النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ (نهى عن بيع الشاة باللحم)): هذا حديث صحيح الإسناد رواته عن آخرهم أئمة حفاظ ثقات وقد احتج البخاري بالحسن عن سمرة وقرره الذهبي. قال الشوكاني بعد ذكره وذكر أثر أبي بكر المذكور في كلام ابن قدامة وابن الهمام: ولا يخفي أن الحديث ينتهض للاحتجاج بمجموع طرقه، فيدل على عدم جواز بيع اللحم بالحيوان وإلى ذلك ذهب الشافعي؛ إذا كان الحيوان مأكولًا، وإن كان غير مأكول جاز عند مالك وأحمد والشافعي في أحد قوليه؛ لاختلاف الجنس. وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يجوز؛ لعموم النهي. وقال أبو حنيفة: يجوز مطلقًا، وقال محمد ابن الحسن: إن غلب اللحم جاز ليقابل الزائد منه الجلد. انتهى. وارجع لمزيد من البسط والتفصيل إلى ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (ج ١ ص ٢٠٥). ٨٤٥ ٢ - [١٦] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ وَّرَ: ((نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً)). [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، والدَّارِمِيُّ] الشرح ٢٨٤٥ - قوله: (نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً) بفتح النون وكسر السين المهملة وسكون التحتية بعدها همزة فهاء ككريمة، أي: بيع نسيئة أو بطريق النسيئة، وروى ((نسئة)) بحذف الياء كأخِرَة. يقال: نسأته البيع وفي البيع وأنسأته: بعته بنسئة بالضم وبنَسِئة كأخرة، وقال في ((مجمع البحار)): نسيئة بوزن كريمة وبإدغام وبحذف همزة وكسرة نون كجلسة فهي ثلاث لغات. انتهى. وظاهر الحديث تحريم بيع الحيوان بالحيوان نسيئة سواء اتحد الجنس أو اختلف. وللعلماء خلاف في ذلك وقد تقدم بيان تفصيل المذاهب في شرح حديث جابر في شراء العبد بعبدين . وحاصل ما تقدم من اختلاف الأئمة في ذلك أن بيع الحيوان بالحيوان يجوز (٢٨٤٥) أخرجه الترمذي (١٢٣٧)، وأبو داود (٣٣٥٦)، والنسائي (٤٦٢٠)، وابن ماجه (٢٢٧٠)، والدارمي (٢٦٠٦). ٤٢١ كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربا متماثلًا ومتفاضلًا إذا كان يدا بيد اتحد الجنس أو اختلف عند الأئمة الأربعة. وأما إذا كان البيع نسيئة، فيجوز كذلك عند الشافعي إذا كان النساء من أحد الطرفين، ولا يجوز عند مالك وأحمد وأبي حنيفة إذا اتحد الجنس إلا أن مالكًا أنزل اختلاف الصفات والمنافع المقصودة في الحيوان بمنزلة اختلاف الجنس، فأجاز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة مع اتحاد الجنس إذا اختلفت منافعها المقصودة منها من الحرث والجدي والحمل وغير ذلك. وقال الشوكاني في شرح حديث جابر في اشتراء عبد بعبدين وحديث أنس أن النبي ◌ُّ اشترى صفية بسبعة أرؤس عند أحمد ومسلم وابن ماجه: في الحديثين دليل على جواز بيع الحيوان بالحيوان متفاضلًا إذا كانا يدًا بيد، وهذا مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة . قال: والأحاديث والآثار متعارضة كما لا يخفى، فذهب الجمهور إلى جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة متفاضلاً مطلقًا، وشرط مالك أن يختلف الجنس، ومنع من ذلك مطلقا مع النسيئة أحمد بن حنبل وأبو حنيفة وغيره من الكوفيين، وتمسك الأولون بحديث عبد الله بن عمرو يعني الذي يأتي بعد حديث سمرة، وأجابوا عن حديث سمرة بما فيه من المقال كما سيأتي، وأوله الشافعي بأن المراد به النسيئة من الطرفين لأن اللفظ يحتمل ذلك كما يحتمل النسيئة من طرف، وإذا كانت النسيئة من الطرفين، فهي من بيع الكالئ بالكالئ وهو لا يصح عند الجميع، واحتج المانعون بحديث سمرة وبحديث جابر بن سمرة عند عبد الله بن أحمد في زيادات المسند، وحديث ابن عباس عند البزار والطحاوي وابن حبان والدار قطني وعبد الرزاق والبيهقي وابن الجارود بنحو حديث سمرة، واحتجوا أيضا بما في معنى ذلك من آثار الصحابة، وأجابوا عن حديث ابن عمرو بأنه منسوخ يعني بأحاديث تحريم الربا، ولا يخفى أن النسخ لا يثبت إلا بعد تقرر تأخر الناسخ ولم ينقل ذلك فلم يبق هاهنا إلا الطلب لطريق الجمع إن أمكن ذلك أو المصير إلى التعارض. قيل: وقد أمكن الجمع بما سلف عن الشافعي ولكنه متوقف على صحة إطلاق النسيئة على بيع المعدوم بالمعدوم، فإن ثبت ذلك في لغة العرب أو في اصطلاح الشرع فذاك وإلا فلا شك أن أحاديث النهي، وإن كان كل واحد منهما لا يخلو عن مقال لكنها ثبتت من طريق ثلاثة من الصحابة سمرة وجابر بن سمرة وابن ٤٢٢ see* * cesa مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ عباس، وبعضها يقوي بعضًا، فهي أرجح من حديث واحد غير خال عن المقال، وهو حديث عبد الله بن عمرو ولا سيما وقد صحح الترمذي وابن الجارود حديث سمرة فإن ذلك مرجح آخر، وأيضا قد تقرر في الأصول أن دليل التحريم أرجح من دليل الإباحة وهذا أيضا مرجح ثالث، وأما الآثار الواردة عن الصحابة فلا حجة فيها، وعلى فرض ذلك فهي مختلفة. انتهى كلام الشوكاني. قلت: قد روي عن ابن عمر مرفوعا نحو حديث سمرة أخرجه الطحاوي والطبراني في ((الكبير)). قال الهيثمي بعد عزوه للطبراني: وفيه محمد بن دينار وثقه ابن حبان وغيره وضعفه ابن معين، وتقدم حديث ابن عمر في بيع الفرس بأفراس والنجيبة بالإبل إذا كان يدا بيد، أخرجه أحمد والطبراني في ((الكبير)). قال الهيثمي: وفيه أبو جناب الكلبي وهو مدلس ثقة - انتهى. وتقدم أيضا حديث جابر بن عبد الله: ((الحيون اثنان بواحد لا يصلح نساء ولا بأس به يدا بيد)) أخرجه الترمذي وفي سنده الحجاج بن أرطاة وهو مدلس، ورواه أبو الزبير عنه بالعنعنة، وحديث ابن عباس في النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. قال الحافظ في ((الفتح)): رجاله ثقات إلا أنه اختلف في وصله وإرساله فرجح البخاري وغير واحد إرساله. انتهى. وأما الآثار في النهي عن ذلك فروى عبد الرزاق (ج ٨ ص ٢١) عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه أنه سأل ابن عمر عن بعير ببعيرين نظرة، فقال: لا، وكرهه. ورواه ابن أبي شيبة (ج ٦ ص ١١٥) عن ابن أبي زائدة عن ابن عون عن ابن سيرين. قلت لابن عمر: البعير بالبعيرين إلى أجل؟ فكرهه، وروى عبد الرزاق أيضا (ج ٨ ص ٢٢) من طريق ابن المسيب عن علي أنه كره بعيرا ببعيرين نسيئة، وروى ابن أبي شيبة (ج ٦ ص ١١٦) من طريق أبي الحسن البراد عنه نحوه، وأما ما يعارض ذلك فقد روى مالك في ((الموطأ)) ومحمد بن الحسن والشافعي عنه عن نافع عن ابن عمر أنه اشترى راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليها يوفيها صاحبها بالربذة، ورواه ابن أبي شيبة (ج ٦ ص ١١٢) من طريق أبي بشر عن نافع أن ابن عمر اشترى ناقة بأربعة أبعرة بالربذة فقال لصاحب الناقة: اذهب فانظر، فإن رضيت، فقد وجب البيع. قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص ٢٤٥) بعد ذكر أثري ابن عمر: ويمكن الجمع ٤٢٣ كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربا بينهما بأنه كان يرى فيه الجواز وإن كان مكروها على التنزيه لا على التحريم. انتهى. وقد تقدم أن الخطابي قال: حديث سمرة - وما في معناه من الأحاديث - محمول على ما إذا كان النساء عن الطرفين. قال ابن الهمام: هذا الحمل ليس بصحيح، فإنه أعم من ذلك فلا يجوز المصير إليه. قال صاحب ((المحلى)): لكنه يرد على الحنفية هاهنا إشكال وهو أنه قد تقرر عندهم أن عمل الراوي بخلاف روايته يدل على النسخ، وقد صح في ((الموطأ)) عن ابن عمر وهو من رواة حديث النهي أنه اشترى راحلة بأربعة أبعرة مضمونة. انتهى. قال بعض الحنفية: لكنه روي عنه في فتياه بخلاف ذلك كما تقدم، والقول مقدم على الفعل. انتهى. وفيه أنه إنما يصار إلى التقديم عند تعذر الجمع، وهاهنا الجمع ممكن كما تقدم عن الحافظ. هذا وقد روي عن علي أيضًا ما يعارض ما تقدم عنه من قول الكراهة، فقد روى مالك في ((الموطأ)) ومحمد بن الحسن وعبد الرزاق عنه عن صالح بن كيسان عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب أن علي بن أبي طالب باع جملا له يدعى عصيفيرًا بعشرين بعيرًا. قال الحافظ: وفيه انقطاع بين الحسن وعلي، وروى عبد الرزاق (ج ٨ ص ٢٢) من طريق مطرف بن عبد الله بن الشخير أن رافع بن خديج اشترى بعيرًا ببعيرين فأعطاه أحدهما، وقال: آتيك غدا بالآخر رهوا. وروى مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب لا بأس ببيع الحيوان اثنين بواحد إلى أجل، وروى ابن أبي شيبة من طريق أخرى عن الزهري عنه لا بأس بالبعير بالبعيرين نسيئة، ورواه عبد الرزاق عن معمر ومحمد بن الحسن عن مالك عن الزهري عنه بلفظ: ((لا ربا في الحيوان)» وروى أيضا عبد الرزاق (ج ٨ ص ٢٣) من طريق أيوب عن ابن سيرين وعن معمر عن قتادة قالا: لا بأس ببعير ببعيرين ودرهم الدرهم نسيئة، فإن كان أحد البعيرين نسيئة فهو مكروه، وترجم البخاري في ((صحيحه)) باب: بيع العبيد بالعبد والحيوان بالحیوان نسیئة، وذکر فیه أثر ابن عمر ورافع بن خديج وابن المسيب وابن سیرین، وحديث اشتراء صفية، وهذا يدل على أنه اختار قول الجمهور أي: جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. هذا وقد استدل بحديث سمرة من لا يقول بجواز الاستقراض في الحيوان؛ وذلك لأن الاستقراض في الحيوان بيع بخلافه في الدراهم، فإنها لا تتعين فيكون رد المثل في الدراهم كرد العين والحيوان يتعين فرد DONE ٤٢٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ المثل فيه رد للبدل وهو بيع، فلا يجوز النهي، وقد جاء ما يدل على الجواز، لكن النهي مقدم على المبيح قاله السندي. وقال في ((التعليق الممجد)): منعه أصحابنا قائلين بأن التفاوت في الحيوانات فاحش في المالية لاعتبار المعاني الباطنية فلا يمكن توصيفه بحيث لا يفضي إلى المنازعة ولا ثبوته في الذمة ولا أداء مثله، وهذا معنى دقيق قوي يجب اعتباره لولا ورود النص بخلافه. انتهى. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ ... ) إلخ. وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥ ص ١٢، ١٩، ٢١، ٢٢) وابن الجارود (ص ٢٠٨) والحاکم (ج ص) والبيهقي (ج ٥ ص ٢٨٨) وابن خزيمة وأبو يعلى وابن أبي شيبة (ج ٦ ص ١١٦) وابن حزم (ج ٩ ص ١٣٢) والضياء في ((المختارة)) كلهم من حديث الحسن عن سمرة بن جندب. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وسماع الحسن من سمرة صحيح. هكذا قال على بن المديني وغيره. وقال الحافظ: حديث سمرة صححه ابن الجارود ورجاله ثقات إلا أنه اختلف في سماع الحسن من سمرة، وفي الجملة هو حديث صالح للحجة. وقال الشافعي: لم يثبت هو غير ثابت عن النبي وَّر. انتهى. وفي ((الاستذكار))، قال الترمذي: قلت للبخاري في قولهم: لم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة، قال: سمع منه أحاديث كثيرة، وجعل روايته عنه سماعا وصححها. وقال الخطابي: الحسن عن سمرة مختلف في اتصاله عند أهل الحديث، وحكي عن يحيى بن معين أنه قال: الحسن عن سمرة صحيفة. وقال الحافظ في حديث قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب في احتلاب الماشية بغير إذن مالكها: إسناد صحيح إلى الحسن، فمن صحح سماعه من سمرة صححه ومن لا؛ أعله بالانقطاع لكن له شواهد من أقواها حديث أبي سعيد عند ابن ماجه والطحاوي وابن حبان والحاكم. كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربا ٤٢٥ ول : ٢٨٤٦ - [١٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بن العَاص: أَنَّ النَّبِيَّ ((أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْئًا فَتَفِدَتِ الْإِبِلُ، فَأَمَرَهُ أَنَّ يَأْخُذَ عَلَى قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ))، فَكَانَ يَأْخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ. [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] الشرح ٨٤٦ ٢ - (أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا) من التجهيز أي: يهيئ ما يحتاج إليه العسكر من مركوب وسلاح وغيرهما (فَتَفِدَتِ الْإِبِلُ) بفتح النون وكسر الفاء وبالدال المهملة من باب تعب أي فنيت ولم يبق منها شيء وبقي ناس بدون مركوب. قال القاري: يعني أنه أعطي كل رجل جملًا، وبقي بعض الرجال بلا مركوب. ( فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ) أي: لمن ليس له إبل (عَلَى قَلائِصِ الصَّدَقَةِ) بفتح القاف جمع قلوص بفتح أوله، قال ابن الأثير في ((النهاية)): هي الناقة الشابة، وقيل: لا تزال قلوصا حتى تصير بازلًا وتجمع على قلاص وقُلُص أيضا، قال: والبازل من الإبل: الذي تم له ثمان سنين ودخل في التاسعة، وحينئذ يطلع نابه وتكمل قوته، ثم يقال له بعد ذلك: بازل عام وبازل عامين. (فَكَانَ يَأْخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ) أي: مؤجلا إلى أوان حصول قلائص الصدقة، والحاصل أنه يستقرض عددًا من الإبل حتى يتم ذلك الجيش ليرد بدلها من إبل الزكاة. قاله القاري، وفي رواية للبيهقي والدار قطني ((إلى خروج المصدق)) وفي الحديث إشكال وهو عدم توقيت الأجل، وأجيب بأنه كان ذلك معلوما عندهم، وذكر المصنف هذا الحديث هنا؛ لأنه يدل على أن لا ربا في الحيوانات وإلا فبابه القرض على ما هو الظاهر، وفيه دليل على جواز اقتراض الحيوان وعلى جواز السلم في الحيوان؛ لأنه إذا أخذ بعيرًا ببعيرين فقد صار ذلك حيوانًا مضمونًا عليه في ذمته، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد؛ عملًا بهذا الحديث وبحديث أبي رافع الآتي في باب الإفلاس والإنظار أنه استسلف رسول الله مَثّه بكرًا وقضى جملا خيارًا رباعيًّا. أخرجه مسلم. وقال الحنفية: لا (٢٨٤٦) أخرجه أبو داود (٣٣٥٧). ٤٢٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ يجوز قرض شيء من الحيوانات ولا السلم فيها، وعللوا ذلك بعدم إمكان ضبطه. وهذا الحديث وحديث أبي رافع يرد قولهم، وتقدم أنهم ادعوا أن ذلك كان قبل تحريم الربا فنسخ بعد ذلك ولا يخفى ما فيه وقد عقد البخاري في صحيحه («باب استقراض الإبل)) أي: جوازه ليرد المقترض نظيره أو خيرًا منه وأورد فيه حديث أبي هريرة أن رجلا تقاضي رسول الله ﴾ أي: طلب منه قضاء الدين وهو البعير الذي كان استقرضه النبي وَّل منه، وفيه أنه قال لأصحابه: ((اشتروا له بعيرا فأعطوه إياه)) قالوا: لا نجد إلا أفضل من سنه، قال ((اشتروه فأعطوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاء)). قال الحافظ: في الحديث ما ترجم له، وهو استقراض الإبل ويلتحق بها جميع الحيوانات وهو قول أكثر أهل العلم ومنع من ذلك الثوري والحنفية واحتجوا بحديث النهي عن بيع الحیوان بالحیوان نسیئة وهو حديث قد روی عن ابن عباس مرفوعا أخرجه ابن حبان والدار قطني وغيرهما ورجال إسناده ثقات إلا أن الحفاظ رجحوا إرساله، وأخرجه الترمذي من حديث الحسن عن سمرة، وفي سماع الحسن عن سمرة اختلاف، وفي الجملة هو حديث صالح للحجة. وادعى الطحاوي أنه ناسخ لحديث الباب وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال والجمع بين الحديثين ممكن فقد جمع بينهما الشافعي وجماعة بحمل النهي على ما إذا كان نسيئة من الجانبين ويتعين المصير إلى ذلك؛ لأن الجمع بين الحديثين أولى من إلغاء أحدهما باتفاق وإذا كان ذلك المراد من الحديث بقيت الدلالة على جواز استقراض الحيوان والسلم فيه واعتل من منع بأن الحيوان يختلف اختلافًا متباينًا، حتى لا يوقف على حقيقة المثلية فيه . وأجيب بأنه لا مانع من الإحاطة به بالوصف بما يدفع التغاير، وقد جوز الحنفية التزويج والكتابة على الرقيق الموصوف في الذمة. انتهى. واعلم أن حديث عبد الله بن عمرو هذا ظاهر في اقتراض الحيوان كما بينا لكن وقع في ((سنن البيهقي)) (ج ٥ ص ٢٨٧) بعد ما ساق إسناده، قال عمرو بن حريش لعبد الله بن عمرو بن العاص: إنا بأرض ليس فيها ذهب ولا فضة أفنبيع البقرة بالبقرتين والبعير بالبعيرين والشاة بالشاتين؟ فقال: أمرني رسول الله وَالل أن أجهز جيشا ... فذكر الحديث. كما وقع في الكتاب برواية أبي داود، وفي لفظ البيهقي والدار قطني ((فأمره النبي ◌َّ أن يبتاع ظهرًا إلى خروج المصدق)) ونحو ذلك وقع ٤٢٧ كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الرَبَا عند أحمد (ج ٢ ص ١٧١، ٢١٦) فسياق الأول واضح أنه في بيع، ولفظ الثاني صريح في ذلك، إذا عرفت هذا فحمله على القرض خلاف ما دل عليه من بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وعلى هذا فقد عارضه أحاديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وقد تقدم في شرح حديث جابر في اشتراء العبد بعبدين في الفصل الأول، وفي شرح حديث سمرة بن جندب في النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة بيان مذهب الأئمة وأقوال العلماء في الترجيح أو الجمع بين الأحاديث المتعارضة، وقد علمت أن الشوكاني مال إلى ترجيح أحاديث النهي. وقال الأمير اليماني: الأقرب من باب الترجيح أن حديث ابن عمرو أرجح من حيث الإسناد فإنه قد قال الشافعي في حديث سمرة: إنه غير ثابت عن رسول الله وَلخير كما رواه عنه البيهقي. وقرض الحيوان بالحيوان قد صح عنه وَل جوازه أيضا. انتهى. وقال بعضهم: إن ما وقع في حديث ابن عمر وهي صورة خاصة بالجهاد (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وكذا أخرجه الدار قطني (ص ٣١٨) والحاكم (ج ٢ ص ٥٦، ٥٧) والبيهقي (ج ٢ ص ٢٨٧، ٢٨٨) والطحاوي ورواه أحمد (ج ٢ ص ١٧١، ٢١٦) والدار قطني والبيهقي أيضا مطولا أي: مع القصة بألفاظ متقاربة، والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وقرره الذهبي. وقال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق - أي وهو مدلس وقد رواه معنعنًا - وقد اختلف أيضا على محمد بن إسحاق في هذا الحديث، ذكر ذلك البخاري وغيره. انتهى. وقال الخطابي: في إسناد حديث عبد الله بن عمرو أيضا مقال. قال الشوكاني: ولعله يعني من أجل محمد بن إسحاق، ولكن قد رواه البيهقي في ((سننه)) (ج ٢ ص ٢٨٨) والدار قطني (ص ٣٩٨) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أي وليس فيه محمد بن إسحاق، وقوى الحافظ في ((الفتح)) إسناده وقال في ((التلخيص)) (ص ٢٣٥) بعد عزو الحديث إلى أبي داود والدار قطني والبيهقي: وفي الإسناد ابن إسحاق، وقد اختلف عليه فيه، ولكن أورده البيهقي في ((السنن)) وفي ((الخلافيات)) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وصححه. انتھی. وقال ابن القطان في ((كتابه)): هذا حديث ضعيف مضطرب الإسناد، ثم شرح ذلك. وحاصله أنه رواه حماد بن سلمة عن ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن ٤٢٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ مسلم بن جبير عن أبي سفيان عن عمرو بن حريش عن ابن عمرو هكذا أورده أبو داود والدار قطني والبيهقي والحاكم، ورواه جرير بن حازم عن ابن إسحاق فأسقط يزيد بن أبي حبيب، وقدم أبا سفيان على مسلم بن جبير فقال فيه عن ابن إسحاق عن أبي سفيان عن مسلم بن جبير عن عمرو بن حريش. ذكر هذه الرواية أحمد (ج ٢ ص ١٧١) والدار قطني، ورواه عبد الأعلى عن إسحاق عن أبي سفيان عن مسلم بن كثير عن عمرو بن الحريش فأسقط يزيد بن أبي حبيب، وقدم أبا سفيان كما فعل جرير بن حازم إلا أنه قال في مسلم بن جبير: مسلم بن كثير. قال ابن القطان: ومع هذا الاضطراب فعمرو بن حریش مجهول الحال، ومسلم بن جبير لم أجد له ذکرًا ولا أعلمه في غير هذا الإسناد وأبو سفيان فيه نظر. انتهى كلامه. قلت: روى الحديث أحمد في (ج ٢ ص ٢١٦) عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق حدثني أبو سفيان الحرشي وكان ثقة فيما ذكر أهل بلاده عن مسلم بن جبير مولى ثقيف، و کان مسلم رجلا يؤخذ عنه، وقد أدرك وسمع عن عمرو بن حريش الزبيدي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ... إلخ. وهذا كما تراه قد وافق إبراهيم بن سعد جرير بن حازم وجودا إسناده وساقاه على نسق واحد ولم يختلفا فيه على شيخهما محمد بن إسحاق ((عن أبي سفيان عن مسلم بن جبير عن عمرو بن الحريش عن عبد الله بن عمرو)) وقد ارتفعت شبهة تدليس محمد بن إسحاق بتصريحه بالسماع من أبي سفيان في رواية إبراهيم ابن سعد عنه، وظهر بهذه الرواية أيضا توثيق أبي سفيان ومسلم بن جبير. وقد قال ابن معين: أبو سفيان ثقة مشهور، ومسلم بن جبير ذكره ابن حبان في ((الثقات)» كما في ((تهذيب التهذيب)) و((تعجيل المنفعة))، فعلى هذا تترجح رواية جرير بن حازم وإبراهيم بن سعد على رواية حماد بن سلمة هذا وقد فصل الشيخ أحمد شاكر في ((شرح المسند)) (ج ١٠ ص ١٢٩ إلى ١٣٣ رقم ٦٥٩٣) في شرح هذا الحديث وتقوية رواية جرير بن حازم وإبراهيم بن سعد وترجيحها، فعليك أن تراجعه، وقد ذهب الحافظ أيضا في ((التعجيل)) (ص ٤٠٠، ٤٠١) إلى ترجيح رواية إبراهيم بن سعد وجرير بن حازم. كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربا ٤٢٩ الفصل الثالث ٢٨٤٧ - [١٨] عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ وَلَ قَالَ: ((الرِّبَا فِي [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] النَّسِيئَةِ)). وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: ((لَا رِبَّا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ)). ، الشرح ٢٨٤٧ - قوله: (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) حب رسول الله ◌َلَه وابن حبه، تقدمت ترجمته (ج ٢ ص ١٦١) (الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ) التعريف في قوله: ((الربا)) للعهد أي الربا الذي عرف كونه في النقدين والمطعوم أو المكيل والموزون على اختلاف ثابت في النسيئة، ذكره الطيبي . (وفي رواية قال: لَا رِبًا) بالتنوين وتركه والأول على إلغاء كلمة (لا)) وجعلها مبتدأ والثاني على أن اسم لا مفرد (فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ) اللفظان المذكوران هنا لمسلم وحده ولفظ البخاري: ((لا ربا إلا في النسيئة)). قال الحافظ: قوله: ((لا ربا إلا في النسيئة)) وفي رواية مسلم: ((الربا في النسيئة))، وله من طريق عبيد الله بن أبي يزيد وعطاء جميعا عن ابن عباس: ((إنما الربا في النسيئة)). وفي رواية طاوس عن ابن عباس: ((لا ربا فيما كان يدا بيد)). انتهى. وظاهر الحديث أن التفاضل يجوز في الربويات ولو اتحد الجنس إذا كان يدًا بيد، وأن ربا الفضل لا يحرم إلا في النسيئة. وهذا يخالف الأحاديث المتقدمة التي ذهب إليها جمهور العلماء. وهي صريحة في منع التفاضل في النوع الواحد من الأشياء الربوية المذكورة فيها، وخالف الجمهور في ذلك ابن عمر وابن عباس، فكانا يريان جواز بيع الجنس بعضه ببعض متفاضلا، وأن الربا لا يحرم في شيء من الأشياء الربوية إلا إذا كان نسيئة وكان معتمدهما حديث أسامة بن زيد، ثم رجع (٢٨٤٧) أخرجه البخاري (٢١٧٨) بلفظ: ((لا ربا إلا في النسيئة))، ومسلم (١٠١ - ١٥٩٦)، وفي (١٠٣ - ١٥٩٦) بلفظ: ((لا ربا فيما كان يدا بيد)). ٤٣٠ مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ابن عمر وابن عباس عن ذلك، وقالا بتحريم بيع الجنس بعضه ببعض متفاضلا حين بلغهما حديث أبي سعيد كما ذكره مسلم والبيهقي (ج ٥ ص ٢٨١) من رجوعهما صريحا، وروى رجوع ابن عباس عن هذه الفتيا عبد الرزاق (ج ٨ ص ١١٨) والبخاري في ((التاريخ)) (ج ٤ ص ٣٩٩) والحازمي في ((الاعتبار)) (ص ١٦٥، ١٦٦) والحاكم أيضا كما في ((الفتح)). قال النووي: الأحاديث التي ذكرها مسلم تدل على أن ابن عمر وابن عباس لم يكن بلغهما أحاديث النهي عن التفاضل في غير النسيئة، فلما بلغهما رجعا إليه. وأما حديث أسامة: ((لا ربا إلا في النسيئة)) فقد قال قائلون بأنه منسوخ بهذه الأحاديث، وقد أجمع المسلمون على ترك العمل بظاهره وهذا يدل على نسخه، وتأوله آخرون تأويلات: أحدها: أنه محمول على غير الربويات وهو كبيع الدين بالدين مؤجلا بأن يكون له عنده ثوب موصوف فيبيعه بعبد موصوف مؤجلاً، فإن باعه به حالًا جاز. الثاني: أنه محمول على الأجناس المختلفة، فإنه لا ربا فيها من حيث التفاضل بل يجوز تفاضلها يدًا بيد. الثالث: أنه مجمل وحديث عبادة بن الصامت وأبي سعيد الخدري وغيرهما مبين، فوجب العمل بالمبين وتنزيل المجمل عليه وهذا جواب الشافعي. انتهى كلام النووي. وقال الحافظ في ((الفتح)): اتفق العلماء على صحة حديث أسامة واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد، فقيل: إن حديث أسامة منسوخ لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقيل: المعنى في قوله: ((لا ربا)) الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد كما تقول العرب: لا عالم في البلد إلا زيد مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل، وأيضا فنفي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم، فيقدم عليه حديث أبي سعيد؛ لأن دلالته بالمنطوق، ويحمل حديث أسامة على الربا الأكبر. انتهى. وقال الطحاوي: تأويل حديث أسامة هذا أنه عني به ربا القرآن الذي كان أصله في النسيئة وذلك أن الرجل كان يكون له على صاحبه الدين، فيقول له: أجلني إلى كذا وكذا بكذا درهم أزيدكها في دينك، فيكون مشتريًا للأجل بمال، فنهاهم الله رَكْ بقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرَِّوْاْ إِن كُنْتُم ٤٣١ كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربا مُؤْمِنِينَ (13)﴾ [البقرة: الآية ٢٧٨] ثم جاءت السنة بعد ذلك بتحريم الربا في التفاضل في الذهب بالذهب والفضة بالفضة وسائر المكيل والموزون على ما جاء في الأحاديث، فكان ذلك ربا حرم بالسنة، وقد كثرت فيه الأحاديث من رسول الله وَ لآه حتى قامت به الحجة، والدليل على ما قلناه من أنه لم يعن به إلا ربا القرآن رجوع ابن عباس إلى حديث أبي سعيد فإنه لو كان الحديثان جميعًا في معنى واحد؛ كان حديث أبي سعيد أرجح من حديث أسامة ولكن ابن عباس لما لم يكن عنده علم بتحریم هذا الربا حتی حدثه به أبو سعيد ما وسعه إلا الأخذ به، فإن مفاد حديثه غیر مفاد حديث أسامة لاختلافهما في الأحكام فمعنى قوله: ((لا ربا إلا في النسيئة)) نفي الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد إلى آخر ما ذكره الحافظ. وقال الشوكاني بعد ذكر كلام الحافظ: ويمكن الجمع أيضا بأن يقال: مفهوم حديث أسامة عام؛ لأنه يدل على نفي ربا الفضل عن كل شيء سواء كان من الأجناس المذكورة في أحاديث النهي عن ربا الفضل أم لا، فهو أعم منها مطلقًا، فيخصص هذا المفهوم بمنطوقها. قال: وعلى تسليم أن دلالة حديث أسامة على نفي تحريم ربا الفضل بالمنطوق، فهو عام مخصص بأحاديث النهي؛ لأنها أخص منه مطلقًا وأيضا الأحاديث القاضية بتحريم ربا الفضل ثابتة عن جماعة من الصحابة في الصحيحين وغيرهما، كما أشار إليه الترمذي بعد أن ذكر حديث أبي سعيد بلفظ: وفي الباب عن أبي بكر وعمر وعثمان وأبي هريرة وهشام بن عامر والبراء وزيد بن أرقم وفضالة بن عبيد وأبي بكرة وابن عمر وأبي الدرداء وبلال وقد خرج الحافظ في ((التلخيص)) بعضها فلو فرض معارضة حديث أسامة لها من جميع الوجوه وعدم إمكان الجمع أو الترجيح بما سلف؛ لكان الثابت عن الجماعة أرجح من الثابت عن الواحد. انتهى كلام الشوكاني. وقيل: أريد بالحصر في قوله: إنما الربا في النسيئة الإضافي بقرينة أنه خرج جوابا لمن سأل عن التفاضل بين جنسين، فكأنه قال له ما سألت عنه لا ربا فيه، إنما الربا في النسيئة، فلا ينافي كونه في التفاضل بين المثلين أيضا. قال الكرماني: وجه التلفيق بين حديث أسامة وحديث أبي سعيد أن الحصر إنما يختلف بحسب اختلاف اعتقاد السامع، فلعله كان يعتقد الربا في غير الجنس حالاً، فقيل ردًّا لاعتقاده: ((لا ربا إلا في النسيئة)) أي: فيه مطلقًا. ٤٣٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وقال المناوي: قوله: ((إنما الربا في النسيئة)) أي: في البيع إلى أجل معلوم يعني بيع الربوي بالتأخير من غير تقابض هو الربا، وإن كان بغير زيادة لا إن المراد أن الربا إنما هو في النسيئة لا في التفاضل كما وهم، ومن ثم قال بعض المحققين : الحصر إضافي لا حقيقي من قبيل ﴿إِنََّا اللَّهُ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] لأن صفاته لا تنحصر في ذلك، وإنما قصد به الرد على منكري التوحيد، فكذا هنا المقصود الرد على من أنكر ربا النسيئة، وفهم الحبر ابن عباس منه الحصر الحقيقي فقصر الربا عليه وخالفه الجمهور، فإن فرض أنه حقيقي فمفهومه منسوخ بأدلة أخرى، وقد قام الإجماع على ترك العمل بظاهره. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أي على أصل الحديث؛ لأن اللفظ المذكور لمسلم كما تقدم التنبيه على ذلك، والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج ٥ ص ٢٠١، ٢٠٤، ٢٠٦، ٢٠٨، ٢٠٩) والنسائي وابن ماجه والشافعي في ((السنن)) وعبد الرزاق (ج ٨ ص ١١٧) والدارمي (ص ٣٤٤) والحميدي (ج ١ ص ٢٤٩) والبيهقي (ج ٥ ص ٢٨٠). ٢٨٤٨ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْظَلَةَ غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ لَه: «دِرْهَمٌ رِبَّا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَعْلَمُ، أَشَدُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ زِنْيَةً)». [ْرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ] الشرح ٨٤٨ ٢ - قوله (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْظَلَةَ) تقدمت ترجمته (ج ١ ص ٤٨٧) (غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ) صفة حنظلة والد عبد الله فعيل بمعنى مفعول، وقصته مضت ومجملها على ما قاله القاري: أنه لما سمع الصارخ إلى غزوة أحد كان مع أهله، فأفرط في الاستعجال في استجابة نفير رسول الله وّل حتى خرج جنبا، فقاتل حتى قتل، فأريد دفنه فقالت امرأته: إنه جنب فدفن بلا غسل؛ لأنه شهيد لكن أكرمه ربه بأن أنزل له ملائكة غسلوه قبل دفنه؛ فلذا سمي غسيل الملائكة. (٢٨٤٨) أخرجه (٢٥٥/٥)، والدار قطني (٢٨٤٣). ٤٣٣ كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربا (دِرْهَمْ رِبًّا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ) أي: الشخص وقيل: يعني الإنسان سواء كان ذكرًا أم أنثى وذكر الرجل غالبي (وَهُوَ يَعْلَمُ) أي: والحال أنه يعلم أنه ربا وأن الربا حرام فمن نشأ بعيدا عن العلماء ولم يقصر؛ فهو معذور. وقال القاري: وهو يعلم أي أنه ربا، وكذا إن لم يعلم لكنه قصر في التعلم لأن الأئمة ألحقوا المقصر بترك التعلم الواجب عليه عينا بالعالم في أنه يكون مثله في الإثم. (أَشَدُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ زِنْيَةً) بكسر الزاي وسكون النون أي زنا، وقيل: بفتح الزاي المرة الواحدة من الزنا. قال الطيبي: إنما كان أشد من الزنا؛ لأن من أكله فقد حاول مخالفة الله ورسوله ومحاربتهما بعقله الزائغ. قال تعالى: ﴿فَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اُللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: الآية ٢٧٩] أي: بحرب عظيم فتحريمه محض تعبد؛ ولذلك رد قولهم ﴿إِنَّمَا اُلْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَوْ﴾ [البقرة: الآية ٢٧٥] بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِبَوَأَ﴾. [البقرة: الآية ٢٧٥] وأما قبح الزنا فظاهر شرعًا وعقلًا، وله روادع وزواجر سوى الشرع، فآكل الربا يهتك حرمة الله والزاني يخرق جلباب الحياء فريحه يهب حينا ثم يسكن ولواؤه يخفق برهة ثم يقر. قال الزمخشري: وهذا على مذهب قولهم: للباطل صولة ثم يضمحل ولريح الضلالة عصفة ثم تخفت، وقال في ((اللمعات)): قيل: توجيهه أن آكل الربا يحارب الله ورسوله كما وقع في التنزيل: ﴿فَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: الآية ٢٧٩] والمحاربة مع الله ورسوله أشد من الزنا هذا، وأما السر في هذا العدد المخصوص فموكول إلى علم الشارع كما في باقي أمثاله والله أعلم. انتهى. وقال القاري: الظاهر أنه أريد به المبالغة؛ زجرًا عن أكل الحرام وحثًّا على طلب الحلال واجتناب حق العباد وحكمة العدد الخاص مفوض إلى الشارع، ويحتمل أن الأشدية على حقيقتها، فتكون المرة من الربا أشد إثما من تلك الستة والثلاثين زنية لحكمة علمها الله تعالى. انتهى. وقيل: المراد بالعدد المذكور والتكثير دون التحديد وبه يظهر التوفيق بين هذا الحديث وحديث ((خمس وثلاثين))، وحديث عائشة بلفظ: ((سبعة وثلاثين)) وحديث عبد الله بن سلام بلفظ: ((ثلاثة وثلاثين زنية)) . (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٥ ص ٢٥٥) (وَالدَّارَقُطْنِي) (ص ٢٩٥) كلاهما من طريق الحسين بن محمد عن جرير بن حازم عن أيوب عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن حنظلة. ورواه الدار قطني أيضا من طريق ليث بن أبي سليم عن ابن أبي مليكة. ٤٣٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ والحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (ج ٣ ص ١١٧) وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجال أحمد رجال الصحيح. انتهى. وكذا قال المنذري في ((الترغيب)) (ج ٢ ص ٢٧٣): ورمز له السيوطي في ((الجامع الصغير)) بالصحة ووثق رجاله الحافظ العراقي ومع هذا فقد أروده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) وذب عنه الحافظ في كتابه ((القول المسدد في الذب عن المسند)) (ص ٤٤) بعد أن ذكره بسنده عن المسند، قال: وأورده ابن الجوزي من طريق المسند ومن طريق أخرى وأعل طريق المسند بحسين بن محمد فقال: هو المروزي. قال أبو حاتم: رأيته ولم أسمع منه، وسئل أبو حاتم عن حديث يرويه حسين؟ فقال: خطأ، فقيل له: الوهم ممن؟ قال: ينبغي أن يكون من حسين. قال الحافظ: حسين احتج به الشيخان ولم يترك أبو حاتم السماع منه باختيار أبي حاتم فقد نقل ابنه عنه أنه قال: أتيته مرات بعد فراغه من تفسير شيبان وسألته أن يعيد علي بعد المجلس، فقال، تكرير ولم أسمع منه شيئًا. وقال معاوية بن صالح: قال لي أحمد بن حنبل: اكتبوا عنه، ووثقه العجلي وابن سعد والنسائي وابن قانع ومحمد بن مسعود العجمي وآخرون، ثم لو كان كل من وهم في حديث سرى في جميع حديثه حتى يحكم على أحاديثه كلها بالوهم لم يسلم أحد، لو كان ذلك كذلك؛ لم يلزم منه الحكم على حديثه بالوضع ولاسيما مع كونه لم ينفرد بل توبع ووجدت للحديث شواهد، فقد أورده الدار قطني عن البغوي عن هاشم بن الحارث عن عبيد الله بن عمرو الرقي عن ليث بن أبي سليم عن ابن أبي مليكة به، وليث وإن کان ضعيفًا فإنما ضعف من قبل حفظه، فهو متابع قوي وشاهده حديث ابن عباس أخرجه ابن عدي من طريق علي بن الحسن بن شقيق أخبرني ليث عن مجاهد عن ابن عباس نحوه وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن ابن عباس في أثناء حديث، وأخرجه الطبراني أيضا من طريق عطاء الخراساني عن عبد الله بن سلام مرفوعًا، وعطاء لم يسمع من ابن سلام، وهو شاهد قوي. قال ابن الجوزي: إنما يعرف هذا يعني حديث عبد الله بن حنظلة المذكور من كلام كعب. ثم ساقه من طريق أحمد أيضًا، قال: حدثنا وكيع ثنا سفيان عن ٤٣٥ كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربا عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن ابن حنظلة عن كعب أنه قال: لأن أزني ثلاثًا وثلاثين زنية أحب إلي من أن آكل درهم ربا يعلم الله أني أكلته حين أكلته ربا . وأورده العقيلي من طريق ابن جرير حدثني ابن أبي مليكة أنه سمع عبد الله بن حنظلة يحدث عن كعب الأحبار فذكر مثل السياق المرفوع. ونقل عن الدار قطني أن هذا أصح من المرفوع. قال الحافظ: لا يلزم من كونه أصح أن يكون مقابله يعني المرفوع موضوعًا، فإن ابن جريج وإن كان أحفظ من جرير بن حازم وأعلم بحديث ابن أبي مليكة منه لكن قد تابع جرير الليث بن أبي سليم ولا مانع من أن يكون الحديث عند عبد الله ابن حنظلة مرفوعًا وموقوفًا. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ. قلت: وأخرجه من طريق وكيع ابن أبي شيبة (ج ٦ ص ٥٥٨) أيضا. وقال الشوكاني في ((الفوائد المجموعة)) (ص ١٤٩، ١٥٠) بعد ذكر حديث ابن حنظلة مرفوعًا ومن قول كعب موقوفًا وبعد نقل كلام الدار قطني المذكور ما لفظه: لم يصب ابن الجوزي بإدخال هذا الحديث في الموضوعات، فحسين المذكور قد احتج به أهل الصحيح وقد وثقه جماعة، وقد روي من طريق غيره عن جماعة من الصحابة منهم عبد الله بن سلام أخرجه العقيلي عنه مرفوعًا وابن عباس رواه ابن حبان، وأنس رواه ابن عدي والدارقطني - وابن أبي الدنيا في كتاب ((ذم الغيبة)) والبيهقي - وعائشة عند أبي نعيم والعقيلي والبراء بن عازب عند الطبراني وابن مسعود عند الحاكم في ((المستدرك)) وقال: صحيح على شرط الشيخين. انتهى. وقال ابن عراقي بعد ذكر كلام الدار قطني: ((إن الموقوف من قول كعب أصح من المرفوع)) تعقب بأن هذا مجازفة، ثم ذكر كلام الحافظ عن ((القول المسدد)) باختصار، وقال الشوكاني أيضا في ((النيل)) بعد ذكر كلام الهيثمي المتقدم: ويشهد له حديث البراء عند ابن جرير، وحديث أبي هريرة عند البيهقي وابن جرير وابن أبي الدنيا، وحديث عبد الله بن مسعود عند الحاكم وصححه. انتهى. ومن شاء الوقوف على ألفاظ هذه الشواهد مع ما فیھا من الكلام رجع إلى «النيل» (ج ٥ ص ٥١) و((اللآلئ)) (ج ٢ ص ٨٣) و((الفوائد المجموعة)) (ص ١٤٩) و((تنزيه الشريعة)) (ج ٢ ص ١٩٤، ١٩٥) وحديث أبي هريرة الذي أشار إليه الشوكاني قد ذكره المصنف بعد حديث ابن حنظلة. ٤٣٦ ese * * مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ٢٨٤٩ - [٢٠] وَرَوَى البَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)) عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ وَزَادَ: وَقَالَ: (مَنْ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنَ السُّحْتِ؛ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ)). الشرح ٨٤٩ ٢ - قوله: (وَرَوى الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شعب الإيمان))) وكذا ابن حبان كما في ((اللآلئ)) و((الفوائد المجموعة)) و((تنزيه الشريعة)) (وَزَادَ) أي: البيهقي أو ابن عباس (وَقَالَ) أي: النبي ◌َِّ (مَنْ نَبَتَ لَحْمُهُ) أي: تربى وتقوى عظمه (مِنَ السُّحْتِ) بضم السين وسكون الحاء المهملة أي الحرام الشامل للربا والرشوة وغيره مما تعلق به حقوق العباد أو أعم من ذلك (فَالنَّارُ أَوْلَی پِهِ) أي بلحمه أو بصاحبه، وحديث ابن عباس هذا ذكره المنذري في ((الترغيب)) وقال: رواه الطبراني في ((الصغير)) و((الأوسط)) والبيهقي، ولم يتكلم المنذري فيه بشيء. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج ٤ ص ١١٧): رواه الطبراني في ((الصغير)) و((الأوسط))، وفيه سعيد بن رحمة وهو ضعيف. وقال ابن عراق بعد عزوه إلى ابن حبان: فيه حنش الصنعانى ضعيف. ٢٨٥٠ - [٢١] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((الرِّبَا سَبْعُونَ جُزْءًا، أَيْسَرُهَا أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ)). الشرح ٢٨٥٠ - قوله: (الرِّبًا) أي: إثمه. قال الطيبي: لا بد من هذا التقدير ليطابق قوله: ((أن ينكح)) (سَبْعُونَ جُزءًا) قال القاري: أي: بابًا أو حوبًا كما جاء بهما الرواية. انتهى. قلت: لفظ ابن ماجه: ((سبعون حوبا)) ولفظ العقيلي على ما ذكره (٢٨٤٩) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥١٣٠). (٢٨٥٠) أخرجه ابن ماجه (٢٢٧٤)، والبيهقي في ((الشعب)) (٥١٣٤). كِتّابُ البُيُوعِ BEN بَابُ الربا ٤٣٧ السيوطي في ((اللآلئ)): ((سبعون بابا)) وكذا ذكره المنذري في ((الترغيب)) (ج ٢ ص ٢٧٢) وعزاه للبيهقي. والحوب بضم الحاء المهملة: الإِثم. قال السندي: والمراد أنها سبعون نوعا من الإثم، والمراد: التكثير دون التحديد وبه يظهر التوفيق بين هذا الحديث وحديث ابن مسعود عند ابن ماجه والحاكم بلفظ: ((ثلاثة وسبعون)) وحديث البراء عند الطبراني بلفظ اثنان وسبعون. (أَيْسَرُهَا) أي: أهون السبعين إثمًّا، وفي رواية: ((أدناها))، وفي حديث عبد الله ابن سلام: «أصغرها))، (أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ). قال السندي: أي: أخف تلك الآثام إثم نكاح الرجل أمه، والمراد به العقد أو الجماع والوطء، فالحديث يدل على أن الربا أشد من الزنا. ٢٨٥١ - [٢٢] وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ: ((إِنَّ الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ، فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ تَصِيرُ إِلَى قُلُّ)). [رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ((شُعَبِ الإِيمَانِ)) وَرَوَى أَحْمَدُ الْأَخِيَرَ] الشرح ٢٨٥١ - قوله: (إِنَّ الرِّبَا) أي: ماله. قال الطيبي: الكثرة والقلة صفتان للمال لا للربا فيجب أن يقدر مال الربا لأن مال الرباربا. انتهى. وقوله: ((إن الربا)» كذا وقع في جميع نسخ ((المشكاة))، ولفظ أحمد والحاكم: ((الربا)) أي: بدون لفظة ((إن)) ولفظ ابن ماجه: «ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة)) (وَإِنْ كَثُرَ) أي: صِورة وعاجلة (فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ) أي: آجلته وحقيقته (تَصِيرُ) أي: ترجع وتؤول (إِلَى قُلَّ) بضم قاف وتشديد لام أي: فقر ونقص. قال الطيبي: القل والقلة كالظل والظلة أي: إنه وإن كان زيادة في المال عاجلا يؤول إلى نقص ومحق آجلا بما يفتح على المرابي من المغارم والمهالك، فهو مما يكون هباءً منثورًا. قال تعالى ﴿َيَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَواْ﴾ [البَقَّرَة: الآية ٢٧٦]. (٢٨٥١) أخرجه أحمد (٣٩٥/١)، وابن ماجه (٢٢٧٩)، والبيهقي في ((الشعب)) (٥١٢٤). ٤٣٨ ea * مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ (رَوَاهُمَا) أي: الحديثين جميعا (ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ))) حديث أبي هريرة أخرجه ابن ماجه من طريق أبي معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة. قال في ((الزوائد)): في إسناده نجيح بن عبد الرحمن أبو معشر متفق على تضعيفه. وقال الحافظ العراقي: فيه أبو معشر واسمه نجيح مختلف فيه. وقال ابن عراق: رجاله ثقات إلا أبو معشر؛ فقد ضعفه الأكثرون. وقال ابن عدي: هو مع ضعفه یکتب حديثه. انتهى. وقال المنذري في ((الترغيب)) (ج ٢ ص ٢٧٣): رواه ابن ماجه والبيهقي كلاهما عن أبي معشر، وقد وثق عن سعيد المقبري عنه، ورواه ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن سعيد وهو واوٍ عن أبيه عن أبي هريرة. وقد أورده المنذري أيضًا (ص ٢٧٢) بلفظ: ((الربا سبعون بابا أدناها كالذي يقع على أمه)) ثم قال: رواه البيهقي بإسناد لا بأس به، ثم قال أي البيهقي: غريب بهذا الإسناد إنما يعرف بعبد الله بن زياد عن عكرمة يعني ابن عمار. قال: وعبد الله بن زياد هذا منكر الحديث. انتهى. قلت: رواه البخاري في ((تاريخه)) (ج ٣ ص ٩٥) والعقيلي من طريق عبد الله بن زياد عن عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة. قال السيوطي في ((اللآلئ)): عبد الله بن زياد كذبوه. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن عراق: حديث أبي هريرة لم ينفرد به عبد الله بن زياد بل تابعه النضر، أخرجه البخاري في ((تاريخه)) وابن المنذر في ((تفسيره))، وابن الجارود في ((المنتقي)) (ص ٢١٨) وتابعه أيضا عفيف بن سالم، أخرجه البيهقي في ((الشعب)) وأخرجه أيضًا من طريق عبد الله بن زياد، ومن وجه آخر عن أبي هريرة، ثم ذكر ابن عراق رواية ابن ماجه مع ما تقدم من الكلام فيه ثم قال: ورأيت بخط الحافظ ابن حجر علی هامش نسخة من «الموضوعات)): عبد الله بن زیاد المذکور ليس هو ابن سمعان الذي كذبوه، إنما هو السحيمي ولم أر لأحد فيه تكذيبًا. والله تعالى أعلم. انتهى. وحديث ابن مسعود أخرجه أيضًا أحمد (ج ١ ص ٣٩٥، ٤٢٤) والحاكم (ج ٢ ص ٣٧) والطبراني في ((الكبير)) (ج ١٠ ص ٢٧٥) كلهم من طريق الركين بن الربيع بن عميلة عن أبيه عن عبد الله بن مسعود. قال البوصيري في ((الزوائد)): إسناده صحيح، رجاله موثوقون. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي: وقال الحافظ في ((الفتح)): إسناده حسن. كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربا ٤٣٩ (وَرَوَى أَحْمَدُ الأَخِيرَ) أي: الحديث الآخر منهما، وهو حديث ابن مسعود. ٢٨٥٢ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَتَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمِ بُطُونُهُمْ كَالْبُيُوتِ، فِيهَا الْحَيَّاتُ تُرَى مِنْ خَارِجِ بُطُونِهِمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرَئِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ أَكَلَةُ الرِّبَا)). [رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ] الشرح ٢٨٥٢ - قوله: (أَتَيْتُ) بصيغة الفاعل أي: مررت (لَيْلَةَ أَسْرِيَ بِي) بالإضافة على الصحيح، وأسري بصيغة المجهول من الإسراء (عَلَى قَوْم) متعلق بـ((أتيت)) لا بـ(أَسْرِيَ)) كما يتوهم، وقوله: ((أَتَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْم)) كذا بدأ به حديث ابن ماجه، ولفظ أحمد: ((انْتَهَيْتُ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَتَظَرْتٌ، فَإِذَا أَنَا فَوْقِي بِرَعْدٍ وَصَوَاعِقَ، ثُمَّ أَتَيْتُ عَلَى قَوْمٍ ... )) إلخ. (بُطُونُهُمْ كَالْبُيُوتِ) بكسر الموحد وضمها والجملة صفة قوم (فِيهَا) أي: في بطونهم (الْحَيَّاتُ) جمع حية (تُرَى) بصيغة المجهول أي: تبصر تلك الحيات (هَؤُلَاءِ أَكَلَّةُ الرِّبَا) بفتحتين جمع آكل، وزاد في حديث أبي سعيد عند الأصبهاني ((من أمتك)) وعند أحمد بعد هذا: ((فَلَمَّا نَزَلْتُ، وَانْتَهَيْتُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِذَا أَنَا بِرَهْجٍ وَدُخَانٍ وَأَصْوَاتٍ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: الشَّيَاطِينُ يَحْرِفُونَ عَلَى أَعْيُنِ بَنِي آدَمَ، أَنْ لَا يَتَفَكَّرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَرَأَتِ الْعَجَائِبَ)). (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٢ ص ٣٦٣) (وَابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضا الأصبهاني وابن أبي حاتم كلهم من طريق علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. وأورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج ٤ ص ١١٧) وقال: رواه أحمد في حديث طويل في عجائب المخلوقات، وقد رواه ابن ماجه باختصار، وفيه علي بن زيد، وفيه كلام والغالب عليه الضعف. انتهى. وأورده المنذري في ((الترغيب)) (ج ٢ ص ٢٧٣، ٢٧٤) (٢٨٥٢) أخرجه أحمد (٣٥٣/٢)، وابن ماجه (٢٢٧٣).