النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ يكن فيها طائل لقلته، فكان ذلك نوعًا من إضاعة المال. والوجه الآخر أن يكون ذلك منا صحة لأخيه المسلم واحتياطًا لمال المشتري، لئلا ينالها الآفة فيبور ماله، أو يطالبه برد الثمن من أجل الحاجة، فيكون بينهما في ذلك الشر والخلاف. وقد لا يطيب للبائع مال أخيه منه في الورع إن كان لا قيمة له في الحال؛ إذ لا يقع له قيمة، فيصير كأنه نوع من أكل المال بالباطل. وأما نهيه المشتري فمن أجل المخاطرة والتغرير بماله؛ لأنها ربما تلفت بأن تنالها العاهة فيذهب ماله، فنهى عن هذا البيع؛ تحصينا للأموال وكراهة للتغرير. انتهى. وفي الحديث عدة أبحاث: الأول: تعليل النهي عن بيع الثمار قبل بدو الصلاح. قال الباجي: اختلف أصحابنا في تعليل ذلك، فقال محمد بن مسلمة: إن الغرر موجود قبل بدو الصلاح وبعده، ولكنه لا غرض في شرائها قبل بدو الصلاح إلا مجرد الاسترخاص لا غير ذلك؛ لأنها قد تسلم فترخص عليه أو يتلف بعضها إذا كان أقل من الثلث، فيكون غاليًا، وبعد بدو الصلاح له غرض في ذلك من الانتفاع بها وأكلها رطبة؛ فلذلك جاز هذا وعفي عن الغرر لأجله. وقال غيره من أصحابنا: إن الغرر قبل بدو الصلاح أكثر وبعد بدو الصلاح يقل ويندر، وكثير الغرر يبطل العقود ویسیره معفو عنه فيها؛ إذ لا يمكن تسليمها منه. وقال مالك في ((الموطأ): بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها من بيع الغرر. الثاني: أنه يفهم من قوله: ((يبدو)) أنه لا يشترط تكامله، فيكفي زهو بعض الثمرة وبعض الشجرة مع حصول المعنى المقصود وهو الأمان من العاهة، وقد جرت حكمة الله أن لا تطيب الثمار دفعة واحدة؛ لتطول مدة التفكه والانتفاع. قال الحافظ: اختلف السلف في قوله: ((حتى يبدو صلاحها)» هل المراد به جنس الثمار حتى لو بدا الصلاح في البستان من البلد مثلًا؛ جاز بيع ثمرة جميع البساتين وإن لم يبد الصلاح فيها. أو لا بد من بدو الصلاح في كل بستان على حدة، أو لا بد من بدو الصلاح في كل جنس على حدة، أو في كل شجرة على حدة على أقوال. والأول قول الليث، وهو عند المالكية بشرط أن يكون الصلاح متلاحقًا، والثاني قول أحمد وعنه رواية كالرابع، والثالث قول الشافعية. قال الحافظ: ويمكن أن يؤخذ ذلك من التعبير ببدو الصلاح؛ لأنه دال على ٤٨١ كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الْمُنْهِي ◌َنْهَا مِنَ الْبُيُوعِ الاكتفاء بمسمى الإزهاء من غير اشتراط تكامله، فيؤخذ منه الاكتفاء بزهو بعض الثمرة وبزهو بعض الشجرة مع حصول المعنى وهو الأمن من العاهة، وأيضًا فلو قيل بإزهاء الجميع لأدى إلى فساد الحائط أو أكثره، وقد مَنَّ الله تعالى بكون الثمار لا تطيب دفعة واحدة ليطول زمن التفكه بها. انتهى. وقال القسطلاني: بدو الصلاح في شجرة ولو في حبة واحدة ليستتبع الكل إذا اتحد البستان والعقد والجنس، فیتبع ما لم يبد صلاحه ما بدا صلاحه إذا اتحد فيهما الثلاثة. واكتفى ببدو صلاح بعضه؛ لأن الله تعالى امتن علينا فجعل الثمار لا تطيب دفعة واحدة؛ إطالةً لزمن التفكه، فلو اعتبرنا في البيع طيب الجميع لأدى إلى أن لا يباع شيء قبل كمال صلاحه، أو تباع الحبة بعد الحبة وفي كل منهما حرج كما لا يخفى. انتهى. وراجع لمزيد من التفصيل إلى ((المغني)) (ج ٤ ص ٨٧)، و((المنتقى)) للباجي (ج ٤ ص ٢١٩)، و((طرح التثريب)) (ج ٦ ص ١٢٨) للولي العراقي وفتاوى ابن تيمية (ج ٢٩ ص ٣٧، ٣٨، ٣٩) الثالث أن الحديث دليل على النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وقد اختلف في ذلك على أقوال: فقيل: يبطل مطلقا أي: سواء كان بشرط القطع أو بشرط التبقية والترك، أو كان على الإطلاق وهو قول ابن أبي ليلى، ووهم من نقل الإجماع على البطلان، وقيل: يجوز مطلقًا ولو شرط التبقية وهو قول يزيد بن أبي حبيب، ووهم من نقل الإجماع فيه أيضًا، وقيل: إن شرط القطع لم يبطل وإلا بطل وهو قول الشافعي وأحمد والجمهور ورواية عن مالك، وقيل: يصح إن لم يشترط التبقية، والنهي فيه محمول على بيع الثمار قبل أن توجد أصلاً وهو قول أكثر الحنفية. وقيل: هو على ظاهره لكن النهي فيه للتنزيه؛ كذا في ((الفتح)). قلت: بيع الثمار قبل بدو الصلاح له ثلاثة أحوال: إحداها: بيعها بشرط التبقية والترك وقد حكى غير واحد الإجماع على بطلانه: منهم النووي. قال ابن قدامة: لا يخلو بيع الثمرة قبل بدو صلاحها من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يشتريها بشرط التبقية، فلا يصح البيع إجماعًا؛ لحديث ابن عمر، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول بجملة هذا الحدیث. انتهى. ٤٨٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وقال الباجي: إن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها يقع على ثلاثة أوجه: منها: أن يشترط التبقية، وهذا لا خلاف في منعه إلا ما رُوي عن يزيد بن أبي حبيب في العربية، ووجه منعه أن المنفعة تقل في ذلك والغرر يكثر؛ لأنه لا يكون مقصودها إلا ما يؤول إليه من الزيادة وذلك مجهول؛ ولأن الجوائح تكثر فيها، فلا يعلم الباقي منها ولا على أي صفة تكون عند بدو صلاحها، وأما إذا بدا صلاح الثمرة، فقد تناهى عظمها وكثر الانتفاع بها وقلت الجائحة فيها. وقال النووي: إن باعها بشرط التبقية فالبيع باطل بالإجماع؛ لأنه ربما تلفت الثمرة قبل إدراكها، فيكون البائع قد أكل مال أخيه بالباطل، كما جاءت به الأحاديث، وعلله الحنفية بأنه شرط لا يقتضيه العقد وهو شغل ملك الغير، وبأنه جمع بين الصفقتين وهو إعارة أو إجارة في بيع. الحالة الثانية: بيعها بشرط القطع وقد حكى غير واحد الإجماع على صحته: منهم النووي وابن قدامة والباجي وابن الهمام. قال ابن قدامة: القسم الثاني: أن يبيعها بشرط القطع في الحال، فيصح بالإجماع؛ لأن المنع إنما كان خوفًا من تلف الثمرة وحدوث العاهة عليها قبل أخذها، بدليل ما روى أنس أن النبي وَّ نهى عن بيع الثمار حتى تزهو. قال: ((أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه)). رواه البخاري، وهذا مأمون فيما يقطع؛ فصح بيعه كما لو بدا صلاحه. انتهى. وقال النووي: إن باع الثمر قبل بدو صلاحها بشرط القطع؛ صح بالإجماع؛ قال أصحابنا: ولو شرط القطع ثم لم يقطع، فالبيع باق على صحته ويلزمه البائع بالقطع، فإن تراضيا على إبقائه؛ جاز. قالوا: وإنما يجوز البيع بشرط القطع إذا كان المقطوع منتفعا به، فإن لم تكن فيه منفعة كالجوز والكمثرى؛ لم يصح بيعه بشرط القطع. وقال الباجي بعد ذكر الحالة الثانية - أعنى: البيع بشرط القطع: إنه لا خلاف في جوازه؛ لأنه باع ما لا غرر في بيعه، ولا تدخله زيادة ولا نقص لجده إياه عقيب العقد. انتهى. قال النووي: وإنما صححنا البيع بشرط القطع للإجماع، فخصصنا الأحاديث بالإجماع فيما إذا شرط القطع. انتهى. وفيه: أنه ذهب ابن حزم إلى منع البيع في هذه الصورة أيضًا، قال: وممن منع من بيع الثمرة قبل بدو صلاحها مطلقًا لا بشرط ولا لغيره سفيان الثوري وابن أبي ليلى. انتهى. ٤٨٣ كِتّابُ البُيُوعِ بَابَ المُنْهِي عِنْهَا مِنَ الْبُيُوعِ وهذا يقدح في دعوى الإجماع. واستدل بعضهم على جواز البيع قبل بدو الصلاح بشرط القطع بحديث أنس الآتي، فإنه علل المنع بخوف تلف الثمرة قبل أخذها، وهو مأمون فيما كان بشرط القطع وقطع بعد البيع. الحالة الثالثة: بيعها مطلقًا من غير شرط قطع ولا تبقية، ومقتضى الحديث في هذه الحالة البطلان، وبه قال الشافعي وأحمد وجمهور العلماء من السلف والخلف، وذهب أبو حنيفة إلى الصحة، وعن مالك قولان كالمذهبين. قال ابن شاس في ((الجواهر)): سببهما الخلاف في إطلاق العقد هل يقتضي التبقية فيبطل كما في اشتراطها أو القطع فيصح كاشتراطه، والأول رأي البغداديين في حكايتهم عن المذهب، وتابعهم عليه الشيخ أبو محمد وأبو إسحاق التونسي ومن وافقهما من المتأخرين، والثاني هو ظاهر ((المدونة)) عند أبي القاسم بن محرز وأبي الحسن اللخمي ومن وافقهما من المتأخرين؛ استقراء من قوله في كتاب البيوع الفاسدة، فيمن اشترى ثمرة نخل قبل أن يبدو صلاحها، فجذها قبل بدو الصلاح: البيع جائز إذا لم يكن في أصل بيع شرط أن يتركها حتى يبدو صلاحها . ووجه هذا القول: صرف الإطلاق إلى العرف الشرعي كما بعد الزهو، ولأن التبقية انتفاع بملك آخر لم يشترط ولم يقع البيع عليه، كذا في ((طرح التثريب)). وقال الباجي: الوجه الثالث: إطلاق العقد فيها، فالمشهور عن مالك منعه، وبه قال الشافعي. وروى ابن القاسم في البيوع الفاسدة من ((المدونة)) جوازه، ويكون مقتضاه الجد، وبه قال أبو حنيفة. ثم بسط الكلام في الاستدلال للقول المشهور، وفي الرد على من احتج بخلاف ذلك. وقال ابن قدامة: القسم الثالث: أن يبيعها مطلقًا ولم يشترط قطعًا ولا تبقية، فالبيع باطل. وبه قال مالك والشافعي وأجازه أبو حنيفة. لأن إطلاق العقد يقتضي القطع فهو كما لو اشترطه. انتهى. قلت: وأجاب الحنفية عن هذا الحديث بأجوبة منها أن المراد به بيع الثمار قبل أن توجد وتخلق، فهو كالحديث الوارد في النهي عن بيع السنين، وفيه أن هذا مخالف لتفسير بدو الصلاح في الحديث بأنه صفرته وحمرته وبأنه صلاحه للأكل منه، وبأنه ذهاب عاهته، وبأن ذلك عند طلوع الثريا أي: مقارنة للفجر. ومنها: أن النهي هنا ليس للتحريم وإنما هو على سبيل التنزيه والأدب والمشورة عليهم؛ لكثرة EDOWE ٤٨٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ما كانوا يختصمون إليه فيه، وفيه أن الأصل في النهي للتحريم حتى يصرفه عن ذلك صارف، ووافق بعض الحنفية الجمهور على بطلان البيع قبل بدو الصلاح من غير شرط؛ اتباعًا للحديث، وإليه ذهب قاضي خان كما سيأتي. قال الباجي: إن الذي روى ابن عمر النهي عن ذلك، والنهي يقتضي التحريم، فلا يعدل عن مقتضاه إلا بدليل. وأما ما أوردوه فهو تأويل من زيد بن ثابت، فلا يرد به ظاهر نهي النبي ◌َّ، وأجيب أيضا بأنه يحتمل أن يكون النبي ◌َّ أشار بذلك أولا ثم حرمه لهذا المعنى، وبأن التأويل المذكور لا يصح على أصل الحنفية؛ لأن بيعه على الإطلاق إنما يقتضي عندهم الجد والتبقية فيه محرمة، وهذا يمنع من أن يكون نهيه على وجه المشورة، ويوجب أن يكون على التحريم. انتهى. قلت: بيع الثمرة قبل بدو الصلاح في صورة إطلاق العقد عند الحنفية أيضًا مختلف فيه . قال ابن الهمام: لا خلاف في عدم جواز بيع الثمرة قبل أن تظهر ولا في عدم جوازه بعد الظهور قبل بدو الصلاح بشرط الترك، ولا في جوازه قبل بدو الصلاح بشرط القطع فيما ينتفع به، ولا في الجواز بعد بدو الصلاح، والخلاف إنما في بيعها قبل بدو الصلاح لا بشرط القطع، فعند الشافعي ومالك وأحمد: لا يجوز، وعندنا إن كان بحال لا ينتفع به في الأكل ولا في علف الدواب فيه خلاف بين المشائخ، قيل: لا يجوز ونسبه قاضي خان لعامة مشائخنا، والصحيح أنه يجوز؛ لأنه مال منتفع به في ثاني الحال إن لم يكن منتفعًا به في الحال. وقد أشار محمد في كتاب الزكاة إلى جوازه. قال ابن الهمام: والحيلة في جوازه باتفاق المشائخ أن يبيع الكمثرى أول ما تخرج مع أوراق الشجر، فيجوز فيها تبعًا للأوراق کأنه ورق کله، وإن كان بحيث ينتفع به ولو علفًا للدواب، فالبيع جائز باتفاق أهل المذهب إذا باع بشرط القطع أو مطلقًا، ويجب قطعه على المشتري في الحال. انتهى. ومن الأجوبة التي أجاب بها الحنفية هو أن الحديث ورد في السلم، وذلك لأن أهل المدينة قبل مقدمه وقالخالد كانوا يسلفون في الثمار لسنة أو سنتين، فنهى عن ذلك إلا أن يسلفوا في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم. ويشترط في بيع السلم وجدان المبيع من حين العقد ٤٨٥ كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الْمَنْهَى عَنْهَا مِنَ الْبُيُوع إلى وقت التسليم عندنا الحنفية فلا بد أن يكون بعد البدو والأمن من العاهات. والحاصل: أن النهي عن البيع قبل البدو ليس في البيوع العامة، بل في السلم خاصة، وقد عملنا فيه بمنطوق الحديث ومفهومه، فكأن الحديث من باب وحملوه على باب، فأوجب فساد المعنى، كذا ذكره بعض الحنفية، ولا يخفى بطلان هذا التأويل على المتأمل؛ لأن حديث النهي عن البيع قبل بدو الصلاح عام وحمله على السلم خاصة من غير دليل ادعاه محض؛ فلا يلتفت إليه. البحث الرابع: في الحديث أن مقتضى قوله: ((حتى يبدو صلاحها)» جواز بيعها بعد بدو الصلاح مطلقا وبشرط القطع وبشرط التبقية؛ لأن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، وقد جُعل النهي ممتدًا إلى غاية بدو الصلاح، والمعنى فيه أن تؤمن فيها العاهة وتغلب السلامة، فيوثق بحصولها للمشتري بخلاف ما قبل بدو الصلاح، فإنه بصدد الغرر، وإلى الفرق بين ما قبل ظهور الصلاح وبعده ذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور. وقال أبو حنيفة: لا يصح بيعها في هذا الحالة بشرط التبقية، فسوَّى بين ما قبل بدو الصلاح وما بعده. وقد فرق في الحديث بين الحالتين وغاير بين حكمهما، وقد صرح أصحابه أنه صحح البيع حالة الإطلاق قبل بدو الصلاح وبعده، وأبطله بشرط التبقية قبله وبعده، وعلى هذا يكون قيد قبل البدو في النص لغوًّا لا تظهر له فائدة، فإن الحكم عند وجوده وعدمه سواء عندهم من غير فرق، وفيه مخالفة للحديث مفهومًا ومنطوقًّا . قال ابن قدامة: إذا بدا الصلاح في الثمرة؛ جاز بيعها مطلقًا وبشرط التبقية إلى حال الجذاذ وبشرط القطع، وبذلك قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز بشرط التبقية إلا أن محمدًا قال: إذا تناهى عظمها جاز. واحتجوا بأن هذا شرط الانتفاع بملك البائع على وجه لا يقتضيه العقد، فلم يجز. ولنا أن النبي ◌َّ نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها. فمفهومه إباحة بيعها بعد بدو صلاحها، والمنهي عنه قبل بدو الصلاح عندهم البيع بشرط التبقية؛ فيجب أن يكون ذلك جائزًا بعد بدو الصلاح وإلا لم يكن بدو الصلاح غاية ولا فائدة في ذكره، ولأن النبي وَّ نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها وتأمن العاهة، وتعليله بأمن العاهة يدل على التبقية؛ لأن ما يقطع في الحال لا يخاف العاهة عليه، وإذا بدا الصلاح؛ فقد أمنت العاهة، فيجب أن يجوز بيعه مبقّى لزوال علة المنع. انتهى. ٤٨٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وقال الشوكاني: ظاهر أحاديث الباب المنع من بيع الثمر قبل الصلاح، وإن وقوعه في تلك الحالة باطل، كما هو مقتضى النهي. ومن ادعى أن مجرد شرط القطع يصحح البيع قبل الصلاح، فهو محتاج إلى دليل يصلح لتقييد أحاديث النهي، ودعوى الإجماع على ذلك لا صحة لها كما عرفت أن أهل القول الأول يعني المذكور في كلام الحافظ، يقولون بالبطلان مطلقًا. وقد عوَّل المجوزون مع شرط القطع في الجواز على علل مستنبطة فجعلوها مقيدة للنهي، وذلك مما لا يفيد من لم يسمح بمفارقة النصوص لمجرد خيالات عارضة وشبه واهية تنهار بأيسر تشكيك، فالحق ما قاله الأولون من عدم الجواز مطلقًا، وظاهر النصوص أيضا أن البيع بعد ظهور الصلاح صحيح سواء شرط البقاء أم لم يشترط؛ لأن الشارع قد جعل النهي ممتدًا إلى غاية بدو الصلاح، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها، ومن ادعى أن شرط البقاء مفسد فعليه الدليل ولا ينفعه في المقام ما ورد من النهي عن بيع وشرط؛ لأنه لا يلزمه في تجويزه للبيع قبل الصلاح مع شرط القطع وهو بيع وشرط، وأيضا ليس كل شرط في البيع منهيًّا عنه، فإن اشتراط جابر بعد بيعه للجمل أن يكون له ظهره إلى المدينة قد صححه الشارع وهو شبيه بالشرط الذي نحن بصدده. انتهى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢ ص٧، ٤٦، ٥٢، ٦٣، ٧٠، ١٥٠) ومالك والشافعي في ((الأم)) و((المسند)) و((السنن)) وأبو داود والنسائي وابن ماجه وعبد الرزاق (ج ٨ ص ٦٢) والدارمي والبيهقي (ج ٥ ص ٢٩٩) والبغوي (ج ٨ ص ٩٢) وابن أبي شيبة (ج ٦ ص ٥٠٧، ٥١٠) (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ) أي: ما عليه من الثمر، وذكر النخل في هذه الطريق؛ لكونه الغالبَ عندهم. وأطلق في غيرها، فلا فرق بين النخل وغيره في الحكم (حَتَّى تَزْهُو) بالتأنيث؛ لأن النخل يؤنث ويذكر. قال تعالى: ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحَاقَّة: الآية ٧] و ﴿نَخْلٍ ◌ُنْفَعِ﴾ [القمر: الآية ٢٠] يقال: زها النخل يزهو؛ ظهرت ثمرته، وأزهى يُزهي؛ احمر أو اصفر، وقيل: هما بمعنى الاحمرار ومنهم من أنكر يزهو فلا يقال عندهم في النخل: يزهو، وإنما يقال: يُزهي لا غيره، ومنهم من أنكر يزهي، والصواب اللفظان، فإن اللغتين قد جاءتا. ففي ((صحيح البخاري)) في حديث أنس نهى عن بيع الثمر حتى تزهو فقلنا لأنس: ما زهوها؟ قال: تحمر أو تصفر. وفي رواية: كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الْمُنْهِى عَنْهَا مِنَ الْبُيُوع ٤٨٧ ((نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وعن النخل حتى تزهو. قيل: وما تزهو؟ قال: تحمار أو تصفار)). وفي أخرى كما سيأتي: نهى عن بيع الثمار حتى تُزهي قيل: وما تُزهى؟ قال: حتى تحمر. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج ٤ ص ٥): يستعمل زها وأزهى ثلاثيًّا ورباعيًّا. قال في ((الصحاح)) (ج ٦ ص ٢٣٧٠): يقال: زها النخل يزهو زهوًّا؛ إذا بدت فيه الحمرة أو الصفرة، وأزهى لغة حكاها أبو زيد ولم يعرفها الأصمعي. انتهى. ووقع رباعيًّا في الصحيح وثلاثيًّا عند مسلم كلاهما من حديث أنس. انتهى كلام الزيلعي. وقال في ((القاموس)): زها النخل: طال كأزهى، والبسر: تلون، كأزهى (وَعَنِ السُّنْبُلِ) بضم السين المهملة وسكون النون وضم الموحدة جنس مفرده سنبلة أي: ونھی عن بيع حبه (حَتَّى يَبْیَضَّ) بتشديد المعجمة أي: يشتد حبه، وذلك بدو صلاحه (وَيَأْمَنَ العَاهَةَ) أي: الآفة تصيبه فتفسده. والجملة من باب عطف التفسير. قال في ((النهاية)): العاهة: الآفة التي تصيب الثمار والزروع قبل نضوجها فتفسدها أو تهلكها. يقال: عاه القوم وأعوهوا؛ إذا أصابت ثمارهم أو زروعهم؛ أو ماشيتهم العاهة. انتهى. قال ابن الملك: في الحديث جواز بيع الحب في سنبله وبه قلنا؛ تشبيها بالجوز واللوز يباعان في قشرهما. انتهى. وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج ٥ ص ٤١): ظاهر قوله: ((وعن السنبل حتى يبيض)) يوجب جواز بيع الحب في سنبله إذا اشتد وابيض؛ لأنه حرمه إلى غاية فحكمه بعد بلوغ الغاية بخلاف حكمه قبلها، وإليه ذهب أصحاب الرأي ومالك بن أنس، وشبهوه بالجوز واللوز يباعان في قشرهما. وقال الشافعي: لا يجوز بيع الحب في السنبل؛ لأنه غرر وقد نهي عن بيع الغرر. والمقصود من السنبل حبه وهو مجهول بينك وبينه لا يُدرى هل هو سليم في باطنه أم لا، فيفسد البيع من أجل الجهالة والغرر، كبيع لحم المسلوخة في جلدها واحتج بأن النهي عن بيع الحب في السنبل معلول بعلتين، أما قبل أن يبيض ويشتد، فلأجل الآفات والجوائح، وأما بعد ذلك؛ فلأجل الجهالة وعدم المعرفة به، وقد يتوالى على الشيء علتان وموجبهما واحد فترتفع إحداهما وهو بحاله غير منفك عنه، وذلك كقوله تعالى ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَجِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: الآية ٢٣٠] وكان معلومًا أن تحليلها للزوج الأول لا يقع بنفس نكاح الزوج الثاني وبعقده عليها حتى يدخل بها ويصيبها، ثم يطلقها وتنقضي عدتها منه، وأما بيع الجوز في ٤٨٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ قشره، فإنه غرر معفو عنه؛ لما فيه من الضرورة وذلك أنه لو نزع لبه عن قشره أسرع إليه الفساد والعفن، وليس كذلك البر والشعير وما في معناهما؛ لأن هذه الحبوب تبقى بعد التذرية والتنقية المدة الطويلة من الأيام والسنين، فأما ما لا ضرورة فيه من بقاء قشره الأعلى، فإن البيع غير جائز معه، حتى ينزع، فكذلك قياس الحب في السنبل. انتهى. وقال النووي: في الحديث دليل لمذهب مالك والكوفيين وأكثر العلماء أنه يجوز بيع السنبل المشتد. وأما مذهبنا، ففيه تفصيل، فإن كان السنبل شعيرًا أو ذرة أو ما في معناهما مما تُرى حباته؛ جاز بيعه، وإن كان حنطة أو نحوها مما تستر حباته بالقشور التي تزال بالدياس ففيه قولان للشافعي، الجديد أنه لا يصح. وهو أصح قوليه، والقديم أنه يصح. وأما قبل الاشتداد، فلا يصح بيع الزرع إلا بشرط القطع كما ذكرنا، وإذا باع الزرع قبل الاشتداد مع الأرض بلا شرط؛ جاز تبعًا للأرض. وكذا الثمر قبل بدو الصلاح إذا بيع مع الشجر، جاز بلا شرط تبعًا، وهكذا حكم البقول في الأرض لا يجوز بيعها في الأرض دون الأرض إلا بشرط القطع، وفروع المسألة كثيرة قد نقحت مقاصدها في ((روضة الطالبين)). و((شرح المهذب)) وجمعت فيها جملا متكثرات. انتهى. وفي ((قواعد ابن رشد)): جوز بيع الحب في سنبله جمهور العلماء: أبو حنيفة ومالك وأهل المدينة والكوفة، وحجتهم ما روى نافع عن ابن عمر أنه منَالَّ نهى عن بيع النخل حتى تزهي وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة. وهي زيادة على ما رواه مالك من هذا الحديث. والزيادة إذا كانت من الثقة مقبولة، وروي عن الشافعي أنه لما وصلته هذه الزيادة؛ رجع عن قوله، وذلك أنه لا يصح عنده قياس مع وجود الحديث. وذكر البيهقي في باب بيع الحنطة في سنبلها حديث النهي عن بيع الغرر. قال ابن التركماني: تقدم في باب بيع العين الغائبة أن الغرر ما لم يدر أيكون أم لا ، كالسمك في الماء والحنطة في السنبل موجودة معلومة بالمشاهدة وصارت كالشعير في سنبله، فإنه يجوز عند الشافعي وأصحابه. انتهى. ورواية مسلم هذه أخرجها أيضا أحمد (ج ٢ ص ٥) والتر مذي وأبو داود والنسائي والبيهقي (ج ٥ ص ٣٠٣) والبغوي (ج ٨ ص ٩٣) وحديث ابن عمر في النهي عن البيع قبل بدو الصلاح، رواه أحمد مرارًا بألفاظ مختلفة متقاربة المعنى مختصرًا ومطولًا . كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الْمُنْهِي ◌َنْهَا مِنَ الْبُيُوع ISE ٤٨٩ ٢٨٦٤ - [٧] وَعَنْ أَنَس قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللّهِ ◌ِّهِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ قِيلَ: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: حَتَّى تَحْمَرَّ، وَقَالَ: ((أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَّعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأْخُذُ أحَدُكُم مَالَ أَخِيه؟)). [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشرح ٢٨٦٤ - قوله: (نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّه عَنْ بَيْع الثِّمَارِ) منفردًا عن النخل نهي تحريم (حَتَّى تُزْهِيَ) بضم الفوقية من أزهى بالياء. قال الخليل: أزهى النخل؛ بدا صلاحه. وفي رواية: (تزهو)) بالواو كما تقدم، وصوبها بعضهم وأنكر الياء، وصوب الخطابي الياء فقال: هذه الرواية هي الصواب، فلا يقال في النخل: تزهو، إنما يقال: ((تُزهي)) لا غير. وقال ابن الأثير: الصواب الروايتان على اللغتين، يقال: زها يزهو؛ إذا ظهرت ثمرته، وأزهى يُزهي؛ إذا احمر أو اصفر؛ ذكره الزرقاني. وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)): أزهت واحمرت وبدا صلاحها ألفاظ مختلفة وردت في الأحاديث الثابتة معانيها كلها متفقة. انتهى. وقال الباجي: يقال: أزهى الثمر؛ إذا بدا صلاحه، والزهو: النور والمنظر الحسن، ويحتمل أن يكون مأخوذًا منه؛ لأنها حينئذ يحسن منظرها ويكمل حسنها (قِيلَ: وَمَا تُزْهِيَ؟) أي: ما معنى قولك: ((حتى تزهي؟)) قال الباجي: إن قيل: هذه لفظة عربية، فكيف تخفى على من معه رَّله من العرب حتى يسألوه عنها؟ فالجواب: أن ذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون لغة لبعض العرب دون بعض فسأل عنها من ليست من لغته. والثاني: أن تكون لفظة مستعارة لها من حسنها في ذلك الوقت وجمال منظرها، فكأنه قال: حتى تحسن الثمرة فاحتاج السائل أن يسأل عن جنس الحسن الذي يبيح بيعها، فأخبره أن زهاءها حسنها بحمرتها، ولم يسم السائل في هذه الرواية ولا المسئول أيضا. وقد رواه النسائي من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن حميد عن أنس بلفظ: ((قيل : يا رسول الله وما تزهي؟ قال: ((تحمر)). وهكذا أخرجه الطحاوي من طريق يحيى بن أيوب (٢٨٦٤) أخرجه البخاري (٢١٩٨)، ومسلم (١٥٥٥). ٤٩٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ وأبو عوانة من طريق سليمان بن بلال كلاهما عن حميد. وظاهره الرفع. ورواه إسماعيل ابن جعفر عن حميد موقوفًا على أنس عند البخاري في باب بيع المخاصرة، وفيه: قلنا لأنس: ما زهوها؟ قال: تحمر أوتصفر. وفي رواية مسلم من هذا الوجه: فقلت لأنس ۔ و کذلك رواه أحمد عن يحيى القطان عن حميد، لكن قال: قيل لأنس: ما تزهو؟ (قَالَ) وَّهِ، أو أنس (حَتَّى تَحْمَرَّ) بتشديد الراء بغير ألف. قال الباجي: يعني: تظهر على خضرة البلح حمرة، وهو أول ما يتغير لون البلح إلى الحمرة، فذلك هو الإزهاء، ثم يكون منه ما يصفر ومنه ما يستكهم حمرته ويكمل في جميعه، فيكون بسرًا (وَقَالَ: أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ) بأن تلفت (بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟). قال القسطلاني: بحذف ألف ((ما)) الاستفهامية عند دخول حرف الجر مثل قولهم: فيم، وعلام، وحتام، ولما كانت ((ما)) الاستفهامية متضمنة للهمزة ولها صدر الكلام ناسب أن يقدر أبم؟ والهمزة للإنكار، فالمعنى: لا ينبغي أن يأخذ أحدكم مال أخيه باطلًا؛ لأنه إذا تلفت الثمرة لا يبقى للمشتري في مقابلة ما دفعه شيء، وفيه إجراء الحكم على الغالب؛ لأن تطرق التلف إلى ما بدا صلاحه ممكن، وعدم تطرقه إلى ما لم يبد صلاحه ممكن، فأنيط الحكم بالغالب في الحالتين، واختلف في هذه الجملة هل هي موقوفة أو مرفوعة؟ فصرح مالك بالرفع وتابعه محمد بن عباد عن عبد العزيز الدراوردي عن حميد مقتصرًا على هذه الجملة الأخيرة، وجزم الدار قطني وغير واحد من الحفاظ بأنه أخطأ فيه، وبذلك جزم ابن أبي حاتم في ((العلل)) عن أبيه وأبي زرعة، والخطأ في رواية عبد العزيز بن محمد بن عباد، فقد رواه إبراهيم بن حمزة عن الدراوردي كرواية إسماعيل بن جعفر الآتي ذكرها. ورواه معتمر بن سليمان وبشر بن المفضل عن حميد فقال فيه: قال: ((أفرأيت ... )) إلخ. قال: فلا أدري أنس قال: بم يستحل أو حدث به عن النبي وَالر. أخرجه الخطيب في ((المدرج)). ورواه إسماعيل بن جعفر عن حميد، فعطفه على كلام أنس في تفسير قوله: ((تزهي))، وظاهره الوقف. وأخرجه الجوزقي من طريق يزيد بن هارون، والخطيب من طريق أبي خالد الأحمر كلاهما عن حميد بلفظ: قال أنس: أرأيت إن منع الله الثمرة ... الحديث. ورواه ابن المبارك وأبو هشيم كما تقدم آنفًا عن حميد، فلم يذكرا هذا القدر المختلف فيه، كِتَابُ البُيُوع بَابُ الْمَنْهِيِ عنْهَا مِنَ الْبُيُوع ٤٩١ وتابعهما جماعة من أصحاب حميد عنه على ذلك. وقال الدارقطني : خالف مالكًا جماعة منهم ابن المبارك وهشيم ومروان بن معاوية ويزيد بن هارون، فقالوا فيه : قال أنس: أرأيت إن منع الله الثمرة؟ ... الحديث. قال الحافظ: وليس في جميع ما تقدم ما يمنع أن يكون التفسير مرفوعًا؛ لأن مع الذي رفعه زيادة علم على ما عند الذي وقفه، وليس في رواية الذي وقفه ما ينفي قول من رفعه. وقد روى مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر ما يقوي رواية الرفع في حديث أنس، ولفظه: قال رسول الله وَله: ((لو بعت من أخيك ثمرًا فأصابته عاهة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟)) انتهى كلام الحافظ. وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (ج٢ ص ١٩٠): يزعم قوم أن قوله: ((أرأيت إن منع الله الثمرة، ففيم يأخذ أحدكم مال أخيه؟)) من قول أنس بن مالك، وهو باطل بما رواه مالك وغيره من الحفاظ في هذا الحديث؛ إذ جعلوه مرفوعًا من قول النبي وَلّ وقد روى أبو الزبير عن جابر عن النبي وَّل مثله. انتهى. واستدل بهذا الحديث على وضع الجوائح في الثمر، وسيأتي الكلام عليه في شرح حديث جابر الآتي بعد هذا. (مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٣ ص١١٥) ومالك والشافعي في (الأم)) وفي ((المسند)) وفي ((السنن)) والنسائي والبيهقي (ج٥ ص ٣٠٠) والبغوي(ج٨ ص٩٤). ٢٨٦٥ - [٨] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَ لَه عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ وَأَمَرَ بوضْعِ الجوائحِ. [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] الشرح ٢٨٦٥ - قوله: (نَھَى رَسُولُ اللَّهِ وَلِّلْ عَنْ بَيْع السِّنِينَ) بكسر السين جمع السنة بفتحها أي: بيع المعاومة وقد مرت ومعناه: أن يبيع ثمر الشجرة أو الشجرات (٢٨٦٥) أخرجه مسلم (١٥٣٦/ ١٠١)، (١٥٥٤/ ١٧). ٤٩٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ بأعيانها سنتين أوثلاثا أو أكثر، فيسمى بيع المعاومة وبيع السنين وهو باطل بالإجماع نقل الإجماع فيه المنذري وغيره؛ لحديث جابر هذا، وما في معناه من الأحاديث، لأنه بيع غرر؛ لأنه بيع معدوم ومجهول غير مقدور على تسليمه وغير مملوك للبائع. (وَأَمَرَ بِوَضْع الْجَوَائِح) بفتح الجيم جمع جائحة: وهي الآفة التي تصيب الثمار ونحوها، فتهلكها، يقالَ: جاحهم الدهر واجتاحهم، بتقديم الجيم على الحاء فيهما؛ إذا أصابهم بمكروه عظيم. قال الزرقاني: الجائحة لغة: المصيبة المستأصلة جمعها جوائح، وعرفا: ما أتلف من معجوز عن دفعه عادة قدرًا من ثمر أو نبات. انتهى. واعلم أنه لا خلاف أن البرد والقحط والعطش جائحة وكذلك كل ما كان آفة سماوية، أما ما كان من الآدمیین کالسرقة ففیه خلاف، منهم من لم يره جائحة؛ لقوله ود ليل في حديث أنس عند مسلم مرفوعا: ((إن لم يثمرها الله فيم يستحل أحدكم مال أخيه؟)). ومنهم من قال: إنه جائحة؛ تشبيها بالآفة السماوية . قال ابن قدامة (ج٤ ص ١٠٥): إن الجائحة كل آفة لا صنع للآدمي فيها كالريح والبرد والجراد والعطش لما روى الساجي بإسناده عن جابر أن النبي وَّ قضى في الجائحة، والجائحة تكون في البرد والجراد وفي الحبق والسيل وفي الريح. وهذا تفسير من الراوي لكلام النبي وَ لّر فيجب الرجوع إليه. وأما ما كان بفعل آدمي، فقال القاري: المشتري بالخيار بين فسخ العقد ومطالبة البائع بالثمن وبين البقاء عليه ومطالبة الجاني بالقيمة؛ لأنه أمكن الرجوع ببدله بخلاف التالف بالجائحة. انتھی . وقال الباجي: اختلف أصحابنا في معنى الجائحة، فعند ابن القاسم: إن ما لا يستطاع دفعه وإن علم به؛ فإنه جائحة، وما يستطاع دفعه إن علم به؛ فلا يكون جائحة كالسارق، قاله في ((كتاب ابن المواز)) وهو مذهب ابن نافع في ((المدونة)) وروي عن ابن القاسم في ((المدونة)) أن كل ما أصاب الثمرة بأي وجه كان؛ فهو جائحة: سارقًا كان أو غيره، وقال مطرف وابن الماجشون: لا يكون جائحة إلا ما أصاب الثمرة من السماء من عفن أو برد أو عطش أو فساد بحر أو برد أو بكسر الشجر، وأما ما كان من صنع آدمي؛ فليس بجائحة، ثم ذكر الباجي كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الُنْهِي عِنْهَا مِنَ الْبُيَوعِ ٤٩٣ 5 وجه الروايتين. وقال الأبي: فالمعجوز عن دفعه قال في ((المدونة)) كالجراد والنار والريح والغرق والبرد والمطر والطين الغالب والدود وعفن الثمرة في الشجر والسموم. قال ابن الحارث: اتفاقا في الجميع. واختلف في السارق والجيش والسلطان الغالب، فقال ابن القاسم وابن عبد الحكم: الجميع جائحة. وقال مطرف وابن الماجشون: ليست بجائحة. وقال ابن رشد: فرق ابن نافع، فجعل الجيش جائحة دون السارق. انتهى. ومعنى الحديث أنه دليل أمر بأن يترك البائع ثمن ما تلف بالآفة. وقد اختلف العلماء في الثمرة إذا بيعت بعد بدو الصلاح، فسلمها البائع إلى المشتري بالتخلية بينه وبينها، ثم تلفت قبل أوان الجذاذ بآفة سماوية هل تكون من ضمان البائع أو المشتري فقال الشافعي في الجديد وأبو حنيفة والليث بن سعد وآخرون: هي في ضمان المشتري، ولا يجب وضع الجائحة لكن يستحب. وقال الشافعي في القديم وأحمد وطائفة: هي في ضمان البائع، ويجب وضع الجائحة. وقال مالك: إن كانت دون الثلث؛ لم يجب وضعها وإن كانت الثلث فأكثر؛ وجب وضعها وكانت من ضمان البائع، وقد احتج كل فريق بحجج يأتي ذكرها في شرح الحديث الآتي. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٣ ص٣٠٩) وأبو داود والنسائي والشافعي في ((الأم)) وفي ((السنن)) وفي ((المسند)) والدار قطني والبيهقي (ج٥ ص٣٠٢ ص٣٠٦) والبغوي (ج٨ ص٩٩) وابن عبد البر في ((التمهيد)) (ج٢ ص١٩٥) وأخرجه ابن ماجه مقتصرًا على الجملة الأولى، وتكلم الشافعي على الجملة الثانية في ((الأم)) (ج ٣ ص٤٩) وقد ذكره البيهقي في ((السنن)). ٤٩٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ٢٨٦٦ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: (لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيَكَ ثَمَرًّا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ؛ فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيَكَ بِغَيْرِ حقٍ؟)) . [رَوَاهُ مُسْلِمْ] الشرح ٢٨٦٦ - قوله: (لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا) بالمثلثة (فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ) أي: آفة تهلك الثمرة (فَلَا يَحِلَّ لَكَ) قال الطيبي: هو جواب ((لو)) فإما يتمحل ويقال: إن ((لو)) بمعنى ((إن)) وإما أن يقدر الجواب و((فلا يحل)) عطف عليه، أي: لو بعت من أخيك ثمرًا فهلك؛ لا تأخذ منه شيئا، فلا يحل لك، والتكرير للتقرير، كما في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا﴾ [القَمَر: الآية ٩]. (أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ) أي: من أخيك (شَيْئًا) أي: في مقابلة الهالك (بِمَ) أي: بأي وجه أو بمقابلة أي شيء. (تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ) أي: من ثمن المشتري. قال القاري: استفهام إنكاري أي: كيف يجوز ذلك؟ والمعنى: لا يحل لك أخذ ماله (بِغَيْرِ حَقّ) قال القاري: الحق أن ظاهر الحديث مع الإمام مالك أي: ومن وافقه في وجوب وضع الجائحة، قال: ويمكن أن يقال: معنى الحديث: لو بعت من أخيك ثمرًا قبل الزهو. قلت: واستدل لذلك بحديث أنس المتقدم، قيل: إنما ورد وضع الجائحة فيما إذا بيعت الثمرة قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع، فيحمل مطلق الحديث في رواية جابر على ما قيد به في حديث أنس المتقدم. قال الشوكاني: الراجح الوضع مطلقًا من غير فرق بين البيع قبل بدو الصلاح وبعده. وما احتج به الأولون من حديث أنس يجاب عنه بأن التنصيص على الوضع مع البيع قبل الصلاح؛ لا ينافي الوضع مع البيع بعده ولا يصلح مثله لتخصيص ما دل على وضع الجوائح ولا لتقييده. انتهى. وقال السندي: ظاهر حديث جابر حرمة الأخذ ووجوب وضع الجائحة، وبه قال الإمام أحمد وأصحاب الحديث. قالوا: وضع الجائحة لازم بقدر ما هلك. (٢٨٦٦) أخرجه مسلم (١٥٥٤ / ١٤). ٤٩٥ كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الْمُنْهِي عِنْهَا مِنَ الْبُيُوعِ وقال الخطابي: هو لندب الوضع من طريق المعروف والإحسان عند الفقهاء ولا يخفى أن هذه الرواية تأبى ذلك جدًّا، وقيل: الحديث محمول على ما إذا هلك قبل تسليم المبيع إلى المشتري، فإنه في ضمان البائع بخلاف ما هلك بعد التسليم؛ لأن المبيع قد خرجٍ عن عهدة البائع بالتسليم إلى المشتري، فلا يلزمه ضمان ما يعتريه بعده، واستدلّ على ذلك بما روى مسلم وغيره عن أبي سعيد الخدري أن رجلًا أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال رسول الله بَّله: ((تصدقوا عليه)) فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال: ((خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك))، ولو كانت الجوائح موضوعة لم يصر مديونًا بسببها. انتهى كلام السندي. وأجاب الشوكاني عن هذا: بأن حديث أبي سعيد غير صالح للاستدلال به على محل النزاع؛ لأنه لا تصريح فيه بأن ذهاب ثمرة ذلك الرجل كان بعاهات سماوية، وأيضا عدم نقل تضمين بائع الثمرة لا يصلح للاستدلال به؛ لأنه قد نقل ما يشعر بالتضمين على العموم، فلا ينافيه عدم النقل في قضية خاصة. انتهى. وأجاب الطحاوي عن حديث جابر: بأن هذا في الأراضي الخراجية وحكمها إلى الإمام، فوضع الجوائح عنهم؛ لما فيه من مصالح المسلمين ببقاء العمارة وفيه أن حمل حديث جابر على الأراضي الخراجية تحكم محض، فلا يلتفت إليه، وقال ابن قدامة (ج٤ ص١٠٤): إن ما تهلكه الجائحة من الثمار من ضمان البائع، وبهذا قال أكثر أهل المدينة منهم يحيى بن سعيد الأنصاري ومالك وأبو عبيد - القاسم بن سلام - وجماعة من أهل الحديث، وبه قال الشافعي في القديم. وقال أبو حنيفة والشافعي في الجديد: هو من ضمان المشتري لما روي أن امرأة أتت النبي ◌ّ فقالت: إن ابني اشترى ثمرة من فلان فأذهبتها الجائحة، فسألته أن يضع عنه فتألى أن لا يفعل، فقال النبي وَثير: ((تَأَلَّى فلان أن لا يفعل خيرا)). متفق عليه. ولو كان واجبًا لأجبره عليه، ولأن التخلية يتعلق بها جواز التصرف، فتعلق بها الضمان كالنقل والتحويل. ولنا ما روى مسلم في ((صحيحه)) عن جابر فذكر الحديث الذي نحن في شرحه، وحديث جابر المتقدم، ثم قال: هذا صريح في الحكم، فلا یعدل عنه. قال الشافعي: لم يثبت عندي أن رسول الله وقليل أمر بوضع الجوائح ولو ثبت لم أعده، ولو كنت قائلا بوضعها لوضعتها في القليل والكثير. قلنا: الحديث ثابت رواه الأئمة منهم الإمام أحمد ويحيى بن معين وعلي بن حرب وغيرهم عن ٤٩٦ ** sese مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ابن عيينة عن حميد بن أعرج عن سليمان بن عتيق عن جابر. ورواه مسلم في ((صحيحه)) وأبو داود في ((سننه)) والنسائي وغيرهم، ولا حجة لهم في حديثهم، فإن فعل الواجب خير. فإذا تألَّى أن لا يفعل الواجب؛ فقد تألَّى أن لا يفعل خيرًا. فأما الإجبار، فلا يفعله النبي وَّ بمجرد قول المدعي من غير إقرار من البائع ولا حضوره؛ ولأن التخلية ليست بقبض تام بدليل ما لو تلفت بعطش عند بعضهم، ولا يلزم من إباحة التصرف تمام القبض بدليل المنافع في الإجارة يباح التصرف فيها، ولو تلفت كانت من ضمان المؤجر كذلك الثمرة، فإنها في شجرها كالمنافع قبل استيفائها توجد حالًا فحالًا، وقياسهم يبطل بالتخلية في الإجارة. انتهى كلام ابن قدامة. وقال القرطبي : في الأحاديث دليل واضح على وجوب إسقاط ما اجتيح من الثمرة عن المشتري، ولا يلتفت إلى قول من قال: إن ذلك لم يثبت مرفوعًا إلى النبي وَلَه؛ لأنه من قول أنس، بل الصحيح رفع ذلك من حديث جابر وأنس. انتهى. وأما ما حكي عن مالك من أنه قال: إن كانت الجائحة دون الثلث؛ لم يجب وضعها وإن كانت الثلث فأكثر؛ وجب وضعها وكانت من ضمان البائع، فليس على إطلاقه، بل فيه تفصيل، كما يظهر من كتب فروع المالكية إن شئت الوقوف عليه، فارجع إلى ((المنتقى)) وغيره. وقال ابن قدامة (ج٤ ص١٠٦): ظاهر المذهب يعني مذهب أحمد وأصحابه أنه لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها إلا أن ما جرت العادة بتلف مثله كالشيء اليسير الذي لا ينضبط، فلا يلتفت إليه. قال أحمد: إني لا أقول في عشر ثمرات ولا عشرين ثمرة، ولا أدري ما الثلث؟ ولكن إذا كانت جائحة تعرف الثلث أو الربع أو الخمس توضع. وفيه رواية أخرى أن ما كان بعد دون الثلث، فهو من ضمان المشتري وهو مذهب مالك والشافعي في القديم؛ لأنه لا بد أن يأكل الطير منها وتنثر الريح ويسقط منها، فلم يكن بد من ضابط وحد فاصل بين ذلك وبين الجائحة، والثلث قد رأينا الشرع اعتبره في مواضع. منها: الوصية وعطايا المريض، وتساوي جراح المرأة جراح الرجل إلى الثلث، قال الأثرم: قال أحمد: إنهم يستعملون الثلث في سبع عشرة مسألة، ولأن الثلث في حد الكثرة وما دونه في حد القلة بدليل قول النبي وَّ في الوصية: ((الثلث، والثلث كثير)) فيدل هذا على أنه آخر حد الكثرة. فلهذا قدر به. ووجه الأول عموم الأحاديث، فإن النبي ◌َّر أمر بوضع الجوائح. وما دون الثلث داخل فيه، فيجب كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ المُنْهِيِ عِنْهَا مِنَ الْبُيُوع ٤٩٧ HEOSE وضعه؛ ولأن هذه الثمرة لم يتم قبضها، فكان ما تلف منها من مال البائع، وإن كان قليلًا كالتي على وجه الأرض، وما أكله الطير أو سقط لا يؤثر في العادة، ولا يسمى جائحة، فلا يدخل في الخبر ولا يمكن التحرز منه، فهو معلوم الوجود بحكم العادة فكأنه مشروط، إذا ثبت هذا فإنه إذا تلف شيء له قدر خارج عن العادة؛ وضع من الثمن بقدر الذاهب. فإن تلف الجميع؛ بطل العقد، ويرجع المشتري بجميع الثمن، وأما على الرواية الأخرى، فإنه يعتبر ثلث المبلغ، وقيل : ثلث القيمة، فإن تلف الجميع أو أكثر من الثلث؛ رجع بقيمة التالف كان من الثمن. انتهى. والراجح عندنا: وجوب الوضع مطلقًا أي: من غير فرق بين القليل والكثير كما هو ظاهر مذهب الإمام أحمد. وارجع إلى ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (ص٢٨٨) طبعة الهند. و((التمهيد)) لابن عبد البر(ج ٢ ص ١٩٧). (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضا الشافعي في ((الأم)) وفي ((المسند)) وفي ((السنن)) وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي والدار قطني والبيهقي (ج٥ ص ٣٠٦) وابن عبد البر في ((التمهيد)) (ج٢ ص١٩٥). ٢٨٦٧ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانُوا يَبْتَاعُونَ الطَّعَامَ فِي أَعلَى السُّوقِ، فَيَبِيِعُونَه فِي مَكَانِهِ، فَتَهَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ وَلَّهِ عَنْ بَيْعِهِ فِي مَكَانِهِ حَتَّى ـ ــ يَنْقُلُوهُ. [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلَمْ أَجِدهُ فِي الصَّحِيحَیْنِ] الشرح ٢٨٦٧ - قوله: (كَانُوا يَبْتَاعُونَ الطَّعَامَ) بموحدة ساكنة بين المثناتين التحتية والفوقية أي: يشترونه، وفي رواية ((يتبايعون)) بتأخيرها عنهما وزيادة تحتية قبل العين (فِي أَعْلَى السُّوقِ) أي: في الناحية العليا منهما (فَيَبِيعُونَهُ) أي: الطعام (فِي مَكَانِهِ) أي: قبل القبض والاستيفاء. وهو المراد بالنقل كذا قالوا، وأيدوه بالفاء التعقيبية التي تدل على وقوع البيع بعد الابتياع بلا مهلة، والدليل الحديث الآتي (٢٨٦٧) بل هو في ((الصحيحين)): أخرجه البخاري (٢١٦٧)، ومسلم (١٥٢٧/ ٣٣)، وأبو داود (٣٤٩٤) . ٤٩٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ كذا في ((اللمعات)) (فَتَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ بَلَ عن بيعه فِي مَكَانِهِ حَتَّى يَنْقُلُوهُ) قال العيني: الغرض منه حتى يقبضوه؛ لأن العرف في قبض المنقول أن ينقل عن مكانه. وفي بعض طرق مسلم عن ابن عمر: كنا نبتاع الطعام، فيبعث علينا رسول الله وَلخير من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه. قال الزرقاني: لأن بنقله يحصل قبضه، وهذا قد خرج مخرج الغالب. والمراد: القبض. وقال محمد في ((موطئه)): إنما كان يراد بهذا القبض؛ لئلا يبيع شيئا من ذلك حتی یقبضه. وقال صاحب ((التعليق الممجد)): يعني ليس المقصود منه عدم جواز البيع في مكان الشراء، فإن الأمكنة كلها سواسية في ذلك، بل المقصود منه تحصيل القبض التام حتى لو جوز البيع هناك تسارع الناس إلى البيع قبل القبض في ذلك المكان. انتهى. وروى أحمد وأبو داود والدار قطني وابن حبان والحاكم عن زيد بن ثابت أن رسول الله وَّله نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. قال الأمير اليماني: فيه دليل على أنه لا يصح من المشتري أن يبيع ما اشتراه قبل أن يحوزه إلى رحله. والظاهر: أن المراد به القبض لكنه عبر عنه بما ذكر لما كان غالب قبض المشتري الحيازة إلى المكان الذي يختص به، وأما نقله من مكان إلى مكان لا يختص به، فعند الجمهور أن ذلك قبض. انتهى. وفي رواية للشيخين عن ابن عمر، قال: قد رأيت الناس في عهد رسول الله وَّ إذا ابتاعوا الطعام جزافًا يضربون أن يبيعوه في مكانهم ذلك حتى يؤدوه إلى رحالهم، وفي لفظ: ((حتى یحولوه)). وترجم له البخاري: (من رأی إذا اشترى طعامًا جزافًا؛ أن لا یبیعه حتى يؤديه إلى رحله والأدب في ذلك)). قال الحافظ : أي: تعزير من يبيعه قبل أن يؤديه إلى رحله، والحديث ظاهر فيما ترجم له، وبه قال الجمهور لكنهم لم يخصوه بالجزاف ولا قيدوه بالإيواء إلى الرحال، أما الأول: فلما ثبت من النهي عن بيع الطعام قبل قبضه فدخل فيه المكيل، وورد التنصيص على المكيل من وجه آخر عن ابن عمر مرفوعًا. أخرجه أبو داود. وأما الثاني: فلأن الإيواء إلى الرحال خرج مخرج الغالب. انتهى. كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الْمُنْهِي عِنْهَا مِنَ الْبُيُوعِ se ٤٩٩ وقال الشوكاني بعد ذكر روايات التحويل والنقل: فيه دليل على أنه لا يكفي مجرد القبض، بل لابد من تحويله إلى المنزل الذي يسكن فيه المشتري أو يضع فيه بضاعته. وقد قال صاحب ((الفتح)): إنه لا يعتبر الإيواء إلى الرحال؛ لأن الأمر به خرج مخرج الغالب، ولا يخفى أن هذه دعوى تحتاج إلى برهان؛ لأنه مخالفة لما هو الظاهر، ولا عذر لمن قال: إنه يحمل المطلق على المقيد من المصير إلى ما دلت عليه هذه الروايات. قال ابن الملك: في الحديث أن قبض المنقول بالنقل والتحويل من موضع إلى موضع. وقال الحافظ: في صفة القبض عند الشافعي تفصيل، فما يتناول باليد كالدراهم والدنانير والثوب فقبضه بالتناول، وما لا ينقل كالعقار والثمر على الشجر، فقبضه بالتخلية وما ينقل في العادة، كالأخشاب والحبوب والحيوان، فقبضه بالنقل إلى مكان لا اختصاص للبائع به، وفيه قول إنه يكتفى فيه بالتخلية. انتهى. وقال الخطابي في ((المعالم)): القبوض تختلف في الأشياء حسب اختلافها في أنفسها وحسب اختلاف عادات الناس فيها. فمنها: ما يكون بأن يوضع المبيع في يد صاحبه، ومنها: ما يكون بالتخلية بينه وبين المشتري، ومنها: ما يكون بالنقل من موضعه، ومنها: ما يكون بأن يكتال وذلك فيما يباع من المكيل كيلاً، فأما ما يباع منه جزافًا صبرة مضمومة على الأرض، فالقبض فيه أن ينقل ويحول من مكانه. وارجع لمزيد التفصيل في صفة القبض وكيفيته واختلاف العلماء في ذلك إلى ((المغني)) وإلى ((المنتقى)) للباجي. قال الخطابي: فإن ابتاع طعامًا كيلًا، ثم أراد أن يبيعه بالكيل الأول لم يجز حتى يكيله على المشتري ثانيًا؛ وذلك لما روي عن النبي وَله: أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري.، وممن قال: إنه لا يجوز بيعه بالكيل الأول حتى يكال ثانيًا أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق وهو مذهب الحسن البصري وابن سيرين والشعبي. وقال مالك: إذا باعه نسيئة؛ فهو المكروه، فأما إذا باعه نقدًا، فلا بأس أن يبيعه بالكيل الأول. وروي عن عطاء أنه أجاز بيعه بالكيل الأول مطلقا أي: نساءً كان أو نقدًا. قال الولي العراقي : في حديث ابن عمر أن من اشتری طعامًا ما ليس له بيعه حتى