النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عبد الله بن عمرو إنما هو للجهاد والذي جعله عوضه هو من إبل الصدقة قد يكون
مع بني المخاض، ومن حواشي الإبل ونحوها، وأما الإمام أحمد، فإنه كان يعلل
أحادیث المنع کلها قال: ليس فيها حدیث یعتمد عليه، وذکر له حديثي ابن عباس
وابن عمر في النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة فقال: هما مرسلان وحديث
الحسن عن سمرة يعني الذي يأتي في الفصل الثاني.
قال الأثرم: قال أبو عبد الله - الإمام أحمد: لا يصح سماع الحسن من سمرة،
وأما حديث جابر يعني الذي تقدم برواية الترمذي، فهو معلل بالحجاج بن أرطأة،
فقد أكثر الناس الكلام فيه، وبالغ الدار قطني في ((السنن)) في تضعيفه وتوهينه. وقد
قال أبو داود: إذا اختلفت الأحاديث عن النبي ◌َّ؛ نظرنا إلى ما عمل به أصحابه
من بعده. وقد ذكرنا الآثار عن الصحابة بجواز ذلك متفاضلًا ونسيئة، وهذا كله
مع اتحاد الجنس، وأما إذا اختلف الجنس كالعبيد بالثياب والشاء بالإبل، فإنه
يجوز عند جمهور الأمة التفاضل فيه والنساء إلا ما حُكي رواية عن أحمد أنه يجوز
بيعه متفاضلا يدًا بيد، ولا يجوز نساء، وحكى هذا أصحابنا عن أحمد، رواية رابعة
في المسألة واحتجوا لها بظاهر حديث جابر. ((الحيوان اثنان بواحد لا يصلح نسيئة
ولا بأس به يدا بيد)) ولم يخص به الجنس المتحد، وكما يجوز التفاضل في المكيل
المختلف الجنس دون النساء، فكذلك الحيوان وغيره إذا قيل: إنه ربوي. وهذه
الرواية في غاية الضعف لمخالفته النصوص. وقياس الحيوان على المكيل فاسد؛
إذ في محل الحكم في الأصل أوصاف معتبرة غير موجودة في الفرع، وهي مؤثرة
في التحريم. وحديث جابر لو صح، فإنما المراد به مع اتحاد الجنس دون اختلافه
كما هو مذكور في حديث ابن عمر. انتهى كلام ابن القيم.
وقال ابن قدامة في ((المغني)) (ج ٤ ص ١١): اختلفت الرواية عن الإمام أحمد
في تحريم النساء في غير المكيل والموزون على أربع روايات: إحداهن: لا يحرم
النساء في شيء من ذلك سواء بيع بجنسه أو بغيره متساويًا أو متفاضلاً، وهذا مذهب
الشافعي. واختار القاضي هذه الرواية لحديث عبد الله بن عمرو في تجهيز الجيش
كما تقدم الإشارة إليه، ولحديث علي أنه باع بعيرًا له يقال له: عصيفير بأربعة أبعرة
إلى أجل. أخرجه سعيد بن منصور في ((سننه))، والرواية الثانية: يحرم النساء في
كل مال بيع بجنسه كالحيوان بالحيوان ولا يحرم في غير ذلك، وهذا مذهب

٤٠١
كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الربا
أبي حنيفة، وممن كره بيع الحيوان بالحيوان نساء ابن الحنفية وعبد الله بن عمير
وعطاء وعكرمة بن خالد وابن سيرين والثوري، وروي ذلك عن عمار وابن عمر؛
لحديث سمرة بن جندب، والثالثة: لا يحرم النساء إلا فيما بيع بجنسه متفاضاًا،
فأما مع التماثل فلا؛ لحديث جابر: ((الحيوان اثنين بواحد لا يصلح نساء ولا بأس
به يدًا بيد)). ولحديث ابن عمر في بيع الفرس بالأفراس والنجيبة بالإبل إذا كان يدًا
بيد، والرابعة: يحرم النساء في كل مال بيع بمال آخر سواء كان من جنسه أو من
غير جنسه. وهذا ظاهر كلام الخرقي ويحتمل أنه أراد الرواية الثالثة؛ لأنه بيع
عرض بعرض، فحرم النساء بينهما كالجنسين من أموال الربا.
قال القاضي: فعلى هذا لو باع عرضًا بعرض ومع أحدهما دراهم العروض نقدًا
والدراهم نسيئة؛ جاز. وإن كانت الدراهم نقدًا والعروض نسيئة لم يجز؛ لأنه
يفضي إلى النسيئة في العروض. قال ابن قدامة: وهذه الرواية ضعيفة جدًّا؛ لأنه
إثبات حكم يخالف الأصل بغير نص ولا إجماع ولا قياس صحيح، فإن في المحل
المجمع عليه أو المنصوص عليه أوصافًا لها أثر في تحريم الفضل، فلا يجوز
حذفها عن درجة الاعتبار، وما هذا سبيله لا يجوز إثبات الحكم فيه وإن لم يخالف
أصلاً فكيف يثبت مع مخالفة الأصل في حل البيع. وأصح الروايات: هي الأولى؛
لموافقتها الأصل، والأحاديث المخالفة لها.
قال أبو عبد الله: ليس فيها حديث يعتمد عليه، ويعجبني أن يتوقاه. انتهى.
وقال الأبي في ((الإكمال)) (ج ٤ ص ٢٩٧، ٢٩٨): اختلفوا في جواز ربا النسيئة في
الجنس الواحد أي: من غير العين والطعام فمنعه أبو حنيفة، اتفقت الصفات أو
اختلفت، وجوزه الشافعي، اتفقت الصفات أو اختلفت، ووسط مالك فقال: إن
اختلفت منافع الحيوان جاز سلم بعضه في بعض، وإن اتفقت لم يجز، ووجه
تفرقته هذه أن اختلاف المنافع يصير الجنس الواحد جنسين. وجوابنا عما احتج به
الشافعي وهو حديث شراء بعير ببعيرين، أن ذلك محمول على ما اختلف صفاته،
وحديث الكوفيين، وهو حديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان متكلم فيه، ورده
بعضهم ونحن نحمله على ما اتفقت فيه الصفات. وإذا كان المذهب أن اختلاف
منافع الجنس الواحد يصحح سلم بعضه في بعض، فالإبل تختلف بالنجابة
والحمولة والخيل بالسبق والفراهة والعبد بالتجارة والفصاحة والصناعة

EACH
٤٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
والجواري بالطبخ والفراهة على الصحيح من القولين إلى آخر ما بسطه. قلت:
إنما جوز الشافعي بيع الحيوان بالحيوان نسيئة متماثلًا أو متفاضلًا جنسًا واحدًا كان
أو جنسين مختلفين؛ إذا كان أحد الحيوانين نقدًا وحمل حديث النهي على ما كان
منه نسيئة في الطرفين، فيكون من باب الكالئ بالكالئ بدليل حديث عبد الله بن
عمرو في تجهيز الجيش. قال الخطابي: هذا الحديث يبين لك أن النهي عن بيع
الحيوان نسيئة إنما هو أن يكون نساء في الطرفين جمعا بين الحديثين وتوفيقًا
بينهما، وسيأتي مزيد الكلام في ذلك في شرح حديث سمرة وعبد الله بن عمرو.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في البيوع، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٣ ص ٣٤٩، ٣٥٠، ٣٧٢)
والترمذي في البيوع والنسائي فيه وفي البيعة، وابن ماجه في البيعة، والبغوي في
((شرح السنة)) (ج ٨ ص ٧٣) والشافعي في ((مسنده)) والبيهقي (ج ٥ ص ٢٨٢)
وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٣ ص ٣٧٢) وأبو داود في البيوع مختصرا بلفظ: ((أن
النبي ◌َّر اشترى عبدًا بعبدين)».
٢٨٣٩ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِوَ لّهِ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنَ
التَّمْرِ، لَا يُعْلَمُ مَكِيلَتُهَا، بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنَ التَّمْرِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشرح
٢٨٣٩ - قوله: (نَهَى عَنْ بَيْع الصُّبْرَةِ) بضم الصاد المهملة وسكون الموحدة،
قال في ((القاموس)): ما جمع من الطعام بلا كيل ولا وزن. انتهى.
وقال في ((النهاية)): الطعام المجتمع كالكومة وجمعها صبر (مِنَ الَّمْرِ) حال منه
(لَا يُعْلَمُ مَكِيلَتُهَا) كذا في جميع نسخ ((المشكاة)) و((المصابيح)) و((شرح السنة)» (ج ٨
ص ٦٨) وبعض نسخ مسلم، ووقع في بعضها ((مكيلها)) وهكذا وقع في النسائي
والبيهقي و((المنتقى)) لابن الجارود وهو بفتح الميم وكسر الكاف وسكون الياء
مصدر من كال يكيل كيلاً ومكيلاً. قال القاري: أي: مقدار كيلها حال أخرى.
(٢٨٣٩) أخرجه مسلم (١٥٣٠).

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الربا
٤٠٣
وقال الشوكاني: صفة كاشفة للصبرة لأنه لا يقال لها: صبرة؛ إلا إذا كانت
مجهولة الكيل .
(بِالْكَيْلِ) متعلق بالبيع (الْمُسَمَّى) أي: المعلوم (مِنَ التَّمْرِ) حال من الكيل أي :
نهى عن بيع الصبرة المجهول مكيلها بالصبرة المعلوم مكيلها من جنس واحد.
قال النووي: هذا تصريح بتحريم بيع التمر بالتمر حتى يعلم المماثلة - حالة
العقد - لأن الجهل بالمماثلة في هذا الباب كحقيقة المفاضلة، ولا يحصل تحقق
المساواة مع الجهل، وحكم الحنطة بالحنطة والشعير بالشعير وسائر الربويات إذا
بيع بعضها ببعض مع اتحاد الجنس؛ حكم التمر بالتمر. وقال الشوكاني: في
الحديث دليل على أنه لا يجوز أن يباع جنسه بجنسه وأحدهما مجهول المقدار؛
لأن العلم بالتساوي مع الاتفاق في الجنس شرط لا يجوز البيع بدونه، ولا شك أن
الجهل بكلا البدلين أو بأحدهما فقط مظنة للزيادة والنقصان، وما كان مظنة
للحرام؛ وجب تجنبه، وتجنب هذه المظنة إنما يكون بكيل المكيل ووزن الموزون
من كل واحد من البدلين. انتهى. وقال ابن قدامة في ((المغني)) (ج ٤ ص ١٥) لو
باعه بعضه ببعض جزافًا أو كان جزافًا من أحد الطرفين لم يجز. قال ابن المنذر:
أجمع أهل العلم على أن ذلك غير جائز إذا كان من صنف واحد، وذلك لحديث
جابر عند مسلم في النهي عن بيع الصبرة من التمر غير المعلوم مكيلها بالصبرة
المعلوم مكيلها، وفي قول النبي وَّر: ((الذهب بالذهب وزنًا بوزن ... )) إلى تمام
الحديث دليل على أنه لا يجوز بيعه إلا كذلك، ولأن التماثل شرط والجهل به يبطل
البيع كحقيقة التفاضل. انتهى. قال المجد ابن تيمية في ((المنتقى)): وحديث جابر
يدل بمفهومه على أنه لو باعها بجنس غير التمر لجاز.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضا النسائي والشافعي في ((مسنده)) والبيهقي (ج ٥ ص
٣٠٨) وابن الجارود (ص ٢٠٧)، والبغوي وأخرجه النسائي أيضا بلفظ: ((لا تباع
الصبرة من الطعام بالصبرة من الطعام، ولا الصبرة من الطعام بالكيل المسمى من
الطعام)) ووهم الطبري فعزا الحديث للبخاري وليس فيه، ووهم أيضا الحاكم حيث
استدركه (ج ٢ ص ٣٨) ولم ينتبه الذهبي لذلك.

٤٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
٨٤٠ ٢ - [١١] وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً
بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَّلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ
عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَِّّ وََّ، فَقَالَ: (لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشرح
٨٤٠ ٢ - قوله (وَعَنْ فَضَالَةَ) بفتح الفاء (بْنِ عُبَيْدٍ) بالتصغير تقدمت ترجمته
(ج ١ ص ١٠٤) (اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً) بكسر القاف، وهي من حلي النساء
تعلقها المرأة في عنقها، وقال في ((الصراح)): قلادة بالكسر كردن بند وحُمَيل.
(بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ) بفتح الخاء المعجمة والراء جمع خرزة
بفتحتين، وهي بالفارسية مهره، خرزات الملك جواهر تاجه. كذا في ((الصراح))،
وقال في ((القاموس)): الخرز محركة: الجوهر وما ينظم، وقد صرح بالجوهر في
رواية مسلم، ولفظ مسلم في رواية أخرى: ((أتى رسول الله وَ ل وهو بخيبر قلادة
فيها خرز وذهب، وهي من المغانم تباع)). قال الأبي في ((شرح مسلم)) (ج ٤ ص
٢٧٢): كان بيعها بعد القسم وبعد أن صارت في ملك من صارت له.
(فَفَصَّلْتُهَا) بتشديد الصاد المهملة من التفصيل أي: ميزت خرزها من ذهبها بعد
العقد (فَوَجَدْتُ فِيهَا) أي في القلادة (لَا تُبَاعُ) أي: القلادة بعد هذا، نفي بمعنى
النهي (حَتَّى تُفَصَّلَ) بصيغة المجهول، أي: تميز، وفي رواية مسلم التي أشرنا إليها
((فأمر رسول الله ◌َ ليل بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده) ثم قال لهم رسول الله
وَ الر: ((الذهب بالذهب وزنا بوزن))، وقوله: ((نزع وحده)) أي: ميز من الخرز؛
ليعرف مقدار الذهب الذي في القلادة، فلا يباع بذهب أكثر منه أو أقل، بل وزنًا
بوزن، كما صرح بذلك في آخر الحديث. وفي رواية لأبي داود والطحاوي: أُتِيَ
الشَِّيُّ ◌َّهَ عَامَ خَيْبَرَ بِقِلَادَةٍ فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزُ ابْتَاعَهَا رَجُلٌ بِتِسْعَةِ دَنَانِيرَ أَوْ بِسَبْعَةٍ
دَنَانِيرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ : (لَا حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ)) - أي: بين الذهب والخرز -،
(٢٨٤٠) أخرجه مسلم (٩٠ - ١٥٩١).

٤٠۵
كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الربا
فَقَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ الْحِجَارَةَ - يعني الخرز الذي في القلادة ولم أرد الذهب أي:
المقصود الأصلي هو الخرز وليست الخرز من الأموال الربوية والذهب إنما هو
بالتبع -، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّ: ((لَا حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا))، قَالَ: فَرَدَّهُ حَتَّى مُيِّزَ بَيْنَهُمَا،
وإسناد هذه الرواية صحيح، وعلى هذا فمعنى قوله: ((ففصلتها)) أي تقديرًا وتخمينًا
لا فعلًا. والحديث قد أخرجه الطبراني في ((الكبير)) بطرق كثيرة بألفاظ متعددة
حتى قيل: إنه مضطرب.
قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص ٢٣٥): للحديث عند الطبراني في ((الكبير))
طرق كثيرة جدًّا في بعضها ((قلادة فيها خرز وذهب)) وفي بعضها ((ذهب وجوهر))
وفي بعضها ((خرز ذهب)) وفي بعضها ((خرز معلقة بذهب)) وفي بعضها ((باثني عشر
دينارا)) وفي أخرى ((بتسعة دنانير)) وفي أخرى ((بسبعة دنانير)) وأجاب البيهقي عن
هذا الاختلاف بأنها كانت بيوعا شهدها فضالة كلها حيث قال في ((السنن الكبرى))
(ج ٥ ص ٢٩٣): سياق هذه الأحاديث مع عدالة رواتها تدل على أنها كانت بيوعًا
شهدها فضالة كلها، والنبي وَلهينهى عنها، فأداها كلها وحنش الصنعاني صاحب
فضالة أداها مفرقًا .
قال الحافظ: والجواب المسدد عندي أن هذا الاختلاف لا يوجب ضعفا بل
المقصود من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه، وهو النهي عن بيع ما لم يفصل،
وأما جنسها وقدر ثمنها، فلا يتعلق به في هذه الحالة ما يوجب الحكم
بالاضطراب، وحينئذ فينبغي الترجيح بين رواتها وإن كان الجميع ثقات، فيحكم
بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم، ويكون رواية الباقين بالنسبة إليه شاذة. انتهى.
والحديث دليل على أنه لا يجوز بيع ذهب مع غيره بذهب حتى يفصل ويباع الذهب
بوزنه ذهبا ويباع الآخر بما زاد ومثله غيره من الربويات، فإنه ◌َ الر قال: ((لا تباع حتى
تفصل)) فصرح ببطلان العقد وأنه يجب التدارك، وقد اختلف في هذا الحكم فذهب
كثير من السلف والشافعي وأحمد وغيرهم إلى العمل بظاهر الحديث، وخالف في
ذلك الحنفية، وقالوا بجواز ذلك بأكثر مما فيه من الذهب ولا يجوز بمثله ولا
بدونه. قالوا: وذلك لأنه حصل الذهب في مقابلة الذهب والزائد من الذهب في
مقابلة المصاحب له فصح العقد، قالوا: لأنه إذا احتمل العقد وجه صحة وبطلان؛
حمل على الصحة. قالوا: وحديث القلادة الذهب فيها أكثر من اثني عشر دينارًا،

Beex
٤٠٦
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
SE
وهذا لا يصح؛ لأنه لا بد أن يكون المنفرد أكثر من المصاحب؛ ليكون ما زاد من
المنفرد في مقابلة المصاحب.
قال الأمير اليماني: وأجاب المانعون بأن الحديث فيه دلالة على علة النهي وهو
عدم الفصل حيث قال: ((لا تباع حتى تفصل))، وظاهره الإطلاق في المساوي
وغيره، فالحق مع القائلين بعدم الصحة، ولعل وجه حكمة النهي هو سد الذريعة
إلى وقوع التفاضل في الجنس الربوي ولا يكون إلا بتمييزه بفصل، واختبار
المساواة بالكيل أو الوزن وعدم الكفاية بالظن في التغليب. وقال مالك: وهو قول
ثالث في المسألة إنه يجوز بيع السيف المحلى بالذهب إذا كان الذهب في البيع
تابعًا لغيره، وقدره بأن يكون الثلث فما دونه وعلل لقوله بأنه إذا كان الجنس
المقابل بجنسه الثلث فما دونه فهو مغلوب ومكثور للجنس المخالف والأكثر ينزل
في غالب الأحكام منزلة الكل، فكأنه لم يبع ذلك الجنس بجنسه ولا تخفى ركته
وضعفه، وأضعف منه القول الرابع، وهو جواز بيعه بالذهب مطلقًا مثلًا بمثل أو
أقل أو أكثر، ولعل قائله ما عرف حديث القلادة. انتهى كلام الأمير اليماني.
وقال النووي: في هذا الحديث أنه لا يجوز بيع ذهب مع غيره بذهب حتى
يفصل، فيباع الذهب بوزنه ذهبا ويباع الآخر بما أراد، وكذا لا تباع فضة مع غيرها
بفضة وكذا الحنطة مع غيرها بحنطة والملح مع غيره بملح، وكذا سائر الربويات
بل لا بد من فصلها، وسواء كان الذهب في الصوروة المذكورة أولًا قليلًا أو كثيرًا
وكذلك باقي الربويات، وهذه هي المسألة المشهورة في كتب الشافعي وأصحابه
وغيره المعروفة بمسألة مد عجوة، وصورتها باع مد عجوة ودرهمًا بمدي عجوة أو
بدرهمين لا يجوز لهذا الحديث، وهذا منقول عن عمر بن الخطاب وابنه وجماعة
من السلف، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن عبد الحكم
المالكي. وقال أبو حنيفة والثوري والحسن بن صالح: يجوز بيعه بأكثر مما فيه من
الذهب ولا يجوز بمثله ولا بدونه، وقال مالك وأصحابه: يجوز بيع السيف المحلى
بالذهب وغيره مما هو في معناه مما فيه ذهب، فيجوز بيعه بالذهب إذا كان الذهب
في المبيع تابعًا لغيره، وقدره بأن يكون الثلث فما دونه. وقال حماد بن أبي
سليمان: يجوز بيعه بالذهب مطلقا سواء باعه بمثله من الذهب أو أقل أو أكثر،
وهذا غلط مخالف لصريح الحديث، وأجابت الحنفية بأن الذهب كان فيها أكثر

كِتّابُ البُيُوع
بَابُ الربا
٤٠٧
من اثني عشر دينارًا، وقد اشتراها باثني عشر دينارًا. قالوا: ونحن لا نجيز هذا
وإنما نجيز البيع إذا باعها بذهب أكثر مما فيها فيكون ما زاد من الذهب المنفرد فيم
مقابلة الخرز ونحوه مما هو مع الذهب المبيع فيصير كعقدين، وأجاب الطحاوي
بأنه إنما نهى عنه؛ لأنه كان بيع الغنائم لئلا يغبن المسلمون في بيعها. قال النووي:
ودليل صحة قولنا وفساد التأويلين يعني جواب الحنفية وجواب الطحاوي أن
النبي ◌َّ قال: ((لا تباع حتى تفصل))، وهذا صريح في اشتراط فصل أحدهما عن
الآخر في البيع وأنه لا فرق بين أن يكون الذهب المبيع به قليلاً أو كثيرًا، وأنه لا
فرق بين بيع الغنائم وغيرها. انتهى كلام النووي. قلت: وأجيب أيضا عن جواب
الحنفية بما تقدم عن البيهقي من أن القصة التي شهدها فضالة كانت متعددة، فلا
يصح التمسك بما وقع في بعضها وإهدار البعض الآخر هذا. وقد أجاب أيضا
الطحاوي عن الحديث بأنه مضطرب. قال السبكي: وليس ذلك باضطراب قادح
ولا ترد الأحاديث الصحيحة بمثل ذلك. انتهى. وقد عرفت مما تقدم أنه لا
اضطراب في محل الحجة، والاضطراب في غيره لا يقدح فيه. وارجع لمزيد
التفصيل إلى المغني (ج ٤ ص ٣٣، ٣٤).
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في البيوع وأخرجه أيضا أحمد (ج ٦ ص ١٩، ٢١، ٢٢) والترمذي
وأبو داود والنسائي وابن الجارود (ص ٢٢٠) والبيهقي (ج ٥ ص ٢٩٢، ٢٩٣)
والطبراني في ((الكبير)) وابن أبي شيبة (ج ٦ ص ٥٥).

٤٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
*
الفصل الثاني
٢٨٤١ - [١٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عن رَسُولَ اللَّهِ فَلَ قَالَ: ((لَيَأْنِيَنَّ عَلَى
النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى أَحَدٌ؛ إِلَّا أَكَلَ الرِّبَا، فَإِنْ لَمْ يَأْكُلْهُ؛ أَصَابَهُ مِنْ بُخَارِهِ))
وَيُرْوَى: ((مِنْ غُبَارِهِ).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنِّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَه]
الشرح
٢٨٤١ - قوله: (لَيَأْتِيَنَّ) اللام جواب قسم محذوف (عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى)
فيه منهم (أَحَدٌ إِلَّا أَكَلَ الرِّبَا) قال القاري: بصيغة الفاعل أو الماضي والمستثنى
صفة لأحد والمستثنى منه محذوف، والتقدير: لا يبقى أحد منهم له وصف إلا
وصف كونه آكل الربا، فهو كناية عن انتشاره في الناس بحيث إنه يأكله كل أحد.
(فَإِنْ لَمْ يَأْكُلُهُ؛ أَصَابَهُ مِنْ بُخَارِهِ) هو ما ارتفع من الماء من الغليان كالدخان
والماء لا يغلي إلا بنار توقد تحته (وَيُرْوَى: مِنْ غُبَارِهِ) أي: يصل إليه أثره بأن يكون
شاهدًا في عقد الربا أو كاتبًا أو موكلًا أو متوسطًا فيه أو آكلا من ضيافة آكله أو
هديته أو معاملًا فيه، والمعنى أنه لو فرض أن أحدًا سلم من حقيقته لم يسلم من
آثاره وإن قلت جدًا.
قال الطيبي: المستثنى منه أعم عام الأوصاف نفى جميع الأوصاف إلا الأكل،
ونحن نرى كثيرًا من الناس لم يأكل حقيقة، فينبغي أن يجرى على عموم المجاز،
فيشمل الحقيقة والمجاز؛ ولذلك أتبعه بالفاء التفصيلية بقوله: فإن لم يأكله
حقيقة؛ أكله مجازًا والبخار والغبار مستعاران لما يشبه الربا به من النار والتراب.
قال المناوي: ولما كان المال المأكول من الربا يصير نارًا يوم القيامة يغلي منه دماغ
آكله ويخرج منه بخار، ناسب جعل البخار من أكل الربا، والبخار والغبار إذا ارتفع
من الأرض؛ أصاب كل من حضر - وإن لم يأكل، ووجه النسبة بينهما أن الغبار إذا
(٢٨٤١) أخرجه أحمد (٤٩٤/٢)، وأبو داود (٣٣٣١)، والنسائي (٤٤٥٥)، وابن ماجه (٢٢٧٨).

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الربا
٤٠٩
ارتفع من الأرض أصاب كل من حضر، وإن لم يكن هو أثاره، كما يصيب البخار
إذا انتثر من حضر وإن لم يتسبب فيه. انتهى. وقد وقع ما أخبر به مَّل، فقد انتشر
الربا في زماننا هذا انتشارًا مريعًا حتى عم الجميع، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفيه
معجزة ظاهرة للنبي رَالخير .
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٢ ص ٤٩٤) بلفظ: ((يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا))
قال: أي: أبو هريرة قيل له: الناس كلهم؟ قال: من لم يأكله منهم ناله من غباره -
أي: أثره ولو بغير قصد - (وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه) في البيوع وأخرجه أيضًا
الحاكم (ج ٢ ص ١١) والبيهقي (ج ٥ ص ٢٧٥، ٢٧٦) والبغوي (ج ٨ ص ٥٥)
كلهم من رواية الحسن البصري عن أبي هريرة. والحديث سكت عنه أبو داود،
وقال المنذري: الحسن لم يسمع من أبي هريرة؛ فهو منقطع. وقال الحاكم: قد
اختلف أئمتنا في سماع الحسن من أبي هريرة، فإن صح سماعه منه؛ فهذا حديث
صحيح. وقال الذهبي في ((الميزان)): سماع الحسن من أبي هريرة بهذا صحيح.
٢٨٤٢ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ قَالَ: ((لَا تَبِيعُوا
الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا الْوَرِقَ بِالَّوَرِقِ، وَلَا الْبُرَّ بِالْبُرِّ، وَلَا الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ، وَلَا
التَّمْرَ بِالتَّمْرِ، وَلَا الْمِلْحَ بِالْمِلْحِ إِلَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْنَا بِعَيْنٍ، يَدَّا بِيَدٍ، وَلَكِنْ
بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ، وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ، وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ، وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ،
[رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ]
وَالتَّمْرَ بِالْمِلْحِ، وَالْمِلْحَ بِالتَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ، كَيْفَ شِئْتُمْ)).
الشرح
٢٨٤٢ - قوله: (إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ) أي: مثلًا بمثل في الوزن والكيل (عَيْنًا
بِعَيْنٍ) أي ناجزا بناجز يعني: لا بنسيئة (يَدَّا بِيَدٍ) أي: مقبوضتين في المجلس قبل
تفرقَ الأبدان. قال الطيبي: الاستثناء في قوله: ((إلا سواء بسواء)) كالاستطراد لبيان
الترخص. وقوله: ((يدا بيد)) تأكيد لقوله: ((عينا بعين)) من حيث المعنى كما كان
(٢٨٤٢) أخرجه مسلم (١٥٨٧) دون زيادة: ((ولكن بيعوا ... ))، ولكن فيه: ((فإذا اختلفت هذه الأصناف
فبیعوا کیف شئتم إذا كان يدًا بيد).

٤١٠
ege
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
سواء بسواء تأكيدًا لمثل بمثل في الحديث السابق (كَيْفَ شِئْتُمْ) أي متساويًا أو
متفاضاًا، فظاهر التفويض إلى المشيئة أنه يجوز بيع الذهب بالفضة والعكس،
وكذلك سائر الأصناف والأجناس الربوبية المذكورة في الحديث إذا بيع بعضها
ببعض سواء أو متفاضلاً. وشرطه أن يكون حالًا، ويتقابضا في المجلس؛ لتقييده
بذلك في قوله: ((یدا بید کیف شئتم)) .
(رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) في ((السنن)) وفي ((المسند)) عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب بن
أبي تميمة عن محمد بن سيرين عن مسلم بن يسار عن عبادة بن الصامت، وأخرجه
أيضًا البيهقي (ج ٥ ص ٢٧٦) من طريق الربيع عن الشافعي. وقال: هذا الحديث
لم يسمعه مسلم بن يسار من عبادة بن الصامت، إنما سمعه من أبي الأشعث
الصنعاني عن عبادة ثم ذكره.
٢٨٤٣ - [١٤] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه
وَّ سُئِلَ عَنْ شِرَى التَّمْرِ بِالرُّطَبِ، فَقَّالَ: ((أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟)) فقال:
[رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ]
نَعَمْ، فَتَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ.
الشرح
٢٨٤٣ - قوله: (سُئِلَ عَنْ شِرَى التَّمْرِ) بكسر الشين المعجمة والقصر، كذا
في بعض النسخ وهو مصدر من شرى يشري شرئٍّ وشراء ووقع في بعضها شراء
التمر أي: بالمد كما في ((المصابيح))، وهكذا عند أبي داود والشافعي في ((السنن))
وفي ((الأم)) وفي ((الرسالة))، ووقع في ((الموطأ)) والترمذي وابن ماجه ((اشتراء
التمر)) وللنسائي ((عن التمر بالرطب))، وكذا عند أحمد والدار قطني والحميدي
والحاكم والبيهقي .
(فَقَالَ) أي لمن حوله كما في رواية (أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟) بضم القاف من
نقص اللازم، والاستفهام هنا ليس المراد به حقيقته أعني طلب الفهم؛ لأنه وَ ل - كان
(٢٨٤٣) أخرجه مالك (٦٢٤١٢)، والترمذي (١٢٢٥)، وأبو داود (٣٣٥٩)، وابن ماجه (٢٢٦٤).

٤
كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الربا
عالما بأنه ينقص إذا يبس، بل المراد تنبيه السامع بأن هذا الوصف الذي وقع عنه
الاستفهام هو علة النهي. قال الخطابي: قوله: ((أينقص الرطب؟)) لفظه لفظ
استفهام ومعناه التقرير والتنبيه فيه على نكتة الحكم وعلته؛ ليعتبروها في نظائرها
وأخواتها، وذلك أنه لا يجوز أن يخفى عليه ◌َّه أن الرطب إذا يبس نقص فيكون
سؤاله عند سؤال تعرف واستفهام، وإنما هو على الوجه الذي ذكرته. وقال
القاضي: ليس المراد من الاستفهام استعلام القضية، فإنها جلية مستغنية عن
الاستكشاف بل التنبيه على أن الشرط تحقق المماثلة حال اليبوسة، فلا يكفي تماثل
الرطب، والتمر على رطوبته ولا على فرض اليبوسة؛ لأنه تخمين وخرص لا تعين
فيه، فلا يجوز بيع أحدهما بالآخر.
(فَقَالَ) أي: السائل المدلول عليه بقوله: (سُئِلَ) وفي رواية: ((فقالوا)) (فَنَهَاهُ عَنْ
ذَلِكَ) وفي رواية: ((فنهى عن ذلك))، وفي أخرى: ((فلا إذَا)) أي: فلا يجوز بيع التمر
بالرطب؛ لأن الرطب ينقص إذا جف، وبه قال أكثر أهل العلم. وجوز أبو حنيفة
بيع الرطب والتمر إذا تساويا كيلاً. قال الخطابي: قد ذهب أكثر الفقهاء إلى أن بيع
الرطب بالتمر غير جائز، وهو قول مالك الشافعي وأحمد بن حنبل، وبه قال أبو
يوسف ومحمد بن الحسن، وعن أبي حنيفة جواز بيع الرطب بالتمر نقدًا ويشبه أن
يكون تأويل الحديث عنده على النسيئة دون النقد. قال الخطابي: ولفظ الحديث
عام لم يستثن فيه نسيئة من نقد. والمعنى الذي نبه عليه في قوله: ((أينقص الرطب
إذا يبس)) يمنع من تخصيصه وذلك كأنه قال: إذا علمتم أنه ينقص في المتعقب، فلا
تبيعوه، وهذا المعنى قائم في النقد والنسيئة معا. وقال القاضي في ((شرح
المصابيح)): جوز أبو حنيفة بيع التمر بالرطب إذا تساويا كيلًا؛ حملًا للحديث على
النسيئة لما روى هذا الراوي أنه مُّل نهى عن بيع الرطب بالتمر نسيئة، وضعفه بین؛
لأن النهي عن بيعه نسيئة لا يستدعي الإذن في بيعه يدًا بيد إلا من طريق المفهوم وهو
عنده غير منظور إله فضلا عن أن يسلط على المنطوق ليبطل إطلاقه، ثم هذا التقييد
يفسد السؤال والجواب وترتيب النهي عليهما بالكلية؛ إذ كونه نسيئة يكفي في عدم
الجواز ولا يدخل معه للجفاف. انتهى. قال السندي في ((حاشية النسائي)) بعد ذكر
كلام القاضي : المشهور عند الحنفية في الجواب جهالة زيد بن عياش - الراوي عن
سعد - ورده الجمهور بأن عدم معرفة بعض لا يضر في معرفة غيره فالأقرب قول

٤١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الجمهور؛ ولذلك خالف الإمام صاحباه وذهبا إلى قول الجمهور. انتهى.
قال الخطابي: وهذا الحديث أصل في أبواب كثيرة من مسائل الربا. وذلك أن
كل شيء من المطعوم مما له نداوة ولجفافه نهاية، فإنه لا يجوز رطبه بيابسه
کالعنب بالزبيب واللحم النيئ بالقديد ونحوهما، وكذلك لا يجوز على هذا المعنى
منه الرطب بالرطب كالعنب بالعنب؛ لأن اعتبار المماثلة إنما يصح فيهما عند أوان
الجفاف، وهما إذا تناهى جفافهما كانا مختلفين، لأن أحدهما قد يكون أرق رقة
وأكثر مائية من الآخر فالجفاف ينال منه أكثر وتتفاوت مقاديرهما في الكيل عند
المماثلة، وهذا على مذهب الشافعي. انتهى مختصرًا.
وانظر ((شرح السنة)) (ج ٨ ص ٧٩) وقال الشوكاني: المراد بالاستفهام في قوله
أينقص؟ تنبيه السامع بأن هذا الوصف الذي وقع عنه الاستفهام هو علة النهي ومن
المشعرات بذلك الفاء في قوله: فنهى عن ذاك، ويستفاد من هذا عدم جواز بيع
الرطب بالرطب؛ لأن نقص كل واحد منهما لا يحصل العلم بأنه مثل نقص الآخر،
وما كان كذلك؛ فهو مظنة للربا، وقد ذهب إلى ذلك الشافعي وجمهور أصحابه
وعبد الملك بن الماجشون وأبو حفص العكبري من الحنابلة وذهب مالك وأبو
حنيفة وأحمد في المشهور عنه والمزني والروياني من أصحاب الشافعي إلى أنه
يجوز .
قال ابن المنذر: إن العلماء اتفقوا على جواز ذلك إلا الشافعي. قال الشوكاني:
ويدل على عدم الجواز أن الإسماعيلي في ((مستخرجه)) على البخاري روى حديث
ابن عمر أي: في النهي عن المزابنة بلفظ: ((نهى وَّل عن بيع الثمرة بالثمرة))، وذلك
يشمل بيع الرطب بالرطب. انتهى.
وقال الخرقي: لا يباع شيء من الرطب بيابس من جنسه إلا العرايا، قال ابن
قدامة: أراد الرطب مما يجري فيه الربا كالرطب بالتمر والعنب بالزبيب واللبن
بالجبن والحنطة المبلولة أو الرطبة باليابسة أو المقلية بالنيئة ونحو ذلك، وبه قال
سعد بن أبي وقاص وسعيد بن المسيب والليث ومالك والشافعي وإسحاق وأبو
يوسف ومحمد. وقال ابن عبد البر: جمهور علماء المسلمين على أن بيع الرطب
بالتمر لا يجوز بحال من الأحوال. وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك، لأنه لا يخلو إما

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الربا
٤١٣
أن يكون من جنسه، فيجوز لقوله ◌َله: ((التمر بالتمر مثلا بمثل)) أو من غير جنسه،
فيجوز لقوله وَّلية: ((فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم))، ولنا حديث
سعد: نهى عن ذلك، وعلل بأنه ينقص إذا يبس، وقوله وَّلة: ((لا تبيعوا التمر
بالتمر))، وفي لفظ: ((نهى عن بيع الثمر بالتمر ورخص في العرية)) متفق عليه. قال:
وأما بيع الرطب بالرطب والعنب بالعنب ونحوه من الرطب بمثله، فيجوز مع
التماثل في قول أكثر أهل العلم، ومنع منه الشافعي فيما يبس، أما ما لا ييبس
كالقثاء والخيار فعلى قولين: لأنه لا يعلم تساويهما حالة الادخار فأشبه الرطب
بالتمر، وذهب أبو حفص العكبري من أصحابنا إلى هذا. انتهى مختصرًا. وقال
الإمام محمد في ((موطئه)) بعد رواية حديث سعد بن أبي وقاص: وبهذا نأخذ لا خير
في أن يشتري الرجل قفيز بقفيز من تمر يدًا بيد؛ لأن الرطب ينقص إذا جف، فيصير
أقل من قفيز فلذلك فسد البيع فيه. انتهى.
قال الشيخ عبد الحي اللكنوي في ((التعليق الممجد)) (ص ٣٣١): وبه قال أحمد
والشافعي ومالك وغيرهم، وقالوا: لا يجوز بيع التمر بالرطب لا متفاضاًا ولا
متماثلًا يدًا بيد كان أو نسيئة وأما التمر بالتمر والرطب بالرطب، فيجوز ذلك
متماثلًا لا متفاضلاً يدًا بيد لا نسيئة، وفيه خلاف أبي حنيفة حيث جوز بيع التمر
بالرطب متماثلاً إذا كان يدا بيد؛ لأن الرطب تمر وبيع التمر بالتمر جائز متماثلاً من
غير اعتبار الجودة والرداءة، وقد حكي عنه أنه لما دخل بغداد سألوه عن هذا وكانوا
أشداء عليه؛ لمخالفته الخبر، فقال: الرطب إما أن يكون تمرًّا أو لم يكن تمرًا، فإن
كان تمرًا؛ جاز لقوله وَّ: ((التمر بالتمر مثلا بمثل))، وإن لم يكن تمرًا؛ جاز
لحديث: ((إذا اختلف النوعان، فبيعوا كيف شئتم))، فأوردوا عليه الحديث، فقال:
مداره علی زید بن عياش وهو مجهول، أو قال: ممن لا يقبل حديثه، واستحسن
أهل الحديث هذا الطعن منه حتى قال ابن المبارك: كيف يقال: إن أبا حنيفة لا
يعرف الحديث، وهو يقول: زيد ممن لا يقبل حديثه.
قال ابن الهمام في ((الفتح)): رد ترديده بأن هاهنا قسما ثالثًا وهو أنه من جنس
التمر ولا يجوز بيعه بالآخر، كالحنطة المقلية بغير المقلية؛ لعدم تسوية الكيل
بهما، فكذا الرطب والتمر لا يسويهما الكيل وإنما يسوي في حال اعتدال البدلين
وهو أن يجف الآخر، وأبو حنيفة يمنعه ويعتبر التساوي حال العقد وعروض النقص

٤١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
بعد ذلك لا يمنع من المساواة في الحال إذا كان موجبه أمرًا خلقيًّا وهو زيادة
الرطوبة بخلاف المقلية بغيرها، فإنه يحكم في الحال بعدم التساوي؛ لاكتناز
أحدهما وتخلل الآخر، ورد طعنه في زيد بأنه ثقة . - كما سيأتي - وقد يجاب أيضا
بأنه على تقدير صحة السند، فالمراد النهي نسيئة فإنه ثبت في حديث أبي عياش -
زيد بن عياش - هذا زيادة نسيئة أخرجه أبو داود عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله
ابن يزيد أن أبا عياش أخبره أنه سمع سعدًا يقول: نهى رسول الله بَله عن بيع
الرطب بالتمر نسيئة، وأخرجه الحاكم والطحاوي في ((شرح معاني الآثار))، ورواه
الدار قطني وقال: اجتماع هؤلاء الأربعة يعني مالكًا وإسماعيل بن أمية والضحاك
ابن عثمان وأسامة بن زيد على خلاف ما رواه يحيى بن أبي كثير يدل على ضبطهم
للحديث - أي وكون زيادة النسيئة شاذة - وأنت تعلم أن بعد صحة هذه الرواية
يجب قبولها لأن المذهب المختار عند المحدثين هو قبول الزيادة وإن لم يروها
الأكثر إلا في زيادة تفرد بها بعد الحاضرين في المجلس فإن مثله مردود كما كتبناه
في ((تحرير الأصول)) وما نحن فيه لم يثبت أنه زيادة في مجلس واحد لكن يبقى قوله
في تلك الرواية الصحيحة ((أينقص الرطب إذا جف؟)) عريا عن الفائدة إذا كان
النهي عنه للنسيئة. انتهى كلام ابن الهمام.
وهذا غاية التوجيه في المقام مع ما فيه من الإشارة إلى ما فيه، وللطحاوي كلام
في ((شرح معاني الآثار)) مبني على ترجيح رواية النسيئة، وهو خلاف جمهور
المحدثين وخلاف سياق الرواية أيضًا، ولعل الحق لا يتجاوز عن قولهما وقول
الجمهور. انتهى كلام الشيخ اللكنوي.
(رَوَاهُ مَالِكْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَه) وأخرجه أيضا أحمد (ج ١ ص
١٧٥، ١٧٩) والشافعي في ((الأم)) (ج ٣ ص ١٥) وفي ((اختلاف الحديث)) (ص
٣١٩) وفي ((الرسالة)) (ص ٣٣١، ٣٣٢) وفي ((السنن)) وابن خزيمة وابن حبان
والطحاوي والبزار وعبد الرزاق (ج ٨ ص ٣٢) والدار قطني (ص ٣٠٩) والحاكم
(ج٢ ص ٣٨، ٣٩)، والبيهقي (ج ٥ ص ٢٩٤، ٢٩٥)، والبغوي (ج ٨ ص ٧٨)،
وابن أبي شيبة (ج ٦ ص ١٨٢) كلهم من طريق مالك عن عبد الله بن يزيد عن زيد
أبي عياش عن سعد بن أبي وقاص. وأخرجه الحميدي في ((مسنده)) (ج ١ ص ٤١)
وأحمد (ج ١ ص ١٧٩) والحاكم وعبد الرزاق والبيهقي والدار قطني أيضا من طريق

٤١۵
كِتَابُ البُيُوعِ
بَابُ الربا
إسماعيل بن أمية عن عبد الله بن يزيد عن زيد أبي عياش، ورواه أيضا البيهقي من
طريق عمران بن أبي أنس عن أبي عياش عن سعد، والحديث سكت عنه أبو داود
وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن المديني وقد أعله جماعة
منهم الطحاوي والطبري وابن حزم وعبد الحق بأن في إسناده زيدًا أبا عياش وهو
مجهول .
وقال الشيخ اللكنوي في ((التعليق الممجد)): قد أعل أبو حنيفة هذا الحديث من
أجل زيد بن عياش، وقال: مداره على زيد بن عياش وهو مجهول، وكذا قال ابن
حزم - في ((الإحكام)) وفي ((المحلى)): قيل: ويعنيان جهالة الوصف - وتعقبوهما
بأن الحديث صحيح وزيد ليس بمجهول. قال الزرقاني : زيد كنيته أبو عياش واسم
أبيه عياش، المدني تابعي صدوق. نقل عن مالك أنه مولى سعد بن أبي وقاص،
وقيل: إنه مولى بني مخزوم، وفي ((تهذيب التهذيب)) زيد بن عياش أبو عياش
الزرقي ويقال: المخزومي، روى عن سعد وعنه عبد الله بن يزيد وعمران بن أبي
أنس ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وصحح الترمذي وابن خزيمة وابن حبان حديثه
المذكور .
وقال الدارقطني: ثقة. وقال الحاكم في ((المستدرك)): هذا حديث صحيح
لإجماع أئمة النقل على إمامة مالك وأنه محكم في كل ما يرويه من الحديث؛ إذ
لم يوجد في رواياته إلا الصحيح خصوصًا في حديث أهل المدينة، ثم لمتابعة
هؤلاء الأئمة إياه في روايته عن عبد الله بن يزيد والشيخان لم يخرجاه لما خشيا من
جهالة زيد ووافقه الذهبي، وفي ((فتح القدير شرح الهداية)). قال صاحب
((التنقيح)): زيد بن عياش أبو عياش الزرقي المدني ليس به بأس ومشائخنا ذكروا
عن أبي حنيفة أنه مجهول ورد طعنه بأنه ثقة، وروى عنه مالك في ((الموطأ))، وهو
لا يروي عن مجهول. وقال المنذري في ((مختصر السنن)) (ج ٥ ص ٣٤): كيف
یکون مجهولًا وقد روى عنه ثقتان عبد الله بن يزيد وعمران بن أبي أنس وهما ممن
احتج به مسلم في ((صحيحه)) وقد عرفه أئمة هذا الشأن، وأخرجه حديثه مالك مع
شدة تحريه في الرجال ونقده وتتبعه لأحوالهم. وقال ابن الجوزي في ((التحقيق)):
قال أبو حنيفة: إنه مجهول فإن كان هو لم يعرفه، فقد عرفه أئمة النقل. انتهى.
وفي ((غاية البيان شرح الهداية)) نقلوا تضعيفه عن أبي حنيفة ولكن لم يصح ضعفه

٤١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْعُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في كتب الحديث، فمن ادعى فعليه البيان. انتهى. وفي ((النهاية)) للعيني عند قول
صاحب ((الهداية)) ((زيد بن عياش ضعيف عند النقلة)) هذا ليس بصحيح بل هو ثقة،
وفي ((تلخيص الحبير)) (ص ٢٣٥): قد أعل هذا الحديث جماعة منهم الطحاوي
والطبري وابن حزم وعبد الحق بجهالة حال زيد أبي عياش، والجواب أن
الدار قطني قال: إنه ثقة ثبت. وقال المنذري: قد روى عنه اثنان ثقتان، وقد اعتمده
مالك مع شدة تحريه ونقده وصححه الترمذي والحاكم. قال: ولا أعلم أحدًا طعن
فيه. انتهى. قال الشيخ اللكنوي: وبالجملة فالجهالة عن زيد مرتفعة وجهالة العين
وجهالة الوصف كلاهما بتصريح النقاد. انتهى. وقال الخطابي في ((المعالم)» (ج ٥
ص ٣٥): قد تكلم بعض الناس في إسناد حديث سعد بن أبي وقاص، وقال زيد أبو
عياش راويه ضعيف، ومثل هذا الحديث على أصل الشافعي لا يجوز أن يحتج به.
قال الخطابي: وليس الأمر على توهمه، وأبو عياش هذا مولى لبني زهرة معروف،
وقد ذكره مالك في ((الموطأ))، وهو لا يروي عن رجل متروك الحديث بوجه، وهذا
من شان مالك، وعادته معلوم، وقد روى أبو داود في هذا الباب مثل حديث سعد
من طريق ابن عمر، ولفظه: ((أن النبي ◌َّ نهى عن بيع الثمر بالتمر كيلاً، وعن بيع
العنب بالزبيب كيلاً ... )) الحديث.
٨٤٤ ٢ - [١٥] وَعَنْ سَعِيد بْنِ الْمُسَيِّبِ مُرْسَلًا، أَنَّ رَسُولَ اللَّه ◌َيِّهِ:
(نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ)) قَالَ سَعِيدٌ: كَانَ مِنْ مَيْسِرٍ أَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ.
[َرَوَاه في ((شَرْحِ السُّنَّةِ))]
الشرح
٢٨٤٤ - قوله: (وَعَنْ سَعيد بْنِ المُسَيِّبِ) من أجلة التابعين (مُرْسَلًا) أي:
بحذف الصحابي، كذا رواه مالك في ((الموطأ)) عن زيد بن أسلم عن سعيد بن
المسيب أن رسول الله وَله ... إلخ. قال ابن عبد البر: لا أعلمه يتصل من وجه
ثابت، وأحسن أسانيده مرسل سعيد هذا، ولا خلاف عن مالك في إرساله، ورواه
(٢٨٤٤) أخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (٧٦/٨).

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الربا
٤١٧
يزيد بن مروان عن مالك عن ابن شهاب عن سهل بن سعد، وهذا إسناد موضوع لا
يصح عن مالك، رواه أبو داود في المراسيل عن القعنبي عن مالك به مرسلا.
وصححه الحاكم وله شاهد أخرجه البزار من حديث ابن عمر. انتهى.
(نَهَى عَنْ بَيْع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ) وعن عبد الرزاق (ج ٨ ص ٢٧) من رواية معمر
عن زيد بن أسلم عن ابن المسيب بلفظ: ((عن بيع اللحم بالشاة الحية)) قال زيد:
يقول: نظرة أو يدًا بيد. انتهى. وفي الحديث دليل على حرمة بيع اللحم بالحيوان
سواء كان ذلك اللحم من جنس ذلك الحيوان أو من غير جنسه، وسواء كان
الحيوان مما يؤكل لحمه أو مما لا يؤكل، وهو قول الشافعي، ذكره الطيبي. وقال
ابن قدامة (ج ٤ ص ٣٢): لا يختلف المذهب أنه لا يجوز بيع اللحم بحيوان من
جنسه وهو مذهب مالك والشافعي، وقول فقهاء المدينة السبعة، وحكي عن مالك
أنه لا يجوز بيع اللحم بحيوان معد للحم ويجوز بغيره، وقال أبو حنيفة: يجوز
مطلقًا؛ لأنه بال مال الربا بما لا ربا فيه أشبه بيع اللحم بالدراهم أو بلحم من غير
جنسه. ولنا حديث زيد بن أسلم - يعني الذي نحن في شرحه - وروي عن النبي وَلِيل
أنه نهى أن يباع حي بميت ذكره الإمام أحمد، وروي عن ابن عباس أن جزورًا
نحرث فجاء رجل بعناق فقال: أعطوني جزءًا بهذا العناق فقال أبو بكر: لا يصلح
هذا.
قال الشافعي: لا أعلم مخالفًا لأبي بكر في ذلك. وقال أبو الزناد: وكل من
أدركت ينهى عن بيع اللحم بالحيوان، ولأن اللحم نوع فيه الربا بيع بأصله الذي فيه
منه، فلم يجز كبيع السمسم بالشيرج، وأما بيع اللحم بحيوان من غیر جنسه،
فظاهر كلام أحمد والخرقي أنه لا يجوز. واختار القاضي جوازه، وللشافعي فيه
قولان. واحتج من منعه بعموم الأخبار وبأن اللحم كله جنس واحد ومن أجازه
قال: مال الربا بيع بغير أصله ولا جنسه، فجاز كما لو باعه بالأثمان، وإن باعه
بحيوان غير مأكول اللحم؛ جاز في ظاهر قول أصحابنا، وهو قول عامة الفقهاء.
انتهى. وقال ابن رشد (ج ٢ ص ١١٢): اختلفوا في هذا الباب على ثلاثة أقوال:
قول: إنه لا يجوز بإطلاق وهو قول الشافعي والليث وقول: إنه يجوز في الأجناس
المختلفة التي يجوز فيها التفاضل ولا يجوز ذلك في المتفقة أعني: الربوية لمكان
الجهل الذي فيها من طريق التفاضل وذلك في التي المقصود منها الأكل وهو قول

٤١٨
exme
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مالك، فلا يجوز شاة مذبوحة بشاة تراد للأكل، وذلك عنده في الحیوان المأكول،
حتى إنه لا يجوز الحي بالحي إذا كان المقصود الأكل من أحدهما، فهو عنده من
هذا الباب أعني أن امتناع ذلك عنده من جهة الربا والمزابنة وقول ثالث: إنه يجوز
مطلقًا - أي: إذا لم يكن نسيئة - وبه قال أبو حنيفة. انتهى.
وجعل المالكية الحيوان على ثلاثة أجناس أو أصناف، فذوات الأربع التي هي
مباحة الأكل كلها جنس والطير كله جنس والحيتان كله جنس، وأما الجراد فروى
عن مالك أنها جنس رابع، روى ذلك عنه الشيخ أبو القاسم وروى عنه في
((المدونة)) أنه قال: ليست بلحم، وذكر ابن رشد (ج ٢ ص ١١١) الأصناف الثلاثة
مع بیان حكمها. وقال محمد في (موطئه)) بعد رواية الحديث وبهذا نأخذ، من باع
لحما من لحم الغنم بشاة حية لا يدرى اللحم أكثر أو ما في الشاة أكثر، فالبيع
فاسد، وهذا مثل المزابنة.
وقال الشيخ اللكنوي في ((التعليق الممجد)): اختلفوا في بيع الحيوان باللحم،
فجوز أبو حنيفة وأبو يوسف والمزني تلميذ الشافعي بيع اللحم بالحيوان سواء كان
اللحم من جنس ذلك الحيوان أو لا مساويًا لما في الحيوان أو لا بشرط التعجيل،
أما بالنسيئة فلا، لا متناع السلم في الحيوان واللحم؛ وذلك لأنه باع موزونا بما
ليس بموزون؛ إذ الحيوان ليس بموزون عادة، ولا يعرف قدر ثقله بالوزن؛ لأنه
يثقل نفسه تارة ويخففها أخرى، واتحاد الجنس مع اختلاف المقدارية لا يمنع
التفاضل، وإنما يمنع النساء فقلنا به. وقال محمد: إن باعه بلحم غير جنسه كلحم
البقر بالشاة الحية ولحم الجزور بالبقرة الحية يجوز كيف ما كان، وإن كان من
جنسه كلحم شاة بشاة حية، فشرطه أن يكون اللحم المفرز أكثر من اللحم الذي في
الشاة ليكون لحم الشاة بمقابلة مثله من اللحم وباقي اللحم بمقابلة السقط وهو ما
لا يطلق عليه اسم اللحم كالكرش والجلد والأكارع، ولو لم يكن كذلك يتحقق
الربا إما لزيادة الثقة إن كان اللحم المفرز مثل لحم الحيوان أو لزيادة اللحم إن كان
لحم الشاة أكثر فصار كبيع دهن السمسم بالسمسم والزيتون بدهنه، فإنه لا يجوز
إلا على ذلك الاعتبار.
وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يجوز بيع اللحم بالحيوان أصلاً في متحد

٤١٩
كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الربا
الجنس، ولو باعه بلحم من غير جنسه فقال مالك وأحمد: يجوز، وللشافعي
قولان: والأصح لا؛ لعموم النهي. ولا يخفى أن السمع وارد بالنهي مطلقًا، فمنه
قوي و منه ضعيف، فمن القوي رواية مالك وأبو داود في ((المراسيل)) ومرسل سعيد
ابن المسيب حجة بالاتفاق، وأخرجه ابن خزيمة عن أحمد بن حفص السلمي
حدثني إبراهيم بن طهمان عن الحجاج بن حجاج عن قتادة عن الحسن عن سمرة.
وقال البيهقي: إسناده صحيح، ومن أثبت سماع الحسن عن سمرة، فهو عنده
موصول. ومن لم يثبت فهو عنده مرسل جيد، والمرسل عندنا حجة مطلقًا. وأسند
الشافعي إلى رجل مجهول من أهل المدينة أنه بَّ نهى أن يباع حي بميت، وأسند
أيضا عن أبي بكر الصديق، أنه نهى عن بيع اللحم بالحيوان، وبسنده إلى القاسم
ابن محمد وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن أنهم كرهوا ذلك. كذا حققه
ابن الهمام في ((فتح القدير))، وكأنه أشار إلى ترجيح ما وافقته الروايات الحديثية
انتهى ما في ((التعليق الممجد)).
(قَالَ سَعِيدٌ) أي ابن المسيب (كَانَ) أي: هذا البيع (مِنْ مَيْسِرِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ)
بكسر السين أي: قمارهم، وقد يفتح السين. قال الطيبي: اشتقاق الميسر من
اليسر؛ لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير كد وتعب أو من اليسار؛ لأنه
سلب يساره (رَوَاهُ) أي: البغوي (فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ))) (ج ٨ ص ٧٦) وأخرجه أيضا
مالك في ((الموطأ)) ومن طريقه محمد بن الحسن الشيباني والشافعي في ((المسند))
كما في ((فيض القدير))، وأبو داود في ((المراسيل)) وعبد الرزاق في ((المصنف)) (ج
٨ ص ٢٧) والحاكم (ج ٢ ص ٣٥) والبيهقي (ج ٥ ص ٢٩٦، ٢٩٧)، قال الحافظ
في ((التلخيص)) (ص ٢٣٦): رواه مالك وعنه الشافعي من حديث سعيد بن المسيب
مرسلًا وهو عند أبي داود في المراسيل ووصله الدار قطني في ((الغرائب)) عن مالك
عن الزهري عن سهل بن سعد وحكم بضعفه وصوب الرواية المرسلة في ((الموطأ))
وتبعه ابن عبد البر وابن الجوزي وله شاهد من حديث ابن عمر، رواه البزار، وفيه
ثابت بن زهير وهو ضعيف. وأخرجه من رواية أبي أمية بن يعلى عن نافع أيضًا،
وأبو أمية ضعيف، وله شاهد أقوى منه من رواية الحسن عن سمرة. وقد اختلف
في صحة سماعه منه أخرجه الحاكم والبيهقي وابن خزيمة. انتهى.
قلت: قال الحاكم (ج ٢ ص ٣٥) بعد رواية حديث الحسن عن سمرة بلفظ: