النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ينقله من المكان الذي اشتراه فيه إلى مكان آخر. وفي الحديث الآتي ((أنه ليس له
ذلك حتى يستوفيه))، وهما بمعنى واحد، فإن الاستيفاء هو القبض كما دلت عليه
الرواية الأخرى بلفظ: ((حتى يقبضه))، والقبض في المنقولات يكون بالنقل
والمراد بالنقل تحويله إلى مكان لا يختص بالبائع أو يختص بالبائع بإذنه. وقد
اختلف العلماء في هذه المسألة أي: البيع قبل القبض على أقوال فذكرها، وسيأتي
بيانها في شرح الحديث الآتي. اعلم أنه اختلف في أن النهي عن البيع قبل القبض
معلل بالعينة أو تعبدي غير معلل، ويدل على الأول ما في البخاري.
قال طاوس: قلت لابن عباس: كيف ذاك؟ قال: ذاك دراهم بدراهم والطعام
مرجأ، وفي مسلم: قلت لابن عباس: لم نُهي عن بيعه قبل قبضه؟ قال: ألا تراهم
يبتاعون بالذهب والطعام مرجأ، أي: مؤخر يعني أنهم يقصدون إلى دفع الذهب
في أكثر منه. قال الخطابي : وذلك مثل أن يشتري منه طعامًا بدينار إلى أجل ثم يبيعه
قبل أن يقبضه منه بدينارين مثلا وهو غير جائز؛ لأنه في التقدير بيع ذهب بذهب
والطعام مؤجل غائب غير حاضر، فكأنه قد باعه ديناره الذي اشترى به الطعام
بدينارين، فهو ربًّا. ولأنه بيع غائب بناجز. وقيل: العلة في النهي ضعف الملك،
فإنه معرض للسقوط بالتلف أي: لأنه قبل القبض عرضة للتلف في ضمان البائع .
وقيل: العلة فيه أن العقد عليه قبل القبض ربما سبب فسخ العقد الأول. فإن كان
بخسارة حاول المشتري الفسخ، وإن كان بربح حاوله البائع. وقيل: لأن للشارع
غرضًا في ظهوره للفقراء أو تقوية قلوب الناس لا سيما زمن الشدة، فلو أبيح بيعه
قبل قبضه لباعه أهل الأموال بعضهم من بعض من غير ظهور، فلا يحصل ذلك
الغرض. قال الشوكاني: هذا التعليل أجود ما علل به النهي؛ لأن الصحابة أعرف
بمقاصد الرسول وَ الر. وقال محمد بن عبد السلام: الصحيح عند أهل المذهب أن
النهي عنه تعبدي غير معلل، ذكره الزرقاني.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَمْ أَجِدْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ) قلت: أخرجه البخاري في باب:
منتهى التلقي من كتاب البيوع بلا تفاوت حرف، ومسلم في باب: بطلان بيع المبيع
قبل القبض بنحوه، فالحديث متفق عليه كما قال الجزري في ((جامع الأصول))
والمجد ابن تيمية في ((المنتقى)) والمنذري في ((مختصر السنن))، وأخرجه أيضًا
أحمد (ج٢ ص ٧، ١٥، ٢١، ٤٠، ٥٣، ١١٢، ١٣٥، ١٤٢، ١٥٠، ١٥٧)،

كِتّابُ البُيَّوعِ
بَابُ المُنْهِي ◌َنْهَا مِنَ الْبُيُوعِ
٥٠١
ومالك والشافعي في ((السنن)) وأبو داود والنسائي وابن ماجه وعبد الرزاق وابن
الجارود والبيهقي (ج٥ ص٣١٤) والبغوي (ج٨ ص ١٠٦) بعضهم بعينه وبعضهم
بنحوه بألفاظ مختلفة.
٢٨٦٨ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا
يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِیه)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
- وَفَى رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((حَتَّى يَكْتَالَه))(*).
.
الشرح
٢٨٦٨ - قوله: (مَن ابْتَاعَ طَعَامًا) أي: اشتراه، والطعام لغة: كل مطعوم من
مأكول ومشروب. قيل: وفي الصدر الأول إذا أطلق الطعام في الحجاز؛ انصرف
إلى البُرِّ خاصة.
(فَلَا يَبِيْعُهُ) نفي معناه نهي، وفي رواية: ((فلا يبعه)) بالجزم (حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ) وفي
رواية: ((حتى يقبضه)) وعلى هذا فالمراد بالاستيفاء: هو القبض، وهو يفيد عموم
النهي عن البيع في الجزاف والمكيل والموزون، وقيل: في لفظ الاستيفاء إشعار
بأنه خاص بما يحتاج إلى حق توفية وهو المكيل والموزون. وقال الزرقاني: جعل
مالك رواية: ((حتى يستوفيه)) تفسيرًا لرواية ((حتى يقبضه))؛ لأن الاستيفاء لا يكون
إلا بالكيل أو الوزن على المعروف لغة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
٣]، وقال: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾
وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو ◌َزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ
٢
[يُوسُف: الآية ٨٨]، وقال: ﴿وَأَوْفُوْ اَلْكْلَ إِذَا كِلْتُمْ ﴾ [الإسراء: الآية ٣٥].
وقال البخاري بعد رواية الحديث من طريق القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن
عمر بلفظ حتى (يستوفيه)): زاد إسماعيل بن أبي أويس في روايته عن مالك: ((من
ابتاع طعاما، فلا يبعه حتى يقبضه)).
(٢٨٦٨) أخرجه البخاري (٢١٢٦)، ومسلم (١٥٢٦/ ٣٢).
(*) أخرجه البخاري (٢١٣٢)، ومسلم (١٥٢٥/ ٣١) ولفظ البخاري: ((يستوفيه)).

٥٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الحافظ: يريد به الزيادة في المعنى؛ لأن في قوله: ((حتى يقبضه)) زيادة في
المعنى على قوله: ((حتى يستوفيه))؛ لأنه قد يستوفيه بالكيل بأن يكيله البائع ولا
يقبضه للمشتري، بل يحبسه عنده لينقده الثمن مثلا. قال: ويعرف من ذلك أن
اختيار البخاري أن استيفاء المبيع المنقول من البائع وتبقيته في منزل البائع لا يكون
قبضًا شرعيًّا حتى ينقله المشتري إلی مکان لا اختصاص للبائع به كما تقدم نقله عن
الشافعي. انتهى كلام الحافظ. وتعقبه العيني: بأن الأمر بالعكس، لأن لفظ
الاستيفاء يشعر بأن له زيادة في المعنى على لفظ الإقباض من حيث إنه إذا أقبض
بعضه وحبس بعضه لأجل الثمن يطلق عليه معنى الإقباض في الجملة، ولا يقال
له: استوفاه حتى يقبض الكل .
ثم قال العيني كالبرماوي والكرماني : المراد بهذه الزيادة زيادة رواية أخرى وهي
يقبضه؛ لأن الرواية المشهورة حتى يستوفيه، وإلا فهو عين السابق؛ إذ معنى
الاستيفاء القبض. وقال القاري: قوله: ((حتى يستوفيه)) أي: يقبضه وافيًا كاملًا وزنًا
أو كيلاً. وفي رواية ابن عباس عند مسلم: ((حتى يكتاله)) أي: يأخذه بالكيل. قال
ابن مالك: أي: من اشترى طعامًا مكايلة، فلا يبعه حتى يكتاله، وإنما قيدنا الشراء
بالمكايلة؛ لأنه لو كان مجازفة لا يشترط الكيل، وإنما نهى عن البيع قبل الكيل؛
لأن الكيل فيما بيع مكايلة من تمام قبضه؛ لأنه إنما يتعين به فكما أن بيع المبيع قبل
القبض كان منهيًّ؛ صار قبل تمامه منهيًّا أيضًا. كذا في ((المرقاة)). وقال الشوكاني:
قوله: ((حتى يكتاله))، قيل: المراد بالاكتيال: القبض والاستيفاء، كما في سائر
الروايات، ولكنه لما كان الأغلب في الطعام ذلك؛ صرح بلفظ الكيل، وهو خلاف
الظاهر كما عرفت. والظاهر: أن من اشترى شيئا مكايلة أو موازنة، فلا يكون
قبضه إلا بالكيل أو الوزن، فإن قبضه جزافًا؛ كان فاسدًا، وبهذا قال الجمهور، كما
حكاه الحافظ عنهم في ((الفتح))، ويدل عليه حديث اختلاف الصاعين. انتهى.
هذا وقد دل الحديثان على عدم جواز بيع الطعام المشترى ما لم يقبض. قال
الخطابي: أجمع أهل العلم على أن الطعام لا يجوز بيعه قبل القبض. وقال ابن
المنذر: أجمع أهل العلم على أن من اشترى طعامًا؛ فليس له بيعه حتى يقبضه،
وحُكي ذلك عن غير واحد من أهل العلم إجماعًا. وقال ابن رشد: أما بيع الطعام
قبل قبضه، فإن العلماء يجمعون على منع ذلك إلا ما يُحكى عن عثمان البتي حيث

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْمُنْهِي عِنْهَا مِنَ الْبُيُوعِ
٥٠٣
قال: لا بأس ببيع كل شيء قبل قبضه.
قال ابن عبد البر: هذا قول مردود بالسنة والحجة المجمعة على الطعام. وقال
ابن القيم: أما ما حكي عن عثمان البتي من جوازه، فإن صح؛ فلا يعتد به. انتهى.
قلت: هكذا حكى على ذلك الإجماع غير واحد من العلماء ونقلة المذاهب،
لكن المسألة اختلف فيها على أقوال. أحدها: اختصاص النهي عن البيع قبل
القبض بالمطعوم سواء اشترى جزافًا أو مقدرًا بكيل أو وزن أوغيرهما، وبه قال
بعض المالكية، واستدل لهم بعموم قوله: ((من ابتاع طعاما)» لم يقل جزافًا ولا
كيلًا، بل ثبت عنه فيمن ابتاع طعاما جزافًا أن لا يبيعه حتى ينقله ويقبضه كما تقدم.
و كذا ورد النهي إذا اشترى كيلا كما سيأتي.
قال الشوكاني: ويكفي في رد هذا المذهب أعني تخصيص النهي بالطعام حديث
حكيم بن حزام، فإنه يشمل بعمومه غير الطعام، وحديث زيد بن ثابت، فإنه
مصرح بالنهي في السلع كما سيأتي. قال: وقد استدل من خصص هذا الحكم
بالطعام بما في البخاري من حديث ابن عمر أن النبي ◌َّ اشترى من عمر بَكْرًا كان
ابنه راكبًا عليه، ثم وهبه لابنه قبل قبضه. ويجاب عن هذا بأنه خارج عن محل
النزاع؛ لأن البيع معاوضة بعوض وكذلك الهبة إذا كانت بعوض، وهذه الهبة
الواقعة من النبي ◌َّ ليست على عوض، وغاية ما في الحديث: جواز التصرف في
المبيع قبل قبضه بالهبة بغير عوض، ولا يصح الإلحاق للبيع وسائر التصرفات
بذلك؛ لأنه مع كونه فاسد الاعتبار قياس مع الفارق. قال: ويجمع بين أحاديث
الباب وحديث شرائه وَّةِ البَكْرَ بإلحاق التصرفات بعوض بالبيع، فيكون فعلها قبل
القبض غير جائز وإلحاق التصرفات التي لا عوض فيها بالهبة المذكورة، وهذا هو
الراجح، ويشهد لما ذهبنا إليه إجماعهم على صحة الوقف والعتق قبل القبض،
ويشهد له أيضا ما علل به ابن عباس النهي، ولا يخفى أن مثل هذه العلة لا ينطبق
على ما كان من التصرفات بغير عوض، وهذا التعليل أجود ما علل به النهي؛ لأن
الصحابة أعرف بمقاصد الرسول وَله، ولا شك أن المنع من كل تصرف قبل القبض
من غير فرق بين ما كان بعوض وما لا عوض فيه لا دليل عليه إلا الإلحاق لسائر
التصرفات بالبيع، وقد عرف بطلان إلحاق ما لا عوض فيه بما فيه عوض، ومجرد

٥٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
صدق اسم التصرف على الجميع لا يجعله مسوغا للقياس عارف بعلم الأصول.
انتھی .
القول الثاني: اختصاص ذلك بالمطعوم المشترى كيلاً أو وزنًا، وهو المشهور
من مذهب مالك، وبه قال الأوزاعي.
قال الحافظ: فرق مالك في المشهور عنه بين الجزاف والمكيل، فأجاز بيع
الجزاف قيل قبضه، وبه قال الأوزاعي وإسحاق واحتجوا بأن الجزاف يرى، فيكفي
فيه التخلية، والاستيفاء إنما يكون في مكيل أو موزون، وقد روى أحمد من حديث
ابن عمر مرفوعا: «من اشتری طعامًا بکیل أو وزن، فلا یبیعه حتی یقبضه». ورواه أبو
داود والنسائي بلفظ: ((نهى أن يبيع أحد طعاما اشتراه بكيل حتى يستوفيه))،
والدار قطني من حديث جابر: ((نهى رسول الله وَّل عن بيع الطعام حتى يجري فيه
الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري)). ونحوه للبزار من حديث أبي هريرة.
قال الحافظ: بإسناد حسن. قالوا: وفي ذلك دليل على أن القبض إنما يكون
شرطًا في الطعام المكيل والموزون دون الجزاف. قال الولي العراقي: لكن
الروايات الواردة في نهي الذين يبتاعون الطعام جزافًا عن بيعه، حتى ينقلوه من
مكانه صريح في الرد على من جوز بيع الطعام قبل قبضه إذا كان اشتراه جزافًا .
وقال الشوكاني: يجاب عن حديث ابن عمر وجابر اللذين احتج بهما مالك ومن
معه بأن التنصيص على كون الطعام المنهي عن بيعه مكياًا أو موزونًا لا يستلزم عدم
ثبوت الحكم في غيره، نعم لو لم يوجد في الباب إلا الأحاديث التي فيها إطلاق
لفظ الطعام لأمكن أن يقال: إنه يحمل المطلق على المقيد بالكيل والوزن. وأما
بعد التصريح بالنهي عن بيع الجزاف قبل قبضه، فيتحتم المصير إلى أن حكم
الطعام متحد من غير فرق بين الجزاف وغيره.
القول الثالث: اختصاص ذلك بما اشترى مقدرًا بكيل أو وزن أو زرع أو عدد
سواء كان مطعومًا أم لا. فإن اشترى بغير تقدير؛ جاز بيعه قبل قبضه. وهذا هو
المشهور عن أحمد كما قال الشيخ مجد الدين ابن تيمية في ((المحرر)). وروي عن
عثمان بن عفان رَضِّلَهُ وهو مذهب ابن المسيب والحسن البصري والحكم بن عتيبة
وحماد بن أبي سليمان. قال ابن عبد البر: وحجتهم أن الطعام المنصوص عليه أصله

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْمُنْهِي عِنْهَا مِنَ الْبُيُوعِ
٥٠٥
الکیل أو الوزن، فکل مکیل أو موزون فذلك حکمه، وحاصله أن ذلك يختص بکل
ما يحتاج إلى حق توفية، كما يدل عليه لفظ الاستيفاء والاكتيال.
قال الولي العراقي: ويرد هذا المذهب النهي عن بيع المشترى جزافًا قبل قبضه
كما تقدم.
القول الرابع: طرد ذلك في جميع الأشياء المطعوم وغيره والمقدر وغيره لا
يجوز بيعها قبل قبضها إلا العقار، وبهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف، فذهبا إلى
جواز بيع الدور والأرض أي: غير المنقول قبل القبض، بأن النهي معلول بضرر
انفساخ العقد؛ لخوف الهلاك، وهو في العقار نادر وفي غيره غير نادر.
القول الخامس: منع البيع قبل القبض مطلقًا حتى في العقار، وبهذا قال زفر
ومحمد بن الحسن والشافعي، فالطعام وغير الطعام من السلع والدور والعقار في
هذا سواء لا يجوز بيع شيء منها حتى يقبض، وهو رواية قوية عن الإمام أحمد،
اختارها من أصحابه ابن عقيل والشيخ تقي الدين.
وقال الشيخ ابن تيمية: وعليه تدل أصول أحمد، واختارها ابن القيم وصححها
وذكر أن أحاديثها لا تنافي أحاديث الطعام وأطال الكلام فيها في ((تهذيب السنن))
(ج ٥ ص ١٣٠، ١٣٧)، فعليك أن تراجعه.
قال الولي العراقي : وحکي هذا القول ابن عبد البر عن عبد الله بن عباس وجابر
ابن عبد الله والثوري وابن عيينة، ويدل لذلك أن ابن عباس لما روى عن النبي وَثَل
أنه نهى عن بيع الطعام حتى يُستوفى، قال: ولا أحسب كل شيء إلا مثله. وفي لفظ
لمسلم: ((وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام))، وكذلك قال جابر أعني أن غير الطعام
مثله. قال ابن عبد البر: فدل على أنهما فهما عن النبي ◌ّ المراد والمغزى. انتهى.
وقال الحافظ بعد ذكر ما قدمنا عنه من تفسير ما علل به ابن عباس النهي عن بيع
الطعام قبل القبض: وعلى هذا التفسير لا يختص النهي بالطعام، ولذلك قال ابن
عباس: لا أحسب كل شيء إلا مثله.
قلت: واستدل لهذا القول أي: لما ذهب إليه الشافعي ومن وافقه بما رواه أبو
داود والدار قطني وصححه الحاكم وابن حبان عن زيد بن ثابت: أن النبي وَّ نهى
أن تباع السلع حيث تبتاع حتى تحوزها التجار إلى رحالهم. وبما رواه أحمد

٥٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والنسائي والبيهقي وابن حزم عن حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول الله إني
أشتري بيوعا فما يحل لي منها وما يحرم؟ فقال: ((إذا اشتريت بيعًا فلا تبعه حتى
تقبضه)). وفي إسناده كلام للعلماء وصححه ابن حزم وحسنه البيهقي.
وقال ابن عبد البر: هذا الإسناد وإن كان فيه مقال ففيه لهذا المذهب استظهار.
وبما رواه الحاكم من حديث ابن عمر عن رسول الله وي يقال أنه نهى أن تباع السلع
حيث تشترى حتى يحوزها الذي اشتراها إلى رحله، وظاهر هذه الأحاديث عام في
كل بيع. واحتج لذلك أيضا كما قال الحافظ في ((الفتح))، بحديث عبد الله بن عمر
وقال: نهى النبي ◌َّله عن ربح ما لم يضمن. أخرجه الترمذي.
القول السادس: منع البيع قبل القبض في القمح مطلقًا وفي غيره إن ملكه
بالشراء خاصة، وبهذا قال ابن حزم ففرق بين القمح وغيره من الأشياء فقال في
القمح: إنه بأي وجه ملکه لا يحل له بيعه قبل قبضه، وقال في غيره: متى ملكه بغیر
البيع، فله بيعه قبل قبضه، وتمسك في القمح بحديث ابن عباس أما الذي نهى عنه
رسول الله و الله أن يباع حتى يقبض؛ فهو الطعام، وقال: فهذا تخصيص للطعام في
البيع خاصة، وعموم له بأي وجه ملك، واسم الطعام في اللغة لا يطلق إلا على
القمح وحده، وإنما يطلق على غيره بإضافة وتمسك في غير القمح بحديث حكيم
ابن حزام المتقدم وقال: هذا عموم لكل بيع ولكل ابتياع، والمذكور في حديثي ابن
عمر وابن عباس بعض ما في حديث حكيم، فهو أعم.
القول السابع: جواز البيع قبل القبض مطلقًا في كل شيء، وبهذا قال عثمان
البتي.
قال ابن عبد البر: هذا قول مردود بالسنة والحجة المجمعة على الطعام فقط.
وأظنه لم يبلغه الحديث، ومثل هذا لا يلتفت إليه. وقال النووي: هو قول شاذ
متروك. انتهى. وقد بسط ابن قدامة الكلام في مذاهب العلماء مع دلائلها في
((المغني)) (ج٤ ص ١٠٧ إلى ص١١٤) وابن رشد في ((البداية)) (ج٣ ص ١١٧ إلى
ص١٢٠) والحافظ في ((الفتح)) في باب إذا اشترى شيئا فوهب من ساعته .. إلخ.
والولي العراقي في ((شرح التقريب)) (ج٦ ص١١٢ إلى ص١١٤).
والقول الراجح المعول عليه عندنا: هو ما ذهب إليه زفر ومحمد بن
الحسن والشافعي - والله أعلم.

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْمُنْهِي عِنْهَا مِنَ الْبُيُوعِ
٥٠٧
واعلم أن النهي ورد في الحديث بالتصرف فيه بالبيع لكن ألحق كثير من العلماء
بعض عقود تدخل تحت مسمى البيع أو تكون وسيلة إليه كالإجارة والهبة على
عوض والرهن والحوالة، أما ما عدا البيع وما يجري مجراه فيجوز التصرف فيه؛
لأنها عقود يتسامح فيها بالغرر اليسير؛ ولأنها لم تقصد للربح فمحظور محاولة
فسخ العقد المشار إليه خفية.
قال الولي العراقي: الذي في الحديث منع البيع قبل القبض وليس فيه تعرض
لغيره من التصرفات. وقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال أربعة ثم ذكرها، ثم
قال: والذي في الحديث المنع فيما ملك بالبيع وهو ساكت عما ملك بغيره
وللعلماء في ذلك خلاف أيضًا، ثم ذكره وبسط الكلام في ذلك أيضا ابن قدامة في
((المغني)) (ج٤ إلى ص ١١٤ إلى ص ١٢٢) والباجي في ((المنتقى)) (ج٤ ص٢٧٩
إلى ص٢٨٣) وابن رشد في ((البداية)).
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضا أحمد مرارًا ومالك والشافعي في ((السنن)) وفي
((المسند)) وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٥ ص٣١٢) والبغوي
(ج ٨ص١٠٦) وحديث ابن عباس أخرجه أيضا أحمد وأصحاب السنن والبيهقي
بمثل حديث ابن عمر، وزادوا في آخره: قال ابن عباس: وأحسب كل شيء مثله -
أي: مثل الطعام.
٢٨٦٩ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ◌َ فَهُوَ
الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ. قَالَّ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّ مثلَه.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٨٦٩ - قوله: (أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ◌ِّهِفَهُوَ الطَّعَامُ) أي: جنس الحبوب
(أَنْ يُبَاعَ) من بائعه أو غيره (حَتَّى يُقْبَضَ) بصيغة المجهول، وموضع ((أن يباع)) رفع
(٢٨٦٩) أخرجه البخاري (٢١٣٥)، ومسلم (١٥٢٥/ ٣٠).

٥٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بدلًا من الطعام وإنما أبدلت النكرة من المعرفة بغير النعت؛ لأن المضارع مع ((أن))
متوغل في التعريف كذا في ((إرشاد الساري))، ومراده بالنكرة يباع؛ لأن الأفعال
نكرات، لكن الجمهور أطلقوا جواز إبدال النكرة من المعرفة؛ خلافًا للكوفيين
ومن وافقهم كما في ((الهمع)).
قال العيني: قد علم أن كلمة ((أما)) في مثل هذا تقتضي التقسيم، ويقدر هنا ما
يدل عليه السياق، وهو وأما غير ما نهى عنه فلا أظن إلا مثله في أنه لا يباع أيضًا قبل
القبض. وقال الحافظ: قوله: أما الذي نهى عنه ... إلخ. أي: وأما الذي لم
أحفظ نهيه فما سوى ذلك (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلاَ أَحْسِبُ) بكسر السين وفتحها أي: لا
أظن (كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ) أي: مثل الطعام في أنه لا يجوز للمشتري أن يبيعه حتى
يقبضه يدل عليه رواية مسلم من طريق معمر عن ابن طاوس عن أبيه: ((وأحسب كل
شيء بمنزلة الطعام))، وإنما خص الطعام بالذكر في الحديث للاهتمام به؛ لكونه
قوتًا محتاجًا إليه، وهذا من تفقه ابن عباس. قال الشوكاني: استعمل ابن عباس
القياس ولعله لم يبلغه النص المقتضي؛ لكون سائر الأشياء كالطعام كما سلف.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضا أحمد (ج١ ص٢١٥، ٢٣١، ٢٧٠، ٢٨٥، ٣٦٨)
والشافعي في ((السنن)) وفي ((المسند)) والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه
والبيهقي (ج٥ ص٣١٣) والبغوي (ج٨ ص ١٠٧) بعضهم بنحوه مطولًا وبعضهم
مقتصرًا على الفصل الأخير مع زيادة قوله في أوله: ((من ابتاع طعاما، فلا يبعه حتى
یستوفیه)) .

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْمَنْهِي عَنْهَا مِنَ الْبُيُوع
٥٠٩
٢٨٧٠ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِّه قَالَ: ((لَا تَلَقَّوُا
الرُّكْبَانَ لِبَيْعِ وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَّى بَيْعِ بَعْضٍ وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ
وَلَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَمِنِ ابْتَاعَهَاَ بَعْدَ ذَّلِكَ؛ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ
يحلُبَها: إِنْ رَضِيَهَا؛ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا؛ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تمر)).
- وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ((مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً؛ فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ:
فَإِنْ رَدَّهَا؛ رَدَّ مَعَهَا صَاعًا من طَعَامِ، لَا سَمْرَاءَ)) (*) .
الشرح
٢٨٧٠ - قوله: (لاَ تَلَقَّوُا) بفتح التاء واللام والقاف المشددة وسكون الواو
وقفًا وضمها وصلًا، وأصله: ((لا تتلقوا)) بتائين من التلقي فحذفت إحدى التائين
أي: لا تستقبلوا (الرُّكْبَانَ) بضم الراء جمع راكب. وقال العيني : جمع رکب،
والركب جمع راكب، وهم الذين يحملون المتاع إلى البلد سواء كانوا ركبانًا أو
مشاة جماعة أو واحدًا - إنما خرج الحديث على الأغلب في أن مَنْ يجلب المتاع
يكونون عددا ركبانًا، فلا مفهوم له بل لو كان الجالب عددا مشاة أو واحدًا راكبًا أو
ماشيًا لم يختلف الحكم، ويدل عليه ذلك حديث أبي هريرة الآتي، فإن فيه النهي
عن تلقي الجلب من غير فرق وكذلك حديث ابن مسعود عند الشيخين بلفظ ((نهى
النبي وَلّر عن تلقي البيوع)) (لِبَيع) كذا في رواية مسلم، وفي البخاري عند
الكشميهني ((للبيع)) وكذا وقع في ((الموطأ)). قال الزرقاني: أي: قبل أن يقدموا
للبيع أي: لمحل بيعها كما في حديث ابن عمر: ((لا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى
السوق))، وفي ((المحلى)): أي: لا تستقبلوهم للاشتراء. قال البغوي: وصورته أن
يقع الخبر بقدوم عِيرٍ تحمل المتاع، فيتلقاها رجل يشتري منهم شيئًا قبل أن يقدموا
السوق ويعرفوا سعر البلد بأرخص، فهذا منهي عنه؛ لما فيه من الخديعة. انتهى.
وقال الحافظ: قوله: ((للبيع)) يشمل البيع لهم والبيع منهم، ويفهم منه: اشتراط
(٢٨٧٠) أخرجه البخاري (٢١٥٠)، ومسلم (١١/١٥١٥).
(*) أخرجه مسلم (١٥٢٤/ ٢٥).

٥١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قصد ذلك بالتلقي، فلو تلقى الركبان أحد للسلام أو الفرجة أو خرج لحاجة له
فوجدهم فبايعهم هل يتناوله النهي؟ فيه احتمال، فمن نظر إلى المعنى لم يفترق
عنده الحكم بذلك وهو الأصح عند الشافعية، وشرط بعض الشافعية في النهي: أن
يبتدئ المتلقي، فيطلب من الجالب البيع، فلو ابتدأ الجالب بطلب البيع، فاشترى
منه المتلقي لم يدخل في النھي. انتهى.
وقال الشوكاني: لا يجوز تلقيهم للبيع منهم كما لا يجوز للشراء منهم؛ لأن العلة
التي هي مراعاة نفع الجالب أو أهل السوق أو الجميع حاصلة في ذلك، ويدل على
ذلك ما في رواية للبخاري بلفظ ((للبيع))، فإنه يتناول البيع لهم، والبيع منهم، وقال
الولي العراقي: قوله: ((للبيع)) يتناول بيع الركبان للمتلقي وبيع المتلقي لهم.
وجعل أصحابنا - (الشافعية) - صورة الحديث هي الأولى. وحكوا في تحريم
الثانية وجهين والحديث يدل على تحريم التلقي. وبهذا قال مالك والشافعي
وأحمد والجمهور. وقال أبو حنيفة: يجوز التلقي إذا لم يضر بالناس أي: أهل البلد
والجالبين، فإن ضر؛ كره. قال الحافظ: يكره التلقي عند الحنفية في الحالتين: أن
يضر بأهل البلد، وأن يلتبس السعر على الواردين.
وقال ابن الهمام: للتلقي صورتان: أحدهما: أن يتلقاهم المشترون للطعام منهم
في سنة حاجة؛ ليبيعوه من أهل البلد بزيادة. وثانيهما: أن يشتري منهم بأرخص من
سعر البلد وهم لا يعلمون بالسعر، ولا خلاف عند الشافعية أنه إذا خرج إليهم لذلك
يعصي. أما إذا لم يقصد ذلك، بل اتفق أن خرج فرآهم، فاشترى؛ ففي معصيته
قولان. والوجه أن لا يعصي إذا لم يلبس، وعندنا - (الحنفية) - محل النهي إذا يضر
بأهل البلد أو لبس، أما إذا لم يضر ولم يلبس فلا بأس. انتهى. واعلم أنه اشترط
جماعة من العلماء لتحريم التلقي شرائط، فقيل: يشترط في التحريم أن يكذب
المتلقي في سعر البلد ويشتري منهم بأقل من ثمن المثل، وقيل: أن يخبرهم بكثرة
المؤنة عليهم في الدخول. وقيل: أن يخبرهم بكساد ما معهم ليغبنهم.
قال الأمير اليماني : هذه تقييدات لم يدل عليها دليل، بل الحديث أطلق النهي،
والأصل فيه التحريم مطلقا. انتهى. وقال الشوكاني: شرط الجويني في النهي: أن
يكذب المتلقي في سعر البلد ويشتري منهم بأقل من ثمن المثل، وشرط المتولي

٥١١
كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْمُنْهِي ◌َنْهَا مِنَ الْبُيٌوع
من أصحاب الشافعي: أن يخبرهم بكثرة المؤنة عليهم في الدخول، وشرط أبو
إسحاق الشيرازي: أن يخبرهم بكساد ما معهم، والكل من هذه الشروط لا دليل
عليه. انتهى. واختلف العلماء في تعليل النهي، فقيل: العلة فيه نفع البائع وإزالة
الضرر عنه. وقيل: نفع أهل السوق؛ لحديث ابن عمر الآتي: ((لا تلقوا السلع حتى
يهبط بها إلى السوق))، وقيل: نفع أهل البلد، فإن القوافل إذا صنع معهم مثل هذا
الصنع؛ تأذوا من ذلك وكان سببا لانقطاعهم عن البلد، فيتضرر أهل البلد بانقطاع
الجلب عنهم. قال الشوكاني: ظاهر قوله: فإذا أتى سيده رأى صاحب السلعة
السوق؛ فهو بالخيار. أن النهي لأجل منفعة البائع وإزالة الضرر عنه وصيانته ممن
يخدعه. قال ابن المنذر: وحمله مالك على نفع أهل السوق لا على نفع رب
السلعة، وإلى ذلك جنح الكوفيون والأوزاعي. قال: والحديث حجة للشافعي؛
لأنه أثبت الخيار للبائع لا لأهل السوق. انتهى. وقد احتج مالك رخّهُ ومن معه بما
وقع في رواية ابن عمر رَوَّهُ من النهي عن تلقي السلع حتى يهبط بها إلى السوق.
قال الشوكاني: وهذا لا يكون دليلا لمدعاهم؛ لأنه يمكن أن يكون ذلك رعاية
لمنفعة البائع؛ لأنها إذا هبطت الأسواق؛ عرف مقدار السعر، فلا يخدع ولا مانع
من أن يقال: العلة في النهي مراعاة نفع البائع ونفع أهل السوق. انتهى. وذكر ابن
حزم أن كلا القولين، أي: القول برعاية البائع فقط أو برعاية أهل البلد والسوق
فقط فاسد، فرحمته بأهل الحضر والجالبين سواء، ولكنها الشرائع توحى إليه،
فيؤديها كما أمر. انتهى. هذا وقد تقدم في كلام الحافظ وابن الهمام أن الحنفية
قالوا بتلك العلتين: مضرة الجالبين الواردين، ومضرة أهل البلد.
واختلف القائلون بتحريم التلقي في أن البيع معه صحيح أو باطل، فقال
الشافعي وأحمد: لا يبطل، فإن النهي لا يرجع إلى نفس العقد ولا يخل هذا الفعل
بشيء من أركانه وشرائطه، وإنما هو لأجل الإضرار بالركبان، وذلك لا يقدح في
نفس البيع. وقيل: يبطل؛ لأن النهي يقتضي الفساد. قال الشوكاني: الأول هو
الظاهر؛ لأن النهي هاهنا لأمر خارج، وهو لا يقتضي الفساد، كما تقرر في الأصول
ولقوله ◌َله: ((فصاحب السلعة فيها بالخيار)). فإنه يدل على انعقاد البيع، ولو كان
فاسدًا لم ينعقد .
قال ابن قدامة (ج٤ ص٢١٨) بعد ذكر اختلاف العلماء في كراهة التلقي: فإن

٥١٢
Fe
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
خالف وتلقى الركبان واشترى منهم؛ فالبيع صحيح في قول الجميع. قاله ابن
عبد البر. وحكي عن أحمد رواية أخرى: أن البيع فاسد لظاهر النهي، والأول
أصح لرواية أبي هريرة في الخيار عند مسلم، والخيار لا يكون إلا في عقد صحیح،
ولأن النهي لا لمعنىً في البيع، بل يعود إلى ضرب من الخديعة يمكن استدراكها
بإثبات الخيار. انتهى. وترجم البخاري في (صحيحه) على أحاديث النهي عن
التلقي ((باب النهي عن تلقي الركبان)) وأن بيعه مردود؛ لأن صاحبه عاص آثم إذا
كان به عالمًا، وهو خداع في البيع والخداع لا يجوز.
قال الحافظ: جزم المصنف بأن البيع مردود بناء على أن النهي يقتضي الفساد
لكن محل ذلك عند المحققين فيما يرجع إلى ذات المنهي عنه لا ما إذا كان يرجع
إلى أمر خارج عنه، فيصح البيع ويثبت الخيار بشرطه الآتي ذكره. وأما كون صاحبه
عاصيا آثما والاستدلال عليه بكونه خداعًا فصحيح، ولكن لا يلزم من ذلك أن
يكون البيع مردودًا؛ لأن النهي لا يرجع إلى نفس العقد ولا يخل بشيء من أركانه
وشرائطه، وإنما هو لدفع الإضرار بالركبان والقول ببطلان البيع؛ صار إليه بعض
المالكية وبعض الحنابلة. ويمكن أن يحمل قول البخاري: أن البيع مردود على ما
إذا اختار البائع رده، فلا يخالف الراجح. ثم اختلف القائلون بصحة البيع، فقال
الشافعي: من تلقاه؛ فقد أساء وصاحب السلعة بالخيار. وحجته حديث أبي هريرة
الآتي. انتهى.
وقال الباجي (ص١٠٢): فإن وقع التلقي من إنسان، فلمالك في ذلك قولان في
((الموازية))، روى عنه ابن القاسم أنه ينهى فإن عاد؛ أدب ولا ينزع منه شيء وهو
اختيار أشهب، وروى عنه ابن وهب أنه ينزع منه لما ابتاع فيباع لأهل السوق،
واختار ابن المواز أن يرد شراؤه وترد على بائعها، وبه قال ابن حبيب. انتهى. ثم
ظاهر الحديث أنه لا فرق في النهي عن التلقي بين أن تكون المسافة التي يتلقى إليها
قريبة أو بعيدة، وهو الذي يقتضيه إطلاق الشافعية، وقيد المالكية محل النهي بحد
مخصوص، واختلفوا في ذلك الحد، فقال بعضهم: ميل، وقال بعضهم:
فرسخان، وقال بعضهم: يومان، وهو معنى ما رواه أبو قرة عن مالك أنه قال: إني
لأكره تلقي السلع وأن يبلغوا بالتلقي أربعة برد. انتهى. فإن زادت المسافة على
ذلك لم تدخل تحت النهي. وقيل لمالك: أرأيت إن كان ذلك على رأس ستة أميال

٥١٣
كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْمُنْهِى عَنْهَا مِنَ الْبُيُوع
فقال: لا بأس بذلك، وكأن ذلك جارٍ على طريقته في أن النظر لأهل البلد وإنما
تشوف أطماعهم لمن قرب منهم، وأما البعيد، فلا تشوف بهم إليه، ولعل النظر في
تحديد القرب للعرف. والله أعلم. وحكى ابن حزم عن سفيان الثوري أنه منهي عنه
إذا كان بحيث لا تقصر الصلاة إليه، فإن تلقاها بحيث تقصر الصلاة فصاعدًا، فلا
بأس بذلك، وبوب البخاري في ((صحيحه)) ((باب منتهى التلقي)) وأورد فيه حديث
ابن عمر: كنا نتلقى الركبان . - (أي: في أعلى السوق كما سيأتي) - فنشتري منهم
الطعام، فنهانا النبي ◌ّر أن نبيعه حتى نبلغ به سوق الطعام وحديثه: كانوا يتبايعون
الطعام في أعلى السوق، فيبيعونه في مكانه فنهاهم النبي وَ لّ أن يبيعوه في مكانه
حتى ينقلوه فبين بالرواية الثانية أن التلقي كان إلى أعلى السوق داخل البلد وبيَّن
بتبويبه منتهى التلقي الجائز، وهو ما لم يخرج من السوق، فإن خرج منها؛ وقع في
التلقي المنهي عنه. قال ابن بطال: أن ما كان خارجًا عن السوق في الحاضرة أو
قريبًا منها أنه لا يجوز الشراء هنالك؛ لأنه داخل في معنى التلقي. وأما الموضع
البعيد الذي لا يقدر فيه على ذلك، فيجوز فيه البيع وليس بتلقٌّ. قال مالك: وأكره
أن يشترى في نواحي المصر حتى يهبط به السوق. قال ابن المنذر: وبلغني هذا
القول عن أحمد وإسحاق أنهما نهيا عن التلقي خارج السوق ورخصا ذلك في أعلى
السوق. وقال الباجي (ج٤ ص١٠١): قوله وَّير: ((لا تلقوا الركبان)) يحتمل أن
يريد ◌َّلي تلقي مَنْ يجلب السلع، فيبتاع منهم قبل ورود أسواقها ومواضع بيعها،
وسواء كان التلقي فيما بعد عن مواضع البيع أو قرب.
قال ابن حبيب عن مالك وأصحابه: وإن كان على مسيرة يوم أو يومين من
الحاضرة، ووجه ذلك أن فيه مضرة عامة على الناس؛ لأن من تلقاها واشتراها
غلاها على الناس وانفرد ببيعها، فمنع من ذلك ليصل بائعوها بها إلى البلد،
فيبيعونها في أسواقها فيصل كل أحد إلى شرائها والنيل من رخصها. وَسُئِلَ مالك
عن خروج أهل مصر إلى الإصطبل مسيرة ميل ونحوه أيام الأضحى يتلقون الغنم
يشترونها، قال: هذا من التلقي، وكذلك غير الضحايا حتى ترد سوقها. ووجه
ذلك: أن هذا تلقٌّ يمنع من وصول ما جلب إلى سوق بيعه، فكان ممنوعًا كالبعيد،
وهذا فيما جرت العادة بتبليغه الأسواق ولا مضرة في ذلك. فأما ما كان يضر
بالناس تبليغه الأسواق كالفواكه والثمار التي يلحق أهل الأصول ضرر بتفريق بيعها

٥١٤
ger
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ويحتاجون إلى بيعها جملة ممن يجنيها أو يبقيها في أصلها ويدخلها إلى الأمصار
والقرى، فقد روى ابن القاسم عن مالك في الأجنة التي تكون حول الفسطاط من
نخيل وأعناب يخرج إليها التجار فيشترونها ويحملونها إلى الفسطاط للبيع لا بأس
بذلك. وقال في سماع أشهب: هو من التلقي. وقال أشهب: لا بأس به، وليس من
التلقي إلى آخر ما بسط الكلام في فروع ذلك.
وقال الولي العراقي: روى أشهب عن مالك أنه كره أن يخرج الرجل من
الحاضرة إلى أهل الحوائط، فيشتري منهم الثمرة مكانها، ورآه من التلقي، وقال
أشهب: لا بأس بذلك وليس هذا بتلق ولكنه اشترى الشيء بموضعه. وقال ابن
عبد البر: لا أعلم خلافا في جواز خروج الناس إلى البلدان في الأمتعة والسلع ولا
فرق بين القريب والبعيد من ذلك في النظر، وإنما التلقي تلقي من خرج بسلعته
يريد بها السوق. وأما من قصدته إلى موضعه فلم تتلقه. انتهى.
وقال الحافظ تحت ترجمة البخاري المذكورة: الظاهر أنه لا حد لانتهاء التلقي
من جهة الجالب، وأما من جهة المتلقي فقد أشار المصنف بهذه الترجمة إلى أن
ابتداءه (أي: ابتداء التلقي المنهي عنه) الخروج من السوق أخذًا من قول الصحابي
أنهم كانوا يبتاعون بالطعام في أعلى السوق، فيبيعونه في مكانه، فنهاهم النبي وَه
أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه، ولم ينههم عن التبايع أي: الاشتراء والتلقي في
أعلى السوق فدل على أن التلقي إلى أعلى السوق جائز، فإن خرج عن السوق ولم
يخرج عن البلد - فقد صرح الشافعية بأنه لا يدخل في النهي، وحد ابتداء التلقي
عندهم الخروج من البلد والمعنى فيه أنهم إذا قدموا البلد أمكنهم معرفة السعر
وطلب الحظ لأنفسهم، فإن لم يفعلوا ذلك؛ فهو من تقصيرهم، وأما إمكان
معرفتهم ذلك قبل دخول البلد فنادر، والمعروف عند المالكية اعتبار السوق
مطلقًا، كما هو ظاهر الحديث، وهو قول أحمد وإسحاق، وعن الليث كراهة
التلقي، ولو في الطريق ولو على باب البيت حتى تدخل السلعة السوق. انتهى
كلام الحافظ .
تنبيه:
قال البخاري بعد رواية ابن عمر الأولى بلفظ: كنا نتلقى الركبان، هذا (أي:

كِتّابُ البُيُوعِ
٥١٥
بَابُ المُنْهِي ◌ِنْهَا مِنَ الْبُيُوعِ
التلقي المذكور في الحديث) كان في أعلى السوق يبينه حديث عبيد الله بن عمر
عن نافع بلفظ: كانوا يتبايعون الطعام في أعلى السوق.
قال الحافظ : أراد البخاري بذلك الرد على من استدل به على جواز تلقي الركبان
لإطلاق قول ابن عمر: ((كنا نتلقى الركبان)). ولا دلالة فيه؛ لأن معناه أنهم كانوا
يتلقونهم في أعلى السوق، كما في رواية ابن عمر الثانية، وقد صرح مالك في
روايته عن نافع بقوله: ((ولا تلقوا السلع، حتى يهبط بها إلى السوق)) فدل على أن
التلقي الذي لم ينه عنه إنما هو ما بلغ السوق، والحديث يفسر بعضه بعضًا. وادعى
الطحاوي التعارض في هاتين الروايتين وجمع بوقوع الضرر لأصحاب السلع
وعدمه، قال: فيحمل حديث النهي على ما إذا حصل الضرر، وحديث الإباحة
على ما إذا لم يحصل، ولا يخفى رجحان الجمع الذي جمع به البخاري. انتهى.
(وَلاَ يَبْعْ) بالجزم على النهي، وفي رواية ((لا يبيع)) بإثبات الياء على الخبر الذي
يراد به النهي، وهو أبلغ في النهي من النهي الصريح. قال الزرقاني: ((لا يبع))
مجزوم بـ((لا)) الناهية، وفي رواية ((لا يبيع)) بالرفع على أنها نافية. وقال الحافظ:
ويحتمل أن تكون ناهية وأشبعت الكسرة كقراءة من قرأ: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِي وَيَصْبِرْ﴾
[يُوسُف: الآية ٩٠] (بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ) قيل: المراد بالبعض المسلم خاصة، ويؤيده
ما وقع في رواية للبخاري: ((لا يبيع الرجل على بيع أخيه)) وما في حديث ابن عمر
الآتي: ((لا يبع بعضكم على بيع أخيه)). قال الحافظ : ظاهر التقييد بأخيه أن يختص
ذلك بالمسلم، وبه قال الأوزاعي وأبو عبيد بن حربويه من الشافعية. وأصرح من
ذلك رواية مسلم عن أبي هريرة كما سيأتي بلفظ: ((لا يسم المسلم على سوم
المسلم)) وقال الجمهور: لا فرق في ذلك بين المسلم والذمي، وذكر الأخ خرج
للغالب، فلا مفهوم له. وقال الولي العراقي: الصحيح أنه لا فرق بين المسلم
والذمي في ذلك. وقال أبو عبيد بن حربويه: يختص ذلك بالمسلم. والصحيح
خلافه؛ لأن هذا خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له.
وقال ابن عبد البر: أجمع الفقهاء على أنه لا يجوز دخول المسلم على الذمي في
سومه إلا الأوزاعي وحده، فإنه قال: لا بأس به. انتهى. هذا واختلف في معنى
البيع على البعض، فقيل: هو في معناه المعروف، وهو أن يقول لمن اشترى سلعة

٥١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في زمن خيار المجلس أو الشرط: افسخ هذا البيع وأنا أبيعك مثله بأرخص من
ثمنه أو أجود منه بثمنه وهو مجمع على منعه، وقيل: المراد بالبيع: الشراء وهو أن
يقول للبائع في زمن الخيار: افسخ هذا البيع وأنا أشتريه منك بأكثر من هذا الثمن،
وهو مجمع على منعه أيضًا. قال الباجي: يريد والله أعلم، لا يشتر. والعرب
تقول: اشتريت وشريت بمعنى: بعت. قال ابن حبيب: إنما النهي للمشتري دون
البائع ونحو هذا روى أبو عبيد عن أبي عبيدة وأبي زيد. قال أبو عبيدة: ليس
للحديث وجه غير هذا عندي؛ لأن البائع لا يكاد يدخل على البائع، وإنما المعروف
أن يزيد المشتري على المشتري. قال الباجي: وعندي أنه يحتمل أن يحمل اللفظ
على ظاهره، فيمنع البائع أيضا من أن يبيع على بيع أخيه إذا كان قد ركن إليه
المشتري، وإنما حمل ابن حبيب على ما قاله؛ لأن الإرخاص مستحب مشروع،
فإذا أتى من يبيع بأرخص من بيع الأول فلا منع في ذلك عنده. انتهى مختصرًا.
وقال الولي العراقي: وفي معنى البيع على البيع الشراء على شراء أخيه، وهو مجمع
على منعه أيضًا، وذهب ابن حبيب من المالكية وأبو عبيدة معمر بن المثنى وأبو
عبيد القاسم ابن سلام وأبو زيد الأنصاري إلى حمل البيع على بيع أخيه على الشراء
على شراء أخيه؛ لأن العرب تقول: بعت بمعنى: اشتريت، قالوا: لأنه لا يبيع أحد
على بيع أحد في العادة. وما أدري أي موجب لصرف اللفظ عن ظاهره؟
والاستعمال الذي ذكروه في تسمية الشراء بيعًا وإن كان صحيحًا ولكن عكسه أشهر
منه. وقد رد ذلك ابن عبد البر وكون البيع على البيع لا يغلب وقوعه مردود.
وبتقدير ذلك، فهذا لا يقتضي أنه لا ينهى عنه. انتهى. وقيل: المراد بالبيع السوم
على السوم فسره بذلك مالك كما في ((الموطأ)): وهو أن يأخذ شيئا ليشتريه فيجيء
إليه غيره ويقول: رده لأبيعك خيرًا منه بثمنه أو مثله بأرخص، أو يقول للمالك:
استرده لأشتريه منك بأكثر من هذا الثمن. وقد ورد النهي عن السوم على السوم
على انفراده في ((الصحيحين)). وظهر بما ذكرنا أن في تفسير البيع على بيع أخيه
ثلاثة أقوال. قال عياض: والأولى حمله على ظاهره، أي: معناه المعروف وهو أن
يعرض سلعته على المشتري برخص؛ ليزهده في شراء سلعة الآخر.
قلت: ويؤيد ذلك زيادة السوم مع البيع وذكرهما جميعا في رواية لمسلم،
فالراجح حمل البيع على معناه الظاهر المعروف.

٥١٧
كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْمَنْهِيِ عنْهَا مِنَ الْبُيُوع
وأما حكم السوم على السوم. فقال الولي العراقي: في معنى البيع على البيع أيضًا
السوم على سوم أخيه. قال: وهو متفق على منعه إذا كان بعد استقرار الثمن وركون
أحدهما إلى الآخر، وإنما يحرم ذلك إذا حصل التراضي صريحًا؛ فإن لم يصرح
ولكن جرى ما يدل على الرضا، ففي التحريم وجهان، أي: للشافعية، أصحهما لا
يحرم، فإن لم يجر شيء بل سكت، فالمذهب الذي عليه الأكثرون أنه لا يحرم،
كما لو صرح بالرد، وأما السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد، فليس بحرام.
وقال مالك والشافعي والجمهور بجواز البيع والشراء فيمن يزيد وكرهه بعض
السلف ونقل ابن عبد البر الإجماع على الجواز. انتهى. وقال الحافظ: محل منع
السوم على السوم بعد استقرار الثمن وركون أحدهما إلى الآخر، فإن كان ذلك
صريحًا، فلا خلاف في التحريم، وإن كان ظاهرًا ففيه وجهان للشافعية، ونقل ابن
حزم اشتراط الركون عن مالك، وقال: إن لفظ الحديث لا يدل عليه، وتعقب: بأنه
لا بد من أمر مبين لموضع التحريم في السوم؛ لأن السوم في السلعة التي تباع فيمن
يزيد لا يحرم اتفاقًّا، كما نقله ابن عبد البر، فتعين أن السوم المحرم ما وقع فيه قدر
زائد على ذلك. وقد استثنى بعض الشافعية من تحريم البيع والسوم، على الآخر ما
إذا لم يكن المشتري مغبونًا غبًا فاحشًا، وبه قال ابن حزم، واحتج بحديث ((الدين
النصيحة)) لكن لم تنحصر النصيحة في البيع والسوم فله أن يعرفه أن قيمتها كذا
وإنك إن بعتها بكذا مغبون من غير أن يزيد فيها، فيجمع بذلك بين المصلحتين.
انتهى. وقال الولي العراقي: قال القاضي ابن كج من الشافعية: شرط تحريم البيع
على بيع أخيه أن لا يكون المشتري مغبونًا غبًا مفرطًا، فإن كان فله أن يعرفه ويبيع
على بيعه؛ لأنه ضرب من النصيحة. وقال النووي: هذا الشرط انفرد به ابن
كج، وهو خلاف ظاهر إطلاق الحديث والمختار أنه ليس بشرط. قال الولي
العراقي: ولو ارتكب المنهي في هذا وعقد، فهو آثم بذلك والبيع صحيح؛ لعدم
اختلال الأركان والشروط، والنهي عن ذلك لأذى غيره ولا يرجع ذلك إلى العقد
وبذلك قال الشافعي وأبو حنيفة والجمهور، وقال داود وابن حزم الظاهريان: لا
ينعقد، وعن مالك روايتان كالمذهبين وهما وجهان عند الحنابلة. انتهى. وقال
الحافظ: ذهب الجمهور إلى صحة البيع المذكور مع تأثيم فاعله وعند المالكية
والحنابلة في فساده روايتان، وبه جزم أهل الظاهر. انتهى.

٥١٨
ge
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
قال الولي العراقي: ومحل التحريم ما لم يأذن البائع في البيع على بيعه، فإن أذن
في ذلك؛ ارتفع التحريم على الصحيح عند أصحابنا، وقد ورد التصريح بذلك في
قوله في الحديث الصحيح: ((إلا أن يأذن له))، وسيأتي مزيد الكلام في مسألة السوم
على السوم في شرح حديث أبي هريرة الآتي بعد حديث ابن عمر (وَلاَ تَنَاجَشُوا)
بحذف إحدى التاءين من باب التفاعل من النجش بفتح النون والجيم، وقيل:
بسكونها بعدها شين معجمة، وهو في اللغة: تنفير الصيد واستثارته من مكانه
ليصاد يقال: نجشت الصيد أنجُشُه بالضم نجشًا، ومنه قيل للصائد: الناجش؛ لأنه
يثير الصيد. وقال ابن قتيبة: أصل النجش الخَتل وهو الخدع، ومنه قيل للصائد:
ناجش؛ لأنه يختل الصيد ويحتال له، وحينئذ يكون المعنى: لا تخادعوا ولا يختل
بعضكم بعضًا بالمكر والاحتيال، وإنما يراد بالمكر والمخادعة: إيصال الأذى إلى
المسلم: إما بطريق الاحتيال، وإما اجتلاب نفعه بذلك، ويلزم منه وصول الضرر
إليه ودخوله عليه، فيدخل على هذا التقدير في التناجش المنهي عنه جميع أنواع
المعاملات، بالغش ونحوه، كتدليس العيوب وكتمانها وغش المبيع الجيد
بالرديء، وغبن المسترسل الذي لا يعرف المماكسة. وقد روي عن ابن مسعود عن
النبي ◌َّل: ((من غشنا؛ فليس منا، والمكر والخديعة في النار))، وعن أبي بكر
الصدیق مرفوعًا: «ملعون من ضار مسلمًا أو مکر به)). خرجه الترمذي، ذكره ابن
رجب. وقال الهروي: قال أبو بكر: النجش: المدح والإطراء، وعلى هذا معنى
الحديث: لا يمدح أحدكم السلعة ويزيد في ثمنها بلا رغبة. وهو في
الشرع: الزيادة في ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها ليخدع غيره ويغره ليزيد
ويشتريها، سمي بذلك؛ لأن الناجش يثير الرغبة في السلعة ويخدع. وأتى بصيغة
التفاعل؛ لأن التجار يتعاوضون في ذلك، فيفعل هذا لصاحبه على أن يكافئه بمثله.
قال الحافظ: ذكره بصيغة التفاعل؛ لأن التاجر إذا فعل لصاحبه ذلك؛ كان بصدد أن
يفعل له مثله. قال: ويقع النجش بمواطأة البائع، فيشتركان في الإثم، ويقع ذلك
بغير علم البائع، فيختص بذلك الناجش، وقد يختص به البائع، كمن يخبر بأنه
اشترى سلعة بأكثر مما اشتراها به ليغر غيره بذلك، كما يظهر من كلام ابن أبي
أو فى الصحابي عند البخاري حيث روىٍ في الشهادات في باب قول الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: الآية ٧٧] من طريق السكسكي عن

٥١٩
كِتّابُ البُيُوعِ
Bacxonsax:
بَابُ المُنْهِي ◌َنْهَا مِنَ الْبُيُوعِ
عبد الله بن أبي أوفى، قال: أقام رجل سلعته فحلف بالله لقد أعطي فيها ما لم يعط
فنزلت. قال ابن أبي أوفى: الناجش: آكل ربًا خائن. قال الحافظ: وأخرجه
الطبراني من وجه آخر عن ابن أبي أوفى مرفوعًا لكن قال: ((ملعون)) بدل ((خائن)).
وأطلق ابن أبي أوفى على من أخبر بأكثر مما اشترى به أنه ناجش لمشاركته لمن
يزيد في السلعة، وهو لا يريد أن يشتريها في غرور الغير، فاشتركا في الحكم
لذلك. وكونه آكل ربًا بهذا التفسير وكذلك يصح على التفسير الأول إن واطأه
البائع على ذلك وجعل له عليه جعلًا فيشتركان جميعا في الخيانة. انتهى.
والحديث يدل على: أن النجش حرام وهذا إجماع كما حكاه غير واحد، وهل يبطل
مع ذلك البيع أو يثبت الخيار خاصة أو لا يثبت واحد من الحكمين؟ ففيه ثلاثة
مذاهب: أحدها: أن البيع يبطل بناء على أن النهي يقتضي الفساد. حكاه ابن
عبد البر عن طائفة من أهل الحديث وأهل الظاهر، وهو رواية عن مالك وهو
المشهور عند الحنابلة إذا كان البائع هو الناجش أو كان غيره ولكن بمواطأته.
الثاني: أنه يثبت للمشتري الخيار إذا كان ذلك بمواطأة البائع أو بعلمه قاله ابن
القاسم وهو المشهور عند المالكية، قالوا: فإن فاتت العين فله القيمة ما لم تزد.
وقال بعضهم بثبوت الخيار وإن لم يكن ذلك بمواطأة البائع أو علمه، إذا كان بسببه
كابنه وعبده ونحوهما. وثبوت الخيار إذا كان بمواطأة البائع وجه عند الشافعية
الأصح خلافه. وقال الحنابلة: ثبوت الخيار حيث لم يبطل البيع؛ لكونه ليس
بمواطأة البائع، لكن شرطه عندهم أن يغبن به عادة نص عليه أحمد. واختلفوا في
تقديره فقدره بعضهم بالثلث وبعضهم بالسدس. وقال ابن حزم: بثبوت الخيار إذا
وقع البيع بزيادة على القيمة ولم يتعرض لمواطأة البائع. الثالث: أن البيع صحيح
ولا خيار لتقصير المشتري. وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة. كذا في ((طرح
التثريب)). وقال ابن قدامة: النجش حرام وخداع، فإن اشترى مع النجش، فالشراء
صحيح في قول أكثر أهل العلم، منهم الشافعي وأصحاب الرأي، وعن أحمد أن
البيع باطل، اختاره أبو بكر وهو قول مالك؛ لأن النهي يقتضي الفساد، ولنا أن
النهي عاد إلى الناجش لا إلى العاقد، فلم يؤثر في البيع، ولأن النهي لحق الآدمي،
فلم يفسد العقد كتلقي الركبان وبيع المعيب، وفارق ما كان لحق الله تعالى؛ لأن
حق الآدمي يمكن جبره بالخيار أو زيادة في الثمن لكن إذا كان في البيع غبن لم تجر