النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨٠
ESHE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٨٠٢ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله : «لَعَنَ اللَّهُ
الْخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا،
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَه]
وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ))
الشرح
٢٨٠٢ - قوله: (لَعَنَّ اللَّهُ الْخَمْرَ) أي ذاتها؛ لأنها أم الخبائث مبالغة في التنفر
عنها، وهذا لفظ أبي داود ولفظ ابن ماجه: ((لعنت الخمر على عشرة أوجه بعينها
وعاصرها ... )) إلخ، وفي رواية أحمد (ج ٢ ص ٢: ٥) ((لعنت الخمر على عشرة
وجوه))، ((لعنت الخمر بعينها وشاربها ... )) إلخ. قال السندي: في الحديث أن اللعن
في الكل يرجع إلى الخمر وذلك لأن العاصر مثلا يلعن لكونه عاصرًا لها وكذلك
الباقون فرجع الكل إلى الخمر، (وَمُبْتَاعَهَا) أي: مشتريها. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ
مَاجَه) في الأشربة، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢ ص ٢٥، ٧١، ٩٧) والحاكم (ج ٤
ص ١٤٤) وابن أبي شيبة (ج ٦ ص ٤٤٧) وزاد الحاكم وأحمد وابن ماجه وابن أبي
شيبة: ((وآكل ثمنها)) والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: صحيح
الإسناد، ووافقه الذهبي وصححه أيضًا ابن السكن، كما في ((التلخيص)).
(٢٨٠٢) أخرجه أبو داود (٣٦٧٤)، وابن ماجه (٣٣٨٠)، والطبراني في «الأوسط)) (٧٨١٦)، والبيهقي
(٣٢٧/٥).

كِتّابُ البُيُوع
ONEE
بَابُ الْكَسْبِ وَطَلَبِ الْحَلَالِ
٢٨١
٢٨٠٣ - [٢٠] وعَنْ مُحَيِّصَةَ، ((أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِ وَلِّ فِي أُجْرَةِ
الحَجَّامِ، فَتَهَاهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْتَأْذِنُهُ، حَتَّى قَالَ: اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ، وَأَطْعِمْهُ
[رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالتَّْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ]
رَقِيقَك)
الشرح
٢٨٠٣ - قوله: (وعَنْ مُحَيِّصَةَ) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الياء
المكسورة على الأشهر، وفتح الصاد المهملة وقد تسكن الياء، وكذا أخوه حويصة
الآتي ذكره في حديث القسامة، فيه لغتان أيضًا. قال النووي: تشديد الياء فيهما
أشهر اللغتين. انتهى. والظاهر أن الصاد فيهما مخففة، لكن قال في ((القاموس))
في مادة ((ح، و، ص)) حويصة ومحيصة ابنا مسعود مشددتي الصاد، صحابيان،
وتعقبه الشيخ أبو الوفاء نصر الهوريني، فقال: قوله: مشددتي الصاد، كذا في سائر
النسخ، والصواب مشددتي الياء، وإلا لكان حق ذكره في مادة ((ح، ص، ص))
أفاده الشارح. ومحيصة هذا هو ابن مسعود بن كعب الأنصاري الأوسي ثم
الحارثي، يكنى أبا سعد يعد في أهل المدينة، بعثه رسول الله وَّل إلى أهل فدك
يدعوهم إلى الإسلام، وشهد أحدًا والخندق وما بعدهما من المشاهد كلها، أسلم
قبل أخيه حويصة بن مسعود، فإن إسلامه كان قبل الهجرة، وعلى يده أسلم أخوه
حويصة، وكان حويصة أكبر منه، وكان محيصة أنجب وأفضل منه، ولما أمر
النبي ◌َّه بقتل اليهود وثب محيصة على ابن - سنية رجل من تجار يهود كان
يلا بسهم ويبايعهم - فقتله، وكان حويصة حينئذ لم يسلم، وكان أسن من محيصة،
فلما قتله جعل حويصة يضرب أخاه محيصة ويقول: أي عدو الله، قتلته، أما والله
لرب شحم في بطنك من ماله، فقال له محيصة: أما والله لقد أمرني بقتله من لو
أمرني بقتلك لضربت عنقك، فقال والله إن دِينًا بلغ بك هذا لعجب، فأسلم
حويصة وكان ذلك أول إسلامه، روى محيصة عن النبي وَّ وعنه ابنه سعد وابن
ابنه حرام بن سعد ومحمد بن سهل بن أبي حثمة .
(٢٨٠٣) أخرجه مالك (٣٥٧٤)، والترمذي (١٢٧٧)، وأبو داود (٣٤٢٢)، وابن ماجه (٢١٦٦).

٢٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
(فِي أجرةِ الحَجَّام) أي: في أخذها أو أكلها، وإنما سأله لما مر أنه غلامه أبا طيبة
كان حجاما وكان جَعل عليه خراجًا وضريبة، وقوله في ((أجرة الحجام)): كذا في
جميع نسخ المشكاة وهكذا في ((جامع الأصول)) (ج ١١ ص ٢٣٤) ولفظ
((المصابيح)): ((إجارة الحجام)) وهكذا وقع في ((الموطأ)) وأبي داود وأحمد في رواية
وابن الجارود، وكذا ذكر المجد في ((المنتقى))، ولفظ ابن ماجه: ((سأل عن كسب
الحجام))، وكذا وقع عند الحميدي وأحمد في عدة روايات.
(فَتَهَاهُ) عنها تنزيها. قال النووي: هذا نهي تنزيه؛ للارتفاع عن دنيء الاكتساب،
وللحث على مكارم الأخلاق ومعالى الأمور، ولو كان حرامًا لم يفرق فيه بين الحر
والعبد، فإنه لا يجوز للسيد أن يطعم عبده ما لا يحل، وبهذا قال جماهير العلماء.
(فَلَمْ يَزَلْ يَسْتَأْذِنُهُ) أي: في أن يرخص له في الانتفاع بكسب غلامه؛ لاحتياجه
إلى ذلك، قيل: وكان لكثير من الصحابة أرقاء وإنهم كانوا يأكلون من خراجهم
فلما سمع محيصة نهيه عن ذلك وشق ذلك عليه لاحتياجه إلى أكل أجرة الحجام
تقرر في أن يرخص له في ذلك. (حَتَّى قَالَ) وَِّ (اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ) بهمزة وصل
وكسر اللام، وقيل: بفتح همزة القطع، أي: اجعله علفا له. قال في ((القاموس)):
العلف كالضرب، الشرب الكثير وإطعام الدابة كالإعلاف. والناضح: هو الجمل
والبقرة التي يحمل عليها الماء لأجل سقي الزرع. وفي بعض نسخ ((الموطأ)):
(نُضَّاحَك)) بضم النون وتشديد الضاد جمع ناضح (وَأَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ) أي: عبيدك
وإماءك وإنما قال ذلك لخِسَّة كسب الحجام ودناءته فلا يليق بالحر أن يأكل منه.
قال الخطابي: حديث محيصة يدل على أن أجرة الحجام ليست بحرام وأن خبئها
من قبل دناءة مخرجها. وقال ابن عباس: احتجم رسول الله وَل وأعطى الحجام
أجره، ولو علمه محرمًا لم يعطه، وقوله: ((اعلفه ناضحك ورقيقك)) يدل على
صحة ما قلناه، وذلك أنه لا يجوز له أن يطعم رقيقه إلا من ما لقد ثبت له ملكه، وإذا
ثبت له ملكه فقد ثبت أنه مباح، وإنما وجهه التنزيه عن الكسب الدنيء والترغيب
في تطهير الطعم والإرشاد فيها إلى ما هو أطيب وأحسن، وبعض الكسب أعلى
وأفضل وبعضه أدنى وأوكح. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن كسب الحجام إن
كان حرًّا فهو محرم. واحتج بهذا الحديث وبقوله بَّ: ((إنه خبيث))، وهذا القائل
يذهب في التفريق بينهما مذهبا ليس له معنى صحيح، وكل شيء حَلَّ من المال

٢٨٣
كِتّابُ البُيُوعِ
بَابَ الْكِسْبِ وَطلبِ الْحَلَالِ
SE
للعبيد حل للأحرار، والعبد لا ملك له، ويده يد سيده وكسبه كسبه. وإنما وجه
الحديث ما ذكرته وإن الخبيث معناه الدنيء، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ
تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: الآية ٢٦٧] أي: الدون. انتهى. قلت: أراد ببعض أهل العلم الإمام
أحمد كما تقدم، فإنه حمل النهي عن كسب الحجام على التحريم، وقوله:
(خبيث)) على ظاهره. واستدل للفرق بين الحر والعبد في ذلك بحديث محيصة
فقال: لا يحل إلا للعبد ونحوه. قال السندي في ((حاشية ابن ماجه)): وبه يحصل
التوفيق بين أحاديث الباب، ويصير كل حديث معمولا به في مورده؛ لأن الذي
حَجَم النبيِ نَّه وأعطاه النبي ◌َّ أجره كان عبدًا اسمه أبو طيبة، والفرق قد جاء في
حديث محيصة، وبه يحصل التوفيق بين الأحاديث - والله تعالى أعلم.
(رَوَاهُ مَالِك) في كتاب ((الجامع من الموطأ)) عن ابن شهاب عن ابن محيصة
الأنصاري أحد بني حارثة أنه استأذن إلخ (وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) في البيوع من طريق
مالك عن ابن شهاب عن ابن محيصة عن أبيه أنه استأذن (وَابْنُ مَاجَهْ) في التجارات
من طريق ابن أبي ذئب عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه، أنه استأذن.
والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج ٥ ص ٤٣٥، ٤٣٦) والشافعي والحميدي (ج ٢
ص ٣٨٧) وابن الجارود (ص ٢٠١) والبغوي (ج ٨ ص ١٨) وابن أبي شيبة (ج ٦
ص ٢٦٥) وابن حبان. وقد سكت عنه أبو داود وقال الترمذي: حديث محيصة
حسن، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. وقال الحافظ في ((الفتح)) بعد عزوه
إلى مالك وأحمد وأصحاب السنن: رجاله ثقات. وقال الهيثمي: رجال أحمد
رجال الصحيح. وفي الباب عن جابر، أن النبي ◌َّ سئل عن كسب الحجام، فقال
((اعلفه ناضحك)) ذكره الهيثمي (ج ٤ ص ٩٣) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى ورجال
أحمد رجال الصحيح. وعن رافع بن رفاعة قال: نهانا نبي الله وَّل عن كسب
الحجام، وأمرنا أن نطعمه نواضحنا ونهانا عن كسب الإماء إلا ما عملت بيدها.
الحديث. ذكره الحافظ في ((الإصابة)) في ترجمة رافع بن رفاعة الأنصاري، فقال:
روى حديثه أحمد وأبو داود من طريق عكرمة بن عمار عن طارق بن عبد الرحمن،
قال: جاء رافع بن رفاعة، فذكر الحديث كما هنا. وقال في ((التقريب)): رافع بن
رفاعة صحابي له حديث في كسب الأمة، ويقال: إنه تابعي، وحديثه مرسل،
وقيل: هو رافع بن خديج.

٢٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تنبيه:
حديث محيصة بن مسعود في السؤال عن كسب الحجام والأمر بإطعامه الرقيق
والنواضح له ثلاثة طرق: الأولى: طريق ابن شهاب وهو في ((الموطأ)) و((السنن
الثلاثة)) و((مسند الإمام أحمد)) والشافعي والحميدي و((المنتقى)) لابن الجارود
و((شرح السنة)) للبغوي والمصنف لابن أبي شيبة. والثانية: طريق محمد بن سهل
ابن أبي حثمة، وقد رواه عن محيصة بن مسعود وهي عند أحمد (ج ٥ ص ٤٣٤)
والثالثة: طريق محمد بن أيوب قال: إن رجلا من الأنصار حدثه، يقال له: محيصة
كان له غلام حجام إلخ، وهي عند أحمد أيضا (ج ٥ ص ٤٣٦) والطبراني في
الأوسط، أما طريق ابن شهاب فاختلف عليه أصحابه. فقال ابن أبي ذئب: عنه عن
حرام بن محيصة عن أبيه أنه استأذن النبي وَ لّ وهي عند أحمد (ج ٥ ص ٤٣٦) وابن
ماجه، ووافقه على ذلك معمر عند الزهري عن أحمد أيضا وابن الجارود (ص
٢٠١) ونسب فيه حرام إلى جده محيصة، وهذه الرواية منقطعة.
وقال سفيان بن عيينة: عن الزهري عن حرام بن سعد بن محيصة أن محيصة سأل
النبي ◌َّ وهي منقطعة أيضًا كرواية ابن أبي ذئب ومعمر، وهذه الرواية أيضًا عند
أحمد والشافعي، وقال سفيان في رواية الحميدي (ج ٢ ص ٣٨٧) عن الزهري عن
حرام بن سعد: أراه قد ذكر عن أبيه أن محيصة سأل، وهي عند الشافعي أيضًا، لكن
بالجزم في قوله عن أبيه. ورواه مالك عن الزهري فاختلف عليه فيه، فقال يحيى في
روايته: عنه عن الزهري عن ابن محيصة الأنصاري، أنه استأذن رسول الله وَله،
والمراد بالابن حرام بن سعد بن محيصة.
قال الزرقاني: قال ابن عبد البر: كذا رواه يحيى وابن القاسم، وهو غلط لا
إشكال فيه على أحد من العلماء، وليس لسعد بن محيصة صحبة، فكيف لابنه
حرام، ولا خلاف أن الذي روى عنه الزهري هذا الحديث هو حرام بن سعد بن
محيصة، ورواه ابن وهب ومطرف وابن نافع والقعنبي، والأكثر عن مالك عن ابن
شهاب عن ابن محيصة، عن أبيه، وهو مع ذلك مرسل، وتابعه في قوله عن أبيه
يونس ومعمر وابن أبي ذئب وابن عيينة ولم يتصل عن الزهري إلا من رواية محمد
ابن إسحاق عنه عن حرام بن سعد بن محيصة عن أبيه عن جده، أنه استأذن

٢٨٥
كِتَابَ البُيُوعِ
بَابُ الْكَسْبِ وَطَلبِ الْحَلَالِ
النبي ◌َ له. انتهى. وقال الحافظ في ((الأبناء من التهذيب)): ابن محيصة هو حرام
ابن سعد. وقال في ((الأسماء)) ورقم عليه للأربعة: حرام بن سعد بن محيصة بن
مسعود بن كعب الأنصاري أبو سعد، ويقال: أبو سعيد المدني، وقد ينسب إلى
جده، ويقال: حرام بن ساعدة، روى عن جده محيصة، والبراء بن عازب روى عن
الزهري على اختلاف عنه فيه، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث توفي بالمدينة
سنة (١١٣ هـ) وهو ابن (٧٠) سنة. ذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال: لم يسمع من
البراء. انتهى. ولم يذكر الحافظ في ((الإصابة)) ابن محيصة ولا حرامًا في قسم من
الأقسام الأربعة، وذكر في القسم الأول وهو في من وردت صحبته بطريق الرواية
عنه أو عن غيره أو وقع ذكره بما يدل على الصحبة بأي طريق كان سعد بن محيصة،
فقال سعد بن محيصة بن مسعود بن كعب الأنصاري الأوسي.
قال البغوي: ذکره محمد بن إسماعيل في الصحابة ولم أجد له حدیثًا، وروی
عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن حرام بن سعد بن محيصة عن أبيه أن ناقة
البراء بن عازب دخلت حائط قوم فأفسدت. الحديث اختلف فيه على الزهري
اختلافًا كثيرًا، وقال الذهلي وأبو داود في ((التفرد)): لم يتابع عبد الرزاق على قوله:
عن أبيه وقد وراه مالك وإلياس عن الزهري عن حرام بن سعد مرسلًا، وقال ابن
عبد البرفي ((التمهيد)): ليست له صحبة. وإنما روايته عن أبيه، وروى ابن أبي شيبة
عن ابن عيينة عن الزهري عن حرام بن سعد عن أبيه أن محيصة سأل النبي وَل عن
كسب الحجام ... الحديث.
وقال الذهلي: رواه مالك وغيره عن الزهري عن ابن محيصة عن أبيه، وقول من
قال: عن حرام عن أبيه هو المحفوظ. انتهى ما في ((الإصابة)). قلت: وقع في
(المصنف)) لابن أبي شيبة المطبوع (ج ٦ ص ٢٦٥) حدثنا ابن عيينة عن الزهري عن
حرام بن سعد بن محيصة، أن أباه سأل النبي ◌ّيّ إلخ، وهذا كما ترى ليس فيه أن
محيصة سأل النبي وَ ل﴿ وقال قتيبة: عن مالك عن ابن شهاب عن ابن محيصة عن أبيه
أنه استأذن وهي عند الترمذي، وكذا قال القعنبي عن مالك عن أبي داود وإسحاق
ابن عیسی عنه عند أحمد (ج ٥ ص ٤٣٥). ورواه محمد بن إسحاق عن الزهري،
فقال: عنه عن حرام بن سعد بن محيصة عن أبيه عن جده، وهذه الرواية عند أحمد
(ج ٥ ص ٤٣٦) وهي الصواب، وقد تقدم عن ابن عبد البر، أنه قال: لم يتصل عن

SCH
٢٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
***
الزهري إلا من رواية محمد بن إسحاق عنه عن حرام بن سعد بن محيصة عن أبيه
عن جده، أنه استأذن النبي ◌َّر، قلت: واتصل أيضًا من رواية ابن عيينة عند
الحميدي والشافعي، كما مر.
٢٨٠٤ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ عَنْ ثُمَنِ
الكَلْبِ، وَكَسْبِ الزَّمَّارَةِ»
[رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ]
الشرح
٢٨٠٤ - قوله: (وَكَسْبِ الزَّمَّارَةِ) بفتح الزاي وتشديد الميم، أي: الزانية إما
من زمرت فلانا بكذا، أي: أغريته؛ لأنها تغري الرجال على الفاحشة، وتولعهم
بالإِقدام عليها، أو من زمرت القرب أي: ملأتها، فالزانية تملأ رحمها بنطف
شتى. أو لأنها تباشر زُمَرًا من الناس، كذا نقله ميرك عن زين العرب، وبهذا يندفع
ما قال أبو عبيدة: تفسيره في الحديث أنها الزانية ولم أسمع هذا الحرف إلا فيه،
ولا أدري من أي شيء أخذ، وقد نقل الهروي عن الأزهري أنه قال: يحتمل أن
يكون نهي عن كسب المرأة المغنية، يقال: غناء زمير، أي: حسن، ويقال: زمر
أي غنى، وزمر الرجل إذا زمر المزمار؛ فهو زمار. ويقال للمرأة: زامرة، قال
الطيبي: ويحتمل أن يكون تسمية الزانية زمارة؛ لأن الغالب على الزواني التي
اشتهرن بذلك العمل الفاحش واتخذته حرفة كونهن مغنيات، وذهب بعضهم إلى
أن الصواب فيه تقديم الراء المهملة على الزاي، وهي التي تؤمي بشفتيها وعينيها
من الرمز وهو الإيماء بالشفتين والعينين، والزواني يفعلن ذلك. قال الشاعر:
رمزت إليَّ مخافة من بعلها من غير أن يبدو هناك كلامها
قال البغوي: بعد ذكر هذا الاحتمال من الأزهري والأصح تقديم الزاي (رَوَاهُ)
أي: البغوي صاحب ((المصابيح)) (فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ))) (ج ٨ ص ٢٣) قال: أخبرنا
عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد القفالَ، أنا أبو منصور أحمد بن الفضل
(٢٨٠٤) أخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (٢٠٣٨).

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْكَسْبٍ وَطَلَبِ الْحَلَالِ
٢٨٧
البَرْوَنْجِرْدِي نا أبو أحمد بكر بن محمد حمدان الصيرفي، نا محمد بن غالب
التمام، نا خالد بن أبي يزيد، نا حماد بن يزيد عن هشام بن حسان عن محمد بن
سيرين عن أبي هريرة، وأخرجه أيضا البيهقي (ج ٦ ص ١٢٦) من حديث أبي معمر
عن عبد الوارث عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة، وأصله في
الصحيحين من حديث أبي مسعود بلفظ: ((نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي)) وقد
تقدم في الفصل الأول.
٢٨٠٥ - [٢٢] وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ إِ: ((لَا تَبِيعُوا
القَيْنَاتِ، وَلَا تَشْتَرُوهُنَّ، وَلَا تُعَلَّمُوهُنَّ، وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ، وفِي مِثْلِ هَذَا أُنْزِلَّتْ:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اُلْحَدِيثِ﴾ [لقمان: الآية ٦]).
[ْرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَه. وَقَالَ التِّْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَعَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ الرَّاوي
يُضَغَفُ فِيَ الحَدِيثِ]
وَسَتَذْكُرُ حَدِيثُ جَابٍ: نَهَى عَنْ أَكْلِ الهِرِّ فِي بِابٍ ((مَا يَحِلَّ أَكْلُهُ)) إِنْ شَاءَ
اللَّه تَعَالَى.
الشرح
٢٨٠٥ - قوله: (لَا تَبِيعُوا القَيْنَاتِ) بفتح القاف وسكون التحتية. قال في
((الصحاح)): القين: الأمة، مغنية كانت أو غيرها. قال التوربشتي: وفي الحديث
يراد بها المغنية؛ لأنها إذا لم تكن مغنية، فلا وجه للنهي عن بيعها وشرائها. انتهى،
وفي رواية لأحمد: ((لَا يَحِلَّ بَيْعُ المُغَنَِّاتِ)) وعند ابن ماجه نهى رسول الله وَّل عن
بيع المغنيات. قال السندي: أي: الجواري التي عادتهن الغناء، وفي رواية أخرى
لأَحمد: ((إِنَّ اللَّهَ رَكْ بَعَثَنِي رَحْمَةً وهُدَّى لِلْعَالَمِينَ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَمْحَقَ المَزَامِيرَ
وَالْكَفَّارَاتِ - يَعْنِي الْبَرَابِطَ والمَعَازِفَ وَالأَوْثَانَ الَّتِي كَانَتْ تُعْبَدُ فِي الجَاهِلِيَّةِ - وَلَا
يَحِلُّ بَيْعُهُنَّ وَلَا شِرَاؤُهُنَّ وَلَا تَعْلِيمُهُنَّ وَلَا تِجَارَةٌ فِيهِنَّ، وَأَثْمَانُهُنَّ حَرَامٌ - يعني :
المغنيات)). وفي رواية: ((الضاربات)) (وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ) أي: الغناء فإنها رقية الزنا
(٢٨٠٥) أخرجه أحمد (٢٥٢/٥)، والترمذي (٣١٩٥)، وابن ماجه (٢١٦٨).

٢٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ee
*
(وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ) وفي رواية لأحمد: ((وَأَكْلُ أَثْمَانِهِنَّ حَرَامٌ)) يعني: ثمن العين وهو ما
يتقاضاه عند البيع، وكذا ما يتقاضاه من كسبهن بالغناء لأنه جاء عند ابن ماجه بزيادة
النهي عن كسبهن. قال السندي: المراد النهي عما یکسبن بالغناء، وحديث الباب
إن صح يفيد أن كل ذلك حرام لقوله في أول الحديث عند أحمد لا يحل، وقال
القاضي: النهي مقصور على البيع والشراء لأجل التغني، وحرمة ثمنها دليل على
فساد بيعها، والجمهور صححوا بيعها، والحديث مع ما فيه من الضعف للطعن في
رواته مؤول بأن أخذ الثمن عليهن حرام كأخذ ثمن العنب من النباذ؛ لأنه إعانة
وتوصل إلى حصول محرم لا لأن البيع غير صحيح. وارجع لمزيد الكلام في ذلك
إلى ((شرح ابن رجب الأربعين النووي)) (ص ٣٠٢).
(وفِي مِثْلِ هَذَا) أي: الشراء لأجل الغناء (أَنْزِلَتْ)، وفي بعض النسخ ((نَزَلَتْ))
(﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى﴾ الآية [لقمان: الآية ٦]) من سورة لقمان: و((من)) إما موصولة أو
موصوفة ومفرد لفظًا جمع معنى، وروعي لفظها أولًا في ثلاثة ضمائر: يشتري
ويضل ويتخذ، وروعي معناها ثانيًا في موضعين: وهما أولئك لهم، ثم رجع إلى
مراعاة اللفظ في خمسة ضمائر وهي إذا تتلى عليه ... إلخ. (لَهْوَ الحَدِيثِ) هو كل
ما يلهي ويشغل عن الخير من الغناء والملاهي، والأحاديث المكذوبة،
والأضاحيك. والسمر بالأساطير التي لا أصل لها والخرافات والقصص المختلفة.
والمعازف: المزامير وكل ما هو منكر. والإضافة بيانية، أي: اللهو من الحديث؛
لأن اللهو يكون حديثًا وغيره فهو كثوب خز، وهذا أبلغ من حذف المضاف وقيل:
المراد: شراء القينات المغنيات والمغنين، فيكون التقدير: من يشتري لهو
الحديث .
قال الحسن: لهو الحديث: المعازف والغناء، وروى عنه أنه قال: هو الكفر
والشرك. قال القرطبي: إن أولى ما قيل في هذا الباب هو تفسير لهو الحديث
بالغناء. قال: وهو قول الصحابة والتابعين. قلت: ويؤيده حديث أمامة الذي نحن
في شرحه، وروى ابن جرير وابن أبي شيبة والحاكم والبيهقي أن عبد الله بن
مسعود سئل عن قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: الآية ٦] قال:
الغناء، والذي لا إله غيره، وكذا قال ابن عباس وجابر وعكرمة وسعيد بن جبير
ومجاهد ومكحول وغيرهم، وبعده: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحَجَّ: الآية ٩] ((واللام)) فيه

٢٨٩
كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْكِسْبٍ وَطَلَبِ الْحَلَالِ
للتعليل، أي: ليضل غيره عن طريق الهدي ومنهج الحق، وإذا أضل غيره فقد ضل
في نفسه، وأفاد هذا التعليل أنه إنما يستحق الذم من اشترى لهو الحديث لهذا
المقصد، ويؤيد هذا سبب النزول، قال ابن عباس: سبيل الله قراءة القرآن
وذكر الله، وقيل: الدين كله، نزلت الآية في النضر بن الحارث اشترى كتب
الأعاجم وكان يحدث بها قريشًا ويقول: إن كان محمد يحدثكم بحديث عاد وثمود
فأنا أحدثكم بحديث رستم وإسفنديار والأكاسرة، وكان يكذب القرآن. وقيل:
كان يشتري القينات ويحملهن على معاشرة من أراد الإسلام ومنعه عنه. قال
الطبري: قد أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء والمنع منه، وإنما فارق
الجماعة إبراهيم بن سعد وعبد الله العنبري.
وقال الشوكاني: في ((نيل الأوطار)) بعد ذكر الاختلاف فيه مع الأدلة: لا يخفى
على الناظر أن محل النزاع إذا خرج عن دائرة الحرام لم يخرج عن دائرة الاشتباه،
والمؤمنون وقافون عند الشبهات، کما صرح به الحديث الصحيح، ومن تركها فقد
استبرأ لعرضه ودينه، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ولاسيما إذا كان
مشتملا على ذكر القدود والخدود والجمال والدلال والهجر والوصال ومعاقرة
العقار وخلع العذار والوقار، فإن سامع ما كان كذلك لا يخلو عن بلية، وإن كان
من التصلب في ذات الله على حد يقصر عنه الوصف، وكم لهذه الوسيلة الشيطانية
من قتيل دمه مطلول وأسير بهموم غرامه وهيامه مكبول، نسأل الله السداد
والثبات. وقال في ((فتح القدير)): قد جمعت رسالة مشتملة على أقوال أهل العلم
في الغناء وما استدل به المحللون له والمحرمون له، وحققت هذا المقام بما لا
يحتاج من نظر فيها وتدبر معانيها إلى النظر في غيرها وسميتها ((إبطال دعوى
الإجماع على تحريم مطلق السماع)). قلت: وللعلامة البوفالي أيضًا كلام بسيط في
مسألة السماع وجواز الغناء وعدم جوازه ذكره في كتاب ((هداية السائل)) (ص ١٠٥
إلى ١١٤) وفي ((دليل الطالب)) (ص ٥٤١ إلى ٥٥٨) وهكذا بسط الكلام في حكم
الغناء والسماع العلامة الآلوسي في ((روح المعاني)) (ج ٢١ ص ٦٧ إلى ٧٤) وقد
تقدم شيء من الكلام في مسألة الغناء في باب صلاة العيدين. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٥
ص ٢٥٢، ٢٥٧، ٢٦٤، ٢٦٨) (وَالتِّرْمِذِيُّ) في البيوع وفي تفسير سورة لقمان
(وَابْنُ مَاجَهْ) في التجارات واللفظ المذكور للترمذي، وأخرجه أيضا سعيد بن

٢٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
منصور وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن
مردويه والبيهقي (ج ٦ ص ١٤ ، ١٥) وفي إسناده عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد
عن القاسم بن عبد الرحمن. قال الشوكاني: وفیھم ضعف. وقال ابن کثیر بعد ذکر
كلام الترمذي الآتي: قلت: علي وشيخه الراوي عنه كلهم ضعفاء. (وَعَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ
الرَّاوي يُضَعَّفُ) بالتشديد أي: الضعف (فِي الحَدِيثِ) أي: في روايته. وكلام
الترمذي هذا إنما هو في تفسير سورة لقمان. وقال في البيوع بعد رواية الحديث ما
لفظه: حديث أبي أمامة إنما نعرف مثل هذا الوجه، وقد تكلم بعض أهل العلم في
علي بن يزيد وضعفه. انتهى. قلت: قد اتفقوا على تضعيف على بن يزيد هذا. قال
الحافظ في ((التقريب)): علي بن يزيد بن أبي زياد الألهاني الدمشقي صاحب القاسم
ابن عبد الرحمن ضعيف. وقال الذهبي في ((الميزان)): قال البخاري: منكر
الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال
الدارقطني: متروك. وفي الباب عن عائشة عند ابن أبي الدنيا في (ذم الملاهي))
وابن مردويه ذكره الشوكاني في ((فتح القدير)).
(وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ جَابِرٍ) أي: الذي ذكره صاحب ((المصابيح)) في هذا الباب وهو
(نَهَى عَنْ أَكْلِ الهِرِّ فِي بِابِ ((مَا يَحِلَّ أَكْلُهُ)))؛ لأنه أنسب له معنى.
الفصل الثالث
٢٨٠٦ - [٢٣] عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((طَلَبُ كَسْبٍ
[رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ في ((شُعَبِ الإِيمَانِ))]
الْحَلَاَلِ فَرِيضَةٌ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ»
الشرح
٢٨٠٦ - قوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) أي: ابن مسعود كما في بعض النسخ (طَلَبُ
كَسْبِ الْحَلَالِ) المراد بالحلال: ما لم تعلم حرمته ولم يغلب على الظن حرمته
(٢٨٠٦) أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٨٣٦٧).

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْكَشْبِ وَطلبِ الْحَلَالِ
٢٩١
ROXOSE
لقرينة كقرينة النهب ونحوه. وقال القاري: المراد بالحلال غير الحرام المتيقن
ليشمل المشتبه لما مر في الأحاديث أن التنزه عن المشتبه احتياط لا فرض (فَرِيضَةٌ)
أي: على من احتاج إليه بنفسه، لمن يلزم مؤنته. قال القاري: هذه الفريضة لا
يخاطب بها كل أحد بعينه؛ لأن كثيرًا من الناس تجب نفقته على غيره، وقوله : (بَعْدَ
الْفَرِيضَةِ) كناية عن أن فرضية طلب كسب الحلال لا تكون في مرتبة فرضية الصلاة
والصوم والحج وغيرها، فالمعنى: أنه فريضة بعد الفريضة العامة الوجوب على
كل مكلف بعينه، وقيل: معناه: أنه فريضة متعاقبة يتلو بعضها البعض لا غاية لها،
إذ كسب الحلال أصل الورع وأساس التقوى. انتهى. وقال العزيزي: فريضة بعد
الفريضة أي: بعد الإيمان والصلاة أو بعد جميع ما فرض الله، فطلب ما يحتاجه
لنفسه وعياله واجب دون ما زاد على الكفاية. وقال المناوي: بعد الفريضة، أي :
بعد المكتوبات الخمس، كما أشار إليه الغزالي أو بعد أركان الإسلام الخمسة
المعروفة عند أهل الشرع، أو المراد فريضة متعاقبة يتلو بعضها البعض، أي: لا
غاية ولا نهاية؛ لأن طلب كسب الحلال أصل الورع وأساس التقوى.
(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ))) وكذا في ((السنن الكبرى)) (ج ٦ ص ١٢٨)
وقال عقب روايته: تفرد به عباد بن كثير الرملي: وهو ضعيف. وقال الذهبي في
((الميزان)): قال البخاري: فيه نظر. وقال أبو حاتم وأبو زرعة: ضعيف الحديث.
وقال الحاكم: روى عن الثوري أحاديث موضوعة، وهو صاحب حديث: ((طَلَبُ
الحَلَالِ فَرِيضَةٌ بَعْدَ الفَرِيضَةِ)). وقال ابن حبان: هو عندي لا شيء. والحديث
أخرجه أيضا الطبراني والديلمي، قال الهيثمي بعد عزوه للطبراني: وفيه عباد بن
كثير وهو متروك، وذكره المنذري في ((الترغيب))، وعزاه للطبراني والبيهقي
وصدره بلفظة: ((روي)) وأهمل الكلام عليه في آخره، وفي الباب عن أنس بلفظ:
((طَلَبُ الحَلَالِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِم))، أخرجه الطبراني والديلمي. قال المنذري
بعد عزوه للطبراني في ((الأوسط»: إسناده حسن إن شاء الله. وذكره الهيثمي في
((مجمع الزوائد)) (ج ١٠ ص ٢٩١) وقال: رواه الطبراني في ((الأوسط)) وإسناده
حسن. قال المناوي في شرح حديث أنس: يحتمل أن المراد طلب معرفة الحلال
من الحرام والتمييز بينهما في الأحكام وهو علم الفقه، ويحتمل أن المراد طلب
الكسب الحلال للقيام بمؤنة من تلزمه مؤنته، والاجتهاد في المباعدة عن الحرام

٢٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والقنع بالحلال، فإنه ممكن بل سهل، فإذا قنعت في السنة بقميص خشن وفي
اليوم بخبز الخشكار - بضم الخاء المعجمة، فارسية بمعنى: الدقيق الغير المنخول
- وتركت التلذذ بأطايب الأدم لم يعوزك من الحلال ما يكفيك، فالحلال كثير
وليس عليك أن تتيقن باطن الأمور بل أن تحترز مما تعلم أنه حرام، وتظن أنه
حرام، وتظن أنه حرام ظنًّا مع ما حصل من علامة ناجزة مقرونًا بالمال؛ ذكره
الغزالي.
٢٨٠٧ - [٢٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أُجْرَةِ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ.
فَقَالَ: لَا بَأْسَ، إِنَّمَا هُمْ مُصَوِّرُونَ، وَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ مِنْ عَمَلِ أَيْدِيهِمْ.
[رَوَاهُ رَزِينٌ]
الشرح
٢٨٠٧ - قوله: (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، أَنَّ سُئِلَ عَنْ أُجْرَةِ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ) أي: عن
أخذها مع كون القرآن صفة الله القدِّم (فَقَالَ: لَا بَأْسَ) لأن القرآن كما يطلق كما
يطلق على تلك الصفة يطلق على ما بين الدفتين من النقوش، فهم إنما يأخذون
الأجرة في مقابلة تلك النقوش الدالة على تلك الصفة، ولذا قال: (إِنَّمَا هُمْ
مُصَوِّرُونَ) أي: ينقشون صور الحروف. قال الطيبي: الصورة، الهيئة والنقش،
والمراد هاهنا النقش، وفي ((إنما)) إشعار بالمجموع؛ لأنه أثبت النقش ونفى
المنقوش. والقرآن لما كان عبارة عن المجموع من القراءة والمقروء أو الكتاب
والمكتوب، فالمكتوب والمقروء هو القديم. والكتابة والقراءة ليستا من القديم؛
لأنهما من أفعال القارئ والكاتب؛ فلما نظر السائل إلى معنى المقروء والمكتوب،
وأنهما من صفات القديم عظم شأنه بأن يأخذ الأجرة، وحين نظر ابن عباس إلى أن
الكتابة والقراءة من صفات الإنسان جوزها.
(وَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ مِنْ عَمَلِ أَيْدِيهِمْ) اختلف العلماء في بيع المصاحف وشرائها
فكره بيعها ابن عمرو وأبو موسى وابن مسعود وسعيد بن جبير وإسحاق وشريح
(٢٨٠٧) لم أقف عليه، وقد أخرجه أبو داود في ((المصاحف)) (٣٩٦/١) بلفظ مختلف.

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْكِسْبِ وَطَلَبِ الْحَلَالِ
٢٩٣
ومسروق والشافعي. وكره بيعها أحمد ورخص في شرائها. وقال: الشراء أهون،
وبه قال ابن المسيب، قال الشافعي: لا يرى العراقيون بأسًا ببيعها وشرائها، ومن
الناس من لا يرى بشرائها بأسًّا، ونحن نكره بيعها. قال البيهقي: وهذه الكراهة
على وجه التنزيه؛ تعظيمًا للمصحف عن أن يبتذل بالبيع أو يجعل متجرًا. ورخص
في بيعها وشرائها ابن عباس والحسن والشعبي وعكرمة وجابر بن زيد ومالك وأبو
حنيفة. قالوا: إن البيع يقع على الجلد والورق، وبيع ذلك مباح. وقال الطحاوي:
لو باعه دراهم عليها شيء من القرآن؛ جاز، فكذا جاز فكذا المصاحف؛ إذ كل
القرآن وبعضه سواء كما في قراءة الجنب. انتهى. واستدل لذلك أيضا بأن فيه
معاونة على نشر كتاب الله وتيسير النفع به .
(رَوَاهُ رَزِينٌ) أي: ذكره في ((جامعه)) ولا يوجد في شيء من أصوله ولا يعلم حال
إسناده، وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن ابن عباس أنه سئل عن بيع
المصاحف فقال: لا بأس، إنما يأخذون أجور أيديهم. وروى البيهقي عن زياد -
مولى لسعد - أنه سأل عبد الله بن عباس ومروان بن الحكم عن بيع المصاحف
لتجارة فيها؟ فقالا: لا نرى أن تجعله متجرًا، ولكن ما عملت بیدیك فلا بأس به .
٢٨٠٨ - [٢٥] وعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ
الْكَسْبِ أَطْيَبُ؟ قَالَ: ((عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَّكُلَّ بَيْعِ مَبْرُورٍ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ]
الشرح
٢٨٠٨ - قوله: (رَافِعِ بْنِ خَدِيج) بفتح أوله وكسر المهملة (أَيُّ الْكَسْبِ) أي:
أنواع الاكتساب وطرقه. قال ابنَّ الأثير: الكسب: السعي في طلب الرزق
والمعيشة .
(أَطْيَبُ) أي: أحل وأفضل (عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ) أي: من زراعة أو تجارة أو كتابة
أو صناعة أو نحو ذلك من الحرف الجائزة غير الدنيئة التي لا تليق به، قيل: وذكر
(٢٨٠٨) أخرجه أحمد (١٤١/٤)، والحاكم (٢١٦٠).

٢٩٤
*cese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
اليد بعد العمل من قبيل قولهم: رأيت بعيني وأخذت بيدي، والمقصود منه تحقيق
العمل وتقريره، والتكسب بالعمل سنة الأنبياء، كان داود ظلَّلا يعمل الزرد فيبيعه
لقوته، كما تقدم (وَكُلِّ بَيْعِ مَبْرُورٍ) بالجر صفة لبيع، وكل عطف على عمل،
والمراد بالمبرور أن يكون مَّقبولا عند الله بأن يكون مثابًا به، أو في الشرع بأن لا
يكون فاسدًا ولا غش فيه ولا خيانة، وذلك لما فيه من إيصال النفع إلى الناس بتهيئة
ما يحتاجونه، ونبه بالبيع على بقية العقود المقصود بها التجارة. قال ابن الجوزي:
البيع المبرور الذي لا شبهة فيه ولا خيانة، وقيل: هو ما خلص عن اليمين الفاجرة
لتنفيق السلعة، وعن الغش في المعاملة. والحديث دليل على تقرير ما جبلت عليه
الطبائع من طلب المكاسب، وإنما سئل النبي وقّ عن أطيبها أي: أحلها وأبركها،
قيل: وتقديم عمل اليد على البيع المبرور دال على أنه الأفضل، ويدل له حديث
المقدام أول حديث الباب، وللعلماء خلاف في أفضل المكاسب، وقد ذكرنا أن
أصول المكاسب ثلاثة: زراعة وصناعة وتجارة، والحديث يقتضي تساوي
الصناعة باليد والتجارة وفضل بعضهم التجارة، ومال الماوردي إلى أن الزراعة
أطيب الكل، والأصح عند النووي كما سبق أن العمل باليد أفضل، قال: فإن كان
زراعًا بيده فهو أطيب مطلقًا لجمعه بين هذه الفضيلة وفضيلة الزراعة، وقد تقدم
الكلام في ذلك مفصلًا في شرح حديث المقدام بن معديكرب.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٤ ص ١٤١) وأخرجه أيضًا الشافعي والبزار والطبراني في
((الكبير)) و((الأوسط))، والحاكم (ج ٢ ص ١٠) وفي إسناده عندهم عبد الرحمن بن
عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي المسعودي، قال في ((التقريب)): صدوق اختلط
قبل موته، وضابطه أنه سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط. وقال المنذري بعد عزوه
لأحمد والبزار: رجال إسناده رجال الصحيح خلا المسعودي، فإنه اختلط،
واختلف في الاحتجاج به، ولا بأس به في المتابعات. انتهى. وقال الهيثمي: فيه
المسعودي وهو ثقة ولكنه اختلط، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح.

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْكَسْبِ وَطَلَبِ الْحَلَالِ
٢٩٥
٢٨٠٩ - [٢٦] وعن أَبي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: كَانَتْ لِمِقْدَام بْنِ
مَعْدِي كَرِبَ، جَارِيَةٌ تَبِيعُ اللَّبَنَ، وَيَقْبِضُ الْمِقْدَامُ الثَّمَنَ، فَقِيلَ لَّهُ: سُبْحَانَ
اللهِ! أَتَبِعُ اللَّبَنَ وَتَقْبِضُ الثَّمَنَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَا بَأْسٌ بِذَلِكَ، سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَ لّه يَقُولُ: (لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَنْفَعُ فِيهِ إِلَّ الدِّينَارُ
وَالدِّرْهَمُ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ]
الشرح
٢٨٠٩ - قوله: (وَعَن أَبِي بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو أبو بكر بن عبد الله بن أبي
مريم الغساني الشامي، نسب هنا إلى جده، قيل: اسمه بكير، وقيل: عبد السلام،
وقيل: عمرو، وقيل: عامر، قال الحافظ: ضعيف، وقد كان سرق بيته فاختلط
فمات سنة ست وخمسين ومائتين (كَانَتْ لِمِقْدَام بْنِ مَعْدِي كَرِبَ) أي مملوكة
(ثمنه) في المسند (ج ٤ ص ١٣٣): ((الثمن)).
(فَقِيلَ لَّهُ: سُبْحَانَ اللهِ) تعجبا وتنزيها (أَتَبِيعُ) أي: الجارية (اللَّبَنَ) بحضرتك
وأنت واقف عندها كالحارس له (وَتَقْبِضُ) أي: أنت (الثَّمَنَ) وهذا لا يليق بمثلك.
قال في ((اللمعات)): قوله: ((أتبيع اللبن)) خطاب للمقدام، وإسناد البيع إليه على
سبيل المجاز باعتبار إذنه ورضاه به وقبض ثمنه، أو هو مسند إلى الجارية على
الحقيقة، أي: تفعل الجارية ذلك الفعل الدنيء وترضى به أنت وتقبض ثمنه،
ولعل الإنكار باعتبار أن اللبن معد للخير فينبغي أن يتصدق به دون أن يباع.
وقال الطيبي: يجوز أن يكون ((تبيع)) مسندًا إلى الجارية على الحقيقة، أنكر بيع
الجارية وقبض المقدام ثمنه، فالإنكار متوجه إلى معنى الدناءة، أي: ترتضي بفعل
الجارية الدنيئة شيئًا دنيئًا فتقبضه، وأن يكون مسندًا إلى المقدام على المجاز،
فالإنكار متوجه إلى البيع والقبض.
(فَقَالَ: نَعَمْ) أي: الأمر كذلك (وَمَا بَأْسٌ) أي: ليس بأس (بِذَلِكَ) لأن الله تعالى
(٢٨٠٩) أخرجه أحمد (١٣٣/٤).

٢٩٦
*eeee
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
أحل البيع وحث على الكسب الحلال ولو في جهة وضيعة ضئيلة ليستغني به عن
الحرام مهما عظم. وقال القاري: أي: ليس بأس بذلك؛ لعدم نقص شرعي؛ إذ لا
حرمة فيه ولا كراهة بناء على أن لا بأس لنفيهما، ((وما)) بمعنى ليس، وهو يقتضي
أن يكون مرفوعًا به، ولِمٍ يجئ ((ما)) بمعنى ((لا)) التي لنفي الجنس (لَيَأْتِيَنَّ عَلَى
النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَنْفَعُ فِيهِ إِلَّ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ) أي: المال المعبر بهما عنه، فإنهما
الأصل، والمراد: كسبهما وجمعهما من أي جهة كانت. وقال الطيبي: معناه لا
ينفع الناس إلا الكسب؛ إذ لو تركوه لوقعوا في الحرام كالسرقة وإعانة الظالم في
مقابلة شيء من المال، أي: فبيع اللبن على هذه الصفة خير من ذلك كما رُوي عن
بعضهم، وقيل له: أن التكسب يدنيك، قال: ليس أدناني من الدنيا لقد صانني
عنها. وكان السلف يقولون: اتجروا واكتسبوا فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم
كان أول ما يأكل دينه، وروي عن سفيان وكانت له بضاعة يقلبها، ويقول: لولا هذه
لتمندل بي بنو العباس، أي: لجعلوني كالمنديل يمسحون بي أوساخهم. انتهى.
وقال لقمان الحكيم لابنه: يا بني، استغن بالكسب الحلال عن الفقر، فإنه ما افتقر
أحد إلا أصابه ثلاث خصال: رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهاب مروءة،
وأعظم من هذه الثلاث استخفاف الناس به.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٤ ص ١٣٣) قال الهيثمي (ج ٤ ص ٥٦) بعد ذكر الحديث:
رواه أحمد هكذا، وللمقدام عند الطبراني في ((الكبير)) و((الصغير)) و((الأوسط)) عن
النّبِي وََّ: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَصْفَرُ وَلَا أَبْيَضُ لَمْ يَتَهَنَّ
بِالْعَيْشِ)). وفي ((الكبير)) عن حبيب بن عبيد قال: رأيت المقدام بن معديكرب في
السوق وجارية تبيع لبنا وهو جالس يقبض الدراهم، فقيل له في ذلك، فقال:
سمعت رسول الله وَّه يقول: ((إِذَا كَانَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ فِيهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ
والدَّنَانِيرِ يُقِيمُ الرَّجُلُ بِهَا دِينُهُ وَدُنْيَاهُ))، ومدار طرقه كلها على أبي بكر بن أبيَ
مریم، وقد اختلط. انتهى.

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْكَسْبِ وَطَلَبِ الْحَلَالِ
٢٩٧
٢٨١٠ - [٢٧] وعَنْ نَافِعِ، قَالَ: كُنْتُ أُجَهِّزُ إِلَى الشَّامِ وَإِلَى مِصْرَ،
فَجَهَّرْتُ إِلَى الْعِرَاقِ، فَأَتَيْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ،
كُنْتُ أُجَهِّزُ إِلَى الشَّامِ، فَجَهَّرْتُ إِلَى الْعِرَاقِ، فَقَالَتْ: لَا تَفْعَلْ، مَا لَكَ
وَلِمَتْجَرٍَكَ؟ فَإِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ إِلَ يَقُولُ: ((إِذَا سَبَّبَ اللَّهُ لِأَحَدِكُمْ رِزْقًا
مِنْ وَجْهٍ، فَلَا يَدَعْهُ حَتَّى يَتَغَيَّرَ لَهُ، أَوْ يَتَنَكَّرَ لَهُ)) .
[رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَه]
الشرح
٢٨١٠ - قوله: (وعَنْ نَافِع) قال الحافظ في ((التقريب)): نافع عن عائشة،
مجهول، ووهم من زعم أنه مولى ابن عمر، وقال في ((تهذيب التهذيب)»: نافع عن
عائشة حديث: ((إِذَا سَبَّبَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَحَدِكُمْ رِزْقًا مِنْ وَجْهٍ ... )» إلخ. وعنه به الزبير
ابن عبد الله، قال ابن حبان في ((الثقات)) نافع شيخ يروي عن عائشة، جهدت فلم
أقف على نافع هذا مَنْ هو؟ وقال في ترجمة الزبير: روى عن نافع وليس مولى ابن
عمر، وعنه مخلد بن الضحاك والد أبي عاصم ذكره ابن حبان في ((الثقات)) له في
ابن ماجه حديث واحد من حديث عائشة في الرزق، وقال في ((التقريب)): الزبير بن
عبيد عن نافع مجهول.
(كُنْتُ أُجَهِّزُ) بتشديد الهاء من التجهيز. قال القاري: أي: أهيئ التجارة.
(إِلَى الشَّام) أي: تارة (وَإِلَى مِصْرَ) أي: أخرى، وما كنت أتعدى عنهما. وقال
الطيبي: مفعَوله محذوف، أي: كنت أجهز وكلائي ببضاعتي ومتاعي إلى الشام
وإلى مصر، وهذا لفظ ابن ماجه، وفي ((المسند)): كنت أتجر إلى الشام أو إلى
مصر (فَجَهَّزْتُ) في ((المسند): ((فتجهزت)).
(فَأَتَيْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ) كذا في أكثر النسخ، وهكذا في ابن ماجه، ووقع في
بعض نسخ المشكاة: ((فأتيت إلى أم المؤمنين عائشة))، وفي المسند ((فدخلت على
عائشة أم المؤمنين)) (كُنْتُ أُجَهِّزُ) أي: قبل هذا (إِلَى الشَّام) أي: وإلى مصر، وإنما
(٢٨١٠) أخرجه أحمد (٢٤٦/٦)، وابن ماجه (٢١٤٨).

٢٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
اختصر للوضوح أو للدلالة على أن تجهيزه إلى مصر كان قليلا نادرًا، قاله القاري
(فَجَهَّرْتُ إِلَى الْعِرَاقِ) أي الآن (لَا تَفْعَلْ) أي هذا التجهيز والتبديل (مَا لَكَ
وَلِمَتْجَرٍلَك؟) اسم لمكان من التجارة أي: أي شيء جرى بينك وبين متجرك القديم
حتى تركته وأرسلت المال إلى غيره. وقال القاري: أي: أَيُّ شيء وقع لك وما
حصل لمتجرك من الباعث على العدول منه إلى غيره أوصل إليك خسران منه حتى
يصدك عن محل تجارتك الذي عودك الله الربح فيه؟ وما هو كذلك لا ينبغي
العدول عنه. وقال الطيبي: المعنى ما تصنع بمتجرك الذي تركته وكانت البركة
فيه؟
(إِذَا سَبَّبَ اللَّهُ) أي: أجرى وأوصل، وأصل السبب حبل يتوصل به إلى الماء
فاستعير لكل ما يتوصل به إلى شيء (لِأَحَدِكُمْ رِزْقًا مِنْ وَجْهٍ) أي: في حال من
الأحوال، وقيل: أي: جعل له سببًا يتعاناه لتحصيل الرزق (فَلَا يَدَعْهُ) أي: لا يتركه
ويعدل لغيره. وقال القاري: قوله: إذا سبب الله لأحدكم رزقًا من وجه بأن جعل
رزق أحدكم مسببًا عن وصول تجارته إِلى محله مثلا فلا يترك ذلك السبب أو الرزق
(حَتَّى يَتَغَيََّ لَّهُ) أي: بعدم الربح (أَوْ يَتَنَكَّرَ لَهُ) بخسران رأس المال، فـ((أو)) للتنويع.
وقال الطيبي: يجوز أن يكون من شك الراوي أو للتنويع، والمراد بالتغيير حينئذٍ
عدم الربح وبالتنكر خسران رأس المال بسبب الحوادث، وفيه أن من أصاب من
أمر مباح خيرًا وجب عليه ملازمته ولا يعدل عنه إلى غيره إلا لصارفٍ قوي؛ لأن
كلَّا ميسر لما خلق له. انتهى. وقال المناوي: حتى يتغير له، أي: يتعسر عليه ويجد
عليه موانع سماوية وحواجز إلاهية، فإذا صار كذلك فليتحول لغيره، فإن أسباب
الرزق كثيرة، فالواجب على المتأدب بآداب الله ترك الاعتراض على الحال فلا
يريد خلاف ما يراد له، ولا يختار خلاف ما اختاره له، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ
ج
وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]. وزاد في رواية أحمد: فأتيت العراق ثم دخلت عليها،
قلت: يا أم المؤمنين ! والله ما رددت الرأس مالي، فأعادت عليه الحديث أو
قالت: الحدیث کما حدثتك.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٦ ص ٢٤٦) (وَابْنُ مَاجَهْ) في التجارات في باب إذا قسم للرجل
رزق من وجه، فليلزمه. أخرجاه من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد بن
الضحاك عن الزبير بن عبيد عن نافع، ورمز السيوطي في ((الجامع الصغير)) لحسنه

كِتّاب البُيُوع
بَابُ الْكِسْبِ وَطلب الْحَلَّالِ
٢٩٩
والأمر بخلافه، فالزبير ونافع مجهولان كما تقدم.
قال العراقي: إسناده فيه جهالة، وفي ((المسند)): قال أبو عاصم: قال أبي: ولا
أدري من هو يعني نافع هذا. وفي الباب عن أنس أخرجه ابن ماجه بسند ضعيف
مرفوعًا، ((من أصاب من شيء فليلزمه)). قال الزمخشري: أي: من بورك له في نحو
صناعة أو حرفة أو تجارة، فليقبل عليها .
G تنبيه:
فرق اللـه هَمَّ الناس للصناعات المتفاوتة، وجعل آلاتهم الفكرية والبدنية
مستعدة لها، فجعل لمن قيضه لمراعاة العلم والمحافظة على الدين قلوبًا صافية
وعقولًا بالمعارف لائقةً وأمزجة لطيفةً وأبدانًا لينةً، ومن قيضه لمراعاة المهن
الدنيوية كالزراعة والبناء جعل لهم قلوبًا قاسية وعقولًا كزة، وأمزجة غليظة،
وأبدانًا خشنة، وكما أنه محال أنه يصلح السمع للرؤية والبصر للسمع، فمحال أن
يكون من خلق للمهنة يصلح للحكمة، وقد جعل الله كل جنس من الفريقين
نوعين: رفيعًا، ووضيعًا، فالرفيع من تحرى الحذق في صناعته وأقبل على عمله
وطلب مرضاة ربه بقدر وسعه، وأدى الأمانة بقدر جهده.