النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤٠
gese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وبين ضعف ما يعارضها .
القول الثاني: أنه استثناء من انقطاع الخيار بالتفرق يعني: أنه مستثنى من مفهوم
الغاية؛ لأن مفهومه أنهما إذا تفرقا؛ سقط الخيار ولزم العقد إلا بيع الخيار أي بيع
شرط فيه الخيار ثلاثة أيام أو دونها، فلا ينقضي الخيار فيه بالتفرق بل يبقى حتى
ينقضي الأجل المشروط. حكى ابن عبد البر هذا عن الشافعي وأبي ثور وجماعة.
قال الحافظ: ورجح القول الأول؛ لأنه أقل في الإضمار وتعينه رواية النسائي
من طريق إسماعيل عن نافع بلفظ: ((إلا أن يكون البيع كان عن خيار، فإن كان البيع
عن خيار؛ وجب البيع)). وقال البغوي بعد ذكر هذا القول: هذا تأويل؛ بعيد، لأن
الاستثناء يرجع إلى ما ظهر من الكلام والاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات،
والدليل على ذلك رواية حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر بلفظ:
((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر))، قال: فثبت بهذا
الحديث أن المراد بالخيار اختيار لزوم البيع.
القول الثالث: أنه استثناء من إثبات الخيار يعني أنه مستثنى من أصل الحكم
والمضاف محذوف أي إلا في بيع إسقاط الخيار ونفيه، فحذف المضاف وأقيم
المضاف إليه مقامه، والمعنى: أن الخيار ثابت إلا بيعًا شرط فيه نفي خيار
المجلس، فیلزم البيع بنفس البیع ولا یکون فيه خيار.
قال الحافظ في ((الفتح)): وهذا أضعف هذه الاحتمالات. وقال الولي العراقي:
وعلى القول الثالث فيه سقوط خيار المجلس إذا شرط نفيه في العقد وبه قال أحمد
ابن حنبل في المشهور عنه، وهو وجه لبعض الشافعية، وقال بعضهم: يلغوا الشرط
ويصح العقد ويثبت الخيار، والأصح عندهم وجه ثالث وهو بطلان البيع، وهو
قياس الشروط الفاسدة ولم يرتض أصحابنا تفسير هذا الحديث بهذا المعنى.
انتھی. ورجح ابن قدامة ما ذهب إليه أحمد وارجع إلى «المغني)) (ج ٣ ص ٥٦٧،
٥٦٨) وقيل: المراد بقوله إلا أن يكون بيع خيار أي أنهما بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن
يتخايرا، ولو قبل التفرق وإلا أن يكون البيع بشرط الخيار ولو بعد التفرق.
قال الحافظ: وهو قول يجمع التأويلين الأولين ويؤيده ما وقع في رواية للبخاري
بلفظ: ((إلا بيع الخيار أو يقول لصاحبه: اختر)) إن حملت ((أو)) على التقسيم لا على

كِتّابُ البُيُوعِ
ExX
بَابُ الْخِيَارِ
٣٤١
الشك .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أي: بهذا اللفظ، وأخرجه أيضا باللفظ المذكور أحمد وأبو داود
والنسائي والشافعي والبيهقي والبغوي. وللحديث عند الجماعة وغيرهم ألفاظ
أخرى أيضا، وقد توهم بعضهم أنه مضطرب. قال الحافظ: قال بعضهم: حديث
((البيعان بالخيار)) جاء بألفاظ مختلفة، فهو مضطرب لا يحتج به. وتعقب: بأن
الجمع بين مختلف ألفاظه ممكن بغير تكلف ولا تعسف فلا يضره الاختلاف
وشروط المظطرب أن يتعذر الجمع بين مختلف ألفاظه. وليس هذا الحديث من
ذلك. انتهى. وفي الباب عن حكيم بن حزام وسيأتي، وعن أبي برزة أخرجه أبو
داود، وعن سمرة أخرجه النسائي، وعن ابن عباس أخرجه ابن حبان والحاكم
والبيهقي من طريق أخرى، وعن جابر أخرجه البزار وصححه الحاكم وغيره.
(وفي رواية لمسلم: ((إِذَا تَبَايَعَ الْمُتَبَابِعَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مِنْ بَيْعِهِ مَا لَمْ
يَتَفَرَّقَا) أي : بدنا (أَوْ يَكُونَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ) بإثبات الواو ونصب النون في ((يكون))
على أن يكون ((أو)) بمعنى إلا وأن مقدرةَ أي: إلا أن يكون، أو التقدير: إلى أن
يكون وقيل: الوجه ((يكن)) لعطفه على المجزوم وهو قوله: ((يتفرقا» وكأنه أشبعت
ضمة الكاف فتولد منها واوًا كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِّ وَيَصْبِرْ﴾ [يُوسُف: الآية
٩٠] عند من قرأ بإثبات الياء والمعنى: أن المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا بدنا إلا أن
يكون أو إلى أن يكون بيعهما عن التخاير أو هما بالخيار ما لم يكن بيعهما بيع
تخاير، فإن كان بيعهما عن تخاير أي: إذا قال أحدهما لصاحبه: اختر إمضاء البيع
أو فسخه فاختار إمضاء البيع مثلا إن البيع يتم، وإن لم يتفرقا. وقيل: المعنى بقوله
((أو يكون بيعهما عن خيار)) أي أن يشترطا الخيار مطلقا، فلا يبطل بالتفرق.
وقال الشيخ الدهلوي في ((اللمعات)): قوله: ((أو يكونَ بيعهما عن خيار)) رُوي
بالنصب بجعل أو بمعنى إلا أن، وبالرفع بحملهما على معناها الأصلي، وهذا
القول في مكان قوله إلا بيع الخيار في الرواية السابقة، وهو يحتمل القول الأول
والثالث من الأقوال الثلاثة المذكورة فيه لا القول الثاني لابتناء. قوله: (فَإِذَا كَانَ
بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ ، فَقَدْ وَجَبَ) أي: لزم البيع، وإن لم يتفرقا، وقيل: أي: ثبت خيار
الشرط ولا يسقط بالتفرق، ويؤيد المعنى الأول ما وقع في رواية للبخاري ((البَيِّعَانِ

Ber
٣٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ)) وربما قال: أو يكون بيع
خيار.
(وفي رواية الترمذي: ((البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَخْتَارَا))) أي: إمضاء البيع
(وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: أَوْ يَقُولُ) قال الحافظ: كذا هو في جميع الطرق بإثبات الواو
وفي إثباتها نظر؛ لأنه مجزوم عطفا على قوله: ((ما لم يتفرقا)) فلعل الضمة أشبعت
كما أشبعت الياء في قراءة من قرأ: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِي وَيَصْبِرْ﴾ [يُوسُف: الآية ٩٠] ويحتمل أن
تكون بمعنى إلا أن فيقرأ حينئذ بنصب اللام، وبه جزم النووي وغيره، والمعنى: أن
المتبايعين إذا قال أحدهما لصاحبه: اختر إمضاء البيع أو فسخه فاختار إمضاء البيع
مثلا أن البيع يتم وإن لم يتفرقا.
(أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ) أي: إمضاء البيع أو فسخه، فاختار إمضاء البيع مثلا
(بَدَل أَوْ يَخْتَارَا) في رواية الترمذي. قال في ((اللمعات)): قوله: ((أو يختار!)) في
رواية الترمذي وكذا في المتفق عليه ((أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر)) لا يحتمل إلا
الوجه الأول لأن حملهما على خيار الشرط ونفي الخيار بعيد جدا خصوصا
الأخيرة. انتهى.
قال في ((تنقيح الرواة)): الرواية الأولى: أخرجها أيضا أصحاب السنن إلا ابن
ماجه، والرواية الثانية: أخرجها أيضا أحمد وأصحاب السنن ومالك والشافعي
نحوها، والرواية الثالثة: أخرجها أيضا أحمد ورواتها ثقات وصححها الترمذي،
وكان من حق المؤلف يعني صاحب ((المشكاة)) أن يذكرها في الفصل الثاني. نعم
معناها في ((الصحيحين))، والرواية الرابعة: أخرجها أيضا أحمد وغيره.

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْخِيَارِ
٣٤٣
٢٨٢٥ - [٢] وعن حَكِيم بْنِ حِزَام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَلٍِّ :
((البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقًا وَبَيَّنَاً؛ بُورَِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ
كَتَمَا وَكَذَبَا؛ مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٨٢٥ - قوله (وعن حَكِيم بْنِ حِزَام) بكسر مهملة وفتح زاي، تقدم ترجمته
في (ج ٢ ص ١٧٩) (البَيِّعَانِ) بتشَديد التحَّتَّانية يعني: البائع والمشتري، والبيع هو
البائع كضيق وضائق، وليس كبين وبائن، فإنهما متغايران كقيم وقائم. واستعمال
البيع في المشتري إما على سبيل التغليب أو لأن كل واحد من اللفظين يطلق على
الآخر كما سلف.
(مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) بأبدانهما عن محلهما الذي تبايعا فيه، فيثبت لهما خيار المجلس
(فَإِنْ صَدَقًا) أي: في صفة المبيع والثمن وما يتعلق بهما (وَبَيِّنَا) أي: عيب الثمن
والمبيع .
قال الحافظ: قوله: ((فإن صدقا وبينا)) أي: صدق البائع في إخبار المشتري مثلا
وبين العيب إن كان في السلعة وصدق المشتري في قدر الثمن مثلا وبين العيب إن
كان في الثمن، ويحتمل: أن يكون الصدق والبيان بمعنى واحد، وذكر أحدهما
تأكيد للآخر .
(بُورَِكَ) أي: كثر النفع (لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا) أي: وشرائهما، أو المراد: في
عقدهما، يعني: أعطاهما الله الزيادة والنمو في بيعهما وهو البركة للمشتري في
السلعة وللبائع في الثمن (وَإِنْ كَتَمَا) أي: ما يجب إظهاره (وَكَذَبَا) أي: وصف
المبيع والثمن (مُحِقَتْ) بصيغة المجهول أي: أزيلت (بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) يعني: ذهبت
وزالت زیادة کسبهما وربحهما .
قال الحافظ: قوله: ((محقت بركة بيعهما)) يحتمل: أن يكون على ظاهره، وأن
(٢٨٢٥) أخرجه البخاري (٢٠٧٩)، ومسلم (١٥٣٢).

٣٤٤
#eese
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
ee
شؤم التدليس والكذب وقع في ذلك العقد فمحق بركته، وإن كان الصادق مأجورًا
والكاذب مأزورًا، ويحتمل: أن يكون ذلك مختصا بمن وقع منه التدليس بالعيب
دون الآخر، ورجحه ابن أبي جمرة. انتهى. وفي الحديث: أن الصدق في
المعاملة وتبيين ما في المعقود عليه من عيب وغيره سبب للبركة في الدنيا أي:
بالزيادة والشهرة بحسن المعاملة، وفي الآخرة بالأجر والثواب، كما أن الغش
والكذب والكتمان سبب محق البركة وزوالها. وهذا شيء محسوس في الدنيا،
فإن الذين تنجح تجارتهم وتروج سلعهم هم أهل الصدق والمعاملة الحسنة ولا
فشلت تجارة وفلست إلا بسبب الخيانة وسوء المعاملة وما عند الله لأولئك وهؤلاء
أعظم.
قال الحافظ في الحديث: فضل الصدق والحث عليه وذم الكذب والحث على
منعه وأنه سبب لذهاب البركة وأن عمل الآخرة يحصل خيري الدنيا والآخرة.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٣ ص ٤٠٢، ٤٠٣، ٤٣٤) والشافعي وأبو
داود والترمذي والنسائي والدارمي والبيهقي والبغوي وغيرهم.

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْخِيَارِ
٣٤٥
٢٨٢٦ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَِّيِّ ◌ِّهِ: إِنِّي أُخْدَعُ فِي
الْبُيُوعِ، فَقَالَ: ((إِذَا بَايَعْتَّ فَقُلْ: لاَ خِلاَبَةَ)) فَكَانَ الرَّجُلُ يَقُولُهُ. [مُتَفَقْ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٨٢٦ - قوله: (قَالَ رَجُلٌ) في رواية أحمد (ج ٢ ص ١٣٠) من طريق ابن
إسحاق حدثني نافع عن ابن عمر: كان رجل من الأنصار وهكذا وقع في رواية
للدار قطني والبيهقي وهو حبان بفتح المهملة والموحدة المشددة وآخره نون، ابن
منقذ بقاف مكسورة وذال معجمة كما رواه الشافعي وابن الجارود (ص١٩٧)
والحاكم (ج ٢ ص ٢٢) والدارقطني (ص ٣١١) والبيهقي (ج ٥ ص ٢٧٣)
وغيرهم، وصدر به عياض، وجزم به النووي في ((شرح مسلم))، وقيل: هو أبوه
منقذ بن عمرو كما في ابن ماجه وتأريخ البخاري (ج ٤ ص ١٧) و((مسند الحميدي))
(ج ٢ ص ٧٣) والدار قطني (ص ٣١٢) والبيهقي (ج ٥ ص ٢٧٣) وكذلك رواه ابن
مندة والحسن بن سفيان في ((مسنده)) وابن أبي شيبة في ((مصنفه)). قال الزرقاني:
قال ابن عبد البر وهو أصح، وتبعه النووي في ((مبهماته)). وقال الحافظ في
((التلخيص)): وبه جزم عبد الحق وجزم ابن الطلاع بأنه حبان بن منقذ وتردد في
ذلك الخطيب في ((المبهمات)) وابن الجوزي في ((التلقيح)). وقال الحافظ في
((الإصابة)) في ترجمة حبان بن منقذ بعدما ذكر اختلاف الروايات في ذلك:
والحاصل: أنه اختلف في القصة هل وقعت لحبان بن منقذ أو لأبيه منقذ؟ بن عمرو
ولم يترجم لأبيه منقذ، واقتصر في ((الفتح)) على ذكر اختلاف الروايات في ذلك
وترجم لها الجزري في ((أسد الغابة)) وابن عبد البر في ((الاستيعاب)) والذهبي في
((التجريد)) وذكر الجزري في ((أسد الغابة)) قصة الخداع في ترجمتهما، ومال ابن
عبد البر إلى أن صاحب القصة هو منقذ بن عمرو حيث اقتصر على ذكرها في ترجمة
منقذ، وقال: وقد قيل: إن الذي جعل له رسول الله وَ ل الخيار هو حبان بن منقذ.
(إِنِّي أُخْدَعُ) بصيغة المجهول المتكلم (فِي البُيُوعِ) بضم الموحدة، وفي رواية
(٢٨٢٦) أخرجه البخاري (٢٤٠٧)، ومسلم (١٥٣٣)، ولفظه: لا خيانة. بدلًا من: لا خلابة.

٣٤٦
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فشكا إلى النبي ◌َّ ما يلقى من الغبن. قال عياض: وفي الحديث أنه الذي ذكر
ذلك؛ لأنه لم يفقد التمييز والنظر لنفسه بالكلية؛ فلعل ذلك كان يعتريه أحيانا،
ويتبين ذلك إذا انتبه - انتهى. وقد أخرجه أحمد وأصحاب السنن وابن حبان
والحاكم من حديث أنس بلفظ: ((إنَّ رَجُلًا كَانَ يُبَابِعُ، وَكَانَ فِي عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ))
والعقدة بضم العين، وفسرها الراوي عند أحمد بالعقل وفي ((التلخيص)) العقدة:
الرأي، وقيل: هي العقدة في اللسان، كما يشعر بذلك حديث ابن عمر عند أحمد
بلفظ: ((وكان في لسانه لوثة)) بضم اللام وفتح المثلثة أي: ضعف في رأيه وتلجلج
في كلامه ولا مانع من كونه في عقله ضعف وفي لسانه عقدة، وعند الشافعي
وأحمد وابن خزيمة والدار قطني أن حبان بن منقذ كان ضريرا وكان قد شج في رأسه
مأمومة، وقد ثقل لسانه، وعند الدار قطني وابن عبد البر عن محمد بن يحيى بن
حبان عن عمه واسع بن حبان أن جده منقذ بن عمرو كان قد أتى عليه سبعون ومائة
سنة، فكان إذا بايع غبن فذكر ذلك للنبي وَّر ... الحديث. وأخرج ابن عبد البر
عن ابن عمر أن منقذا سفع في رأسه مأمومة في الجاهلية فحبلت لسانه، فكان
يخدع في البيع.
(فَقَالَ: إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لاَ خِلاَبَةَ) بكسر الخاء المعجمة وخفة اللام بعدها
موحدة أي: لا خديعة في الدين؛ لأن الدين النصيحة، ـ((لا)) لنفي الجنس وخبرها
محذوف، وقيل: معناه: لا تلزمني خديعتك ولي الخيار، قال البغوي: الخلابة:
الخديعة وهي مصدر خلبت الرجل إذا خدعته أخلبه خلبا وخلابة، وفي المثل: ((إذا
لم تغلب فاخلب)) يقول: إذا أعياك الأمر مغالبة فاطلبه مخادعة. انتهى.
قال الحافظ: زاد ابن إسحاق في روايته - عند الدار قطني والحميدي والبخاري
في ((تأريخه)) والحاكم والبيهقي وغيرهم: ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها
ثلاث ليال، فإن رضيت فأمسك وإن سخطت فاردد فبقي حتى أدرك زمان عثمان
وهو ابن مائة وثلاثين سنة، فكثر الناس في زمن عثمان، وكان إذا اشترى شيئا؛
فقيل له: إنك غبنت فيه، رجع به، فيشهد له الرجل من الصحابة بأن النبي وَّخلال قد
جعله بالخيار ثلاثا، فیرد له دراهمه.
قال العلماء: لقنه النبي وَالحلول هذا القول، ليتلفظ به عند البيع، فيطلع به صاحبه

٣٤٧
كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْخِيَارِ
على أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع ومقادير القيمة، فيمتنع بذلك عن
مظان الغبن، ويرى له كما يرى لنفسه؛ لما تقرر من حض المتبايعين على أداء
النصيحة. والمراد أنه إذا ظهر غبن رد الثمن واسترد المبيع. واستعماله في الشرع
عبارة عن اشتراط خيار الثلاث وقد زاد البيهقي في هذا الحديث بإسناد حسن: (ثم
أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال)).
(فَكَانَ الرَّجُلُ يَقُولُهُ) وفي رواية: ((فكان الرجل إذا بايع؛ يقول: لا خلابة)) وفي
رواية لمسلم كان يقول: ((لا خيابة)) بالتحتانية بدل اللام، وفي رواية له: ((لا
خذابة)) بالذال المعجمة بدل اللام أيضا، وفي أخرى: ((لا خنابة)) بالنون، وكأنه
كان لا يفصح باللام للثغة لسانه، والحديث دليل: على خيار الغبن في البيع
والشراء. واختلف فيه العلماء على قولين، الأول: ثبوت الخيار بالغبن وهو قول
أحمد ورواية عن مالك. ولكن إذا كان الغبن فاحشا لمن لا يعرف ثمن السلعة
وقيده بعض المالكية بأن يبلغ الغبن ثلث القيمة ولعلهم أخذوا التقييد مما علم أنه لا
يكاد يسلم أحد من مطلق الغبن في غالب الأحمال ولأن القليل يتسامح به في العادة
وأنه من رضي بالغبن بعد معرفته، فإن ذلك لا يسمى غبنا وإنما يكون من باب
التساهل في البيع الذي أثنى ◌َّ على فاعله وأخبر أن الله يحب الرجل سهل البيع
سهل الشراء وذهبت الشافعية والحنفية والجمهور إلى عدم ثبوت الخيار بالغبن؛
لعموم أدلة البيع ونفوذه ولزوم حكمه بعد صدور صيغته عن رضا من غير تفرقة بين
الغبن أولا، قالوا: وحديث الباب إنما كان الخيار فيه لضعف عقل ذلك الرجل إلا
أنه ضعف لم يخرج به عن حد التمييز فتصرفه كتصرف الصبي المأذون له. ولأنه
لقنه وَلَه بقوله: ((لا خلابة)) اشتراط عدم الخداع فكان شراؤه وبيعه مشروطا بعدم
الخداع ليكون من باب خيار الشرط.
وقال ابن العربي: ينبغي أن يقال له: إنه كله مخصوص بصاحبه لا يتعدى إلى
غيره، فإنه كان يخدع في البيع، فيحتمل أن الخديعة كانت في العيب أو في العين
أو في الكذب أو في الثمن أو في الغبن، فلا يحتج بها في مسألة الغبن بخصوصها
وليست قضية عامة، فتحمل على العموم، قلت: قد تقدم أنه شكا إلى النبي وَلّ ما
يلقى من الغبن. وهي ترد ما قاله ابن العربي.

٣٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
قال الحافظ: الاحتمالات التي ذكرها ابن العربي قد تعينت بالرواية التي صرح
بها بأنه كان يغبن في البيوع. انتهى. وقال الشوكاني: اختلف العلماء في هذا
الشرط أي: المذكور في الحديث هل كان خاصًّا بهذا الرجل أم يدخل فيه جميع
من شرط هذا الشرط؟ فعند أحمد ومالك في رواية عنه أنه يثبت الرد لكل من شرط
هذا الشرط ويثبتون الرد بالغبن لمن لم يعرف قيمة السلع وقيده بعضهم بكون الغبن
فاحشا، وهو ثلث القيمة عنده، قالوا: بجامع الخدع الذي لأجله أثبت النبي وَل
لذلك الرجل الخيار، وأجيب: بأن النبي وَلّ إنما جعل لهذا الرجل الخيار للضعف
الذي كان في عقله كما في حديث أنس المذكور، فلا يلحق به إلا من كان مثله في
ذلك بشرط أن يقول هذه المقالة، ولهذا روي أنه كان إذا غبن يشهد رجل من
الصحابة أن النبي ◌ُّ قد جعله بالخيار ثلاثا فيرجع في ذلك، وبهذا يتبين أنه لا
يصح الاستدلال بمثل هذه القصة على ثبوت الخيار لكل مغبون، وإن كان صحيح
العقل، ولا على ثبوت الخيار لمن كان ضعيف العقل إذا غبن ولم يقل هذه المقالة،
وهذا مذهب الجمهور وهو الحق - انتهى. وإن شئت مزيد البسط في هذه المسألة
فارجع إلى ((المغني» (ج ٣ ص ٥٨٤) والعيني (ج ١١ ص ٢٣٣، ٢٣٤) واستدل
أيضا بهذا الحديث على أن من قال عند العقد: لا خلابة أنه يصير في تلك الصفقة
بالخيار سواء وجد فيه عيبًا أو غبنًا أم لا .
قال الشوكاني: استدل بهذه القصة على ثبوت الخيار لمن قال: لا خلابة سواء
غبن أم لا وسواء وجد غشًّا أو عيبًا أم لا، والظاهر: أنه لا يثبت الخيار إلا إذا وجدت
خلابة لا إذا لم توجد؛ لأن الذي ثبت الخيار لأجله هو وجود ما نفاه منها، فإذا لم
یوجد فلا خيار. انتھی.
وقال الأمير اليماني: قال بعضهم: إنه إذا كان الرجل البائع أو المشتري يقول:
لا خلابة ثبت الخيار وإن لم يكن فيه غبن، ورد: بأنه مقيد بما في الرواية أنه كان
يغبن. انتهى. وارجع إلى ((المغني)) (ج ٣ ص ٥٩٢).
وقال الدكتور محمد يوسف موسى المصري: إن سبب الحدیث خاص برجل به
ضعف في العقل وأنه كان يغبن فيما يبيع أو يشتري وأن الرسول وَل جعل ذلك له؛
دفعًا للغبن عن نفسه بأن يستشير من يرى أن يرجع إلى رأيه في التجارة، فهل لنا بعد

٣٤٩
كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْخِيَارِ
ذلك كله أن نأخذ من الحديث إجازة هذا النوع من الخيار لمن لم يكن في مثل
حبان؟ وهل لنا أن نجيزه في غير حالة الغبن؟ ثم قال بعد تزييف الاستدلال على
خيار الشرط بهذا الحديث: نرى أن حديث حبان ورد في حقه خاصة بسبب حالته
الخاصة. فأقصى ما يستطيع الفقيه أخذه منه هو الاحتجاج به في حق من كان على
صفة الرجل وحالته وذلك لتجنيبه الغبن والضرر فيما يشتري أو يبيع. أما أخذ خيار
الشرط المعروف لدى الفقهاء من هذا الحديث وحده، فهو أمر عسير كل العسر،
ومن الحق أن البيهقي روى من طريق ابن لهيعة أن عمر بن الخطاب رَيْ فَهُ قد كلم في
البيوع فقال: ما أجد لكم شيئا أوسع مما جعل رسول الله وَ ثل لحبان بن منقذ ثم ذكر
قصته، ومعنى هذا أن التوسعة على حبان بالخيار، صار شرعًا عامًّا لنا جميعا، لكن
البيهقي يذكر أن هذا الحديث ينفرد به ابن لهيعة ثم يذكر عن ابن حجر أن ابن لهيعة
ضعيف، ومع هذا وذاك ففرق بين الخيار لمن هو عرضة حقًّا للغبن ومن هو صحيح
ماهر في التجارة ولكن يشترطه للتروي فقط. انتهى. هذا وقد استدل بالحديث
على أن أمد الخيار المشترط ثلاثة أيام من غير زيادة؛ لأنه حكم ورد على خلاف
الأصل، فيقتصر به على أقصى ما ورد فيه، ويؤيده جعل الخيار في المصراة ثلاثة
أيام واعتبار الثلاث في غير موضع.
قال الحافظ: وأغرب بعض المالكية فقال: إنما قصره على ثلاث؛ لأن معظم
بيعه كان في الرقيق، وهذا يحتاج إلى دليل ولا يكفي فيه مجرد الاحتمال. انتهى.
وقد عقد البخاري على حديث ابن عمر المتقدم باب كم يجوز الخيار؟
قال الحافظ: الترجمة معقودة لبيان مقدار خيار الشرط، وليس في حديث الباب
بيان لذلك. قال ابن المنير: لعله أخذ من عدم تحديده في الحديث أنه لا يتقيد بل
يفوض الأمر فيه إلى الحاجة لتفاوت السلع في ذلك. قلت - قائله الحافظ -: قد
روي البيهقي من طريق أبي علقمة الفروي عن نافع عن ابن عمر مرفوعا: ((الخيار
ثلاثة أيام)) وهذا كأنه مختصر من الحديث الذي أخرجه أصحاب السنن من طريق
محمد بن إسحاق عن نافع في قصة حبان بن منقذ، وبه احتج للحنفية والشافعية في
أن أمد الخيار ثلاثة أيام، وأنكر مالك التوقيت في خيار الشرط ثلاثة أيام بغير
زيادة، وإن كانت في الغالب يمكن الاختيار فيها لكن لكل شيء أمد بحسبه يتخير
فيه، فللدابة مثلا والثوب يوم أو يومان وللجارية جمعة وللدار شهر.

٣٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الأوزاعي: يمتد الخيار شهرًا وأكثر بحسب الحاجة إليه.
وقال الثوري: يختص الخيار بالمشتري ويمتد له إلى عشرة أيام وأكثر ويقال له:
انفرد بذلك وقد صح القول بامتداد الخيار عن عمر وغيره. انتهى. ثم ترجم
البخاري على رواية ابن عمر الثالث المتقدمة باب إذا لم يوقت الخيار هل يجوز
البيع؟ قال الحافظ: أي: لم يعين البائع أو المشتري وقتًا للخيار وأطلقاه هل يجوز
البيع؟ وكأنه أشار بذلك إلى الخلاف الماضي في حد خيار الشرط والذي ذهب إليه
الشافعية والحنفية أنه لا يزاد فيه على ثلاثة أيام، وذهب ابن أبي ليلى وأبو يوسف
ومحمد وأحمد وإسحاق وأبو ثور وآخرون إلى أنه لا أمد لمدة خيار الشرط، بل
البيع جائز والشرط لازم إلى الوقت الذي يشترطانه، وهو اختيار ابن المنذر فإن
شرطا أو أحدهما الخيار مطلقا، فقال الأوزاعي وابن أبي ليلى: هو شرط باطل
والبيع جائز. وقال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي: يبطل البيع أيضا. وقال
أحمد وإسحاق للذي شرط الخيار أبدا. انتهى.
وقال ابن قدامة: يجوز اشتراط الخيار ما يتفقان عليه من المدة المعلومة قلت
مدته أو كثرت وبذلك قال أبو يوسف ومحمد وابن المنذر وحكي ذلك عن الحسن
ابن صالح والعنبري وابن أبي ليلى وإسحاق وأبي ثور وأجازه مالك فيما زاد على
الثلاث بقدر الحاجة، لأن الخيار لحاجته فيقدر بها. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا
يجوز أكثر من ثلاث لما روي عن عمر رَو ◌َّهُ أنه قال: ما أجد لكم أوسع مما جعل
رسول الله عليه لحبان جعل له الخيار ثلاثة أيام. ولنا أنه حق يعتمد الشرط فرجع في
تقديره إلى مشترطه كالأجل ولا يثبت عندنا ما روي عن عمر رضيولكنّهُ. وقد روي عن
أنس خلافه إلى آخر ما قال واستدل بالحديث أيضا على جواز الحجر على السفيه،
قال المجد بن تيمية في ((المنتقى)): في الحديث صحة الحجر على السفيه؛ لأنهم
سألوه إياه وطلبوه منه، وأقرهم عليه ولو لم يكن معروفا عندهم لما طالبوه ولأنكر
عليهم.
قال الشوكاني: هذا استدلال صحيح لكن بشرط أن يطلب ذلك من الإمام أو
الحاكم قرابة من كان في تصرفه سفه، كما في حديث أنس. انتهى.
وقال الخطابي یستدل بهذا الحديث من یری أن الكبير لا يحجر عليه؛ إذ لو كان

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْخِيَارِ
٣٥١
إلى الحجر عليه سبيل لحجر عليه ولأمر أن لا يبايع ولم يقتصر على قوله: ((لا
خلابة)). قال الخطابي: الحجر على الكبير إذا كان سفيهًا مفسدًا لماله واجب، كهو
على الصغير. وهذا الحديث إنما جاء في قصة حبان بن منقذ ولم يذكر صفة سفه
ولا إتلافًا لماله، وإنما جاء أنه كان يخدع في البيع، وليس كل من غبن في شيء
يجب أن تحجر عليه وللحجر حد، فإذا لم يبلغ ذلك لم يستحق الحجر. انتهى.
وقال الحافظ: وتعقب استدلال من استدل به على أن الكبير لا يحجر عليه، ولو
تبين سفهه بأنه لو كان الحجر على الكبير لا يصح لأنكر عليهم، وأما كونه لم يحجر
عليه فلا يدل على منع الحجر على السفيه. انتهى. وقال العيني: استدل بالحديث
الشافعي وأحمد وإسحاق على حجر السفيه الذي لا يحسن التصرف، ووجه ذلك
أنه لما طلب أهله إلى النبي ◌ّ الحجر عليه دعاه فنهاه عن البيع وهذا هو الحجر وهو
المنع. قال العيني: هذا نهي خاص به لضعف عقله وولا يسري هذا في الحجر
على الحر العاقل البالغ؛ لأن في حقه إهدار الآدمية، وقد روى الترمذي من حديث
أنس أن رجلا كان في عقدته ضعف وكان يبايع وأن أهله أتوا النبي ◌ُّ فقالوا: يا
رسول الله، احجر عليه، فدعاه فنهاه عن البيع، فقال: يا رسول الله، إني لا أصبر
عن البيع، فقال: ((إذا بايعت فقل: لا خلابة)). قال العيني: استدل به أبو حنيفة على
أن ضعيف العقل لا يحجر عليه لأنه لما قال له: إنه لا يصبر عن البيع؛ أذن له فيه
بالصفة التي ذكرها، فهذا دال على عدم الحجر. قلت: قد تقدم الجواب عن هذا
في كلام الخطابي والحافظ وإن شئت الوقوف على مذاهب الفقهاء في الحجر
ودلائلهم بالتفصيل، فارجع إلى ((المغني)) (ج ٣ ص ٤٥٦ إلى ٤٧١).
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في البيوع وترك الحيل، ومسلم في البيوع وأخرجه
أيضا أحمد والشافعي ومالك وأبو داود والنسائي في البيوع والحميدي وابن
الجارود وعبد الرزاق والحاكم والبيهقي والبغوي وأشار إليه الترمذي. وفي الباب
عن أنس وقد تقدم تخريجه، وعن عمر بن الخطاب عند الشافعي وابن الجارود
والحاكم والدار قطني والبيهقي وغيرهم.

EBONE
٣٥٢
B
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
الفصل الثاني
٢٨٢٧ - [٤] عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ
وَ قَالَ: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُ
[رَوَاهُ الثِّمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، والنَّسَائِيّ]
أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ)).
الشرح
٢٨٢٧ - قوله (البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقًا) وفي رواية للدار قطني والبيهقي
((حتى يتفرقاً من مكانهما)) وهو يدل صريحا على تفرق الأبدان (إِلَّا أَنْ يَكُونَ) كذا في
جميع نسخ ((المشكاة)) بلفظ المذكر، وهكذا وقع عند النسائي وأحمد والدار قطني
والبيهقي، وكذا ذكره البغوي في ((شرح السنة)) (ج ٨ ص ٤٠) والذي في أبي داود
والترمذي: ((تكون)) بلفظ المؤنث، وهكذا عند ابن الجارود وكذا نقله الحافظ في
((الفتح)) و((بلوغ المرام)) والعراقي في ((التقريب)) والجزري في ((جامع الأصول))
وابن قدامة في ((المغني)) والمجد في ((المنتفى)).
(صَفْقَةَ خِيَارٍ) بالرفع على أن ((كان)) تامة، والتقدير إلا أن توجد أو تحدث صفقة
خيار، وبالنصب على أن ((كان)) ناقصة واسمها مضمر وخبرها ((صفقة خيار))،
والتقدير: إلا أن تكون الصفقة صفقة خيار، والمراد أن المتبايعين إذا قال أحدهما
لصاحبه: اختر إمضاء البيع أو فسخه، فاختار أحدهما، تم البيع وإن لم يتفرقا. قاله
الشوكاني. وقال القاري: يعني إذا تفرقا بطل خيارهما إلا أن يكون العقد بيع خيار
أي: بيعًا شرط فيه الخيار. وقال ابن قدامة: يحتمل أنه أراد البيع المشروط فيه
الخيار، فإنه لا يلزم بتفرقهما ولا يكون تفرقهما غاية للخيار فيه؛ لكونه ثابتًا بعد
تفرقهما، ويحتمل أنه أراد البيع الذي شرطا فيه أن لا يكون بينهما فيه خيار، فيلزم
بمجرد العقد من غير تفرق. انتهى. وقد ظهر بهذا أن في قوله: ((إلا أن تكون صفقة
خيار)) ثلاثة أقوال كهي في قوله: ((إلا بيع الخيار)) في حديث ابن عمر المتقدم،
(٢٨٢٧) أخرجه الترمذي (١٢٤٧)، وأبو داود (٣٤٥٦)، والنسائي (٦٠٣١).

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْخِيَارِ
٣٥٣
والصفقة بفتح الصاد وإسكان الفاء وفتح القاف أي: بيعة خيار، وسمي البيع
صفقة؛ لأن المتبايعين يضع أحدهما يده في يد الآخر.
قال الطيبي: الإضافة في ((صفقة خيار)) للبيان، فإن الصفقة يجوز أن تكون للبيع
أو للعهد - انتهى. قلت: سميت صفقة؛ لأن المتعاهدين يضع أحدهما يده في يد
الآخر كما يفعل المتبايعان وهي المرة من التصفيق باليدين فقوله في الحديث:
((صفقة خيار)) أخرجت صفقة المعاهد فالإضافة للبيان، كما قال الطيبي: ووضع
اليد على اليد في البيع أمر غالبي عرفي لا أنه معتبر شرعي.
(وَلَا يَحِلُّ) أي: في الورع قاله القاري (لَهُ) أي: لأحد المتعاقدين (أَنْ يُفَارِقَ
صَاحِبَهُ) أي: بالبدن بأن يقوم من المجلس ويخرج (خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ) بالنصب على
أنه مفعول له، واستدل بهذا القائلون بعدم ثبوت خيار المجلس، قالوا: لأن في
هذا الحديث دليلًا على أن صاحبه لا يملك الفسخ إلا من جهة الاستقالة، وأجيب:
بأن الحديث حجة عليهم لا لهم، لأن قوله: ((بالخيار ما لم يتفرقا»، وفي رواية:
((حتى يتفرقا من مكانهما)) دليل على خيار المجلس، وأما قوله: ((أن يستقيله))
فالمراد به الفسخ، ومعناه: لا يحل له أن يفارقه بعد البيع خشية أن يختار فسخ البيع
والمراد بالاستقالة فسخ النادم منهما للبيع، وعلى هذا حمله الترمذي وغيره من
العلماء. قالوا: ولو كانت الفرقة بالكلام لم یکن له خيار بعد البيع، ولو كان المراد
حقيقة الاستقالة لم تمنعه من المفارقة؛ لأنها لا تختص بمجلس العقد، وقد أثبت
في أول الحديث الخيار ومده إلى غاية التفرق، ومن المعلوم أن من له الخيار لا
يحتاج إلى الاستقالة، فتعين حمله على الفسخ، وحملوا نفي الحل على الكراهة؛
لأنه لا يليق بالمروءة وحسن معاشرة المسلم لا أن اختيار الفسخ حرام.
وقال ابن حزم: حمل حديث ابن عمرو هذا على التفرق بالأقوال تذهب معه
فائدة الحديث؛ لأنه يلزم من حمل التفرق على القول إباحة المفارقة وحلها، سواء
خشي أن يستقيله، أو لم يخش؛ لأن الإقالة تصح قبل التفرق وبعده. وقال الولي
العراقي: أراد بالإِقالة هنا الفسخ بحكم الخيار، فإنه الذي ينقطع بالمفارقة. أما
طلب الإقالة بالاختيار، فلا فرق فيه بين أن يتفرقا أم لا، فإن ذلك إنما يكون بالرضا
منهما، وهو جائز بعد التفرق. انتهى. وبما ذكرنا ظهر اندفاع قول القاري بأن

٣٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحديث دليل صريح لمذهبنا؛ لأن الإقالة لا تكون إلا بعد تمام العقد ولو كان له
خيار المجلس لما طلب من صاحبه الإقالة. قلت: وحمل نفي الحل في الحديث
على الكراهة لا على التحريم فيه نظر عندي، فإنه صريح في التحريم لا في
الكراهة، ثم هو نص على أن المحرم قصد المفارقة بالبدن ليقطع الطريق على من
بايعه أن يستقيله، وأما ما روي عن ابن عمر أنه كان إذا بايع رجلا فأراد أن يتم بيعته
قام يمشي هنيهة فرجع إليه. فإنه محمول على أن ابن عمر لم يبلغه النهي.
قال الحافظ في ((التلخيص)): لم يبلغه النهي المذكور فكان إذا بايع رجلا قام
فمشي هنيهة ثم رجع إليه. قال ابن قدامة: ظاهر الحديث تحريم مفارقة أحد
المتبايعين لصاحبه خشية من فسخ البيع، وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية الأثرم،
فإنه ذكر له فعل ابن عمر، وحديث عمرو بن شعيب، فقال: هذا الآن قول النبي وَاخيه
وهذا اختيار أبي بكر، وذكر القاضي أن ظاهر كلام أحمد جواز ذلك؛ لأن ابن عمر
كان إذا اشترى شيئا يعجبه فارق صاحبه. متفق عليه. والأول أصح؛ لأن قول
النبي وَخلال يقدم على فعل ابن عمر، والظاهر أن ابن عمر لم يبلغه هذا، ولو علمه لما
خالفه. انتهى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وحسنه (أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو والمنذري (وَالنَّسَائِيُّ)
وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢ ص ١٨٣) وابن الجارود (ص ٢١٠) والدار قطني (ص
٣١٠) والبيهقي (ج ٥ ص ٢٧١).
٢٨٢٨ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وََِّّ، قَالَ: ((لَا يَتَفَرَّقَنَّ اثْنَانِ
إِلَّا عَنْ تَرَاضٍ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
الشرح
٢٨٢٨ - قوله (لَا يَتَفَرَّقَنّ) كذا في جميع نسخ ((المشكاة))، من التفرق، وكذا
رواه الترمذي، وفي ((المصابيح)): ((لا يتفرق)) أي: بدون النون المشددة، وهكذا
(٢٨٢٨) أخرجه أبو داود (٣٤٥٨)، والبيهقي (٢٧١/٥).

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْخِیَارِ
٣٥٥
في ((مسند أحمد)) (ج ٢ ص ٥٣٦)، ولفظ أبي داود: ((لا يفترقن)) أي: من
الافتراق، وهكذا رواه البيهقي من طريق أبي داود.
(اثْنَانِ) أي: متبايعان، ولفظ ((المصابيح)): ((لا يتفرقن عن بيع)) وفي ((المسند)) :
((لا يتفرقن المتبايعان عن بيع)) (إِلَّا عَنْ تَرَاضٍ). قال الطيبي: قوله: ((عن تراض))
صفة مصدر محذوف، والاستثناء متصل، أي: لا يتفرقن اثنان إلا تفرقًا صادرًا عن
تراض. انتهى.
قال القاري: المراد بالحديث والله تعالى أعلم. أنهما لا يتفارقان إلا عن تراض
بينهما فيما يتعلق بإعطاء الثمن وقبض المبيع، وإلا فقد يحصل الضر والضرار وهو
منهي في الشرع، أو المراد منه أن يشاور مريد الفراق صاحبه ألك رغبة في المبيع؟
فإن أريد الإقالة أقاله، فيوافق الحديث الأول - يعني حديث عمرو بن شعيب
المتقدم - معنى وهذا نهي تنزيه للإجماع على حل المفارقة من غير إذن الآخر ولا
علمه. انتهى. وقال الأشرف: في الحديث دليل على ثبوت خيار المجلس لهما
وإلا فلا معنى لهذا القول حينئذٍ. انتهى.
قلت: لا ريب في أن الحديث يدل على ثبوت خيار المجلس كما قال الأشرف:
وهو الذي فهمه أبو زرعة بن عمرو بن جرير راوي الحديث عن أبي هريرة، ففي
((سنن أبي داود)) حدثنا محمد بن حاتم الجرجرائي قال مروان الفزاري: أخبرنا عن
يحيى بن أيوب قال: كان أبو زرعة إذا بايع رجلا خيره، قال: ثم يقول: خيّرني
ويقول: سمعت أبا هريرة ... الحديث. وأما ما ذكر القاري من مراد الحديث،
فهو غير ظاهر كما لا يخفى على المتأمل، ورواه عبد الرزاق (ج ٨ ص ٥١) من
طريق الثوري عن أبي عتاب عن أبي زرعة أن رجلا ساومه بفرس له فلما باعه خيره
ثلاثًا، ثم قال: اختر فخير كل واحد منهما صاحبه ثلاثًا، ثم قال أبو زرعة: سمعت
أبا هريرة يقول: هكذا البيع عن تراض. قال القاري: قال الأشرف: وفي الحديث
دليل على أنه لا يجوز التفرق بين العاقدين؛ لانقطاع خيار المجلس إلا برضاهما.
انتهى. قال القاري: وتقدم أنه يجوز إجماعا، والنهي للتنزيه. قلت: وتقدم أيضا ما
في هذا الحمل من الخدشة.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو والمنذري وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢ ص ٥٣٦)

٣٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والترمذي والبيهقي، ورواه عبد الرزاق عن أبي هريرة موقوفًا، وتقدم لفظه. وفي
الباب عن أنس أخرجه البيهقي من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس قال :
مر رسول الله وَّة على أهل البقيع فقال: (يا أهل البقيع)) فاشرأبوا. فقال: ((يا أهل
البقيع، لا يفترقن بيعان إلا عن رضا))، ورواه عبد الرزاق (ج ٨ ص ٥١) من طريق
أيوب عن أبي قلابة مرسلًا، وفي الباب أيضا عن أبي سعيد. قال: قال رسول الله
وَالر: ((إنما البيع عن تراض)) أخرجه ابن ماجه. قال البوصيري: يدل ظاهره على
عدم جواز بيع المكره لعدم التراضي، وفي ((الزوائد)): إسناده صحيح ورجاله
موثوقون رواه ابن حبان فى ((صحيحه)) .

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْخِيَارِ
٣٥٧
الفصل الثالث
٢٨٢٩ - [٦] عَنْ جَابِرِ: ((أَنَّ النَّبِيِّي ◌َ خَيَّرَ أَعْرَابِيًّا بَعْدَ البَيْع)).
[رَوَاهُ الثِّمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ]
الشرح
٢٨٢٩ - قوله: (خَيَّرَ أَعْرَابِيًّا بَعْدَ البَيْع) أي: بعد تحققه بالإيجاب والقبول.
قال الطيبي: ظاهره يدل على مذهب أبي حنيفة؛ لأنه لو كان خيار المجلس ثابتا
بالعقد؛ كان التخيير عبئًا، والجواب أن هذا مطلق يحمل على المقيد، كما سبق في
الحديث الأول من الباب.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) من طريق ابن وهب عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر،
وروی عبد الرزاق (ج ٨ ص ٥٠) عن معمر وابن عيينة عن عبد الله بن طاوس عن
أبيه قال: ابتاع النبي وَّل قبل النبوة من أعرابي بعيرًا أو غير ذلك، فقال له النبي وَل
بعد البيع: ((اختر)) فنظر إليه الأعرابي فقال: عمرك الله من أنت؟ قال: فلما كان
الإِسلام جعل النبي ◌َّ الخيار بعد البيع، وأخرجه البيهقي من طريق الشافعي عن
ابن عيينة ومن طريق عبد الرزاق عن معمر وحده، ورواه هو وابن ماجه موصولًا
من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر، ولكن ليس عندهما في الموصول
((فلما كان الإسلام جعل النبي ◌َّ الخيار بعد البيع))، والحديث أخرجه أيضًا
الدار قطني (ص ٢٩٨) من طرق.
(وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) في الترمذي: هذا حديث حسن
غريب. أي بدون لفظ: ((صحيح)).
(٢٨٢٩) أخرجه الترمذي (١٢٤٩)، وابن ماجه (٢١٨٤).

٣٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٤ - بَابُ الزِّبَا
(بَابُ الرِّبَا) بكسر الراء وبالألف قال المناوي: هو بكسر الراء والقصر وألفه بدل
من واو، ويكتب بها وبياء وينسب إليه فيقال: ربوي بالكسر، وقال الحافظ: الربا
مقصور، وحكى مده وهو شاذ ويقال: الرماء بفتح الراء وبالميم والمد بمعناه يقال :
أرمي على الشيء وأربي؛ إذا زاد عليه قال: والربا من ربا يربو فيكتب بالألف ولكن
وقع في خط المصاحف بالواو. قال الزمخشري في ((الكشاف)): كتبت بالواو على
لغة من يفخم كما كتبت ((الصلوة والزكوة)) وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو
الجمع. انتهى. وقال الفراء: إنما كتبوه بالواو؛ لأن أهل الحجاز تعلموا الخط من
أهل الحيرة ولغتهم ((الربوا)) فعلموهم صورة الخط على لغتهم. قال: وكذا قرأه أبو
السماك العدوي بالواو وقرأه حمزة والكسائي بالإمالة بسبب كسرة الراء. وقرأه
الباقون بالتفخيم لفتحة الباء. قال: ويجوز كتبه بالألف والواو والياء. انتهى.
وتثنيته ربوان، وأجاز الكوفيون كتابة تثنيته بالياء بسبب الكسر في أوله وغلطهم
البصريون، والربوا في اللغة: هو الزيادة. قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا
أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ أُهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحَجّ: الآية ٥] يعني: زادت وعلت وارتفعت، وقال
تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةُ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: الآية ٩٢] أي: أكثر وأزيد عددًا، وقال
تعالي: ﴿وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًا لِيَرَبُوَأْ فِىِّ أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَ يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] يقال:
أربى فلان على فلان إذا زاد عليه.
قال المناوي: هو لغة: الزيادة وشرعًا: عقد على عوض معلوم مخصوص غير
معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد أو مع التأخير في البدلين أو أحدهما،
وهو أنواع: ربا الفضل وهو البيع مع زيادة أحد العوضين على الآخر، وربا اليد
وهو البيع مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما، وربا النسأ وهو البيع الأجل. قيل:
وربا القرض المشروط فيه جر نفع ويمكن عوده لربا الفضل وكل منهما حرام. وفي
((شرح المصابيح)) للقاضي: الربا في الأصل: الزيادة، ثم نقل إلى ما يؤخذ زائدًا
على ما بذل في المعاملات وإلى العقد المشتمل عليه. والمراد به هاهنا - يعني في

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الربا
٣٥٩
الحديث الآتي - القدر الزائد أي: الذي تحقق وجوده من العقد المشتمل عليه.
وقال القاري: هو الزيادة على رأس المال لكن خص في الشريعة بالزيادة على وجه
دون وجه، وباعتبار الزيادة، قال تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًا لِيَرْبُوَاْ فِىِّ أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَا
يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] ونبه بقوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرّبَواْ وَيُرْبِ الصَّدَقَتِ﴾ [البقرة: الآية ٢٧٦] أن
الزيادة المعقولة المعبر عنها بالبركة مرتفعة عن الربا. انتهى.
وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح، أما الكتاب فقول الله
تعالى: ﴿وَحَرَّمَ اُلرِّبَواْ﴾ [البقرة: الآية ٢٧٥] وما بعدها من الآيات. وأما السنة ففي مثل
الحديث الذي لعن به وسير آكل الربا ومؤكله في أخبار كثيرة سوى هذا وردت في
النهي عنه وذم فاعله وأجمعت الأمة على تحريم الربا في الجملة لما استندت عليه
من النصوص وإن اختلفت في تفاصيله وتفاريعه.
قال صاحب ((تيسير العلام)): وتحريمه مقتضى العدل والقياس؛ لأن التعامل به
ظلم أو ذريعة إليه. والكون لا يقوم إلا بالعدل الذي أوجبه المولى على نفسه وألزم
به خلقه، ومضار الربا ومفاسده لا تحصى. منها تضخم المال بطريق غير
مشروعة؛ لأنه تضخم على حساب سلب مال الفقير وضمه إلى كنوز الغني،
وحسبك بهذا داء فتاكا في المجتمعات وسببا في الخصومات والعداوات وهو أداة
هدامة للنشاط والعمل الشريف واستثمار الأرض وإخراج طيباتها وحدث لدينا
معاملات في البنوك وصناديق البريد تجاسروا فيها على تعاطي الربوا وسموه بغير
اسمه. وهذا مصداق الحديث النبوي: ((يأتي على الناس زمان يشربون الخمر
ويسمونها بغير اسمها».
قال الحافظ ابن القيم في ((إعلام الموقعين)): الربا نوعان: جلي وخفي. فالجلي
حرم لما فيه من الضرر العظيم، والخفي حرم لأنه ذريعة إلى الجلي، فتحريم الأول
قصدًا وتحريم الثاني وسيلة، فأما الجلي فربا النسيئة وهو الذي كانوا يفعلونه في
الجاهلية مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال، وكلما أخره زاد في المال حتى تصير
المائة عنده آلافا مؤلفة، وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج، فإذا رأى أن
المستحق يؤخر مطالبته ويصبر عليه بزيادة يبذلها له، تكلف بذلها ليفتدي من إصر
المطالبة والحبس، ويدافع من وقت إلى وقت، فيشتد ضرره وتعظم مصيبته ويعلوه
الدين حتى يستغرق جميع موجوده، فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل