النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
٢٨١١ - [٢٨] وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ((كَانَ لِأَبِي بَكْرِ غُلاَمٌ يُخْرِجُ لَهُ
الخَرَاجَ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًّا بِشَيْءٍ فَأَكُلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ،
فَقَالَ لَّهُ الغُلامُ: تَدْرِيَّ مَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ
لِإِنْسَانٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَمَا أُحْسِنُ الكِهَانَةَ، إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي
بِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، قالت: فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ، فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي
بَطْنِهِ)).
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ]
الشرح
٢٨١١ - قوله: (كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ) الصديقِ رَوَّهُ (غُلَامٌ) أي: عبد. قال الحافظ:
لم أقف على اسمه، ووقع لأبي بكر مع النعيمان بن عمرو أحد الأحرار من
الصحابة قصة ذكرها عبد الرزاق (ج ١١ ص ٢٠٩) بإسناد صحيح أنهم نزلوا بماء،
فجعل النعیمان یقول لهم: یکون كذا فيأتونه بالطعام فیرسل إلى أصحابه، فبلغ أبا
بكر فقال: أراني آكل كهانة النعيمان منذ يوم، ثم أدخل يده في حلقه فاستقاءه.
وفي ((الورع)) لأحمد عن إسماعيل عن أيوب عن ابن سيرين لم أعلم أحدا استقاء من
طعام غير أبي بكر، فإنه أتي بطعام فأكل، ثم قيل له: جاء به ابن النعيمان، قال:
فأطعمتموني كهانة ابن النعيمان ثم استقاء. ورجاله ثقات، لكنه مرسل، ولأبي بكر
قصة أخرى في نحو هذا، أخرجها يعقوب بن أبي شيبة في ((مسنده)) من طريق نبيح
العنزي عن أبي سعيد: قال: كنا ننزل رفاقًّا فنزلت في رفقة فيها أبو بكر على أهل
أبيات فيهن امرأة حبلى ومعنا رجل، فقال لها: أبشرك أن تلدي ذكرًا، قالت: نعم،
فسجع لها أسجاعًا فأعطته شاة فذبحها، وجلسنا نأكل، فلما علم أبو بكر بالقصة
قام فتقایا کل شيء أکله.
(يُخْرِجُ لَهُ) بضم الياء وسكون المعجمة من الإخراج، وقيل: بتشديد الراء من
التخريج (الخَرَاجَ) أي: يأتيه بما يكسبه من الخراج يعني: يعطيه كل يوم ما عينه
وضربه عليه من كسبه. والخراج بفتح الخاء: ما يقرره السيد على عبده من مال
(٢٨١١) أخرجه البخاري (٣٨٤٢).

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْكِسْبٍ وَطلبِ الْحَلَالِ
٣٠١
يدفعه إليه من كسبه. وقال الطيبي: بتقدير المضاف أي: يكسب له مال الخراج
(فَكَانَ) في البخاري: ((وكان)) (يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ) إذا سأله عنه وعرف حاله.
(فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ) أي: من كسبه (فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ) ولم يسأله، قال الحافظ في
رواية الإسماعيلي من وجه آخر من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي
حازم: كان لأبي بكر غلام، فكان يجيء بكسبه، فلا يأكل منه حتى يسأله، فأتاه
ليلة بكسبه، فأكل منه ولم يسأله، ثم سأله (تَدْرِي مَا هَذَا؟) وفي رواية: ((أتدري)) أي
أتعلم ما هذا الذي جئتك به وأكلت منه (وَمَا هُوَ؟) أي: أيُّ شيء هو؟ (كُنْتُ
تَكَهَّنْتُ) من الكهانة، وهو إخبار عما سيكون من غير دليل شرعي. وكان هذا كثيرًا
في الجاهلية خصوصًا قبل ظهور النبيِ نَّ (ِإِنْسَانٍ) قال الحافظ: لم أعرف اسمه،
ويحتمل أن يكون المرأة المذكورة في حديث أبي سعيد.
(وَمَا أُحْسِنُ الكِهَانَةَ) بفتح الكاف وبكسر والجملة الحالية أي ما أعرفها بالوجه
الحسن (إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ) قال الطيبي: الاستثناء منقطع أي: لم أكن أجيد الكهانة
لكن خدعته (فَلَقِيَنِي) أي: الآن (فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ) أي: بمقابلة كهانتي هذا الشيءٍ.
وقيل: الباء زائدة، أي: عِوَض تكهني له (فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ) أي: في فيه (فَقَاءَ كُلّ
شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ) أي: استفرغ كل ما أكل منه؛ لأن حلوان الكاهن منهي عنه، ولأن ما
يحصل بطريق الخديعة حرام، وقال ابن التين: إنما استقاء أبو بكر؛ تنزها لأن أمر
الجاهلية وضع، ولو كان في الإسلام لغرم مثل ما أكل أو قيمته ولم يكفه القيء،
قال الحافظ: كذا قال. والذي يظهر أن أبا بكر إنما قاء لما ثبت عنده من النهي عن
حلوان الكاهن، وحلوان الكاهن ما يأخذه على كهانته. والكاهن من يخبر بما
سيكون من غير دليل شرعي، وكان قد كثر في الجاهلية لاسيما قبل البعثة.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في باب أيام الجاهلية قبل باب القسامة في الجاهلية في أواخر
المناقب، وأخرجه أيضا البيهقي في ((شعب الإيمان)).

٣٠٢
ess
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*E
٢٨١٢- [٢٩] وَعَنْ أَبِي بَكْرِ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بَلهِ قَالَ: ((لَا يَدْخُلُ
الجَنَّةَ جَسَدٌ غُذِّيَ بِالْحَرَامِ».
[رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ))]
الشرح
٢٨١٢ - قوله: (وَعَنْ أَبِي بَكْرِ) الصديقِ رَِقْتَهُ (لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ) أي: بسلام
مع أهل الإكرام (جَسَدٌ) أي آدمي (غُذِّيَ) بضم الغين وتشديد الذال المكسورة، من
التغذية (بِالْحَرَام) وفي بعض النسخ ((بحرام))، وهكذا في ((الترغيب)) و(مجمع
الزوائد»، أي: بَنوع من الحرام (رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ))) ذكره المنذري
في ((الترغيب)) وقال: رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في ((الأوسط)) والبيهقي
وبعض أسانيدهم حسن. انتهى. وهو في ((مجمع الزوائد)) (ج ١٠ ص ٢٩٣) قال
الهيثمي بعد عزوه لأبي يعلى والبزار والطبراني: ورجال أبي يعلى ثقات، وفي
بعضهم خلاف. انتهى.
G تنبيه:
قد وقع في بعض نسخ ((المشكاة)) مكان قوله: ((رواه البيهقي في شعب الإيمان))
وعن زيد بن أسلم أنه قال: شرب عمر بن الخطاب لبنًّا فأعجبه فقال للذي سقاه: من
أين لك هذا اللبن؟ فأخبره أنه ورد على ماء قد سماه، فإذا نعم من نعم الصدقة،
وهو يسقون فحلبوا لي من ألبانها فجعلته في سقائي فهو هذا، فأدخل عمر يده
فاستقاءه، رواهما - أي الحديثين السابقين: حديث أبي بكر وحديث زيد بن أسلم
- البيهقي في ((شعب الإيمان)). وهو في النسخ المطبوعة على الحجر مكتوب على
الحاشية، وكتب عليه علامة النسخة. والصواب حذف هذا الحديث؛ لأنه سبق في
باب من لا تحل له الصدقة من كتاب الزكاة. قال السيد جمال الدين المحدث:
اعلم أن هذا الحديث لم يوجد في أكثر النسخ، وكان في أصل سماعنا مكتوبا في
الحاشية، والصواب حذفه. انتهى. قال القاري: لأنه سبق بعينه في كتاب الزكاة،
ولأن الطيبي ما عده من أحاديث هذا الفصل، بل جعل حديث عائشة هو السادس،
(٢٨١٢) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٣٧٨).

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْكِسْبِ وَطَلَبِ الْحَلَالِ
٣٠٣
SE
وحديث أبي بكر هو السابع، وحديث ابن عمر هو الثامن، وإذا كان الصواب حذفه
فالصواب نسخة ((رواه البيهقي)) كما لا يخفى.
٢٨١٣ - [٣٠] وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ،
وَفِيهِ دِرْهَمْ حَرَامٌ، لَمْ يَقْبَلِ اللهُ تَعَالَى لَهُ صَلَةً مَا دَامَ عَلَيْهِ»، ثُمَّ أَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ
فِي أُذُنَيْهِ، وَقَالَ: ((صُمََّاَ إِنْ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ◌َ سَمِعْتُهُ يَقُولُهُ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)) وَقَالَ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ]
الشرح
٢٨١٣ - قوله: (مَن اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ) أي: مثلًا (وَفِيهِ) أي في ثمنه
(دِرْهَمُ) أي: شيء قليل (لَمْ يَقْبَلِ اللهُ تَعَالَى لَهُ صَلَاةً) قال الطيبي: كان الظاهر أن
يقال: ((منه)) لكن المعنى لم يكتب الله له صلاة مقبولة مع كونها مجزئة مسقطة
للقضاء كالصلاة بمحل مغصوب (مَادَامَ) أي: ذلك الثوب (عَلَيْهِ) فيه اسبتعاد للقبول
لاتصافه بقبيح المخالفة، وليس إحالة لإمكانه مع ذلك؛ تفضلاً وإنعامًا، وأخذ
الإمام أحمد بظاهره فذهب إلى أن الصلاة لا تصح في المغصوب.
(ثُمَّ أَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ) أي المسبحتين (فِي أُذُنَيْهِ) بضمتين وسكون الثانية (وَقَالَ:
صُمَّتَا) بضم مهملة وشد ميم والضمير للأذنين. قال الطيبي: الأظهر أن تكون
مفتوحة الصاد وإن صح ضمها، فالمعنى سُدَّتًا من صممت القارورة؛ سددتها،
وهو دعاء على أذنيه؛ تأكيدًا وتقريرًا لإثبات السماع على منوال قولهم: سمعت
بأذني. انتھی.
(إِنْ لَمْ يَكُنِ النَّبِّ ◌َّ سَمِعْتُهُ يَقُولُهُ) المعنى: أن ابن عمر يقول: أَصَمَّ اللَّهُ أذني
إن لم أكن سمعت النبي ◌ِّه يقول هذا الحديث. وإنما قال ذلك وأدخل إصبعيه في
أذنيه؛ تأكيدا ومبالغة في كونه سمع الحديث بنفسه من النبي ◌َّر. قال الطيبي:
اسم ((كان)) ((النبي ◌َّه)) وخبره ((سمعته)) نحو زيد ضربته، وزيد انطلق أبوه وهو من
(٢٨١٣) أخرجه أحمد (٩٨/٢)، وعبد بن حميد في ((المنتخب)) (٨٤٩)، والبيهقي في ((الشعب))
(٥٧٠٧).

٣٠٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الإسناد السببي، لأن الخبر مسند إلى متعلق المبتدأ وجواب الشرط محذوف يدل
عليه ما قبله وهو قوله ((صُمَّتَا)) و((يقول)) حال، وفيه تأكيد وتقرير لسماعه منه وَّ
وهو أبلغ من أن لو قيل: ((إن لم أكن سمعت النبي وَلّ يقول)) قال ابن جني: قالوا:
((زيد ضربته)) أبلغ من ((ضربت زيدًا)) فإنهم قدموا المفعول؛ لأن الغرض هنا ليس
ذكر الفاعل وإنما هو ذكر المفعول، فقدم عناية بذكره، ثم لم يقنع بذلك حتى
أزالوه عن لفظ الفضلة وجعلوه رب الجملة لفظًا: فرفعوه بالابتداء، وصار قوله:
((ضربته)) ذيلًا له وفضلة ملحقة به. انتهى كلامهم. وكذلك في الحديث القصد
صدور هذا القول من النبي پ# وهو المهتم بشأنه وسماعه منه تابع له وعلى عكس
هذا لو قيل: سمعت النبي ◌َّليل يقوله.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٢ ص ٩٨) (وَالبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)) وَقَالَ: إِسْنَادُهُ
ضَعِيفٌ) لأن فيه عندهما بقية بن الوليد الحمصي عن عثمان بن زفر عن هاشم،
وبقية مدلس، وهو هنا لم يصرح بالسماع من شيخه عثمان وهاشم مجهول، نقل
الحافظ في ((التعجيل)) (ص ٤٢٨) عن الحسيني، أنه قال: لا أعرفه، ثم ذكر من
روايته هذا الحديث، وكذلك نقل الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج ١٠ ص ٢٩٢)
هذا الحديث، وقال: رواه أحمد من طريق هاشم عن ابن عمر، وهاشم لم أعرفه.
وبقية رجاله وثقوا، على أن بقية - يعني: ابن الوليد - مدلس، وذكر السيوطي في
((الجامع الصغير» ورمز لضعفه. وقال شارحه المناوي في ((فیض القدير» (ج ٦ ص
٦٤): قال الذهبي: هاشم لا يدرى من هو؟ وقال الحافظ العراقي: سنده ضعيف
جدا. وقال أحمد في ((المسند)) وضعفه في العلل. قال الشيخ أحمد شاكر: ثم
وجدت الحديث في تأريخ بغداد للخطيب البغدادي (ج ١٤ ص ٢١، ٢٢) بثلاثة
أسانيد مدارها كلها على بقية بن الوليد عن مسلمة الجهني، حدثني هاشم الأوقص
قال: سمعت ابن عمر، وبقية بن الوليد حدثنا يزيد بن عبد الله الجهني عن أبي
جعونة عن هاشم الأوقص، قال: سمعت ابن عمر وبقية عن جعونة عن هاشم
الأوقص عن نافع عن ابن عمر، وهذه أسانيد مظلمة فيها من لم أجد له ترجمة وإن
صح أن هاشما هذا هو هاشم الأوقص، فإنه ضعيف له ترجمة في ((لسان الميزان))
(ج ٦ ص ١٨٣، ١٨٤) هاشم بن الأوقص. قال البخاري: غير ثقة، وهو في كتاب
ابن عدي هاشم الأوقص. انتهى. قال الجوزجاني: كان غير ثقة. قلت: القائل

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْكَسْبِ وَطَلَبِ الْحَلَالِ
٣٠٥
الحافظ ابن حجر: وكلام البخاري فيه نقل عنه الدولابي ثم ابن عدي، وقد أصاب
الحافظ في بيان مصدر النقل عن البخاري فإنه لم يترجم له في ((الكبير)) ولا الصغير
ولا ((الضعفاء)) وأيًّا ما كان شخص مجهول العين والحال. انتهى. وذكر المنذري
في هذا الحديث في ((الترغيب)) (ج ٢ ص ٢٣٧) وعزاه لأحمد وصدره بلفظة
(روي)). وأهمل الكلام عليه في آخره، وذكره علي المتقي في ((كنز العمال)) (ج ٤
ص ٨) وعزاه لأحمد وعبد بن حميد والبيهقي وتمام الخطيب وابن عساكر
والديلمي، وقال: ضعفه البيهقي.

٣٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢ - بَابُ الْمُسَاهَلَةِ فىِ الْمُعَامَلَةِ
(بَابُ المُسَاهَلَةِ) من السهولة: وهي ضد الصعوبة وضد الحزن، والمراد من
المساهلة المسامحة والمجاملة وعدم المضايقة في المعاملات.
الفصل الأول
٢٨١٤ - [١] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًّا
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ]
سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى)).
الشرح
٢٨١٤ - قوله: (رَحِمَ اللَّهُ) يحتمل الدعاء ويحتمل الخبر، وبالأول جزم ابن
حبيب المالكي وابن بطال، ورجحه الداودي، ويؤيد الثاني ما رواه أحمد
والترمذي من طريق زيد بن عطاء عن ابن المنكدر عن جابر في هذا الحديث بلفظ :
((غَفَرَ اللَّهُ لِرَجُلٍ كَانَ قَبْلَكُمْ، كَانَ سَهْلًا إِذَا بَاعَ، سَهْلًا إِذَا اشْتَرَى، سَهْلًا إِذَا اقْتَضَى))
وهذا يشعر بأنّهَ قصد رجلًا بعينه في حديث الباب، قال الكرماني: ظاهره الإخبار
عن حال رجل كان سمحًا لكن قرينة الاستقبال المستفاد من ((إذا)) تجعله دعاء
وتقديره: ((رحم الله رجلا يكون سمحًا)) وقد يستفاد العموم من تقييده بالشرط.
(رَجُلًا) أي: شخصًا (سَمْحًا) بسكون الميم وبالمهملتين أي: سهلًا، وهي صفة
مشبهة تدل على الثبوت، فلذلك كرر أحوال البيع والشراء والتقاضي، والسمح:
الجواد من السماحة وهو الجود، يقال: سمح بكذا وأسمح إذا جاد وأعطى عن كرم
وسخاء، والمراد هنا المساهلة (وَإِذَا اقْتَضَى) أي: طلب قضاء حقه بسهولة وعدم
(٢٨١٤) أخرجه البخاري (٢٠٧٦).

كِتَابُ البُيُوعِ
بَابُ الْمُسَاهَلَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ
٣٠٧
إلحاف. وفي رواية حكاها ابن التين: وإذا قضى، أي: أعطي الذي عليه بسهولة
بغير مطل، وللترمذي والحاكم (ج ٢ ص ٥٦) من حديث أبي هريرة مرفوعا: ((إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ سَمْحَ البَيْع، سَمْحَ الشَّرَاءِ))، ولأحمد والنسائي من حديث عثمان رفعه:
((أَدْخَلَ اللَّهُ الجَنَّةَ رَجُلًا سَهْلًا مُشْتَرِيًّا وَبَائِعًا وَقَاضِيًّا وَمُقْتَضِيًّا)). وروى أحمد من
حديث عبد الله ابن عمر ونحوه. وفي الحديث الحض على السماحة في المعاملة
واستعمال معانى الأخلاق ومكارمها وترك المشاحة والحض على ترك التضييق
على الناس في المطالبة وأخذ العفو منهم. وقال القاضي: رتب الدعاء على ذلك؛
ليدل على أن السهولة والتسامح سبب لاستحقاق الدعاء بالرحمة والغفران لفاعله
ويكون أهلًا لذلك، فمن أحب أن تناله هذه الدعوة؛ فلیقتد به وليعمل به.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في البيوع، وأخرجه أيضًا في التجارات ولفظه: ((رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا
سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى)).
٢٨١٥- [٢] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قال رَسُولَ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ رَجُلًا كَانَ
فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَتَاهُ المَلَكُ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ عَمِلْتَ مِنْ خَيْرِ؟
قَالَ: مَا أَعْلَمُ، قِيلَ لَهُ: انْظُرْ، قَالَ: مَا أَعْلَمُ شَيْئًا غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسِِّ
فِي الدُّنْيَا وَأُجَازِيِهِمْ، فَأَنْظِرُ المُوسِرَ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ الْمُعْسِرِ، فَأَدْخَلَهُ اللَّهُ
الجَنَّةَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
- وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِم نَحْوُهُ: عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَأَبِي مَسْعُودٍ الأَنَّصَارِيِّ:
((وَقَالَ اللَّهُ: أَنَا أَحَقُ بَِّّا مِنْكَ تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي)).
الشرح
٢٨١٥- قوله: (إِنَّ رَجُلًا كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) يعني من الأمم السابقة
(أَتَاهُ المَلَكُ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ) هذا لفظ البخاري في بني إسرائيل، رواه من طريق
عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن حذيفة وفي رواية منصور عن ربعي بن
(٢٨١٥) أخرجه البخاري (٢٠٧٧)، ومسلم (١٥٦٠).

٣٠٨
*e
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
حراش عند الشيخين في البيوع: ((تَلَقَّتِ المَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)) أي
استقبلت روحه عند الموت.
(فَقِيلَ لَهُ) أي: قال له وََّ أو بعض الملائكة (هَلْ عَمِلْتَ مِنْ خَيْرِ؟) الظاهر أن
هذا السؤال قبل قبض روحه، كما يقتضيه أول رواية الكتاب، وقال المظهر: هذا
السؤال منه كان في القبر. قال الطيبي: يحتمل أن يكون في القيامة، وقوله:
((فقيل: مسندًا إلى الله تعالى)) والفاء عاطفة على قول المظهر فقبض وأدخل القبر،
فتنازع ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فيه، فقيل له ذلك، وينصر هذا قوله في
الرواية الأخرى: (تَجَاوَزُا عَنْ عَبْدِي)) وفي رواية عند الشيخين ((فقالوا: أعملت من
الخير شيئا؟ قال: لا. قالوا: تذكر. قال: كنت أداين الناس فآمر فتياني - أي:
غلماني كما صرح به في الرواية الأخرى - أن ينظروا المعسر ويتجوزوا عن
الموسر. قال: قال الله رَك: (تجوزوا عنه))، وفي رواية: ((فتجاوزوا عنه))، وفي
رواية لمسلم عن حذيفة: ((رجل لقي ربه، فقال: ما عملت؟ قال: ما عملت من
الخير إلا أني كنت رجلاً ذا مال، فكنت أطالب به الناس، فكنت أقبل الميسور
وأتجاوز عن المعسور))، وفي رواية أخرى لمسلم أيضًا عن حذيفة عن النبي وَّ:
((أن رجلًا مات فدخل الجنة، فقيل له: ما كنت تعمل؟ قال: فإما ذَكَرَ وإِما ذُكّرَ ، فقال:
إني كنت أبايع الناس)) الحديث. وفي حديث أبي مسعود عند مسلم مرفوعًا:
((حُوسِبَ رَجْلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الخَيْرِ شَيْءٌ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ
النَّاسَ، وَكَانَ مُوسِرًا، فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهَ أَنْ يَتَجَاوزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ وَلِ:
(نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوزُوا عَنْهُ)).
(قِيلَ لَهُ: انْظُرْ) أي: تفكر وتدبر (وَأُجَازِيهِمْ) بضم الهمزة وبالجيم والزاي،
وفي البخاري فأجازيهم، أي: أتقاضاهم الحق يقال: جازاه تجازی دینه وبدینه إذ
اتقاضاه، والمجازي والمتجازي المتقاضي، وحاصله: آخذ منهم وأعطيهم، وقال
القاري: أجازيهم، أي: أحسن إليهم حين أتقاضاهم (فَأَنَّظِرُ) بضم الهمزة وكسر
الظاء المعجمة من الإنظار أي: أمْهِلْ (المُوسِرَ) اختلف العلماء في حد الموسر،
فقيل: من عنده مؤنته ومؤنة من تلزمه نفقته. وقال الثوري وابن المبارك وأحمد
وإسحاق: من عنده خمسون درهما أو قيمتها من الذب فهو موسر. وقال الشافعي:
قد يكون الشخص بالدرهم غنيًّا بكسبه وقد يكون فقيرًا بالألف مع ضعفه في نفسه

٣٠٩
كِتَابُ البُيُوعِ
بَابُ الْمُسَاهَلَةِ فِي الْعَامَلةِ
وكثرة عياله. وقيل: الموسر من يملك نصاب الزكاة، وقيل: من لا يحل له
الزكاة، وقيل: من يجد فاضلا عن ثوبه و مسکنه وخادمه ودینه وقوت من يمونه.
قال العيني والحافظ: هذا كله إنما هو في حد من يجوز له السؤال والأخذ من
الصدقة ومن لا يجوز، وأما هاهنا أي في إنظار الموسر، فالاعتماد على أن الموسر
على أن الموسر والمعسر يرجعان إلى العرف فمن كان حاله بالنسبة إلى مثله يعد
يسارًا فهو موسر. وكذا عكسه فافهم.
(وَأَتَجَاوَزُ عَنِ المُعْسِرٍ) قال النووي: التجاوز والتجوز: معناهما المسامحة في
الاقتضاء والاستيفاء وقبول ما فيه نقص يسيرٍ. قال القاري: أي: أعفو عن الفقير
وأبرأ ذمته عن الدين كله أو بعضه (فَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ) قال النووي: فيه فضل إنظار
المعسر والوضع عنه، إما كل الدين وإما بعضه من كثير أو قليل، وفضل المسامحة
في الاقتضاء وفي الاستيفاء سواء استوفى من موسر أو معسر، وأنه لا يُحتقر شيء
من أفعال الخير فلعله سبب السعادة والرحمة. وفيه جواز توكيل العبد والإذن لهم
في التصرف وهذا على قول من يقول شرع من قبلنا شرع لنا. انتهى. وقال الحافظ :
في الحديث أن اليسير من الحسنات إذا كان خالصًا لله كفر كثيرًا من السيئات، وفيه
أن الأجر يحصل لمن يأمر به وإن لم يتول ذلك بنفسه، وهذا كله بعد تقرير أن شرع
من قبلنا إذا جاء في شرعنا في سياق المدح كان حسنًا عندنا.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في البيوع وفي ذكر بني إسرائيل، وفي
الاستقراض، ومسلم في البيوع، وأخرجه أيضا أحمد وابن ماجه في الأحكام
والبيهقي (ج ٥ ص ٣٥٦) والدارمي في البيوع وابن أبي شيبة (ج ٧ ص ١٣) واللفظ
للبخاري، رواه في ذكر بني إسرائيل في جملة حديث يتضمن ذكر الدجال - وفي
رواية لمسلم نحوه - أي بمعناه عن عقبة بن عامر وأبي مسعود الأنصاري، قلت:
روى مسلم من طريق أبي خالد الأحمر عن سعد بن طارق عن ربعي بن حراش عن
حذيفة قال: أتى الله تعالى بعبد من عباده آتاه الله مالاً فقال له: ماذا عملت في
الدنيا؟ الحديث. ثم قال في آخره: فقال عقبة بن عامر الجهني وأبو مسعود
الأنصاري، هكذا سمعناه من فِي رسول الله ◌َّر، قال النووي: هكذا هو في جميع
النسخ ((فقال عقبة بن عامر وأبو مسعود)). قال الحافظ: هذا الحديث إنما هو
محفوظ لأبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري وحده وليس لعقبة بن عامر

٣١٠
ee
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فيه رواية. قال الدارقطني: والوهم في هذا الإسناد من أبي خالد الأحمر، قال:
وصوابه عقبة بن عمرو أبو مسعود الأنصاري. كذا رواه أصحاب أبي مالك سعد بن
طارق وتابعهم نعيم بن أبي هند وعبد الملك بن عمير ومنصور وغيرهم عن ربعي
عن حذيفة وقالوا في آخر الحديث: فقال: عقبة بن عمرو أبو مسعود. وقد ذكر
مسلم في هذا الباب حديث منصور ونعيم وعبد الملك. انتهى.
(أَنَا أَحَقُّ بِذَا) وفي بعض نسخ مسلم ((بذلك)) أي: بالتجاوز، وهكذا وقع في
بعض نسخ المشكاة (مِنْكَ) خطاب للعبد (تَجَاوَزُوا) أمر للملائكة.
٢٨١٦ - [٣] وَعَنْ أَبِ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ وَِّ: ((إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ
الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ يُنَفَّقُ، ثُمَّ يَمْحَقُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشرح
٢٨١٦ - قوله (إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ) بفتح فكسر أو سكون (فِي الْبَيْعِ) أي :
احذروا كثرة الحلف في البيوع ولو صادقًا، فإن الكثرة مظنة الوقوع في الكذب
كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع. وأما اليمين الكاذبة، فحرام وإن كانت
قليلة. قال القاري: إياكم وكثرة الحلف أي: اتقوا كثرتها ولو كنتم صادقين؛ لأنه
ربما يقع كذبًا، ويؤيده حديث ((الراعي حول الحمى))، فقيد الكثرة احتراز عن
القلة، فإنه قد يحتاج إليه، فلا يدخل تحت التحذير. وقال الطيبي: ((إياكم))
منصوب على التحذير أي: قوا أنفسكم إكثار الحلف وإكثار الحلف عن أنفسكم،
كرره للتأكيد والتنفير، والنهي عن كثرة الحلف فيه لا يقتضي جواز قلتها؛ لأن
النهي وارد على أهل السوق، وعادتهم كثرة الحلف، كقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُواْ
اُلِّبَوْ أَضْعَفًا مُضَعَفَةٌ﴾ [آل عمران: الآية ١٣٠]. انتهى. قال القاري: وفيه أن جواز قلتها
مع صدقها مجمع عليها.
(فَإِنَّهُ) أي: الحلف، والمراد الكاذبة أو مطلقًا، قاله السندي. وقال القاري:
(٢٨١٦) أخرجه مسلم (١٦٠٧).

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْمُسَاهَلَةِ فِي الْمُعَامَلةِ
٣١١
فإنه أي: إكثار الحلف (يُنَفَّقُ) بتشديد الفاء المكسورة من التنفيق، وهو الترويج
وهو تعليل لما قبله أي: يروج البيع أو السلعة في الحال (ثُمَّ يَمْحَقُ) بفتح فسكون
ففتح من المحق وهو المحو، أي: ينقص ويذهب البركة في المال، فـ(ثم)) على
حقيقتها للتراخي زمانا إما في الدنيا بأي وجه كان من تلف أو صرف فيما لا ينفع
ونحو ذلك أو في الآخرة، ويجوز أن يحمل على التراخي في الرتبة.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في البيوع وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥ ص ٢٩٧، ٢٩٨، ٣٠١)
والنسائي وابن ماجه في البيوع والبيهقي (ج ٥ ص ٣٦٥) وابن أبي شيبة (ج ٧ ص
٢٠).
٢٨١٧ - [٤] وَعَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ:
((الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٨١٧ - قوله: (الحَلِفُ) أي: إكثاره أو الكاذب منه، قاله القاري. وقال
العيني: الحلف بفتح الحاء المهملة وكسر اللام وعن ابن فارس بسكون اللام
أيضا، وأراد به اليمين الكاذبة، وكذا قال الحافظ في ((الفتح)) والسيوطي في
((حاشية أبي داود)): أن المراد بالحلف اليمين الكاذبة. وقال السندي في ((حاشية
النسائي)): يمكن إبقاؤه على إطلاقه لأن الصادق لترويج أمر الدنيا وتحصيله
يتضمن ذكر الله للدنيا وهو لا يخلو عن كراهة ما، بخلاف يمين المدعي عليه،
فإنها لإزالة التهمة، فلا كراهة فيها إذا كانت صادقة. انتهى. قال الحافظ: في
مسلم ((اليمين)) ولأحمد ((اليمين الكاذبة)) وهي أوضح. انتهى. قلت: رواية أحمد
تعين المراد بالحلف، وأما نقل الحافظ عن مسلم لفظ اليمين فلم أجده في مسلم،
بل لفظ الحلف كما في رواية البخاري، والظاهر أن هذا وهم من الحافظ. والله
أعلم.
(٢٨١٧) أخرجه البخاري (٢٠٨٧)، ومسلم (١٦٠٦).

SOME
٣١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(مَنْفَقَةٌ) بفتح الميم والفاء بينهما نون ساكنة مفعلة من النفاق بفتح النون وهو
الرواج ضد الكساد. قال البغوي: من قولهم نفق البيع ينفق نفاقا إذا كثر المشترون
والرغبات فيه (لِلسِّلْعَةِ) بكر السين المهملة أي المتاع (مُمْحِقَةٌ) بالمهملة والقاف
وزن المنفقة المتقدم ضبطه من المحق وهو المحو والنقص والإبطال والهاء فيهما
للمبالغة. ولذا صح خبرا عن الحلف، قال العيني: كلاهما بلفظ اسم المكان
للمبالغة وهما في الأصل مصدران ميميان، والمصدر الميمي يأتي للمبالغة،
ويروي كلاهما بصيغة اسم الفاعل، يعني: بضم الميم فيهما وكسر الحاء في
((ممحقة))، والفاء في ((منفقة))، قال: والتاء فيهما ليست للتأنيث، بل هي للمبالغة،
وممحقة خبر بعد خبر (لِلْبَرَكَةِ) المعنى أن اليمين الكاذبة سبب لنفاق البضاعة
ورواجها، ولكنها ماحية للبركة؛ فالأموال المكتسبة من البيوع المشفوعة بالأيمان
الكاذبة وإن كانت نامية في بادئ النظر، فأمر البركة فيها في حيز العدم. وقال
القاري: قوله: ((منفقة للسلعة)) أي: مظنة، وسبب لنفاقها، أي: رواجها في ظن
الحالف، وقوله: ((ممحقة للبركة)) أي: سبب لذهاب بركة المكسوب إما بتلف
يلحقه في ماله أو بإنفاقه في غير ما يعود نفعه إليه في العاجل أو ثوابه في الآجل أو
بقي عنده وحرم نفعه أو ورثه من لا يحمده. انتهى. وقوله: ((للبركة)) هو رواية
البخاري، وهكذا وقع في رواية عند أحمد وأبي داود وفي أخرى لهما
وللإسماعيلي: ((للكسب)) وكذا عند النسائي وابن أبي شيبة، ولفظ مسلم: ((للربح))
وهكذا وقع في رواية عند الإسماعيلي. قال الحافظ بعد ذكر الاختلاف المتقدم:
ومال الإسماعيلي إلى ترجيح رواية الكسب، وأن من رواه بلفظ: ((للبركة)) أورده
بالمعنى؛ لأن الكسب إذا محق؛ محقت البركة. انتهى. قال النووي في حديث أبي
قتادة وحديث أبي هريرة: النهي عن كثرة الحلف في البيع، فإن الحلف من غير
حاجة مكروه وينضم هنا إليه ترويج السلعة، وربما اغتر المشتري باليمين.
(مُتَفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجاه في البيوع، ورواه أيضا أحمد (ج ٢ ص ٢٣٥ و ٢٤٢
و ٤١٣) وأبو داود والنسائي في البيوع والبيهقي (ج ٥ ص ٢٦٥) والبغوي (ج ٨ ص
٣٧) وابن أبي شيبة (ج ٧ ص ٢٠).

كِتّابُ البُيُوع
EXXENee= **:
بَابُ الْمُسَاهَلَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ
٣١٣
٢٨١٨ - [٥] وعَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ))، قَالَ أَبُو ذَرٍّ :
خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((الْمُسْبِلُ، وَالْمَثَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ
سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ]
الشرح
٢٨١٨ - ٢٨١٨ - قوله: (ثَلَاثَةٌ) أي: أشخاص (لَا يُكَلَّمُهُمُ اللهُ) أي: تكليم
رضى عنهم. قال النووي: قوله: ((لَا يُكَلَّمُهُمُ اللَّهُ ... )) إلخ. هو على لفظ الآية
الكريمة التي في آل عمران: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران:
الآية ٧٧] الآية. قيل: معنى: ((لَا يُكَلَّمُهُمُ اللَّهُ))، أي: لا يكلمهم بكلام أهل الخير
وبإظهار الرضا بل بكلام أهل السخط والغضب، وقيل: المراد أنه يعرض عنهم لا
يكلمهم كلامًا ينفعهم ويسرهم، وقيل: لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية وملائكة
الرحمة، ولما كان لكثرة الجمع مدخل عظيم في مشقة الخزي قال: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
الذي افتضح في جمعه لم يفز، وقيل: هو إشارة إلى أنه محل الرحمة المستمرة
بخلاف رحمة الدنيا، فإنه قد تنقطع بما يتجدد من الحوادث.
(وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) أي: نظر رحمة وعطف ولطف. وقال النووي: أي: يعرض
عنهم، ومعنى نظره تعالى لعباده رحمته ولطفه بهم.
(وَلَا يُزَكِّيهِمْ) أي: لا يطهرهم من الذنوب، وقيل: لا يثني عليهم: (وَلَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ) أي: مؤلم، قال الواحدي: هو العذاب الذي يخلص إلى قلوبهم وجعه.
قال: والعذاب كل ما يعيي الإنسان ويشق عليه. قال: وأصل العذاب في كلام
العرب من العذب وهو المنع، يقال: عذبته عذابا إذا منعته وعذب عذوبا أي:
امتنع، وسُمي الماء عذبا؛ لأنه يمنع العطش، فسمي العذاب عذابا؛ لأنه يمنع
المعاقب من معاودة مثل جرمه، ويمنع غيره من فعل مثله. انتهى. وقال السندي:
قوله: (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلَّمُهُمُ اللَّهُ ... )) إلخ. الكلام مسوق لإفادة كمال الغضب عليهم،
(٢٨١٨) أخرجه مسلم (١٠٦).

٣١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وإلا فلا يغيب أحد عن نظره تعالى فقوله: ((لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ)) أي: تلطفًا
ورحمة، وقوله: ((لَا يُزَكِّيهِمْ)) أي: لا يطهرهم عن دنس الذنوب بالمغفرة، أو لا
يثني عليهم بالأعمال الصالحة والكل مقيد بأول الأحوال لا بالدوام، ثم هذا بيان ما
يستحقونه، وفضل الله أوسع فقد قال: ﴿وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: الآية ٤٨] .
انتھی .
(خَابُوا) أي: حرموا من الخير. (وَخَسِرُوا) أنفسهم (الْمُسْبِلُ) بضم الميم وكسر
الموحدة من أسبل أي: من يطول ثوبه ويرسله إلى الأرض؛ إذا مشى، واللفظ
مطلق إلا أن بعض الروايات تفيد تقييده بما إذا فعل ذلك تكبرًا، وأما غيره فأمره
أخف إن شاء الله تعالى، كذا قال السندي. وفي رواية: ((المُسْبِلُ إِزَارَهُ)) أي:
المرخي له، الجار طرفيه إلى أسفل الكعبين بقصد الخيلاء. وذكر إسبال الإزار
وحده لأنه كان عامة لباسهم، فلغيره من نحو قميص حکمه، وقد جاء ذلك مبينًا
منصوصًا عليه من كلام رسول الله ◌َّليل فيما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن
ابن عمر مرفوعًا: ((الإِسْبَالُ فِي الإِزَارِ وَالقَمِيصِ والعِمَامَةِ، مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئًا خُيَلَاءَ
لَمْ يَنْظَرِ اللَّهِ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ». وروى الشيخان وغيرهما عن ابن عمر مرفوعًا: «مَنْ
جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ؛ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةَ)). والتعبير بالثوب يشمل الإزار وغيره
من الرداء والقميص ونحوهما. وسيأتي الكلام في ذلك مفصلًا في كتاب اللباس إن
شاء الله تعالى حيث ذكر المصنف حديثي ابن عمر فيه. قال الحافظ: ويستثنى من
إسبال الإزار مطلقًا ما أسبله لضرورة، کمن یکون بکعبیه جرح مثلًا يؤذيه الذباب
مثلًا إن لم يستره بإزاره حيث لا يجد غيره، نبه على ذلك شيخنا في ((شرح
الترمذي)). واستدل على ذلك بإذنه ◌َ له لعبد الرحمن بن عوف في لبس قميص
الحرير من أجل الحكة، والجامع بينهما جواز تعاطي ما نهي عنه من أجل
الضرورة، كما يجوز كشف العورة للتداوي، ويستثنى أيضا من الوعيد في ذلك
النساء. قال: وقوله ((من جر إزاره)) يتناول الرجال والنساء في الوعيد المذكور على
هذا الفعل المخصوص، وقد فهمت ذلك أم سلمة مؤثّا، فأخرج النسائي والترمذي
وصححه من طريق أيوب عن نافع، عن ابن عمر متصلاً بحديثه مرفوعًا: ((لَا يَنْظُرُ
اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ))، فقالت: أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟
فقال: ((يَرْخِينَ شِبْرًا))، فقالت: إذا تنكشف أقدامهن، قال: ((فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا، لَا

٣١٥
كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ المساهَلَةِ فى المُعَامَلَةِ
*
يَزِدْنَ عَلَيْهِ)). لفظ الترمذي، وله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه أبو داود من
رواية أبي بكر الصديق، عن ابن عمر قال: رخص رسول الله مَثّ لأمهات المؤمنين
شبرًا ثم استزدنه فزادهن شبرًا، فكن يرسلن إلينا فنذرع لهن ذراعًا، وأفادت هذه
الرواية قدر الذراع المأذون فيه، وأنه شبران بشبر اليد المعتدلة، ويستفاد من هذا
الفهم التعقب على من قال أن الأحاديث المطلقة في الزجر عن الإسبال مقيدة
بالأحاديث الأخرى المصرحة بمن فعله خيلاء.
قال النووي: ظواهر الأحاديث في تقييدها بالجر خيلاء يقتضي أن التحريم
مختص بالخيلاء. ووجه التعقب أنه لو كان كذلك لما كان في استفسار أم سلمة عن
حكم النساء في جر ذيولهن معنى، بل فهمت الزجر عن الإسبال مطلقًا سواء كان
عن مخيلة أم لا، فسألت عن حكم النساء في ذلك لاحتياجهن إلى الإسبال من أجل
ستر العورة؛ لأن جميع قدمها عورة، فبين لها أن حكمهن في ذلك خارج عن حكم
الرجال في هذا المعنى فقط، وقد نقل عياض الإجماع على أن المنع في حق
الرجال دون النساء، ومراده منع الإسبال لتقريره و3﴾ أم سلمة على فهمها إلا أنه بين
لها أنه عام مخصوص؛ لتفرقته في الجواب بين الرجال والنساء في الإسبال، وتبيينه
القدر الذي يمنع ما بعده في حقهن كما بين ذلك في حق الرجال، والحاصل أن
للرجال حالين: حال استحباب، وهو أن يقتصر بالإزار على نصف الساق، وحال
جواز، وهو إلى الكعبين. وكذلك للنساء حالان: حال استحباب، وهو ما يزيد
على ما هو جائز للرجال بقدر الشبر، وحال جواز بقدر ذراع، ويؤيد هذا التفصيل
في حق النساء ما أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) من طريق معتمر عن حميد عن
أنس، أن النبي ◌ُّ شبر لفاطمة عن عقبها شبرًا، وقال: ((هذا ذيل المرأة))، وقال
الحافظ أيضا بعد ذكر الأحاديث المقيدة بالخيلاء: وفي هذه الأحاديث أن إسبال
الإزار للخيلاء كبيرة، وأما الإسبال بغير الخيلاء فظاهر الأحاديث تحريمه أيضًا،
لكن استدل بالتقييد في هذه الأحاديث بالخيلاء على أن الإطلاق في الزجر الوارد
في ذم الإسبال محمول على المقيد هنا فلا يحرم الجر والإسبال إذا سلم من
الخيلاء.
قال ابن عبد البر: مفهومه أن الجر بغير الخيلاء لا يلحقه الوعيد إلا أن جر
القميص وغيره من الثياب مذموم على كل حال.

٣١٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال النووي: الإسبال تحت الكعبين للخيلاء حرام، فإن كان لغيرهما؛ فهو
مكروه، وهكذا نص الشافعي على الفرق بين الجر للخيلاء ولغير الخيلاء، قال:
والمستحب أن يكون الإزار إلى نصف الساق والجائز بلا كراهة ما تحته إلى
الكعبين وما نزل عن الكعبين ممنوع منع تحریم إن كان للخيلاء، وإلا فمنع تنزيه؛
لأن الأحاديث الواردة في الزجر عن الإسبال مطلقة، فيجب تقييدها بالإسبال
للخيلاء. انتهى. قلت: ومذهب الحنفية أن الإسبال للرجال ممنوع مطلقا ولو كان
من غير خيلاء إلا أن يكون من غير اختياره؛ لعدم التعاهد والغفلة عنه بسبب المشي
أو غيره بشرط أن لا يتمادى على ذلك ويتدار كه بعد التنبيه، وأما استرخاء أحد شقي
إزار أبي بكر فإنما كان لعدم التعاهد منه رزوقته كما روى البخاري في أول اللباس في
باب من جر إزاره من غير خيلاء من حديث ابن عمر عن النبي وَ لّه قال: «من جر ثوبه
من الخيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة))، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، إن
أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال النبي وَّر: ((لست ممن
يصنعه خيلاء))، وفي رواية: ((لست منهم)).
قال الحافظ: وكان سبب استرخائه نحافة جسم أبي بكر، وقوله: ((إلا أن أتعاهد
منه ذلك)) أي: يسترخي إذا غفلت عنه، ووقع في رواية معمر عن زيد بن أسلم عند
أحمد أن إزاري يسترخي أحيانا، فكأن شده كأن ينحل إذا تحرك بمشي أو غيره بغير
اختياره، فإذا كان محافظًا عليه لا يسترخي؛ لأنه كلما كاد يسترخي شَدَّهُ، وأخرج
ابن سعد عن عائشة قالت: كان أبو بكر أحنى لا يستمسك إزاره يسترخي عن
حقويه. ومن طريق قيس بن أبي حازم قال: دخلت على أبي بكر وكان رجل نحيفًا.
قال الحافظ: وفيه أنه لا حرج على من جر إزاره بغير قصده مطلقًا، وأما ما
أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان يكره جر الإزار على كل حال، فهو
محمول على من قصد ذلك سواء كان مخيلة أم لا، وهو المطابق لروايته
المذكورة. ولا يظن بابن عمر أنه يؤاخذ من لم يقصد شيئا، وإنما يريد بالكراهة
من انجر إزاره بغير اختياره ثم تمادي على ذلك ولم يتداركه. وهذا متفق عليه، وإن
اختلفوا هل الكراهة فيه للتحريم أو للتنزيه، في الحديث اعتبار أحوال الأشخاص
في الأحكام باختلافها وهو أصل مطرد غالبًا. قلت: والراجح عندنا في ذلك هو ما
ذهب إليه الحنفية أن الإسبال ممنوع مطلقًا، ولو كان من غير مخيلة إلا أن يكون من

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ المُسَاهَلَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ
٣١٧
a
غير اختياره؛ وقصده بشرط أن لا يتمادى على ذلك ويتداركه بعد التنبيه.
قال الحافظ: وأما الجر لغير الخيلاء، فيختلف الحال، فإن كان الثوب على قدر
لا بسه لكنه يسدله فهذا لا يظهر فيه تحريم، ولاسيما إن كان من غير قصد، كالذي
وقع لأبي بكر، وإن كان الثوب زائدًا على قدر لا بسه فهذا قد يتجه المنع فيه من
جهة الإسراف فينتهي إلى التحريم، وقد يتجه المنع فيه من جهة التشبه بالنساء،
وقد صحح الحاكم من حديث أبي هريرة أن رسول الله ولل لعن الرجل يلبس لبس
المرأة، وقد يتجه المنع فيه من جهة أن لابسه لا يأمن من تعلق النجاسة به، وإلى
ذلك يشير الحديث الذي أخرجه الترمذي في الشمائل، والنسائي من طريق أشعث
ابن أبي الشعثاء عن عمته عن عمها، واسمه عبيد بن خالد، قال: كنت أمشي وعليَّ
برد أجره، فقال لي رجل: ((ارفع ثوبك فإنه أنقى وأبقى))، فنظرت فإذا هو
النبي ◌َّ، فقلت: إنما هي بردة ملحاء - أي فيها خطوط سود وبيض - فقال: ((أما
لك فيَّ أسوة؟)) قال: فنظرت فإذا إزاره إلى أنصاف ساقيه، وفي قصة قتل عمر أنه
قال للشاب الذي دخل عليه: ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك. ويتجه
المنع أيضًا في الإسبال من جهة أخرى وهي كونه مظنة الخيلاء. قال ابن العربي:
لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه، ويقول: لا أجره خيلاء؛ لأن النهي قد تناوله
لفظًا ولا يجوز تناوله اللفظ حكما أن يقول: لا أمثله؛ لأن تلك العلة ليس فيَّ،
فإنها دعوى غير مسلمة، بل إطالة ذيله دالة على تكبره. انتهى ملخصًا. وحاصله:
أن الإسبال يستلزم جر الثوب، وجر الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصد اللابس
الخيلاء، ويؤيده ما أخرجه أحمد بن منيع من وجه آخر عن ابن عمر في أثناء حديث
رفعه: ((وإياك وجر الإزار فإن جر الإزار من المخيلة)) وأخرج الطبراني من حديث
أبي أمامة ((بينما نحن مع رسول الله وَله إذا لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة
إزار ورداء قد أسبل، فجعل رسول الله ◌َ ل# يأخذ بناحية ثوبه ويتواضع لله ويقول:
((عبدك وابن عبدك وأمتك)) حتى سمعها عمرو، فقال: يا رسول الله! إني حمش
الساقين، فقال: ((يا عمرو، إن الله قد أحسن كل شيء خلقه، يا عمرو، إن الله لا
يحب المسبل ... )) الحديث. وأخرجه أحمد من حديث عمرو نفسه، لكن قال في
روايته عن عمرو بن فلان وأخرجه الطبراني أيضا، فقال: عن عمرو بن زرارة،
وفيه: وضرب رسول الله ◌َّليل بأربع أصابع تحت ركبة عمرو، فقال: يا عمرو هذا

٣١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
SOMES
*
موضع الإزار، ثم ضرب بأربع أصابع تحت الأربع، فقال: ((يا عمرو هذا موضع
الإزار ... )) الحديث. ورجاله ثقات، وظاهره أن عَمْرًا المذكور لم يقصد بإسباله
الخيلاء، وقد منعه من ذلك؛ لكونه مظنته، وأخرج الطبراني من حديث الشريد
الثقفي قال: أبصر النبي وَل﴿ رجلًا قد أسبل إزاره، فقال: ((ارفع إزارك))، فقال: إني
أحنف تصطك ركبتاي، قال: ((ارفع إزارك، فكل خلق الله حسن))، وأخرجه مسدد
وأبو بكر بن أبي شيبة من طرق عن رجل من ثقيف لم يسم، وفي آخره: ((ذاك أقبح
مما بساقك))، وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود بسند جيد أنه كان يسبل
إزاره، فقيل له في ذلك، فقال: إني حمش الساقين، فهو محمول على أنه أسبله
زيادة على المستحب، وهو أن يكون إلى نصف الساق، ولا يظن به أنه جاوز به
الكعبين، والتعليل يرشد إليه ومع ذلك، فلعله لم تبلغه قصة عمرو بن زرارة. والله
أعلم. وأخرج النسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان من حديث المغيرة بن شعبة:
رأيت رسول الله ولل أخذ برداء سفيان بن سهيل وهو يقول: ((يا سفيان لا تسبل،
فإن الله لا یحب المسبلین)). انتھی باختصار يسير.
(وَالْمَنَّانُ) أي: الذي يكثر المنة على غيره لإحسانه إليه، والمنة لا تليق إلا بالله
تعالى؛ إذ هو الملك الحقيقي، وغيره يعطي من ملك غيره فلم يجز له المن، فإذا
منّ كأنه ادعى لنفسه الملك والحرية وانتفى من العبودية، ونازع في صفات رب
البرية، فلا ينظر إليه نظر رحمانية. وفي رواية: ((والمنان الذي لا يعطي شيء إلا
مَنَّه))، بفتح الميم وتشديد النون أي: إلا منَّ به على من أعطاه، قال الله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنّ وَاُلْأَذَى﴾ [البقرة: الآية ٢٦٤]. قال القرطبي:
المن غالبًا يقع من البخيل والمعجب، فالبخيل تعظم في نفسه العطية وإن كانت
حقيرة في نفسها، والمعجب يحمله العجب على النظر لنفسه بعين العظمة، وإنه
منعم بماله على المعطي، وإن كان أفضل منه في نفس الأمر، وموجب ذلك كله
الجهل ونسيان نعمة الله فيما أنعم به عليه ولو نظر مصيره لعلم أن المنة للآخذ؛ لما
یترتب له من الفوائد.
(وَالْمُنَفِّقُ) من التنفيق أو الإنفاق بمعنى الترويج إلا أن المشهور رواية هو الأول
(سِلْعَتَهُ) بكسر السين المتاع وما يتجر به (بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ) وفي رواية ((بالحلف
الفاجر)) والمراد بالفجور: لازمه وهو الكذب. قال عياض: جمعت هذه اليمين

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْمُسَاهَلَةِ فِي الْعَامَلَةِ
٣١٩
*0E
الكذب والغرر وأخذ المال بغير حق، والاستخفاف بحق الله. انتهى. قال الطيبي :
جمع الثلاثة في قرن؛ لأن المسبل إزاره هو المتكبر المرتفع بنفسه على الناس
ويحتقرهم، والمنان إنما منَّ بعطاءه لما رأى من علوه على المعطى له، والحالف
البائع يراعي غبطة نفسه وهضم صاحب الحق، والحاصل من المجموع احتقار
الغير وإيثار نفسه؛ ولذلك يجازيه الله باحتقاره وعدم التفاته إليه كما لوح به ((لا
يكلمهم الله)) وإنما قدم ذكر الجزاء مع أنه رتبته التأخير عن الفعل لتفخيم شأنه
وتهويل أمره ولتذهب النفس كل مذهب، ولو قيل: المسبل والمنان والمنفق لا
يكلمهم لم يقع هذا الموقع، كذا في فيض القدير.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الإيمان، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥ ص ١٤٨، ١٥٨، ١٦٣،
١٦٨، ١٧٧) والترمذي في البيوع وأبو داود في اللباس والنسائي في الزكاة وفي
البيوع و ابن ماجه في التجارات والبيهقي (ج ٥ ص ٢٦٥) وابن أبي شيبة (ج ٧ ص
٢٢).