النص المفهرس
صفحات 321-340
SOME ٣٢٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ % الفصل الثاني ٢٨١٩ - [٦] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلَهَ: ((التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءِ». [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ] الشرح ٢٨١٩- قوله: (التَّاجِرُ) أي: المشتغل بنحو بيع وشراء، والتجارة صناعة التجار: وهي القصد للبيع والشراء لتحصيل الربح. (الصَّدُوقُ) أي كثير الصدق قولاً وفعلاً، وقيل: أي فيما يخبر به مما يتعلق بأحكام البيع من نحو إخباره بما قام عليه، ومن عيب فيه وغير ذلك (الأَمِينُ) أي: الموصوف بالأمانة، ولعل الجمع بين الوصفين للمبالغة. (مَعَ الَّبِّينَ) أي: لِإِطاعتهم (وَالصِّدِّيقِينَ) لموافقتهم في صفتهم (وَالشُّهَدَاءِ)؛ لاحتسابهم بأنفسهم على الله بالشهادة بالحق. قال الطيبي: قوله: ((التاجر الصدوق الأمين ... )) إلخ، أي: من تحرى الصدق والأمانة؛ كان في زمرة الأبرار من النبيين والصديقين، ومن توخى خلافهما كان في قرن الفجار من الفسقة والعاصين. انتهى. وقال في ((اللمعات)): كلاهما من صيغ المبالغة، ففيه تنبيه على رعاية الكمال في هاتين الصفتين حتى ينال هذه الدرجة الرفيعة العظيمة، وهي معية النبيين والصديقين والشهداء ولم يذكر الصالحين؛ لأن التاجر إذا كان صدوقا أمينًا، فهو من الصالحين، فلا معنى لإلحاقه بالصالحين. انتهى. وقال السندي: قوله: ((التاجر الأمين الصدوق ... )) إلخ، أي: إذا قصد بتجارته الخير، والحاصل أن المباح يصير بحسن النية عبادة، فيستحق صاحبه الأجر على ذلك ويكون مع أهل العبادة. (٢٨١٩) أخرجه الترمذي (١٢٠٩)، والدارمي (٢٥٨١)، والدار قطني (٢٨١٣)، والحاكم (٢١٤٣). ٣٢١ كِتَّابُ البُيُوعِ بَابُ المُسَاهَلَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ) في البيوع (ص ٢٩١) وكذا الحاكم (ج ٢ ص ٦) ورواه الجميع من طريق سفيان الثوري عن أبي حمزة عن الحسن البصري عن أبي سعيد. قال الترمذي: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث الثوري عن أبي حمزة عن الحسن. وقال الحاكم: هو من مراسيل الحسن. وقال الدارمي: لا علم لي به إن الحسن سمع من أبي سعيد، يشير إلى انقطاعه، لكن له شواهد من حديث ابن عمر عند ابن ماجه وغيره كما سيأتي، وحديث أنس عند الأصبهاني في ((التاريخ)) والديلمي في ((مسند)) الفردوس وحديث ابن عباس عند ابن النجار في تاریخه . ٢٨٢٠ - [٧] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. الشرح ٢٨٢٠ - قوله: (وَرَوَاه ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْن عُمَرَ) أي ابن الخطاب في أول التجارات. وأخرجه أيضا الحاكم (ج ٢ ص ٦) والبيهقي (ج ٥ ص ٢٦٦) كلهم من طريق كثير بن هشام عن كلثوم بن جوشن عن أيوب السختياني عن نافعٍ عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَله: ((التَّاجِرُ الأَمِينُ الصَّدُوقُ الْمُسْلِمُ مَعَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، قال في ((الزوائد)): كلثوم بن جوشن ضعيف، وأصل الحديث قد رواه الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري. وقال الحاكم: كلثوم هذا بصري قليل الحديث، ولم يخرجاه. وقال الذهبي: ضعفه أبو حاتم. وقال في ((التعليق المغني)): وثقه ابن حبان. وقال أبو داود: منكر الحديث. وقال ابن العربي: هذا الحديث وإن لم يبلغ درجة المتفق عليه من الصحيح، فإن معناه صحيح؛ لأنه جمع الصدق والشهادة بالحق والنصح للخلق وامتثال الأمر المتوجه إليه من قبل الرسول، ولا يناقضه ذم التجار يعني في حديث عبيد بن رفاعة الآتي؛ لأنه محل لذم أهل الفجور والرياء والحرص بقرينة هذا الخبر، أما مع تحري الأمانة والديانة (٢٨٢٠) أخرجه ابن ماجه (٢١٣٩)، والدار قطني (٢٨١٢)، والحاكم (٢١٤٢)، والبيهقي (١١٧٥). ٣٢٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ * فالاتجار محبوب مطلوب، ولهذا كان السلف يقولون: اتجروا فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل بدينه كذا في ((فيض القدير)). (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا) أي : حديث أبي سعيد (حَدِيثٌ غَرِيبٌ) كذا في جميع نسخ ((المشكاة))، وقد تقدم أن الترمذي حسنه فقال: هذا حديث حسن ... إلخ. ٢٨٢١ - [٨] وعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِيٍ غَرَزَةَ، قَالَ: كُنَّا نُسَمَّى فِي عَهْدٍ رَسُولِ اللَّهِ وَ السَّمَاسِرَةَ فَمَرَّ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ بَلَ فَسَمَّانَا بِاسْمُ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ، فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ الثُّجَّارِ، إِنَّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْحَلِفُ، فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ)). [رَوَاهُ أَبُوُ دَاوُدَ، وَالتِّرمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وابْنُ مَاجَهْ] الشرح ٢٨٢١ - قوله: (وعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ) بمعجمة وراء وزاي مفتوحات ابن عمير بن وهب الغفاري، صحابي، سكن الكوفة ومات بها، له حدیث واحد، ليس له غيره، قاله ابن عبد البر (كُنَّا) أي: معشر التجار (نُسَمَّى) بصيغة المجهول المتكلم من التسمية أي: ندعى. ويحتمل أنه على بناء المعلوم بتقدير نسمي أنفسنا (فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ السَّمَاسِرَةَ) بالنصب على أنه مفعول ثان وهو بفتح السين المهملة الأولى وكسر الثانية جمع سمسار بكسر السين بوزن مسمار، قال في ((النهاية)): السمسار: القيم بالأمر الحافظ له، وهو اسم للذي يدخل بين البائع والمشتري متوسطا لإمضاء البيع، والسمسرة: البيع والشراء. انتهى. (فَمَرَّ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِفَسَمَّانَا بِاسْم هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ) بضم فتشديد جمع تاجر، وفي رواية للنسائيّ وأحمد: كنا بالمدينة نبيع الأوساق - يعني من التمر والشعير ونحو ذلك - ونبتاعها، وكنا نسمي أنفسنا السماسرة ويسمينا الناس فخرج إلينا رسول الله مَ ﴾ ذات يوم فسمانا باسم هو خير من الذي سمينا أنفسنا وسمانا الناس فقال: ((يا معشر التجار))، وفي رواية لأحمد: كنا نبيع الرقيق (٢٨٢١) أخرجه أبو داود (٣٣٢٦)، والترمذي (١٢٠٨)، والنسائي (٤٧٢٠)، وابن ماجه (٢١٤٥). كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الْمُسَاهَلَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ ٣٢٣ في السوق، يعني أن بعضنا كان يبيع الرقيق وبعضنا كان يبيع التمر والشعير وغيره؛ لأن السوق تجمع كل ذلك. قال الخطابي: السمسار اسم أعجمي وكان كثير ممن يعالج البيع والشراء فيهم عجما فتلقنوا هذا الاسم عنهم فغيره رسول اللـه مَثّل إلى التجارة التي هي من الأسماء العربية، وذلك معنى قوله: فسمانا باسم هو أحسن منه، أي: من اسمنا الأول. وقال الطيبي: وذلك أن التجارة عبارة عن التصرف في رأس المال؛ طلبًا للربح، والسمسرة كذلك، لكن الله تعالى ذكر التجارة في كتابه غير مرة على سبيل المدح، كما قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَوُلُّكُمْ عَلَى تَِةِ شُجِيكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصَّف: الآية١٠] وقوله: ﴿يَحَرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ [النساء: الآية ٢٩] وقوله: ﴿تِجَرَةً لَّن تَبُّورَ﴾ [فَاطِر: الآية ٢٩] - انتهى. ولعله أراد أيضا قوله: ﴿رِجَالٌ لَّ نُلْهِهِمْ تِحَةٌ وَلَا بَيْعُ عَنْ Eَ﴾ [النُّور: الآية ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوَةِ وَإِنَاءِ الزَّكَوَةِ يَخَافُونَ يَوْمًا نَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ ٣٧]؛ تنبيهًا لهم بهذا الاسم على أن يكونوا موصوفين بهذه النعوت خصوصًا. (إِنَّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ) قيل: المراد منه ما لا يعنيه وما لا طائل تحته وما لا ينفعه في دينه ودنياه. وقال في ((جامع الأصول)): اللغو: الكلام الرديء المطروح، وهو في الأصل من لغاء إذا قال هذرا، وقال في ((النهاية)): لغا: إذ تكلم بالمطرح من القول وما لا يعني، وألغى: إذا أسقط (وَالْحَلِفُ) أي إكثاره، أو الكاذب منه. وفي رواية: إن هذا البيع يحضره الحلف والكذب، والمعنى: أنه يكثر فيه الكلام الساقط والأيمان الكاذبة (فَشُوبُوهُ) بضم الشين أمر من الشوب بمعنى الخلط أي اخلطوا ما ذكر من اللغو والحلف. قاله القاري. وفي رواية الترمذي: ((فشوبوا بيعكم))، وكذا وقع في رواية النسائي (بِالصَّدَقَة) أي: تصدقوا شيئًا ليكون كفارة لذلك، فإن اللغو والحلف الكاذب يوجبان سخط الرب، والصدقة تطفئ غضبه. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [ُهُود: الآية ١١٤]. قال الخطابي: إنما أمرهم بشيء من الصدقة غير معلوم المقدار في تضاعيف الأيام ومر الأوقات لتكون كفارة لما يجري بينهم من اللغو والحلف وليست بالصدقة الواجبة التي هي الزكاة (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ) في البيوع (وَالنَّسَائِيُّ) في الأيمان والبيوع (وَابْنُ مَاجَهْ) في التجارات، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤ ص ٦، ٢٨٠) والحاكم (ج ٢ ص ٥، ٦) وصححه هو والذهبي والبيهقي (ج ٥ ص ٢٦٥، ٢٦٦) والبخاري في ((تأريخه)) (ج ٤ ص ١٤٤) وابن حبان في ((صحيحه)) وابن أبي ٣٢٤ Be * مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ شيبة (ج ٧ ص ٢١) وعبد الرزاق (ج ٨ ص ٤٧٦، ٤٧٧) كلهم من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة عن قيس بن أبي غرزة. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال: ولا نعرف لقيس عن النبي ◌َّ- غير هذا، وأخرج أبو القاسم البغوي هذا الحديث وقال: لا أعلم ابن أبي غرزة روى عن النبي وٍّ﴾ غيره، وذكر المنذري كلام الترمذي والبغوي، ثم قال: وقد روى عنه قال: قال رسول الله وَل: ((إن التجارهم الفجار إلا من بر وصدق))، فمنهم من جعلهما حدیثین - انتهى. وقال ابن عبد البر: روى عنه أبو وائل أن النبي وَّ دخل السوق وقال لهم: ((يا معشر التجار، إن بيعكم هذا يحضره الحلف فشوبوه بالصدقة)). وقوله وقال: ((إن التجار هم الفجار إلا من بر وصدق)» ومنهم من یجعلهما حدیثین. انتهى. ٢٨٢٢- [٩] وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِي وَ، قَالَ: ((التُّجَّارُ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا، إِلَّا مَنِ اتَّقَى وَبَرَّ وَصَدَقَ)). [رَوَاهُ التِّْمِذِيُّ وَابْنَ مَاجَهْ وَالدَّارِميُّ] الشرح ٢٨٢٢ - قوله: (عُبَيْدٍ) بالتصغير (بْنِ رِفَاعَةَ) بكسر الراء ابن رافع بن مالك بن العجلان الأنصاري الزرقي ويقال: عبيد الله بن رفاعة، ولد في عهد النبي وَّل ، ذكره مسلم في الطبقة الأولى من التابعين ووثقه العجلي، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) أرسل عن النبي وَل وروى عن أبيه ورافع بن خديج وأسماء بنت عميس، وعنه أولاده إبراهيم وإسماعيل وغيرهم. (عَنْ أَبِيهِ) أي: رفاعة بن رافع بن مالك أبي معاذ الأنصاري المدني بدري جلیل، له أحاديث انفرد له البخاري بثلاثة أحاديث، وعنه ابناه معاذ وعبيد، مات في أول خلافة معاوية (عَنْ النَّبِيِ وََّ، قَالَ: التُّجَّارُ) أول الحديث: عن رفاعة أنه خرج مع النبي ◌َّ إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون، فقال: ((يا معشر التجار))، فاستجابوا لرسول الله وَ له ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه فقال: ((إن التجار ... )) إلخ (٢٨٢٢) أخرجه الترمذي (١٢١٠)، وابن ماجه (٢١٤٦)، والدارمي (٢٥٨٠)، وابن حبان (٤٩١٠). ٣٢٥ كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الْمُسَاهَلَةِ فِي الْمُعَامَلةِ ونحو ذلك وقع عند ابن ماجه والدارمي (يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا) جمع فاجر بمعنى الفاسق والعاصي، والفجور: الانبعاث في المعاصي، ومادته للشق والخروج. وقيل: أصل الفجور: انصداع الأرض والشيء، والتشقق في عنف وشدة، وسمي التاجر غير المتقي كذلك؛ لأنهم يذهبون بتكالبهم على المال مفسدين في الأرض وممزقين أسباب التعاون والتناصر وأسباب الخير. (إِلَّا مَنِ اتَّقَى) كذا في جميع نسخ ((المشكاة))، ولفظ الترمذي وابن ماجه والدارمي ((إلا من اتقى الله)) قال القاري: بأن لم يرتكب كبيرة ولا صغيرة من غش وخيانة (وَبَرَّ) أي: أحسن إلى الناس في تجارته وقام بمواساة الفقراء، فتجاوز لهم (وَصَدَقَ) أي: في يمينه وسائر كلامه. وقيل: من اتقى أي: المحارم، وبر أي: في يمينه وصدق أي: في حديثه. قيل: لما كان الغرض من التجارة هو جمع المال كان الشأن أن يغفل التجار عن مرضاة الله وعن حسابه فندر فيهم البر والصدق، وكان الغالب عليهم التدليس في المعاملات والتهالك على ترويج السلع بما ينفقها لهم من الأيمان الكاذبة ونحو ذلك من احتكار الطعام وحاجات المعيشة، ثم يتغالون في أثمانها بلا شفقة على الفقير ولا رحمة بالمسلمين؛ حكم عليهم بالفجور واستثنى منهم النادر وهو من اتقى وبر وصدق في نيته وقوله وعمله. وذكر القاري نحو ذلك عن القاضي، ثم قال: وإلى هذا ذهب الشارحون وحملوا الفجور على اللغو والحلف . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) أي: عن عبيد بن رفاعة عن أبيه رفاعة، وأخرجه أيضا عنه ابن حبان في ((صحیحه)) والحاكم (ج ٢ ص ٦) والبيهقي (ج ٥ ص ٢٦٦) والحديث أورده ابن الجوزي في الموضوعات برواية الحارث بن عبيد عن أبي خيثم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي والتر أتى على جماعة من التجار فقال: ((يا معشر التجار))، فاستجابوا ومدوا أعناقهم فقال: ((إن الله باعثكم يوم القيامة فجارا إلا إلى من صدق وصلى وأدى الأمانة)). قال ابن الجوزي: قال ابن حبان: ليس هذا الحديث أصل صحيح يرجع إليه، والحارث يأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم. قلت - قائله السيوطي -: الحارث روی له مسلم وأبو داود والترمذي، والحديث صحيح روى من عدة طرق، أخرج الدارمي والترمذي، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه وابن حبان في ((صحيحه)) والحاكم، وقال: ٣٢٦ se get مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ صحيح الإسناد، والطبراني والضياء المقدسي في ((المختارة)) من طريق إسماعيل ابن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده: أنه خرج مع رسول الله وَّل، فذكر حديث رفاعة المذكور في الباب، ثم ذكر السيوطي حديث عبد الرحمن بن شبل الآتي وعزاه لأحمد والحاكم ثم قال: وأخرج مسدد في ((مسنده)) عن علي قال: التاجر فاجر إلا من أخذ بالحق وأعطاه. ٢٨٢٣ - [١٠] وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)) عَنِ الْبَرَاءِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. الشرح ٢٨٢٣ - قوله: (وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)) عَنِ البَرَاءِ) لم أقف على سنده ومتنه، وفي الباب أيضا عن عبد الرحمن بن شبل قال: سمعت رسول الله وَ له يقول: ((إن التجارهم الفجار))، قالوا: يا رسول الله أليس قد أحل الله البيع قال: «بلی ولکنھم یحلفون فیأثمون ویحدثون فیکذبون». أخرجه أحمد (ج ٣ ص ٤٢٨ و ٤٤٤) قال المنذري: بإسناد جيد، وابن خزيمة والحاكم (ج ٢ ص ٦ و ٧) والطبراني في ((الكبير)) والبيهقي (ج ٥ ص ٢٦٦) قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) وعزاه لأحمد، والطبراني في ((الكبير))، وقال: رجال الجميع ثقات. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا) أي: حديث عبيد بن رفاعة (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، ونقل المنذري في ((الترغيب)) تصحيح الترمذي والحاكم وأقره. هذا الباب خالٍ عن الفصل الثالث. (٢٨٢٣) أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٤٥٠٧). كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الْخِيَارِ ٣٢٧ ٣ - بَابُ الْخِيَارِ (بَابُ الْخِيَارِ) أي باب خيار المتبايعين، فحذف اختصارًا، والخيار بكسر الخاء المعجمة اسم مصدر اختار أي: طلب خير الأمرين من الإمضاء أو الرد، وهو أنواع ذكر منها في أحاديث الباب: خيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار الغبن. قال الحافظ: الخيار بكسر الخاء: اسم من الاختيار أو التخيير وهو طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه، وهو خياران: خيار المجلس، وخيار الشرط، وزاد بعضهم خيار النقيصة وهو مندرج في الشرط فلا يزاد انتهى. قلت: قال ابن الأثير في ((النهاية)): الخيار على ثلاثة أضرب: خيار المجلس وخيار الشرط، وخيار النقيصة، وبين الكل فقال: وأما خيار النقيصة: فأن يظهر بالمبيع عیب یوجب الرد أو يلتزم البائع فيه شرطا لم یکن فيه. انتهى. وقال ابن قدامة في ((الشرح الكبير)): الخيار في المبيع على سبعة أقسام: أحدها: خيار المجلس ويثبت في المبيع والصلح والإِجارة والسبق وغيرها. الثاني: خيار الشرط وهو أن يشترط في العقد خيار مدة معلومة، الثالث: خيار الغبن، ويثبت في ثلاث صور: في تلقي الركبان، والنجش، والمسترسل، وهو الجاهل بقيمة السلعة ولا يحسن المبايعة، والرابع: خيار التدليس بما يزيد الثمن كتصرية اللبن في الضرع. والخامس: خيار العيب، السادس: خيار يثبت في التولية والشركة والمرابحة والمواضعة، ولا بد في جميعها معرفة المشترى برأس المال فيثبت فيها الخيار إذا أخبره بزيادة في الثمن ونحو ذلك. والسابع: خيار يثبت لاختلاف المتبايعين في قدر الثمن. انتهى. والمعروف في فروع الحنفية ثلاث خيارات: خيار الشرط، والرؤية، والعيب، لكن المذكور في الشروح وغيرها أكثر من ذلك، فقد ذكر ابن نجيم ثلاثة عشر قسمًا. وقال في ((الدر المختار)) نقلا عن ((أحكام الفسوخ من الأشباه)) إن الخيارات بلغت سبعة عشر: الثلاثة المذكورة وخيار تعيين: وهو أن يشتري أحد الشيئين أو ٣٢٨ * * Be مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الثلاثة على أن يعين أيا شاء، وخيار غبن: وهو في المرابحة، وخيار نقد الثمن، وخيار كمية، وخيار استحقاق تغرير فعلي كالتصرية، وأما القولي: فقد دخل في خيار الغبن وخيار كشف حال وخيار خيانة مرابحة وتولية وخيار فوات وصف مرغوب فيه وخيار تفريق الصفقة بهلاك بعض المبيع قبل القبض وخيار إجازة عقد الفضولي وخيار ظهور المبيع مستأجرًا أو مرهونًا. انتهى بزيادة من الشامي. وزاد في ((الدر المختار)) خيار الإقالة، وخيار التحالف فبلغت تسعة عشر، وذكر ابن عابدين عن ((الأشباه)) أنه قال فيها: وكلها يباشرها العاقدان إلا التحالف، فإنه لا ينفسخ به، وإنما يفسخه القاضي، وكلها تحتاج إلى الفسخ ولا ينفسخ شيء منها بنفسه. انتھی. وقال الدردير من المالكية: فصل في أحكام الخيار، وهو قسمان، خيار تروّ أي: تأمل ونظر للبائعين أو لغيرهما ويقال له: خيار شرطي وهو الذي ينصرف له لفظ الخيار عند الإطلاق، وخيار نقيصة، وهو ما كان موجبه نقصا في المبيع من عيب أو استحقاق ويسمي الحكمي؛ لأنه جر إليه الحكم. انتهى. بزيادة من الدسوقي، وهذا يدل على أن المالكية أرجعوا الخيارات المذكورة إلى نوعين فقط، وعلى أنهم كالحنفية ليسوا من القائلين بخيار المجلس. كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الْخِيَارِ ٣٢٩ الفصل الأول ٢٨٢٤ - [١] عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بَلِ: ((المُتَبَابِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، إِلَّا بَيْعَ الخِيَارِ)). [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] - وفي رواية لمسلم: ((إِذَا تَبَايَعَ الْمُتَبَابِعَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مِنْ بَيْعِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَكُونُ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ ، فَإِذَا كَانَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ ؛ فَقَدْ وَجَبَ)). - وفي رواية الترمذي: ((البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَخْتَارَا)) . - وفي المتفق عليه: ((أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ بَدَل أَوْ يَخْتَارَا)). · الشرح ٢٨٢٤ - قوله: (المُتَبَايِعَانِ) تثنية متبائع أي: البائع والمشتري، وفي رواية ((البيعان)) كما سيأتي، وهو تثنية (بيع)) بتشديد التحتانية (كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) مبتدأ. (بِالخِيَارِ) خبر كل أي: محكوم له بالخيار في إمضاء البيع أو فسخه والجملة خبر لقوله: ((المتبائعان)) (عَلَى صَاحِبِهِ) أي: على الآخر منهما، والجار متعلق بالخيار (مَا لَمْ يَتَفَرَّقًا) أي : بأبدانهما عن محلهما الذي تبایعا فيه، کما فهمه ابن عمر وهو راوي الحديث وأبو برزة الأسلمي وهو راوي الحديث أيضًا. قال الحافظ: ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة، والمعنى: أن الخيار ممتد مدة عدم تفرقهما ما لم يشترطا شيئا آخر وذلك لأن ((ما)) مصدرية ظرفية، زاد في رواية ((وكانا جميعا)) يعني في مكان واحد، وهو تأكيد لقوله: ((ما لم يتفرقا)) وروى البيهقي والدار قطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: ((أيما رجل ابتاع من رجل بيعة، فإن كل واحد منهما بالخيار حتى يتفرقا من مكانهما)) وهو نص في أن المراد بالتفرق التفرق بالبدن وأوضح شيء في ثبوت خيار المجلس ومبطل لكل تأويل مخالف لظاهر الحديث، وقوله: ((لم يتفرقا)) كذا في أكثر الروايات بفوقية قبل الفاء، وفي (٢٨٢٤) أخرجه البخاري (٢١١١)، ومسلم (١٥٣١). ٣٣٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ بعضها: ((يفترقا))، بتقديم الفاء وبالتخفيف من الافتراق، وهو عند النسائي من غير وجه، وكذا هو عند مسلم من حديث حكيم بن حزام، وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي عن المفضل بن سلمة أنه قال: افترقا بالكلام وتفرقا بالأبدان. ورده ابن العربي بقوله تعالى: ﴿وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾ [البينة: الآية ٤] فإنه ظاهر في التفرق بالكلام لأنه بالاعتقاد. وأجيب: بأنه من لازمه في الغالب، لأن من خالف آخر في عقيدته هجره ولم یساکنه غالبا . قال الحافظ: ولا يخفى ضعف هذا الجواب والحق حمل كلام المفضل على الاستعمال بالحقيقة، وإنما استعمل أحدهما في موضع الآخر اتساعًا. انتهى. وقال الشوكاني: بعد ذكره روايات حديث الباب بعضها بلفظ التفرق وبعضها بلفظ الافتراق كما عرفت: فإذا كانت حقيقة كل واحد منهما مخالفة لحقيقة الآخر كما سلف، فينبغي أن يحمل أحدهما على المجاز توسعا. وقد دل الدليل على إرادة حقيقة التفرق بالأبدان، فيحمل ما دل على التفرق بالأقوال على معناه المجازي. ومن الأدلة الدالة على إرادة التفرق بالأبدان قوله في حديث ابن عمر عند الشيخين: ((ما لم يتفرقا وكانا جميعا)) وكذا قوله: ((وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع؛ فقد وجب البيع))، فإن فيه البيان الواضح أن التفرق بالبدن - انتھی . وفي الحديث دليل على ثبوت الخيار لكل من البائع والمشتري في إمضاء البيع وفسخه ما داما مصطحبين فإذا تفرقا بأبدانهما؛ انقطع هذا الخيار ولزم البيع، وبهذا قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين كما ستعرف. والحكمة في ذلك: أن البيع قد يقع بلا تفكر ولا تروّ، فيحصل للبائع أو المشتري ندم على فوت بعض مقاصده، فجعل له الشارع الحكيم أمدًا يتمكن فيه من فسخ العقد، وهذا الأمد هي مدة مجلس العقد فما دام العاقدان في مجلس العقد فلكل منهما الخيار في إمضاء العقد أو فسخه، فإذا افترقا بأبدانهما افترقا بتعارف الناس عليه أو عقد البيع على أن لا خيار بينهما لزم العقد، وكذا إذا اتفقا على إسقاط الخيار بعد العقد وقبل التفرق كما سيأتي. فلا يجوز لواحد منهما الفسخ إلا بطريق الإقالة. وممن قال بخيار المجلس: علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وأبو برزة الأسلمي وطاوس وسعيد بن المسيب وعطاء وشريح القاضي كِتّابُ البُيُوع بَابُ الْخِيَارِ ٣٣١ والحسن البصري والشعبي والزهري وابن جريج والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وابن المبارك وعلي بن المديني والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأبو عبيد والبخاري وسائر المحدثين وآخرون. وذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما إلا عبد الملك بن حبيب من المالكية إلى إنكار خيار المجلس وقالوا: إنه يلزم البيع بنفس الإيجاب والقبول، وبه قال إبراهيم النخعي، واختلف في ذلك عن ربيعة وسفيان الثوري. قال ابن حزم: لا نعلم لهم من التابعين سلفًا إلا إبراهيم وحده، وأجاب أصحاب أبي حنيفة ومالك عن حديث ابن عمر وحديث حكيم بن حزام الآتي وما في معناهما بأجوبة. واعتذروا عن العمل بها بأعذار بسطها الطحاوي وأبو بكر الجصاص الرازي والسيد المرتضى الحسيني وغيرهم من الحنفية والمازري والزرقاني وابن العربي والقرطبي وغيرهم من المالكية. قال الشوكاني بعد ذكر الاختلاف في خيار المجلس: ولأهل القول الآخر أجوبة عن الأحاديث القاضية بثبوت خيار المجلس، فمنهم: من رده بكونه معارضًا لما هو أقوى منه نحو قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: الآية ٢٨٢] قالوا: ولو ثبت خيار المجلس لكانت الآية غير مقيدة؛ لأن الإشهاد إن وقع قبل التفرق لم يطابق الأمر، وإن وقع بعد التفرق لم يصادف محلًّا. وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنْكُمْ﴾ [النساء: الآية ٢٩] فإنها تدل على أن بمجرد الرضا يتم البيع وقوله تعالى: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] لأن الراجع عن موجب العقد قبل التفرق لم يف به، ومن ذلك قوله وَله: ((المسلمون على شروطهم))، والخيار بعد العقد يفسد الشرط، ومنه: حديث التحالف عند اختلاف المتبايعين؛ لأنه يقتضي الحاجة إلى اليمين. وذلك يستلزم لزوم العقد، ولو ثبت خيار المجلس لكان كافيا في رفع العقد، ولا يخفى أن هذه الأدلة على فرض شمولها لمحل النزاع أعم مطلقا أي بالنسبة إلى زمن التفرق وزمن المجلس فيبني العام على الخاص، والمصير إلى الترجيح مع إمكان الجمع غير جائز كما تقرر في موضعه . وقال الحافظ: الجمع بين الدليلين مهما أمكن لا يصار معه إلى الترجيح، والجمع هنا ممكن بين الأدلة المذكورة بغير تعسف ولا تكلف، وقال ابن الهمام ٣٣٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ في الجواب عن الآيات المذكورة: إنا نمنع تمام العقد قبل الافتراق والتخيير ونقول العقد الملزم إنما يعرف شرعًا، وقد اعتبر الشرع في كونه ملزمًا اختيار الرضى بعد الإيجاب والقبول بالأحاديث الصحيحة، وكذا لا يتم التجارة عن التراضي إلا به شرعًا. فإنما أباح الأكل بعد الاختيار والبيع وإن صدق بعد الإيجاب والقبول لكن التام منه متوقف على الافتراق أو الاختيار. انتهى. ومن أهل القول الثاني من أجاب عن أحاديث خيار المجلس: بأنها منسوخة بهذه الأدلة قال في ((الفتح)): ولا حجة في شيء من ذلك لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، يعني مجرد المخالفة لا يلزم أن يكون النسخ والجمع بین الدلیلین مهما أمكن لا يصار معه إلى الترجيح. والجمع ههنا ممكن، وأجاب بعضهم بأن إثبات خيار المجلس مخالف للقياس الجلي في إلحاق ما قبل التفرق بما بعده في منع كل مِنْهُمَا من إبطال حق صاحبه وذلك مقدم على خبر الواحد. وتعقب: بأن القياس مع النص فاسد الاعتبار أي: لمصادمته النص، وقال الولي العراقي في الجواب عن هذا القياس: إنه قد يحصل الندم على البيع لوقوعه من غير تروّ، فيستدرك بالخيار ولا يمكن ثبوته مطلقا لانتفاء وثوق المشتري بتصرفه فجعل ما قبل التفرق حريما لذلك. وهذا فارق بين الحالتين ثم لو لم يكن بينهما فرق لم يرد الحديث بذلك، فإن ذلك الأصل إنما ثبت بالنص، والنص موجود في هذا الفرع بعينه فإما أن يكون الشارع أخرج هذه الجزئية عن الكليات لمصلحة أو تعبدًا، فيجب اتباعه وأجاب بعضهم: بأن التفرق بالأبدان محمول على الاستحباب تحسينا للمعاملة مع المسلم ويجاب عنه: بأنه خلاف الظاهر فلا يصار إليه إلا بدليل. وهكذا يجاب عن قول من قال: إنه محمول على الاحتياط للخروج من الخلاف وقال بعضهم: يحمل التفرق المذكور في الحديث على التفرق بالكلام كما في عقد النكاح والإجارة والعتق. قال الطحاوي: إنا قد رأينا الأموال تملك بعقود في أبدان وفي أموال ومنافع وأبضاع، فكان ما يملك من الأبضاع: هو النكاح، فكان ذلك يتم بالعقد لا بفرقة بعده، وكان ما يملك به المنافع: هو الإجارات فكان ذلك أيضا مملوكًا بالعقد لا بالفرقة بعد العقد، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك الأموال المملوكة بسائر العقود من البيوع وغيرها تكون مملوكة بالأقوال لا بالفرقة. كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الْخِيَارِ ٣٣٣ قال الشيخ عبد الحي اللكنوي بعد ذكره: وفيه ما فيه فإن كثيرًا من الأحكام كخيار الرؤية وخيار التعيين وخيار العيوب ثابتة في البيع دون أمثاله، فللخصم أن يقول: ليكن خيار المجلس من هذا القبيل. انتهى. وقال الحافظ في ((الفتح)): وتعقب أي حمل التفرق على التفرق بالكلام، وقياس البيع على النكاح وغيره بأنه قياس مع ظهور الفارق؛ لأن البيع ينقل فيه ملك رقبة المبيع ومنفعته بخلاف ما ذكر، وقال بعضهم: المراد بالتفرق في الحديث: التفرق بالكلام، والمراد بالمتبايعين: المتساومان، ومعنى الحديث: أنه إذا قال البائع : بعت، وقال المشتري : اشتریت، فقد تفرقا بالأقوال ولا يكون لهما بعد ذلك خيار ويتم البيع، فلا يقدر المشتري على رد البيع إلا بخيار الرؤية أو خيار العيب أو خيار الشرط . قال إبراهيم النخعي: قوله: ((ما لم يتفرقا)) أي عن منطق البيع إذا قال البائع : قد بعتك فله أن يرجع ما لم يقل الآخر قد اشتريت وإذا قال المشتري أي ابتداءً: قد اشتريت بكذا فله أن يرجع ما لم يقل البائع: قد بعت. قال الحافظ: ورد حمل المتبايعين على المتساومين بأنه مجاز، والحمل على الحقيقة أو ما يقرب منها أولى، وقد احتج الطحاوي بآيات وأحاديث استعمل فيها المجاز، وقال من أنكر استعمال لفظ البائع في السائم فقد غفل عن اتساع اللغة، وتعقب: بأنه لا يلزم من استعمال المجاز في موضع طرده في كل موضع، فالأصل من الإطلاق الحقيقة حتى يقوم الدليل على خلافه. قال البيضاوي: ومن نفى خيار المجلس ارتكب مجازين لحمله التفرق على الأقوال وحمله المتبايعين على المتساومين، وأيضا فكلام الشارع يصان عن الحمل عليه؛ لأنه يصير تقديره أن المتساومين إن شاءا عقدا البيع وإن شاءا لم يعقداه، وهو تحصيل الحاصل، لأن كل أحد يعرف ذلك. وقال الولي العراقي: القول بأن معنى الحديث أن الذي يراد منه البيع إن شاء الله باع وإن شاء لم يبع. والذي يريد الشراء قد يشتري، وقد لا يشتري هذا معنى ركيك يصان كلام الشارع من الحمل عليه. ولو صدر من أحد الناس الإخبار بأن المتساومين إن شاءا عقدا البيع وإن شاءا لم يعقداه عد ذلك سخفا وحماقة، فكيف يحمل الحديث على ذلك، وقال بعضهم: see ** ٣٣٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ #E المراد بالمتبايعين في الحديث: المتساومان، وبالخيار: خيار القبول في المجلس وبالتفرق: التفرق بالأبدان لكن لا على ما فهمه القائلون بخيار المجلس. قال عيسى بن إبان: معناه أن الرجل إذا قال الرجل: قد بعتك عبدي هذا بألف درهم، فللمخاطب بذلك أن يقبل ما لم يفارق صاحبه فإذا افترقا لم يكن له بعد ذلك أن يقبل. قال: ولولا أن هذا الحديث جاء ما علمنا ما يقطع للمخاطب من القبول، فلما جاء هذا الحديث علمنا أن افتراق أبدانهما بعد المخاطبة بالبيع يقطع القبول. قال الحافظ: وقالوا: وقت التفرق في الحديث هو ما بين قول البائع: بعتك هذا بكذا، وبين قول المشترى: اشتريت. قالوا: فالمشتري بالخيار في قوله ((اشتريت أو تركه)) والبائع بالخيار إلى أن يوجب المشتري، هكذا حكاه الطحاوي عن عيسى ابن أبان منهم، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك. قال عيسى بن أبان: وفائدته تظهر فيما لو تفرقا قبل القبول فإن القبول يتعذر، وتعقب: بأن تسميتهما متبايعين قبل تمام العقد مجاز أيضا، وأجيب: بأن تسميتهما متبايعين بعد تمام العقد مجاز أيضا لأن اسم الفاعل في الحال حقيقة وفيما عداه مجاز فلو كان الخيار بعد انعقاد البيع لكان لغير البيعين، والحدیث یرده فتعين حمل التفرق على الكلام، وأجيب: بأنه إذا تعذر الحمل على الحقيقة تعين المجاز، وإذا تعارض المجازان فالأقرب إلى الحقيقة أولى. وأيضا فالمتبايعان لا يكونان متبايعين حقيقة إلا في حين تعاقدهما لكن عقدهما لا يتم إلا بأحد أمرين، إما بإبرام العقد أو التفرق على ظاهر الخبر فصح أنهما متعاقدان ما داما في مجلس العقد، فعلى هذا تسميتهما متبايعين حقيقة بخلاف حمل المتبايعين على المتساومين فإنه مجاز اتفاقا. انتهى. وقال أبو بكر الجصاص: ويدل على نفي الخيار من جهة النظر أن المجلس قد يطول ويقصر فلو علقنا وقوع الملك عل خيار المجلس لأوجب بطلانه لجهالة مدة الخيار الذي علق عليه وقوع الملك، ألا يرى أنه لو باعه بيعا باتا وشرطا الخيار لهما بمقدار قعود فلان في مجلسه كان البيع باطلا؛ لجهالة مدة الخيار الذي علق علیه صحة العقد. وقال الشيخ اللكنوي: ومن الوجوه التي أوردها أصحاب التفرق القولي لتأييد كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الْخِيَارِ ٣٣٥ تفسيرهم وإبطال ما ذهب إليه مخالفهم: أن إثبات خيار المجلس يعارضه حديث النهي عن بيع الغرر، فإن كل واحد لا يدري ما يحصل له، هل الثمن أم المثمن، ومنها: أنه خيار مجهول العاقبة فيبطل كخيار الشرط إذ كان كذلك وفيهما ما فيهما، فإنه منقوض بخيار الرؤية وخيار التعيين، وغير ذلك. وقال ابن العربي: إنما لم يأخذ بهذا الحديث مالك؛ لأن وقت التفرق غير معلوم، فأشبه بيوع الغرر كالملامسة. قال الحافظ: وتعقب: بأنه يقول بخيار الشرط ولا يحده بوقت معين وما ادعاه من الغرر موجود فيه، وبأن الغرر في خيار المجلس معدوم لأن كلا منهما متمكن من إمضاء البيع أو فسخه بالقول أو بالفعل فلا غرر. انتهى. وقال الولي العراقي: انتصر ابن العربي في ذلك لمذهبه بما لا يقبله منصف ولا يرتضيه لنفسه عاقل، فقال: الذي قصد مالك هو أن النبي وَّ لما جعل العاقدين بالخيار بعد تمام البيع ما لم يتفرقا ولم يكن لفرقتهما وانفصال أحدهما عن الآخر وقت معلوم ولا غاية معروفة إلا أن يقوما أو يقوم أحدهما على مذهب، وهذه جهالة يقف معها انعقاد البيع فيصير من باب بيع المنابذة والملامسة بأن يقول: إذا لمسته؛ فقد وجب البيع، وإذا نبذته أو نبذت الحصاة؛ فقد وجب البيع، وهذه الصفة مقطوع بفسادها في العقد فلم يتحصل المراد من الحديث مفهوما، وإن فسره ابن عمر راويه بفعله وقيامه عن المجلس ليجب له البيع، فإنما فسره بما يثبت الجهالة فيه، فيدخل تحت النهي عن الغرر، كما يوجبه النهي عن الملامسة والمنابذة، وليس من قول النبي ◌َّ ولا تفسيره، وإنما هو من فهم ابن عمر، وأصل الترجيح الذي هو قضية الأصول أن يقدم المقطوع به على المظنون والأكثر رواة على الأقل، فهذا هو الذي قصده مالك مما لا يدركه إلا مثله ولا يتفطن له أحد قبله ولا بعده، وهو إمام الأئمة غير مدافع له في ذلك. انتهى. قال الولي العراقي: وهو عجيب أَيُعْقَلُ على الشارع، ويقال له: هذا الذي حكمت به غرر وقد نهيت عن الغرر فلا نقبل هذا الحكم ونتمسك بقاعدة النهي عن الغرر، وأي غرر في ثبوت الخيار رفقا بالمتعاقدين لاستدراك ندم، وهذا المخالف يثبت خيار الشرط على ما فيه من الغرر بزعمه، وحديث خيار المجلس أصح منه، ٣٣٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ويعتبر التفرق في إبطاله للبيع إذا وجد قبل التقابض في الصرف ولا يرى تعليق ذلك بالتفرق بالأبدان غررًا مبطلًا للعقد، ثم بتقدير أن يكون فيه غرر قد أباح الشارع الغرر في مواضع معروفة كالسلم والإجارة والحوالة وغيرها ثم بتقدير أن يكون لحكمة اقتضت ذلك بل لو لم يظهر لنا حكمته، فإنه يجب علينا الأخذ به تعبدًا والمسلك الذي نفاه عن إمامه أقل مفسدة من الذي سلكه، فإن ذاك تقديم للإجماع في اعتقاده إن صح على خبر الواحد، وأما ما سلكه ففيه رد السنن بالرأي وذلك قبيح بالعلماء - انتهى. وقال بعضهم: العمل بظاهر الحديث متعذر فتعين تأويله، وبيان تعذره: أنه أثبت لكل منهما الخيار على صاحبه فإن اتفقا في الفسخ أو الإمضاء لم يثبت لواحد منهما على الآخر خيار، وإن اختلفا بأن اختار أحدهما الفسخ والآخر الإمضاء فقد استحال أن يثبت لواحد منهما على صاحبه خيار فإن الجمع بين الفسخ مستحيل، وجوابه: أن المراد أن لكل منهما الخيار في الفسخ فأيهما اختار الفسخ قبل التفرق مكن منه، وأما الإمضاء فلا يحتاج إلى اختيار فإنه مقتضى العقد والحال يفضي إليه مع السكوت عنه، وعن ضده بخلاف الفسخ، وقال بعضهم: معنى قوله: ((حتى يتفرقا)) أي: حتى يتوافقا يقال للقوم: على ماذا تفارقتم؟ أي: على ماذا اتفقتم؟ وتعقب: بما ورد في بقية حديث ابن عمر في جميع طرقه ولاسيما في طريق الليث التي ذكرناها، هذا ولأصحاب أبي حنيفة ومالك أجوبة غير ما ذكرنا، فمنها ما سيأتي في شرح حديث عمرو بن شعيب في الفصل الثاني ومنها غيره وقد بسطها الحافظ في ((الفتح)) وأجاب عن كل واحد منها، فمن أحب الاستيفاء فليرجع إلى ((الفتح)) وغيره من المطولات. وقد ظهر بما ذكرنا من أجوبتهم محاولة لرد هذا الحديث الصحيح أنهم لم يستندوا على شيء وأنه ليس لهم متعلق صحيح في رد هذا الحديث، وقد بالغ العلماء بالرد عليهم حتى نقل عن بعضهم الخشونة على مالك لرده الحديث الصحيح وهو من رواته. وقال ابن عبد البر: قد أكثر المتأخرون من المالكية والحنفية من الاحتجاج لمذهبنا في رد هذا الحديث بما يطول ذكره، وأكثره تشعيب لا يحصل منه على شيء لازم لا مدفع له. وقال النووي: الأحاديث الصحيحة ترد عليهم وليس لهم عليها جواب صحیح، فالصواب: ثبوته كما قاله الجمهور. انتهى. ٣٣٧ كِتّابُ البُيُوع بَابُ الْخِيَارِ وقد اعترف أيضا الشيخ عبد الحي اللكنوي من الحنفية بأن قول الجمهور أولى الأقوال حيث قال في تعليقه على (موطأ الإمام محمد)): ولعل المنصف الغير المتعصب يستيقن بعد إحاطة الكلام من الجوانب في هذا البحث أن أولى الأقوال هو ما فهمه الصحابيان الجليلان يعني ابن عمر وأبا برزة الأسلمي ﴿ًا، وفهم الصحابي وإن لم يكن حجة لكنه أولى من فهم غيره بلا شبهة وإن كان كل من الأقوال مستندًا إلى حجة. وقال في موضع آخر: لا شبهة في أن تأويل الصحابي أقوى وأحرى بالقبول من تأويل غيره، وتقليده أولى من تقليد غيره. انتهى. وقال السندي في ((حاشية النسائي)) في شرح رواية الليث عن نافع عن ابن عمر بلفظ: ((إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار حتى يفترقا)). وقال مرة أخرى: ((ما لم يتفرقا وكانا جميعا ... )). الحديث ما لفظه: هذه الرواية تبطل تأويل من ينكر خيار المجلس فليتأمل. وقال في ((حاشيته على مسلم)): هذه الرواية صريحة في خيار المجلس وقالعة لاحتمال حمل التفرق على التفرق بالأقوال على ان الحمل على التفرق بالأقوال غير ظاهر لوجوه: منها: ما ذكر الأبى فقال: حمل التفرق على أنه بالأبدان أظهر من حمله على التفرق بالأقوال. والعمل بالظاهر أولى، وأيضا فالمتساومان ليس بينهما عقد فالخيار ثابت لهما بالأصل. انتهى، وبنحو ذلك قرر في ((حاشية ابن ماجه)). واختار الشاه ولي الله الدهلوي أيضا قول الجمهور حيث قال في ((حجة الله)) (ج ٢ ص ٧٩) تحت هذا الحديث: اعلم أنه لا بد من قاطع يميز حق كل واحد من صاحبه ويرفع خيارهما في رد البيع ولولا ذلك لأضر أحدهما بصاحبه. ولتوقف كل عن التصرف فيما بيده خوفا أن يستقيلها الآخر. وهاهنا شيء آخر: وهو اللفظ المعبر عن رضا العاقدين بالعقد وعزمهما عليه، ولا جائز أن يجعل القاطع ذلك لأن مثل هذه الألفاظ يستعمل عند التراوض والمساومة؛ إذ لا يمكن أن يتراوضا إلا بإظهار الجزم بهذا القدر، وأيضا فلسان العامة في مثل هذا تمثال الرغبة من قلوبهم. والفرق بين لفظ دون لفظ حرج عظيم، وكذلك التعاطي، فإنه لا بد لكل واحد أن يأخذ ما يطلبه على أنه يشتريه لينظر فيه ويتأمله، والفرق بين أخذ وأخذ غير يسير. ولا جائز أن يكون القاطع شيئًا غير ظاهر ولا أجلًا بعيدًا يومًا فما فوقه؛ إذ كثير من السلع إنما يطلب لينتفع به في يومه فوجب أن يجعل ذلك التفرق من مجلس العقد؛ لأن العادة جارية بأن ٣٣٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ العاقدين يجتمعان للعقد ويتفرقان بعد تمامه، ولو تفحصت طبقات الناس من العرب والعجم رأيت أكثرهم يرون رد البيع بعد التفرق جورًا وظلما لا قبله. اللهم إلا من غير فطرته، وكذلك الشرائع الإلهية لا تنزل إلا بما تقبله نفوس العامة قبولًا أوليًّا. ولما كان من الناس من يتسلل بعد العقد يرى أنه قد ربح ويكره أن يستقيله صاحبه. وفي ذلك قلب الموضوع سجل النبي وّ النهي عن ذلك، فقال: ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله، فوظيفتهما أن يكونا على رسلهما. ويتفرق كل واحد على عين صاحبه - انتهى. وقال الدكتور محمد يوسف موسى بعد بسط كلام الفريقين في الاستدلال والرد على الآخر ما لفظه: وأخيرًا بعد ما تقدم كله نرى أن أحاديث خيار المجلس متفق عليها بين الأئمة جميعا حتى إن الإمام مالك بن أنس روى أحدها في ((موطئه)) وإن لم يعمل به لدليل رآه أقوى منه. ومتى ثبت الحديث هكذا بنقل الرواة الثقات وتلقاه جميع الأئمة بالقبول كان من السنة الصحيحة المحكمة التي لا يجوز مخالفتها، فيكون خيار المجلس ثابتا للمتبايعين شرعا وبخاصة. وهذا يتفق مع المبدأ الذي ذكرناه أول البحث، وهو أن البيع ليس فرصة ينتهزها البائع أو المشتري بل لا بد من صدوره ولزومه نهائيًا عن رضا من الطرفين، وقد يحدث أن يتسرع الواحد بإيجاب البيع أو قبوله ثم بعد قليل من التروي يتبين له أن مصلحته في عدم إمضائه العقد وإنفاذه، فيجب أن نتيح له السبيل لذلك، وليس في هذا ما يمنع استقرار المعاملات ما دامت مهلة التروي لا تمتد لأبعد من من مجلس العقد بأي حال - انتهى. قلت: اختلف القائلون بأن المراد بالتفرق تفرق الأبدان هل له حد ينتهي إليه أم لا؟ والمشهور الراجح من مذاهب العلماء على ما ذكره الحافظ أن ذلك موكول إلى العرف فكل ما عد في العرف تفرقًا؛ حکم به وما لا فلا. قال ابن قدامة: إن البيع يلزم بتفرقهما لدلالة الحديث عليه ولا خلاف في لزومه بعد التفرق. والمرجع في التفرق إلى عرف الناس وعادتهم فيما يعدونه تفرقا؛ لأن الشارع علق عليه حكمًا ولم يبينه، فدل ذلك على أنه أراد ما يعرفه الناس كالقبض والإحراز، فإن كانا في فضاء واسع كالمسجد الكبير والصحراء فبأن يمشي أحدهما مستدبرًا لصاحبه خطوات، وإن كانا في دار كبيرة ذات مجالس وبيوت فالمفارقة أن يفارقه من بيت إلى بيت أو إلى مجلس أو صفة أو من مجلس إلى بيت أو نحو كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الْخِيَارِ ٣٣٩ ذلك، فإن كانا في دار صغيرة فإذا صعد أحدهما السطح أو خرج منها فقد فارقه، وإن كانا في سفينة صغيرة خرج أحدهما منها ومشى، وإن كانت كبيرة صعد أحدهما على أعلاها، ونظر الآخر في أسفلها، وهذا كله مذهب الشافعي. انتهى. وقال الولي العراقي: لم يذكر في الحديث للتفرقة ضابطا ومرجعه العرف، وقد كان ابن عمر راوي الحديث إذا اشترى شيئًا يعجبه فارق صاحبه. وفي رواية: إذا ابتاع بيعًا وهو قاعد قام ليجب له. وفي رواية: كان إذا بايع رجلا فأراد أن لا يقيله قام فمشى هنية ثم رجع. قال أصحابنا الشافعية: ما عده الناس تفرقا؛ لزم به العقد، فلو كانا في دار صغيرة، فالتفرقة أن يخرج أحدهما منها، أو يصعد السطح، وكذا لو كانا في مسجد صغير أو سفينة صغيرة، فالتفرق أن يخرج أحدهما منها. فإن كانت الدار كبيرة حصل التفرق بأن يخرج أحدهما من البيت إلى الصحن أو من الصحن إلى بيت أو صفة، وإن كانا في صحراء أو سوق، فإذا ولى أحدهما ظهره ومشى قليلًا؛ حصل التفرق على الصحيح. (إِلَّا بَيْعَ الخِيَارِ) اختلف العلماء في المراد به على أقوال: أحَدُهَا: وهو قول الجمهور وبه جزم الشافعي كما سيأتي أنه استثناء من امتداد الخيار إلى التفرق، والمراد ببيع الخيار أن يتخايرا في المجلس أن يختارا إمضاء البيع قبل التفرق فيلزم البيع بنفس التخاير ولا يدوم إلى التفرق بل يبطل اعتبار التفرق، فالتقدير: إلا البيع الذي جرى فيه التخاير. ويدل لذلك ما في رواية وهي في الصحيح: ((ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر)) وربما قال: أو يكون بيع الخيار فلما وضع قوله: ((أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر)) موضع ((بيع الخيار)) دل على أنه بمعناه، ويدل لذلك قوله: ((ما لم يتفرقا أو يختارا)) وكذا قوله في رواية أخرى: ((ما لم يتفرقا وكانا جميعا أو يخير أحدهما الآخر)) وقد رجح الشافعي هذا المعنى كما رواه البيهقي في ((المعرفة)). وكذا حكاه الترمذي عن الشافعي وغيره، وحكاه ابن المنذر عن الثوري والأوزاعي وابن عيينة وعبيد الله بن الحسن العنبري والشافعي وإسحاق بن راهويه. وقال النووي في ((شرح مسلم)): اتفق أصحابنا على ترجيح هذا القول وأبطل كثير منهم ما سواه وغلطوا قائله، وممن رجحه من المحدثين البيهقي ثم بسط دلائله