنَّكَ إِنْ فَقَدتَ حَدِيثًا فِي بَابٍ فَذَلِكَ عَنْ تَكْرِيرِ أُسْقِطُهُ، وَإِنْ وَجَدتَ آخَرَ بَعْضَهُ مَتْرُوكًا عَلَى اخْتِصَارِهِ أَوْ مَّضْمُومًا إِلَيْهِ تَمَامَهُ، فَعَنْ دَاعِي اهْتِمَام أَتْرُكُهُ وَأُلْحِقهُ، واعلم أنه لم يذكر البغوي في (المصابيح)) القسم الأول والثاني بعنوان الفصل، بل عبر الأول، أي: أحاديث الشيخين أو أحدهما بقوله: ((مِنَ الصِّحَاح)). والثاني: أي أحاديث غيرهما بقوله: ((مِنَ الْحِسَانِ))، وهو اصطلاح حادث، ولاً مشاحة فيه، وقد تقدم، وعبرهما صاحب ((المشكاة)) بالفصل الأول والثاني، وزاد الفصل الثالث من عند نفسه، وأورد الأحاديث فيه من الكتب المذكورة من الصحيحين وغيرهما، وذكر أيضًا الآثار الموقوفة، والتزم ذكر الراوي من الصحابة والتابعين وذكر المخرج من الأئمة المحدثين. (ثُمَّ إِنَّك إِنْ فَقَدتَ حَدِيثًا) من هاهنا شرع في بيان بعض تصرفاته في ((المصابيح))، أي: بعد ما ذكرتُ لك أيها الناظر في كتابي هذا، أني التزمت متابعة صاحب ((المصابيح)) في كل بابٍ إن فقدت من محله حديثًا من أصله الذي هو ((المصابيح)). (فِي بَاب) مثلاً أو في كتاب وما وجدته بالكلية. (فَذَلِكَ) الفقدان وعدم الوجد ليسٍ صادرًا عن سهوٍ بل صدر. (عَنْ تَكْرِير) أي: عن تكرار وقع في ((المصابيح). (أُسْقِطُهُ) أي: لم أذكر الحديث في الباب الذي ذكره فيه في المصابيح؛ لكونه وقع مكررًا فحذفته لأجل التكرار، وذكرته في موضع آخر بعينه من غير تغيير. (وَإِنْ وَجَدتَ آخَر) أي: حديثًا آخر. (بَعْضَه) بالنصب بدل من آخر. (مَتْرُوكًا) حال. (عَلَى اخْتِصَارِهِ) الضمير فيه للحديث، ويؤيده قوله: (أَوْ مَضْمُومًا إِلَيْهِ تَمامهُ) وقيل: لمحي السنة، والأول أظهر فإنه حينئذٍ يكون الكلام على نسق واحد، وأما على الثاني فيحصل تفكيك الضمير ثم المعنى، أو وجدت حديثًا آخر مضمومًا إليه تمامه الذي أسقطه البغوي أو أتى به في محل آخر. (فَعَنْ دَاعِي اهْتِمَامٍ) الفاء جزائية، أي: فذلك الترك أو الضم لم يقع اتفاقًا، وإنما صدر عن موجب اهتَّمام، وقيل: عن بمعنى اللام، أي: لأجل باعث اهتمام اقتضى أني (أَتْرُكهُ) على اختصاره في الأول. (وَأُلْحِقْهُ) الواو بمعنى أو، أي: وألحقه في الثاني؛ لفوات الداعي والباعث على ١٧١ خُطْبَةُ الْكِتَابِ وَإِنْ عَثْرْتَ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي الْفَصْلَيْنِ مِنْ ذِكْرٍ غَيْرِ الشَّيْخَيْنِ فِي الْأَوَّلِ وَذِكْرِهِمَا فِي الثَّانِ، فَاعْلَمْ أَنِّي بَعْدَ تَتُّعِي كِتَابَيَ ((الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ)) لِلْحُمَّيْدِي، اختصاره، فهو لف ونشر مرتب، والمعنى: أنه قد يكون حديث اختصره الشيخ البغوي فأتركه أنا أيضًا على اختصاره، وقد أضمُّ إليه بقية الحديث، وذلك لشيء يدعوني إلى تركه على اختصاره أو إلى ضم بقيته إليه، أما الداعي إلى تركه مختصرًا فهو أن يكون جزء من حديث طويل مناسبًا للباب دون باقي أجزائه، أو يكون حديث مشتملاً على معانٍ كثيرة يقتضي كل باب معنى من معانيه، أي: يكون جزء منه مناسبًا لهذا الباب، وجزء آخر لباب آخر، وهكذا، وأورد الشيخ كلًّا في بابه، فأقتفي أثره في الإيراد، أي: أختصره وأقتصر على جزء منه في هذا الباب، وأذكر جزء آخر في ذلك الباب، وما لم يكن على هذين الوصفين ألحقتُ معه بقيته، وإن ذكره الشيخ مختصرًا، وحاصل المعنى: أن بعض الروايات كان مختصرًا عن حديث طويل، وكان جزء منه مناسبًا للباب دون باقي أجزائه، فتركه في ((المشكاة)) أيضًا على الاختصار، وما كان يقتضي إتمام الحديث بجميع أجزائه أتمه في ((المشكاة)). (وَإِنْ عَثْرْتَ) اطلعت. (عَلَى اخْتِلَافٍ) بيني وبينٍ صاحب ((المصابيح)). (فِي الْفَصْلَيْنِ) الأول والثاني دون الثالث؛ فإنه ليس محلًا للخلاف، وبيان الاختلاف قوله: (مِنْ ذِكْرٍ غَيْرِ الشَّيْخَيْنِ فِي الأَوَّلِ) أي: في الحديث المذكور في الفصل الأول. (وَذِكْرهمَا في الثَّانِي) من الفصلين بأن يسند بعض الأحاديث فيه إليهما أو إلى أحدهما. (كِتَابَي الْجَمْعِ) تثنية مضاف أي: كتابين، أحدهما: ((الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ)) أي: بين كتابي البخاري ومسلم المسمين بـ((الصحيحين)). (لِلْحُمَيْدِي) متعلق بالجمع، وهو بالتصغير نسبة لجده الأعلى حميد الحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن حميد بن يَصِل(١) الأزدي - (١) بفتح الياء المثناة من تحتها وكسر الصاد المهملة وبعدها لام . . SEE ١٧٢ GERE مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الأندلسي الميورقي (١) القرطبي، سمع بالأندلس ومصر والشام والعراق وسكن بغداد، وكان من كبار تلامذة ابن حزم، حدَّث عنه فأكثر، وعن أبي عبد الله القضاعي وأبي عمر ابن عبد البر وأبي القاسم الجياني الدمشقي وأبي بكر الخطيب وغيرهم، ولم يزل يسمع ويكثر ويجد حتى كتب عن أصحاب الجوهري وابن المذهب، سمع بإفريقية كثيرًا، ولقي بمكة كريمة المروزية رَاوِيَة البخاريِّ أول رحلته، وكان في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. قال يحيى بن البناء: كان الحميدي من اجتهاده ينسخ بالليل في الحرِّ، فكان يجلسُ في إجانة ماء يتبرد به، وقال الحسين بن محمد بن خسرو: جاء أبو بكر بن ميمون فدقَّ على الحميدي وظنَّ أنه قد أذن له، فدخل فوجده مكشوف الفَخِذ، فبكى الحميدي، فقال: والله لقد نظرت إلى موضع لم ينظره أحد منذ عقلتُ، وقال يحيى بن إبراهيم السلماسي: قال أبي: لم تر عيناي مثل الحميدي في فضله ونبله وغزارة علمه وحرصه على نشر العلم، قال: وكان ورعًا، ثقة إمامًا في الحديث وعلله ورواته، متحققًّا في علم التحقيق والأصول على مذهب أصحاب الحديث بموافقة الكتاب والسنة، فصيح العبارة، متبحرًا في علم الأدب والعربية والترسل، وله كتاب ((الْجَمع بَيْنَ الصَّحِيحين)) وهو مشهور، وأخذه الناس عنه، وله أيضًا ((تاريخ علماء الأندلس)) سماه (جَذْوَة الْمُقْتَبَس)) في مجلد واحد، ذكر في خطبته أنه كتبه من حفظه، وذكره الأمير أبو نصر علي بن ماكولا صاحب كتاب ((الإِكمال)) فقال: أخبرنا صديقنا أبو عبد الله الحميدي، وهو من أهل العلم والفضل والتيقظ، وقال: لم أر مثله في عفته ونزاهته وورعه وتشاغله بالعلم، وقال القاضي عياض: أبو عبدالله الحميدي سمع بميورقة عن أبي محمد بن حزم قديمًا، وكان يتعصب له ويميل إلى قوله، وكان قد أصابته فيه فتنة من علماء شددوا على ابن حزم، فخرج الحميدي إلى المشرق، قال الذهبي: روى عنه محمد بن علي (١) نسبة إلى مَيُورَقَه: بفتح الميم وضم المثناة من تحتها وسكون الواو وفتح الراء والقاف وبعدها هاء ساكنة . ١٧٣ خُطْبَةُ الْكِتَابِ وَ((جَامِعِ الأَصُولِ)) الخلال وإسماعيل بن محمد الطلحي وشيخه أبو بكر الخطيب وآخرون، وكان صاحب حديث كما ينبغي علمًا وعملًا، وكان ظاهريًّا ويسر ذلك بعض الأسرار، انتھی مختصرًا. قال ابن الصلاح في الفائدة الرابعة من ((مقدمته)): ويكفي وجوده في كتاب من اشترط الصحيح، وكذلك ما يوجد في الكتب المخرجة من تتمة لمحذوف أو زيادة شرح وكثير من هذا موجود في الجمع للحميدي، فربما نقل من لا يميز بعض ما يجده فيه عن ((الصحيحين)) أو أحدهما وهو مخطئ؛ لكونه من تلك الزيادات التي لا وجود لها في واحد من ((الصحيحين)). قال العراقي: وهذا مما أنكر على الحميدي؛ لأنه جمع بين كتابين فمن أين تأتي الزيادة؟ قال: واقتضى كلام ابن الصلاح أن الزيادات التي تقع في كتاب الحميدي لها حكم الصحيح، وليس كذلك؛ لأنه ما رواه بسنده كالمستخرج ولا ذكر أنه يزيد ألفاظًا واشترط فيها الصحة حتى يقلد في ذلك، قال الحافظُ: قد أشار الحميدي إجمالاً وتفصيلاً إلى ما يبطل ما اعترض به عليه، أما إجمالًا، فقال في خطبة الجمع: وربما زدتُ زيادات من تتمات وشرح بعض ألفاظ الحديث ونحو ذلك، وقفتُ عليها في كتب مَنِ اعتنى بالصحيح كالإسماعيلي والبرقاني، وأما تفصيلاً فعلى قسمين: جلي، وخفي، أما الجلي فيسوق الحديث، ثم يقول في أثنائه: إلى هنا انتهتْ روايةُ البخاري، ومن هنا رواه البرقاني. وأما الخفي فإنه يسوق الحديث كاملاً أصلًا وزيادة، ثم يقولُ: أما من أوله إلى كذا فرواه فلان، وما عداه زاده فلان، أو يقول: لفظة كذا زادها فلان، ونحو ذلك. وإلى هذا أشار ابن الصلاح بقوله: ربما نقل من لا يميز، وحينئذٍ فلزيادته حكم الصحة لنقله لها عمن اعتنى بالصحيح، كذا في ((التدريب)) (٣٣ - ٣٤)، مات ببغداد ليلة الثلاثاء السابع عشر من ذي الحجة سنة ٤٨٨ هـ، وكان مولده قبل العشرين وأربعمائة . (وَجَامِعِ الْأُصُولِ) بالجرِّ عطفًا على الجمع، أي: والآخر ((جامع الأصول)) أي: الكتب الستة للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد المشهور بابن الأثير الجزري صاحب النهاية في غريب الحديث. كان عالمًا محدثًا لغويًّا، روی ١٧٤ B مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ اعْتَمَدتُ عَلَى ((صَحِيحَي الشَّيْخَيْنِ)) وَمَتْنَيْهِمَا، عن خلق من الأئمة الكبار، كان بالجزيرة، وانتقل منها إلى الموصل سنة خمس وستين وخمسمائة، ولم يزل بها إلى أن قَدِم بغداد حاجًّا وعاد إلى الموصل، ومات بها يوم الخميس سلخ ذي الحجة سنة ٦٠٦ هـ، كذا في ((الإكمال))، وقال ابن خلكان في ((تاريخه)) (ج١: ص٤٤١): قال أبو البركات بن المستوفي في ((تاريخه)) في حقه: أشهر العلماء ذكرًا، وأكبر النبلاء قدرًا، وأحد الأفاضل المشار إليهم، وفرد الأماثل المعتمد في الأمور عليهم، أخذ النحو عن شيخه أبي محمد سعيد بن المبارك الدهان، وسمع الحديث متأخرًا، ولم تتقدم روايته، وله المصنفات البديعة، منها: ((جامع الأصول في أحاديث الرسول))، جمع فيه بين الصحاح الستة، وهو على وضع كتاب رزين إلا أن فيه زيادات كثيرة عليه، ومنها: ((كتاب النهاية في غريب الحديث))، وكتاب ((الشافي)) في شرح مسند الإمام الشافعي، وغير ذلك من التصانيف، وكانت ودلاته بجزيرة ابن عمر في أحد الربيعين سنة ٥٤٤هـ، ونشأ بها ثم انتقل إلى الموصل، ثم عَرَض له مرض كف يديه ورجليه فمنعه من الكتابة مطلقًا، وقامَ في داره يغشاه الأكابر والعلماء، انتهى مختصرًا، وهو أخو عز الدين بن الأثير الجزري صاحب ((الكامل)) في التاريخ، و((أسد الغابة في معرفة الصحابة)). (وَمَتْنَيْهِمَا) عطف بيان، قال القاري: وإنما لم يكتف بهما؛ لأنه ربما يحتمل أن يتوهم أن تتبعه واستقراءه غير تام، فإذا وافق الحميدي وصاحب ((جامع الأصول)) يصير الظن قويًّا بصحة استقرائه للموافقة، ولو اكتفى بتتبع ((الجمع بين الصحيحين)) و((جامع الأصول)) لاحتمل وقوع القصور في استقرائهما، فبعد اتفاق الأربعة يمكن الحكم بالجزم على سهو البغوي، انتهى. وتوضيح الكلام في هذا المقام أن المصنف يقول: قد تقرَّر أن ما أورده الشيخ محي السنة من الأحاديث في القسم الأول فهو من الشيخين منهما أو من أحدهما، وما أورده في القسم الثاني فهو من غيرهما من الأئمة المذكورين، وقد يذكر الشيخ حديثًا في الأول ونسبته أنا إلى غير الشيخين، وذلك مذكور في مواضع؛ كما في الفصل الأول من باب سنن الوضوء، ومن باب فضائل القرآن، ومن باب السلام من كتاب الآداب وغيرها، ونسبت بعض أحاديث القسم الثاني إلى الشيخين، كما في الفصل الثاني من باب ما يقرأ بعد التكبير، وباب الموقف وغيرهما، فاعلم أن عذري في ١٧٥ خُطْبَةُ الْكِتَابِ وَإِنْ رَأَيْتَ اخْتِلَافًا فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ فَذَلِكَ مِنْ تَشَغُّبِ طُرُقِ الْأَحَادِيثِ، وَلَعَلِّى مَاَ اطَّلَعْتُ عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ الَّتِي سَلَكَهَا الشَّيْخُ رَضِفَهُ وَقَلِيلًا مَا تَجِدُ أَقُولُ: مَّا وَجَدتُ هَذِهِ الرِّوَايَة ذلك ودليلي عليه أني تتبعت كتابين جمع فيهما أحاديث الشيخين، أحدهما: كتاب ((الجمع بين الصحيحين)) للحميدي، والثاني: ((جامع الأصول)) لابن الأثير الجزري، ولم أقتصر في معرفة أحاديث الشيخين على تتبع هذين الكتابين، بل اعتمدت على صحيحي الشيخين ومتنيهما أي أصل كتابيهما ونفسيهما دون ((الجمع بين الصحيحين))، و((جامع الأصول)) المشتملين عليهما، المغايرين لهما كالشرحين لهما، فما وجدت من الأحاديث للشيخين في الكتابين المذكورين وفي أصلي صحيحيهما نسبتها إليهما، وما لم أجد لم أنسب إليهما، وإن كان مخالفًا لما ذكره الشيخ محي السنة، وهذا ادعاء منه كمال التتبع والتصفح لأحاديث الشيخين، يعني: لو اقتصرت على تتبع الكتابين وقلتُ: ليس هذا الحديث للشيخين، لكان لقائل أن يقول: لعله يكون في متني صحيحيهما، ووقع القصور في استقراء الحميدي والجزري، ولو اقتصرت على متني صحيحيهما يقال: لعله يوجد في كتابي ((الجمع بين الصحيحين)) و((جامع الأصول))، ووقع القصور في استقراء المصنف وتتبعه، فتتبعت الكل ليحصل الوثوق والاعتماد في هذه النسبة على وجه الكمال، أي: ويقع الجزم بسهو الشيخ البغوي كذا في ((اللمعات)). (وَإِنْ رَأَيْتَ اخْتِلَافًا فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ) أي: في متن الحديث بأن يكون أورده في (المصابيح)) بلفظ، وأنا أوردته في ((المشكاة)) بلفظ آخر مخالفًا للفظه في ((المصابيح)). (فَذَلِكَ) أي: الاختلاف ناشئ (مِنْ تَشَعُّب طُرُقِ الْأَحَادِيثِ) أي: اختلاف أسانيدها وتعددها؛ إذ كثيرًا ما يقع للشيخين وغيرهما سوق الحديث الواحد من عدَّة طرق بألفاظ مختلفة، فاللفظ الذي أورده الشيخ لعله جاء بطريق، واللفظ الذي أوردته جاء من طريق آخر، لما كان هاهنا محلٍ أن يقالٍ: فلم لم تورد بلفظ الشيخ، ولم اخترت هذا اللفظ؟ قال في جوابه: (وَلَعَلَّ مَا اطّلَعْتُ عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ الّتِي سَلَكَهَا الشَّيْخُ) أي: اختارها وأوردها في ((مصابيحه))، فلما لم أطلع عليها كيف أوردها. أي: فآتي باللفظ الذي وقفت عليه. (وَقَلِيلًا مَا) زيادة (مَا) لتأكيد القلة ونصب (قَلِيلاً) على المصدرية؛ لقوله: (أَقُولُ) أي: وتجدني أقولُ قولًا ١٧٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ فِى كُتُبِ الْأُصُولِ، أَوْ وَجَدتُ خِلَافَهَا فِيهَا، فَإِذَا وَقَفْتَ عَلَيْهِ فَانْسُبِ الْقُصُورَ إِلَيَّ لِقِلَّةِ الدِّرَايَة، لَا إِلَى جَنَابِ الشَّيْخِ - رَفَعَ اللَّهُ قَدْرَهُ فِي الدَّارَيْنَ -، حَاشَا للّهِ مِنْ ذَلِكَكَ، رَحِمَ اللَّهُ مَنْ إِذَا وَّقَفَ عَلَى ذَلِكَ نَبَّهَنَا عَلَيْهِ، وَأَرْشَدَنَا قليلاً ما، في أي غاية من القلة، والمقول قوله: (مَا وَجَدتُ هَذِهِ الرِّوَايَة) التي أوردها الشيخ في ((المصابيح)) مثلاً. (فِي كُتُبِ الْأُصُولِ)، المرادُ بها كتب أئمة المحدثين ومؤلفاتهم التي هي أصول الروايات ومعادنها والعمدة في هذا الباب. (وَجَدتُ) من جملة المقول، أو للتنويع. (خِلَافهَا فِيهَا) أي: خلاف هذه الرواية في الأصول. (فَإِذَا وَقَفْتَ عَلَيْهِ) أي: على قولي هذا، فالضمير راجع إلى المصدر المفهوم من قوله: ((أَقُولُ)). (فَانْسُبْ) بضمِّ السين، أي: مع هذا. (الْقُصُورَ) أي: التقصير في التتبع. (إِلَيَّ لِقِلَّةِ الدِّرَايَةِ) أي: درايتي وتتبع روايتي. (لَا) أي: لا تنسب القصور. (حَاشَا للَّهِ) أي: تنزيهًا للَّه. (مِنْ ذَلِكَ) أي: من نسبة القصور إلى الشيخ. قال بعضهم: (حَاشَا) حرف جر وضعت موضع التْزيه والبراءة، وفي ((مغني اللبيب)): الصحيح أنها اسم مرادف للتنْزيه من كذا، وحينئذٍ قوله: (للَّهِ) بيان للمنَزه والمبرأ، كأنه قال: بَرَاءَة وَتَنْزِيه، ثم قال: ((للَّهِ)) بيانًا للمبرأ والمنَزه، فلامه كاللام في ((سقيا لك))، فعلى هذا يقال: معنى عبارة ((المشكاة)) أن الشيخ مبرأ ومنَزه عن قلة الدراية، ثم أتى لبيان المنّزه والمبرأ بقوله: ((للَّهِ)، وكان الظاهر أن يقول ((اللَّه)) بلا لام، وكأنها لإفادة معنى الاختصاص، فكأنه يقول: تنزيهه مختص للَّه، وله أن ينَزهه، وليس لغيره ذلك، ويحتمل أن يكون التقدير: وأقول في حقه التنزيه للَّه لا لأمر آخر، وقيل: ((حاشا)) فعل، وفسر الآية أي قوله تعالى: ﴿حَشَ لِلَّهِ﴾ في سورة يوسف بأن معناها جانب يوسف الفاحشة لأجل الله، وعلى هذا يرجع عبارة ((المشكاة)) إلى أنه جانب الشيخ ذلك القصور لأجل اللّه، لا لغرض آخر، أو قولنا في حقه: ((حاشا)) إنما هو للَّه لا لأمر آخر، وقيل معناه: معاذ اللَّه، فمراد المصنف: أن ما قلت في شأن الشيخ قلتُ خالصًا لوجه الله، لا لغرض آخر؛ لأني أعوذ بالله من غرض آخر. (إِذَا وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ) أي: على ما ذكر من الرواية التي أوردها الشيخ ولم أجدها ١٧٧ خَطْبَةُ الْكِتَابِ طَرِيقَ الصَّوَابِ، وَلَمْ آلُ جُهْدًا فِي التَّنْقِيرِ وَالتَّفْتِيشِ بِقَدْرِ الْوَسْعِ وَالطَّاقَةِ، وَنَقَلْتِ ذَلِكَ الاخْتِلَافَ كَمَا وَجَدتُ، وَمَا أَشَّارَ إِلَيْهِ رََِّهُ مِنْ غَرِيبِ أَوْ ضَعِيفٍ أَوْ غَيْرِهِمَا بَيَّنْتُ وَجْهَهُ غَالِبًا، وَمَا لَمْ يُشِرْ إِلَيْهِ مِمَّا فِي الْأَصُولَ فَقَدْ قَفَيْتُ فِي تَرْكِهِ إِلّا فِي مَوَاضِعَ لِغَرَضٍ، في الأصول. (طَرِيقَ الصَّوَابِ) أي: إليه بنسبة الرواية وتصحيحها إلى الباب والكتاب إما بالمشافهة حال الحياة، أو بكتابة حاشية أو شرح بعد الممات. (وَلَمْ آلُ) بمد الهمزة وضم اللام من ألا يألو في الأمر إذا قصر. (جُهدًا) بالضم المشقة، أي: لم أترك سعيًا واجتهادًا، فيكون منصوبًا على المفعولية لتضمين الألو معنى الترك، أو لم أقصر لكم في السعي والاجتهاد، فيكون منصوبًا بنزع الخافض، أو هو منصوب على أنه حال أو تمييز. (فِي التَّنْقِيرِ) أي: البحث والتجسس عن طرق الأحاديث، واختلاف ألفاظها في كتب الأصول. (وَالطَّاقَةِ) عطف بيان. (وَنَقَلْتُ ذَلِكَ الاخْتِلَافُ كَمَا وَجَدتُ) أي: بعد بذل السعي الموفور في المطابقة بين أحاديث ((المصابيح))، وأحاديث الكتب الستة حيث بقي الاختلاف، نقلت ذلك الاختلاف كما وجدت في الأصول بلا زيادة ونقصان وتغيير لإظهار أصل الحال، كما أقول: «مَا وَجَدتُ هَذِه الرِّوَاية فِي كُتُبِ الْأَصُولِ، أَوْ وَجَدتُ خِلَافَهَا)) وأنا أنسب القصور في التتبع إِلَيَّ لا إلى صاحب ((المصابيح)). (وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ) الشيخ محي السنة. (مِنْ غَرِيبٍ) بيان لما أي: من حديث غريب. (أَوْ غَيْرِهِمَا) اعتبارًا لا حقيقة من نحو منكر أو شاذ أو معلل. (بَيَّنْتُ وَجْهَهُ) أي: وجه غرابته أو ضعفه أو نكارته، وذلك ما ينقل المؤلف عن الأئمة كلامًا يحكم فيه بضعف الحديث أو غرابته مثلًا. (غَالِبًا) أي: في أكثر المواضع، ولعل ترك التبيين في بعض المواضع لعدم الاطلاع على وجه ما أشار إليه البغوي من غرابة الحديث أو ضعفه أو لأمر آخر. (وَمَا لَمْ يُشِرْ) أي: الشيخ البغوي. (إِلَيْهِ مِمَّا فِي الْأُصُولِ) أي: مما أشير إليه من المنقطع والموقوف والمرسل في ((جامع الترمذي))، و((سنن أبي داود))، والبيهقي، وهو كثير. (فَقَدْ قَفَّيْتُهُ) بالتشديد أي: اتبعته تأسِّيًا به، قال في ((مختصر النهاية)): قفيته وأقفيته: تبعته واقتديت به. (فِي تَرْكِهِ) أي: في ترك الإشارة. (إِلّا فِي مَوَاضِعَ) قليلة أبينها. (لِغَرَضٍ) وذلك أن بعض ١٧٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وَرُبَّمَا تَجِدُ مَوَاضِعَ مُهْمَلَةً؛ وَذَلِكَ حَيْثُ لَمْ أَطَّلِعَ عَلَى رَاويهِ فَتَرَكْتُ الْبَيَاض، فَإِنْ عَثْرَتَ عَلَيْهِ فَأَلحِقْهُ بِهِ - أَحْسَنَ اللَّهُ جَزَاءَكَ - وَسَمَّيْتُ الْكِتَابِ بِ((مِشْكَاةٍ الْمَصَابِيحِ)). الطاعنين أفرزوا أحاديث من ((المصابيح)) ونسبوها إلى الوضع، ووجدت الترمذي صححها أو حسنها، وغير الترمذي أيضًا كما تقدم التنبيه على ذلك فبينته لرفع تهمة الوضع منها، ومن الغرض أيضًا، كما قال الطيبي: إن الشيخ شرط في خطبة المصابيح أنه أعرض عن ذكر المنكر وقد أتى في كتابه بكثير منه وبين في بعضها كونه منكرًا وترك في بعضها، فبينت أنه منكر إظهارًا للواقع. (وَرُبَّمَا تَجِدُ) في المشكاة. (مَوَاضِعَ مُهْمِلَةً) أي: غير مبين فيها ذكر مخرجيها . (وَذَلِكَ) الإهمال وعدم التبيين (حَيْثُ لَم أَطَّلِعَ عَلَى رَاويهِ) أي: مخرجه. (فَتَرَكْتُ الْبَيَاضَ) أي: عقب الحديث، دلالة على ذلك. (فَإِنْ عَثَرْتَ عَلَيْهِ) أي: على مخرجه. (فَأَلْحِقهُ) أي: ذكر المخرج. (بِهِ) أي: بذلك الحديث، واكتبه في موضع البياضٍ، ونحن نذكر أسماء المخرجين في مواضع البياض حسب ما يتيسر لنا، إن شاء الله تعالى. (وَسَمَّيْتُ الْكِتَابَ بِ((مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ))) قال الطيبي: روعي المناسبة بين الاسم والمعنى، فإن ((المشكاة)) يجتمع فيها الضوء فيكون أشد تقويًا بخلاف المكان الواسع، والأحاديث إذا كانت غفلًا عن سمة الرواة انتشرت، وإذا قيدت بالراوي انضبطت واستقرت في مكانها، انتهى. وقال الشيخ الدهلوي في ((اللمعات)): قد عرفت أن المشكاة هي الكوة غير نافذة في الجدار التي توضع فيها المصابيح، فوجه التسمية أنه كما يوضع المصباح في الكوة كذلك وضع كتاب ((المصابيح)) في كتاب المشكاة؛ لأنه يشتمل عليه اشتمال المشكاة على المصباح، أو لأن الأحاديث التي ذكرت في هذا الكتاب كل منها كالمصباح، فهذا الكتاب كالكوة التي وضع فيها المصابيح المتعددة، انتهى. وقد علمتَ مما تقدَّم أن ((المشكاة)) تكملة لـ((المصابيح))، وتذييل لأبوابه، جمعه مؤلفه بإشارة شيخه الحسين بن عبد الله بن محمد الطيبي المتوفى سنة ٧٤٣هـ، وفرغ من تأليفه آخر يوم الجمعة من ١٧٩ خُطْبَةٌ الْكِتَابِ وَأَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ وَالْإِعَانَةَ وَالْهِدَايَةَ وَالصِّيَانَةَ، وَتَيْسِيرَ مَا أَقْصدهُ، وَأَنْ رمضان عند رؤية هلال شوال سنة ٧٣٧هـ. وله أيضًا ((أسماء رجال المشكاة)) فرغ من تصنيفه يوم الجمعة عشرين رجب سنة ٧٤٠هـ، جمعه بمعاونة شيخه العلامة الطيبي، وقد عرض الكتابين عليه فاستحسنهما واستجادهما. وللمشكاة شروح عديدة: فأول من شرحها هو شيخه الطيبي، سماه ((الكاشف عن حقائق السنن))، وشرحه أنفس الشروح وأحسنها. قال في مقدمة شرحه: كنت قبل قد استشرت الأخ في الدين، المساهم في اليقين، بقية الأولياء، قطب الصلحاء، شرف الزهاد والعباد في الدين، محمد بن عبد الله الخطيب بجمع أصل من الأحاديث المصطفوية، فاتفق رأينا على تكملة ((المصابيح)) وتهذيبه وتشذيبه وتعيين روايته ونسبة الأحاديث إلى الأئمة المتقنين، فما قصر فيما أشرت إليه من جمعه، فبذل وسعه واستفرغ طاقته فيما رمت منه، فلما فرغ من إتمامه شمرت عن ساق الجد في شرح معضله، وحل مشكله، وتلخيص عويصه، وإبراز نكاته ولطائفه، على ما يستدعيه غرائب اللغة والنحو، ويقتضيه علم المعاني والبيان، بعد تتبع الكتب المنسوبة إلى الأئمة، معلمًا لكل مصنف بعلامة مختصة به، فعلامة معالم السنن وأعلامها ((خط))، وشرح السنة ((حس))، وشرح صحيح مسلم ((مح))، والفائق للزمخشري ((فا))، ومفردات راغب ((غب))، ونهاية الجزري (نه))، والشيخ التُّورْبَشْتِي ((تو))، والقاضي ناصر الدين البيضاوي ((قض))، والمظهر ((مظ))، والأشرف ((شف))، وما لا ترى عليه علامة فأكثرها من نتائج خاطري، فإن ترى فيه خللًا فسدده - جزاك الله خيرًا -، فإن نظرت بعين الإنصاف لم تر مصنفًا أجمع ولا أوجز منه ولا أشد تحقيقًا في بيان حقائق السنة ودقائقها، وسميته: ((بالكاشف عن حقائق السنن))، انتهى. وشرحه علم الدين السخاوي المتوفى سنة ٦٤٣هـ، وعبدالعزيز الأبهري المتوفى في حدود سنة ٨٩٥هـ، وسماه ((منهاج المشكاة))، وهو تاريخ تأليفه. وشرحه أحمد بن الحجر المكي الهيتمي بالفوقية صاحب ((الزواجر والصواعق))