النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٧٨٢ - [٣٠] وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ تَ كَانَ جَالِسًا
وَقَبْرٌ يُحْفَرُ بِالْمَدِيْنَةَ، فَاطَلَعَ رَجُلٌ فِي الْقَبْرِ، فَقَالَ: بِئْسَ مَضْجَعُ الْمُؤْمِنِ، فَقَالَ
رَسُولُ اللّهِ بِّهِ: (بِتْسَ مَا قُلْتَ))، قَالَ الَزَّجُلُ: إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا، إِنَّمَا أَرَدْتُ
الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (لَا مِثْلُّ الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا
عَلَى الْأَرْضِ بُقْعَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَكُونَ قَبْرِي بِهَا مِنْهَا))، ثَلاث مَرَّاتٍ.
[رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا ضعيف ◌ِزْسَالِهِ]
الشرح
٢٧٨٢ - قوله: (وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاري التابعي قد تقدمٍ ترجمته في
الجنائز. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ كَانَ) وفي («الموطأ»: «قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَئِ». قال
ابنُ عبد البر: هَذَا الحديث لا أحفظه مسندًا، ولكن معناه موجود من رواية مالك
وغيره. (جَالِسًا) أي: في المقبرة. (وَقَبْرٌ) الواو حالية. (يُحْفَرُ) لميت. (بِالْمَدِينَةِ)
كذا في النسخ المصرية (للموطأ))، ووقع في الهندية: ((فِي الْمَدِينَةِ)) وكلام
الزرقاني يشيرُ إلى أن الأولى رواية يحيى حيث قال: ولابن وضاح: ((فِي الْمَدِينَةِ)»
انتهى. قال الباجي: يحتمل أنْ يَكُون قصد ذلك لمواصلة من كان القبر يحفر بسببه
أو لفضل المقبور فيه ودينه أو للاتعاظ به، ويحتمل أنْ يَكُون: جلس لغير ذلك
فصادف حفر القبر. انتهى. قلت: والظاهر هو الأول. والله أعلم.
(فَاطَّلَعْ) بتشديد الطاء أي: نظر. (رَجُلٌ فِي الْقَبْرِ فَقَالَ) أي: الرجل المطلع.
(بِْسَ مَضْجَعُ الْمُؤْمِنِ) بفتح الميم والجيم بينهما ضاد معجمة موضع الضجوع
جمعه مضاجع. قال القاري: مضجع المؤمن بفتح الجيم: مرقده ومدفنه. قال
الطيبي: أي: هَذَا القبر يعني المخصوص بالذم محذوف، والمعنى: كون المؤمن
يضجع بعد موته في مثل هَذَا المكان ليس محمودًا. انتهى. وقال الباجي: قول
المطلع: (بِئْسَ مَضْجَعُ الْمُؤْمِنِ)) يحتمل ظاهر اللفظ أن يريد بذلك المكان، وقد
يتأوله على ذلك من يسمعه منه، فلو أقره النَّبِي وَّ لاعتقد بعض السامعين له أن
(٢٧٨٢) مَالِك (٣٣/٤٦٢/٢) عنه مُرسل.

٢٠١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ الْمُدِينَةِ حَرَسَهَا اللهُ تَعَالَى
النَّبِي وََّ قد أقره على قوله: إن المدينة المنورة بئس مضجع المؤمن. انتهى.
(بِئْسَ مَا قُلْتَ) أي: حيث أطلقت الذم على مضجع المؤمن مع أن قبره روضة
من رياض الجنة. (إِنِّي لَمْ أَرِدْ) بصيغة المتكلم من الإرادة من باب الإفعال. (هَذَا)
أي: ذم القبر. وقال القاري: أي: هَذَا المعنى أو هَذَا الإطلاق. (إِنَّمَا أَرَدْتُ الْقَتْلَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: أردت أن الشهادة في سبيل الله أفضل من الموت على الفراش.
قال الباجي: قوله: (بِئْسَ مَا قُلْتَ) يحتمل: إما أنه قد أراد عيب القبر وتفضيل
الشهادة، لكن اللفظ لما كان فيه من الاحتمال ما ذكرناه أنكر عليه اللفظ دون
المعنى، ويحتمل أنْ يَكُون على هَذَا الوجه أنكر عليه اللفظ والمعنى؛ لأنَّهُ لا يجوز
أيضًا أن يقول في القبر: بئس مضجع المؤمن؛ لأنَّهُ له روضة من رياض الجنة
وسبب إلى الرحمة والدرجة الرفيعة، وإنما يجب أن يقول: إن الشهادة أفضل من
هذا، فإذا كان الأمران فاضلين وأحدهما أفضل من الآخر؛ وجب أن يقال هَذَا
أفضل من هذا، ولا يجوز أن يقال في المفضول: بئس هَذَا الأمر، وأما المعنى
الثاني: فأن يكون النَّبِي ◌َّ اعتقد أنه أراد بذلك ذم الدفن بالمدينة؛ ولذلك لم ينكر
على القائل إذ قال: لم أرد هَذَا يا رسول الله. وإنما أردت القتل في سبيل الله، ولو
كان فهم منه هَذَا لكان الأظهر أن يقول له: قد فهمت مرادك، ولكن هو مع ذلك
خطأ، فإنك قد جئت بلفظ مشترك أو عبت المفضول مع فضله.
(فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ) تقريرًا لمراده. (لَا مِثْلَ الْقَتْلِ) بالنصب أي ليس شيء مثل
القتل. (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) في الثواب والفضل، ولكن للدفن بالمدينة مزيد الفضل،
وقوله: (لَا مِثْلَ الْقَتْلِ) كذا في جميع نسخ المشكاة أي بالإضافة، وفي ((الموطأ»:
((لَا مِثْلَ لِلْقَتْلِ)). ثم ذكر ◌َّ فضيلة من يموت ويدفن في المدينة سواء يكون بشهادة
أو غيرها فقال: (مَا عَلَى الْأَرْضِ بُقْعَةٌ) بضم الموحدة في الأكثر فيجمع على بقع
كغرفة وغرف وتفتح فتجمع على بقاع مثل كلبة وكلاب أي : قطعة. (أَحَبُّ) بالرفع
وقيل: بالنصب، وفي ((الموطأ)): ((هِيَ أَحَبُّ)). (أَنْ يَكُونَ قَبْرِي بِهَا) أي: بتلك
البقعة. (مِنْهَا) أي: من المدينة.
قال الباجي: ظاهره تفضيل المدينة على ما سواها من الأرض؛ ولذلك أحب أنْ
يَكُون قبره بها، وهذا يقتضي أنه أحب أنْ يَكُون قبره بها دون مكة، وقد قيل: إن

٢٠٢
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ذلك لمعنى الهجرة. قال الباجي: وليس عندي بالبين؛ لأنَّهُ لو كان كذلك لم يعلق
الحكم بالبقعة ولعلقه بالهجرة. والله أعلم. وهذا في حال الإخبار وليس فيه دليل
على أنه فَضَّلَ أنْ يَكُون قبره بالمدينة على القتل في سبيل الله على صفة لا يقبر فيها.
انتھی .
وقال القاري: قد أجمع العُلَمَاء على أن الموت بالمدينة أفضل بعد اختلافهم أن
المجاورة بمكة أفضل أو بالمدينة؛ ولهذا كان من دعاء عمر رَوَّهُ: اللهم ارزقني
شهادة في سبيلك واجعل موتي ببلد رسولك. أخرجه البخاري. وقال الطيبي:
معنى قوله: ((إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا ... )) إلخ. أني ما أردت أن القبر بئس مضجع المؤمن
مطلقًا، بل أردت أن موت المؤمن في الغربة شهيدًا خير من موته في فراشه وبلده،
وأجاب رسول اللّه وَّه بقوله: ((لَا، مِثْلَ الْقَتْلِ))، أي: ليس الموت بالمدينة مثل
القتل في سبيل الله، أي: الموت في الغربة، بل هو أفضل وأكمل، فوضع قوله:
((ما على الأرض بقعة ... )) إلخ. موضع قوله: بل هو أفضل وأكمل، فإذا ((لا)) بمعنى
((ليس)) واسمه محذوف والقتل خبره. انتهى.
قال القاري: هو بظاهره يخالف ما عليه الإجماع من أن الشهادة في سبيل الله
أفضل من مجرد الموت بالمدينة، بل تقدم في الحديث ما يدل على أن الموت في
الغربة أفضل من الموت بالمدينة، فتكون الفضيلة الكاملة أن يجمع له ثواب الغربة
والشهادة بالدفن بالمدينة. انتهى.
قلت: أراد القاري بقوله بل تقدم في الحديث، إلخ. ما مر في أوائل الجنائز من
حَدِيثِ عَبْداللهِ بنِ عمرو قال: توفي رجلٌ بالمدينةِ ممن ولد بها فصلَّى عليه
النَّبِيِ نَّهِ فِقَالَ: ((يَا لَيْتَهُ مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ))، قالوا: وَلِمَ ذَاَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَال: ((إِنَّ
الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ قِيسَ لَّهُ مِنْ مَوْلِدِهِ إِلَى مُنْقَطَعِ أَثَرِهِ فِي الْجَنَّةِ)). وتقدم أيضًا
ما رواه ابن عباس مَرْفُوعًا: ((مَوْتُ غُرْبَةٍ شَهَادَةٌ)) وحديث عبد الله بن عمرو بظاهره
يخالف الحديث الَّذِي نحن فِي شَرْحِه؛ ولذا قال القاري في تأويلِهِ: ظاهرُهُ
تخصيصُ أهلِ المدينةِ من عُمُوم ما اتَّفَق عَلَيه العُلَمَاءِ منْ أنَّ الموتَ بالمدينةِ أفضلُ
من مكّةَ معَ اختلافِهم في أفضلية المجاورة فيهما. انتهى.
وقال الشيخ سلام اللَّه الدهلوي في ((المحلي شرح الموطأ): قوله: (لَا مِثْلَ

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ المُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
٢٠٣
لِلْقَتْلِ)) أي: ليس الموت في المدينة مثل القتل في سبيل الله، بل هو أفضل،
وقوله: ((ما على الأرض ... )) إلخ. دليل على الأفضلية، هكذا فسر الطيبي، فعلم
منه أن الموت والدفن فيها أفضل من الشهادة. قال جدي الشيخ الأجل الدهلوي:
وقد يختلج أن الظاهر على هَذَا التقدير أن يقال: ليس القتل في سبيل اللَّه مثل
الموت في المدينة، ويحتمل أنْ يَكُون معناه نعم ليس الموت بالمدينة مثل القتل
في سبيلِ اللهِ، بل القتل أفْضَل، ولكن إن لم يرزق الشهادة، فالموت بالمدينة
والقبر فيها أفضل من الموت في سائرِ البلادٍ، وهذا احتمال لفظي، ولا شك أن
المعنى الأول أبلغ وأدخل في فضيلة المدينة. انتهى.
قال الشيخ سلام الله: ويشهد لما قاله الشيخ إيراد الإمام مالك هَذَا الحديث في
أبواب فضائل الجهاد ولو كانَ المعنى كما فسَّرَهُ الطيبي كانَ ينبغي إيراده في أبوابٍ
فضائل المدينة في آخرِ الكتابِ. انتهى.
هذا؛ وقد ظهر بما ذكرنا من كلام الباجي والقاري والطيبي وصاحب ((المحلى))
أن ها هنا ثلاثة مسائل متقاربة يمكن أن تلتبس على القارئ، الأولى: أن القتل في
سبيل الله أفضل من الموت بالمدينة عند الجمهور، وقد ادعى القاري الإجماع
على ذلك؛ خلافًا لما يدل عليه كلام الطيبي من أن الموت والدفن في المدينة
أفضل من الشهادة. والثانية: أن الموت بالمدينة أفضل من الموت في الغربة، كما
هو نص آخر حديث الباب. والثالث: أنه قد استدل بعضهم بحديث الباب على
أفضلية المدينة على مكة وقد تقدم بيان الخلاف في ذلك. قال القاري: ليس في
الحديث دلالة على أفضلية المدينة بل لأفضلية البقعة المكينة، وقد قام الإجماع
على أنها أفضل من مكة.
(ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) قال القاري: ظرف لجميع المقول الثاني أو للفصل الثاني من
الكلام. انتهى. قال الباجي: وإنما قال ذلك ثلاث مرات لما علم من حاله أنه كان
إذا قال قولًا؛ كرره ثلاثًا يريد بذلك الإفهام والبيان. انتهى، وفي الحَدِيث:
حضورُهُ وَِّ الجنائزُ، وحفر القبر والدفن للموعظة والاعتبار ورقة القلب؛ ليتأسى
به فيه ويكون سنة بعده، وأنَّ الكلام يحمل على ظاهرِهِ، فيحمد على حَسَنه ويلام
على ضده حتى يعلم مراد قائله فيحمل عليه دون ظاهره؛ قاله الزرقاني.

٢٠٤
B
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ مَالِك) في الجهاد. (مُرْسَلًا) لأنَّه رَوَى عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاري وهو
من التابعين، وإذا حذف التابعي ذكر الصحابي يسمى الحديث مرسلاً. وقد تقدم
أن ابن عبد البر قال: هَذَا الحديث لا أحفظه مسندًا ولكن معناه موجود من رواية
مالك وغيره.
٢٧٨٣ - [٣١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ وَهُوَ بِوَادِي الْعَقِيقِ، يَقُولُ: (أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ:
صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ))، وَفِي رِوَايَةٍ: ((قُلْ:
عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ)).
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٧٨٣ - قوله: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ نَ ◌ّهِ وَهُوَ بِوَادِي الْعَقِيقِ) كذا في
((المشكاة) و((جامع الأصول)) و((المنتقى))، وهكذا عند أحمد، ولفظ البُخَارِي في
الحجّ: سمعتُ النبيَّ وَلالبوادي العقيق. أي: بدون لفظة ((هو)). قال العَيْنِي: قوله:
((بوادي العقيق)) حال والباء بمعنى في، انتهى. والمراد بالعقيق هنا: الموضع
القريب من ذي الحليفة، بينه وبين المدينة أربعة أميال، وهناك أعقة أخرى غير
هذا. منها: العقيق الَّذِي بحذاء ذات عرق ميقات أهل المشرق، وقد تقدَّم ذكره في
المواقيت. وقال الشيخ أحمد شاكر في ((شرح المسند»: العقيق ها هنا أي في
حديث عمر: هو الَّذِي ببطن وادي ذي الحليفة وهو الأقرب منها كما قال ياقوت في
((معجم البلدان)) وكما فسره الوليد بن مسلم هنا - حيث قال أحمد بعد تمام
الحديث: قال الوليد بن مسلم: يعني ذا الحليفة - ووهم ابن الأثير في ((النهاية))
فجعله العقيق الَّذِي بالمدينة. انتهى.
(آتٍ) فاعل ((أتى)) وأصله ((آتي)) فأعل إعلال قاض، وهو جبريل. قال العَيْنِي:
صرح في رواية البيهقي أنه جبريل عليه الصلاة والسلام. (مِنْ رَبِّ) أي: جاءني
البارحة من عنده. (صَلِّ) أمر بالصلاة. قال الكرماني: ظاهره أن هذه الصلاة صلاة
(٢٧٨٣) رَوَاهُ الْبُخَارِي (١٥٣٤) في الحَجِّ.

٢٠٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابٌ حَرَمِ الْمُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
الإحرام، وقيل: كانت صلاة الصبح والأول أظهر. (فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ)
يعني: وادي العقيق. (وَقُلْ عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ) برفع عمرة في أكثر الروايات وبنصبها
في بعضها، أما وجه الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: قل هذه عمرة
في حجة، وأما وجه النصب، فيإضمار فعل تقديره: قُل: جعلت عمرة في حجة.
وقوله: ((في)) بمعنى ((مع))، كأنه قال: عمرة معها حجة، فيكون دليلاً على أنه وال
كان قارنًا، وأبعد من قال: معناه عمرة مدرجة في حجة، أي: إن عمل العمرة
يدخل في عمل الحج، فيجزئ لهما طواف واحد، وكذا أبعد من قال معناه: إنه
يعتمر في تلك السنة إذا فرغ من حجته قبل أن يرجع إلى منزله. وهذا أبعد من الَّذِي
قبله؛ لأنَّه ◌َ لّ لم يفعل ذلك.
وقال الطَّبَري: يحتملُ أن يكونَ أمر أن يقول ذلك لأصحابه ليعلمهم مشروعية
القران، والمعنى: قل ذلك لأصحابك. أي: أعلمهم أن القران جائز، وهو
كقوله: ((دخلت العمرة في الحجّ)). واعترضَهُ ابنُ المنيرِ فقال: ليس نظيره؛ لأنَّ
قوله: ((دخلت)) إلخ. تأسيس قاعدة، وقوله: ((عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ)) بالتنكير يستدعي
الوحدة، وهو إشارة إلى الفعل الواقع من القران؛ إذ ذاك.
قال الحافظ: ويؤيده ما في ((كتابٍ الاعتصام)) بلفظِ: ((عُمْرَة وَحَجَّة)) بواو
العطف، وفِي الحَدِيث: فضل العقيق لفضل المدينة، وفيه: فضل الصلاة فيه
ومطلوبيتها عند الإحرام، لا سيما في هَذَا الوادي المبارك وهو مذهب العُلَمَاء كافة
إلا ما روي عن الحسن البصري، فإنه استحب كونها بعد فرض، وقال الطَّبَري:
ومعنى الحديث: الإعلام بفضل المكان لا إيجاب الصلاة فيه لقيام الإجماع على
أن الصلاة في هَذَا الوادي ليست بفرض قال: فبان بذلك أن أمره بالصلاة فيه نظير
حثَّه لأمته على الصلاة في مسجده ومسجد قباء، قال العَيْنِي: الصلاة بركعتين من
سنة الإحرام؛ لأنَّهُ وَلّ أمر بذلك أمر إرشاد وأنه صلى ركعتين.
وفيه: أفضلية القران والدلالة على وجوده وعلى أن النَّبِي وَلّ كان قارنًا في حجة
الوداع، وذلك؛ لأنَّهُ أمر أن يقول: عمرة في حجة، فيكون مأمورًا بأنه يجمع
بينهما من الميقات، وهذا هو عين القران، فإذا كان مأمورًا به استحال أنْ يَكُون
حجه خلاف ما أمر به، فإن قلت: لا يدل ذلك على أفضلية القران ولا على كون

٢٠٦
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
النَّبِي ◌َّةِ قارنًا؛ لأنَّهُ جاء في رواية أخرى: ((قُلْ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ)) ففصل بينهما بالواو،
فحينئذ يحتمل أن يريد أن يحرم بعمرة إذا فرغ من حجته قبل أن يرجع إلى منزله
فكأنه قال: إذا حججت فقل: لبيك بعمرة. وتكون في حجتك التي حججت فيها
أو يكون محمولًا على معنى تحصيلهما معًا. قلت: رواية البُخَارِي وغيره: ((قُلْ:
عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ)) وهذه هي الصحيحة وهي تدلّ على أنه وَ لّ أُمر أن يجعل العمرة في
الحجة صفة وهي القران والرواية التي بواو العطف تدل على ما قلنا أيضًا؛ لأن
الواو لمطلق الجمع والجمع بين الحج والعمرة هو القران، فيدلَّ أيضًا على أنه وَّة.
كان قارنًا، وما ذكروه من الاحتمال بعيد، وصرف اللفظ إلى غير مدلوله فلا يقبل،
كذا في ((العمدة)) للعيني.
وذكر الحافظُ أن البيهقي أجابَ عن حديث عمر نصرة لمن قال: إنه ◌َّ كان
مفردًا: بأن جماعة رووه بلفظ: ((صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي، وَقَالَ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ)) قال:
وهؤلاء أكثر عددًا ممن رواه ((وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ)) فيكون إذنًّا في القران لا أمرًا
للتَّبِي ◌ُّ في حال نفسه. انتهى.
قال الشوكاني: وظاهر حديث عمر هَذَا أن حجه وَلّ القران كان بأمر من الله،
فكيف يقول ◌َّ: ((لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً))؟ فينظر في هَذَا
فإن أجيب: بأنه إنما قال ذلك؛ تطييبًا لخواطر أصحابه، فقد تقدَّم أنه تغرير لا يليق
نسبة مثله إلى الشارع. انتهى.
قلت: قد بسط الإمام ابن القيم الكلام في ترجيح القران وأحسن في تقرير
الجواب عن الإشكال المذكور فارجع إلى ((زاد المعاد)) (ج١: ص ١٩٦).
(وَفِي رِوَايَةٍ) للبخاري في كتاب الاعتصام. (وَقُلْ: عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ) بواو العطف
وبالرفع فيهما، وقد تقدم أن الواو لمطلق الجمع والجمع بين الحج والعمرة هو
القران، فهذه الرواية أيضًا تدلَّ على أنه وَل ◌َه كان قارنًا. قال القاري: لما كان هَذَا
الوادي بقرب المدينة وما حولها يدخل في فضلها ذكر المصنف هَذَا الحديث في
هَذَا الباب. والله تعالى أعلم.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في الحج وفي المزارعة وفي الاعتصام، وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد
(ج١: ص ٢٤) وأبو دَاوُد وَابْن ماجه والْبَيْهَقِي في الحجِّ.

كِتَابُ البُيُوعِ
٢٠٧
98
OD
DON
١١ - كِتَابُ البُيُوعِ
(كِتَابُ الْبُيُوع) ذكر المصنف كغيره لفظ الكتاب؛ لأنه مشتمل على الأبواب،
وهي كثيرة في أنواع البيوع، والبيوع جمع للبيع، والبيع مصدر والمصادر لا تجمع
لكن جمع لملاحظة اختلاف أنواعه، وهي: المطلق إن كان بيع العين بالثمن أي
النقد كالثوب بالدراهم، والمقايضة: إن كان بيع العين بالعين كالثوب بالعبد،
والسلم: إن كان بيع الدين بالعين، والصرف: إن كان بيع الثمن بالثمن أي النقد
بالنقد، والمرابحة: إن كان بالثمن مع زيادة، والتولية: إن لم يكن مع زيادة،
والمواضعة: إن كان بالنقصان، واللازم: إن كان تامًّا. وغير اللازم: إن كان
بالخيار، والصحيح، والباطل والفاسد، والمكروه، والبيع من الأضداد. يقال:
باعه إذا أخرج العين عن ملكه إلى الغير وباعه إذا اشتراه .
قال الفرزدق :
إن الشباب لرابح من باعه والشيب ليس لبائعه تجار
يعني: من اشتراه. ويتعدى بنفسه، وبالحرف يقال: باع زيد الثوب وباعه منه،
ويطلق الشراء أيضا على البيع نحو: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنْ تَخْسٍ﴾ [يوسف: الآية ٢٠] والبيع
لغة: مطلق المبادلة، وشرعا: مبادلة المال بالمال تمليكا وتملكا بالتراضي. قال
الحافظ: البيع نقل ملك إلى الغير بثمن، والشراء: قبوله ويطلق كل واحد منهما
على الآخر، فهما من الألفاظ المشتركة بين المعاني المتضادة؛ قيل: وسمي البيع
بيعا؛ لأن البائع يمد باعه إلى المشتري حالة العقد غالبا. قال ابن قدامة: اشتقاقه
من الباع؛ لأن كل واحد من المتعاقدين يمد باعه للأخذ والإعطاء. ويحتمل أن كل
واحد منهما كان يبايع صاحبه أي يصافحه عند البيع ولذلك سمي البيع صفقة -
انتهى. ورد كون البيع مأخوذا من الباع؛ لأن البيع يأتي العين والباع واوي. تقول
منه: بعت الشيء بالضم أبوعه بوعا إذا قسته بالباع، وشرعية البيع وثبوته بالكتاب
وهو قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ اُلْبَيْعَ وَحَرَّمَ اُلْرِبَواْ﴾ [البقرة: الآية ٢٧٥]، وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوَأْ

٢٠٨
*
Beingees
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: الآية ٢٨٢] وقوله: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِحَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنَكُمْ﴾ [النساء:
الآية ٢٩] وبالسنة وهي قوله بََّ: ((البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا)) وقوله بَه((يَا مَعْشَرَ
التُّجَّارِ، إِنَّ بَيْعَكُمْ هَذَا يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ، وَالْكَذِبُ، فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ)) وقوله ◌َ: ((إِنَّ
التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا، إِلَّ مَن بَرَّ وَصَدَقَ)) وقوله: وََّ ((التَّاجِرُ الصَّدُوقُ
الأَمِينُ مَعَ النَِّّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءِ)) في أحاديث كثيرة سوى هذه. وبعث
عليه الصلاة والسلام والناس يتبايعون فقررهم عليه، والإجماع منعقد على
شرعيته. قال الحافظ: أجمع المسلمون على جواز البيع والحكمة تقتضيه؛ لأن
حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه غالبا، وصاحبه قد لا يبذله له بغیر عوض،
ففي تشريع البيع وتجويزه وسيلة إلى بلوغ الغرض ودفع الحاجة من غير حرج.
وقال القسطلاني: حكمته نظام المعاش وبقاء العالم؛ لأن حاجة الإنسان تتعلق بما
في يد صاحبه غالبا وقد لا يبذلها له بغير المعاملة، وتفضي إلى التقاتل والتنازع
وفناء العالم واختلال نظام المعاش وغير ذلك، ففي تشريع البيع وسيلة إلى بلوغ
الغرض من غير حرج، ومن ثم عقب المصنف كغيره المعاملات بالعبادات؛ لأنها
ضرورية، وأخر النكاح؛ لأن شهوته متأخرة عن شهوة الأكل والشرب ونحوهما.
٢ فائدة:
قال في ((عون الباري)): قوله سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: الآية ٢٧٥] أصل في
جواز البيع، وللعلماء فيها أقوال، أصحها: أنه عام مخصوصٍ، فإن اللفظ لفظ
العموم، فيتناول كل بيع يقتضي إباحة الجميع لكن قد منع الشارع بيوعًا أخرى
وحرمها، فهو عام في الإباحة مخصوص بما يدل الدليل على منعه، قيل: عام أريد
به الخصوص. وقيل: مجمل بينته السنة، وكل هذه الأقوال تقتضي أن المفرد
المحلى بالألف واللام يعم، وقوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً حَاضِرَةٌ تُدِيُرُونَهَا
بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: الآية ٢٨٢] أولها دال على إباحة البيوع المؤجلة وآخرها على إباحة
التجارة في البيوع الحالة، والمعتبر فيه مجرد التراضي وحقيقته لا يعلمها إلا الله
تعالى، والمراد هنا: أمارته كالإيجاب والقبول على الوجه المأذون فيه وكالتعاطي
عند القائل به، وعليه أهل العلم، وينعقد بالإشارة والكناية من قادر على النطق ولم
يرد ما يدل على ما اعتبره بعض الفقهاء والعلماء من ألفاظ مخصوصة، وأنه لا يجوز
البيع بغيرها، وفي قوله: ﴿تِحَرَةً عَن تَرَاضٍ﴾ [النساء: الآية ٢٩] دلالة على أن مجرد

٢٠٩
كِتّابُ البُيُوعِ
التراضي هو المناط، فلا يعتبر غير ذلك، ولا بد من الدليل عليه بلفظ أو تلميح بأي
لفظ ((وقع))، وعلى أي صفة كان، وبأي لمحة مفيدة حصل- انتهى. ومن شاء مزید
الكلام في مأخذ تشريع البيع وحكمة شريعته وابتنائه على الرضا، فعليه أن يرجع
إلى كتاب ((البيوع والمعاملات المالية العصرية)) (ص ٤٨ إلى ص ٥٦ وص ٧٨ إلى
ص ٨٤) للشيخ محمد يوسف موسى، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة،
فإنه أحسن الكلام في ذلك مع الإيجاز.

٢١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١ - بَابُ الْكَسْبِ وَطَلَبِ الْخَلَال
(بَابُ الْكَسْبِ) أي: تبيين فضله وتعيين طيبه وخبيثه. وترجم البخاري لحديث
المقدام الآتي ((باب كسب الرجل وعمله بيده). قال العيني: أي: في بيان فضل
كسب الرجل وعمله بيده، وعطف العمل باليد على الكسب من عطف الخاص
على العام؛ لأن الكسب أعم من أن يكون عملا باليد أو بغيرها. (وَطَلَبِ الْحَلَالِ)
قال القاري: أي: واجتناب الحرام الذي من لوازمه كونه فرضًا بعد الفرض أو
قبله. والثاني أظهر؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾ [المؤمنون: الآية ٥١] .
الفصل الأول
٢٧٨٤ - [١] عَنِ المِقْدَام بْنِ مَعْدٍ يكَرِبَ، قال: قال رسول الله وَلٍّ:
((مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطَّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلٍ يَدَيْهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ
◌َِّ، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلٍ يَدَيْهِ)).
[ رَوَاهُ البُخَارِيُّ]
الشرح
٢٧٨٤- قوله (عَنِ المِقْدَام) بکسر المیم (بْنِ مَعْدِ یکرِبَ) بفتح الکاف و کسر
الراء وفتح الموحدة، الكندي، من صغار الصحابة، وليس له في البخاري غير هذا
الحديث، وآخر في الأطعمة، وقد تقدم ترجمته في (ج ١ ص ٢٥٩) (مَا أَكَلَ أَحَدٌ)
زاد الإسماعيلي: ((من بني آدم)) (طَعَامًا قَطَّ) بفتح القاف وتشديد الطاء أي: أبدًا
(خَيْرًا) بالنصب، أي: أفضل أو أحل أو أطيب. قال في ((المصابيح)): قوله:
((خيرًا)) يحتمل أن يكون صفة لمصدر محذوف، أي: أكلًا خيرًا.
(٢٧٨٤) أخرجه البخاري (٢٠٧٢).

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْكَسْبِ وَطَلَبِ الْحَلَالِ
٢١١
(مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ) فيكون أكله من طعام ليس من كسب يده منفي
التفضيل على كسبه من يده وهو واضح. ويحتمل أن يكون صفة لطعام ولا يضر
الفصل بين الصفة والموصوف بالظرف، وهذا الاحتمال يحتاج إلى تأويل أيضًا،
وذلك؛ لأن الطعام في هذا التركيب مفضل على نفس أكل الإنسان من عمل يده
بحسب الظاهر، وليس مرادًا فيقال في تأويله: الحرف المصدري وصلته بمعنى
مصدر مراد به المفعول، أي: من مأكوله من عمل يده، أي: من طعام اكتسبه
بعمل يده، فتأمله، وعند الإسماعيلي ((خير)) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف
أي: هو خير، وقوله: ((من عمل يده)) بالتثنية كذا وقع في جميع نسخ ((المشكاة))
و((المصابيح)) وهكذا وقع عند الاسماعيلي. قال القاري: قوله: ((من عمل يده))
بالتثنية لأن غالب المزاولة بهما: وفي البخاري: ((من عمل يده)) بالإفراد. قال
الحافظ: وفي رواية للاسماعيلي: ((من كَدِّ يديه)) ووجه الخيرية ما فيه من إيصال
النفع إلى المكاسب وغيره، والسلامة عن البطالة المؤدية إلى الفضول وكسر
النفس به والتعفف عن ذل السؤال، والغنى عن الناس، ولابن ماجه من طريق عمر
ابن سعد، عن خالد بن معدان عن المقدام: «ما کسب الرجل أطيب من عمل يده»
ولابن المنذر من هذا الوجه ((ما أكل رجل طعامًا قط أحل من عمل يديه)) وللنسائي
وابن حبان من حديث عائشة ((إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه)).
(وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ) في رواية الاسماعيلي بحذف الواو (دَاوُدَ) بالنصب على أنه بدل
أو عطف بيان (كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ) في الدروع من الحديد ويبيعه لقوته،
وقوله: ((يديه)) كذا في نسخ ((المشكاة)) و((المصابيح)) بالثنية، وفي البخاري: ((من
عمل يده)) أي بالإِفراد. وفي رواية الاسماعيلي: ((من كسب يده)) وفي حديث أبي
هريرة عند البخاري: ((إن داود النبي ◌َّليل كان لا يأكل إلا من عمل يده))، هذا صريح
في الحصر بخلاف رواية المقدام. قال الحافظ: ووقع في ((المستدرك)) عن ابن
عباس بسند واوٍ كان داود زرَّادًا، وكان آدم حَرَّانًا، وکان نوح نَجّارًا، و کان إدریس
خَيَّاطًا، وكان موسى رَاعِيًّا، وفي الحديث فضل العمل باليد وتقديم ما يباشره
الشخص بنفسه على ما يباشره بغيره، والحكمة في تخصيص داود بالذكر أن
اقتصاره في أكله على ما يعمله بيده لم يكن من الحاجة؛ لأنه كان خليفة في
الأرض، كما قال تعالى؛ وإنما ابتغى الأكل من طريق الأفضل، ولهذا أورد

٢١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
النبي ◌َّ قصته في مقام الاحتجاج بها على ما قدمه من أن خير الكسب عمل اليد،
وهذا بعد تقرير أن شرع من قبلنا شرع لنا، ولاسيما إذا ورد في شرعنا مدحه
وتحسينه مع عموم قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَهُمُ أُقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: الآية ٩٠] وفي الحديث أن
التکسب لا يقدح في التو کل، وأن ذکر الشيء بدلیله أوقع في نفس سامعه. انتهى.
قلت: كان داودظلَّ يعمل الدروع من الحديد بنص القرآن حيث قال الله
تعالى: ﴿وَعَلََّنَهُ صَنْعَةَ لَبُوُسِ لَّكُمْ﴾ [الأنبياء: الآية ٨٠]، وكان نبينا ◌َّه يأكل من سعيه
الذي يكسبه من أموال الكفار بالجهاد وهو أشرف المكاسب على الإطلاق؛ لما فيه
إعلاء كلمة الله، وخذلان كلمة أعداء الله والنفع الأخروي. وفي الحديث: جواز
الإِجارة؛ إذ عمل اليد أعم من كونه لغيره أو لنفسه.
وقال المظهر: في الحديث تحريض على المكسب الحلال، فإنه يتضمن فوائد
كثيرة: منها: إيصال النفع إلى المكتسب بأخذ الأجرة إن كان العمل لغيره،
وبحصول الزيادة على رأس المال إن كان العمل تجارة، ومنها إيصال النفع إلى
الناس لتهيئة أسبابهم من نحو زرع الأقوات والثمار وغرس الأشجار وخياطة الثياب
وغير ذلك ... ومنها: أن يشتغل الكاسب به فيسلم عن البطالة واللهو. ومنها:
كسر النفس، فيقل طغيانها ومرحها. ومنها: التعفف عن ذل السؤال والاحتياج إلى
الغير، وشرط المكتسب ألا يعتقد الرزق من الكسب بل من الله الكريم الرزاق ذي
القوة المتين، بهذه الواسطة. ثم في قوله: ((وإن نبي الله ... )) إلخ. توكيد للتحريض
وتقرير له يعني الاكتساب من سنن الأنبياء، فإن نبي الله داود كان يعمل السرد
ويبيعه لقوته. فاستنوا به - انتهى. قال الحافظ: وقد اختلف العلماء في أفضل
المكاسب. قال الماوردي: أصول المكاسب: الزراعة والتجارة والصنعة، وأيها
أطيب؟ فيه ثلاثة مذاهب للناس، الأشبه بمذهب الشافعي أن أطيبها التجارة، وفي
((روضة الطالبين)) للنووي أشبهها مذهب الشافعي أن التجارة أطيب، قال:
والأرجح عندي أن أطيبها الزراعة؛ لأنها أقرب إلى التوكل.
وتعقبه النووي بحديث المقدام، فقال: هذا صريح في ترجيح الزراعة والصنعة؛
لكونهما من عمل يده لكن الزراعة أفضلهما لعموم النفع بها للآدمي وغيره، وعموم
الحاجة إليها، ولأنه لا بد فيه في العادة أن يؤكل منه بغير عوض، أي: فيحصل له

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْكِسْبٍ وَطَلَبِ الْحَلَالِ
POiNE
٢١٣
##CE
أجر.
قال الحافظ : وفوق ذلك من عمل الید ما يكتسب من أموال الكفار بالجهاد وهو
مكسب النبي وَلّ وأصحابه، وهو أشرف المكاسب؛ لما فيه من إعلاء كلمة الله
تعالى وخذلان كلمة أعدائه والنفع الأخروي. قال: وما ذكر لترجيح الزراعة من
عموم النفع وتعديه ففيه أنه لم ينحصر النفع للتعدي في الزراعة بل كل ما يُعْمل
باليد، فنفعه متعد لما فيه من تهيئة أسباب ما يحتاج الناس إليه، والحق أن ذلك
يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والعلم عند الله تعالى. وقال ابن القيم: في
أطيب المكاسب وأحلها ثلاثة أقوال للفقهاء: أحدها: أنه كسب التجارة. والثاني:
أنه عمل اليد في غير الصنائع الدنيئة كالحجامة ونحوها. والثالث: أنه الزراعة،
ولكل قول من هذه وجه من الترجيح أثرًا ونظرًا، والراجح: أن أحلها الكسب الذي
جعل منه رزق رسول الله وَّل، وهو كسب الغانمين وما أبيح لهم على لسان
الشارع، وهذا الكسب قد جاء في القرآن مدحه أكثر من غيره، وأثنى على أهله ما
لم يثن علی غیرهم، ولهذا اختاره الله لخير خلقه و خاتم أنبيائه ورسله حيث يقول :
((جعل رزقي تحت ظل رمحي)) وهو الرزق المأخوذ بعزة وشرف وقهر لأعداء الله،
وجعل أحب شيء إلى الله، فلا يقاوم كسب غيره.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في البيع وهو من أفراده، لم يخرجه مسلم، وقد أخرجه أحمد
(ج ٤ ص ١٣١) وابن ماجه والبغوي في ((شرح السنة)) (ج ٨ ص ٦)، وفي الباب من
حديث سعيد بن عمير عن عمه عند الحاكم وصححه. قال ابن معين: عم سعيد هو
البراء بن عازب، ورواه البيهقي عن سعيد بن عمير مرسلاً، وقال: هذا هو
المحفوظ، وأخطأ من قال: ((عمه))، ومن حديث جميع بن عمير عن خاله عند
أحمد والطبراني في «الكبير» وخال جميع هو أبو بردة بن نیار کما صرح بذلك عند
الطبراني، ومن حديث ابن عمر عند الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)). قال
الهيثمي: رجاله ثقات من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((خير الكسب كسب العمل
إذا نصح)) أخرجه أحمد، قال الهيثمي: رجاله ثقات، ومن حدیث رافع بن خديج
عند أحمد والشافعي والبزار والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، وسيأتي في
الفصل الثالث. ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أحمد وأبي
داود، ومن حديث عائشة عند النسائي وغيره.

٢١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابيح
٢٧٨٥ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((إِنَّ اللهَ
طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّ طَيًِّا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ:
[المؤمنون: ٥١]. وَقَالَ تَعَالَى:
يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الَّتِبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: الآية ١٧٢] ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ
يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ
حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ
لِذَلِكَ؟».
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشرح
٢٧٨٥ - قوله: (إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ) أي: منزه من النقائص والعيوب، وقيل: عند
أحمد ومسلم والترمذي: ((أيها الناس)) (لا يَقْبَلُ) أي: من الصدقات ونحوها من
الأعمال (إِلَّا طيِّبًا) أي: منزها من العيوب والأغراض الفاسدة في النية، قال
القاضي: الطیب ضد الخبيث، فإذا وصف به تعالی ارید به أنه منزه عن النقائص،
مقدس عن الآفات، وإذا وصف به العبد مطلقًا أريد به أنه المتعري عن رذائل
الأخلاق وقبائح الأعمال والمتحلي بأضداد ذلك، وإذا وصف به الأموال؛ أريد به
كونه حلالاً من خيار الأموال. ومعنى الحديث: أنه تعالى منزه عن العيوب، فلا
يقبل ولا ينبغي أن يتقرب إليه إلا بالذي يناسبه في هذا المعنى، وهو خيار أموالكم
الحلال كما قال تعالى: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبَرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: الآية ٩٢] كذا في
((المرقاة)) (وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ) ((ما)) موصولة والمراد بها:
أكل الحلال وتحسين الأموال (فقال: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾
[المؤمنون: الآية ٥١]) وبعده عند أحمد ومسلم والترمذي (﴿إِنِ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [المؤمنون: الآية
٥١]) وهذا النداء خطاب لجميع الأنبياء لا على أنهم خوطبوا بذلك دفعة واحدة؛
لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة، بل على أن كلَّا منهم خوطب به في زمانه، ويمكن
أن يكونه هذا النداء يوم الميثاق؛ لخصوص الأنبياء، وفيه: تنبيه على أن إباحة
(٢٧٨٥) أخرجه مسلم (١٠١٥).

٢١٥
كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْكَسْبٍ وَطَلَبِ الْحَلَالِ
الطيبات شرع قديم واعتراض على الرهبانية في رفضهم اللذات، وإيماء إلى أن أكل
الطيب مورث للعمل الصالح وهو ما يتقرب به إلى الله تعالى قاله القاري.
وقال الشنقيطي: أمر جل وعلا في هذه الآية رسله مع أن الموجود منهم وقت
نزولها واحد وهو نبينا ◌َّ بالأكل من الطيبات، وهي الحلال الذي لا شبهة فيه على
التحقيق، وأن يعملوا العمل الصالح، وذلك يدل على أن الأكل من الحلال له أثر
في العمل الصالح وهو كذلك، وهذا الذي أمر به الرسل في هذه الآية أمر به
المؤمنين من هذه الأمة التي هي خير الأمم، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَّكُمْ﴾ [البقرة: الآية ١٧٢] والآية تدل على أن كل رسول أمر في
زمنه بالأكل من الحلال والعمل الصالح وتأثير الأكل من الحلال في الأعمال
معروف، ثم ذكر حديث أبي هريرة هذا، ثم قال: هو يدل دلالة واضحة أن دعاءه
الذي هو من أعظم القرب لم ينفعه؛ لأنه لم يأكل من الحلال ولم يشرب منه ولم
يركب منه - انتهى. (وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ﴾) قال القاري: الأمر
للإباحة أو للوجوب كما لو أشرف على الهلاك، أو للندب، كموافقة الضيف
والاستعانة به على الطاعة ﴿مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْتَكُمْ﴾ [البقرة: الآية ١٧٢] أي: حلالاته أو
مستلذاته، وتتمته ﴿وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِنَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: الآية ١٧٢]. قال
الشوكاني: قوله: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْتَكُمَّ﴾ [البقرة: الآية ١٧٢] هذا تأكيد للأمر الأول
المذكور قبله أعني قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَا فِىِ الْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: الآية ١٦٨]
وإنما خص المؤمنين هنا؛ لكونهم أفضل أنواع الناس. قيل: والمراد بالأكل
الانتفاع، وقيل: المراد به الأكل المعتاد وهو الظاهر (ثم ذكر الرجل) هذه الجملة
من كلام الراوي، والضمير في قوله: ((ذكر)) للنبي بَّهُ و((الرجل)) بالرفع مبتدأ
مذكور على وجه الحكاية من لفظ رسول الله وَّه، ويجوز أن ينصب على أنه
مفعول ((ذكر)) .
وقال القاري: ((الرجل)) بالنصب على المفعولية، وفي نسخة بالرفع على أنه
مبتدأ وما بعده خبر، والجملة في محل النصب للمفعولية (يُطِيلُ السَّفَرَ) أي: يسافر
إلى مكان بعيد. قال النووي: معناه - والله أعلم - أنه يطيل السفر في وجود
الطاعات كحج وزيارة مستحبة وصلة رحم وغير ذلك (أَشْعَثَ أَغْبَرَ) أي: حال كونه
ذا وسخ وغبار، قال القاري: حالان متداخلان أو مترادفان، وكذا قوله. (يَمُدُّ يَدَيْهِ)

٢١٦
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
** Esee
بالتثنية أي: مادًّا یدیه، رافعًا بهما، وفي رواية أحمد: (ثم یمد یدیە)) (يا رب يا رب)
أي: داعيًّا قائلًا: يا رب يا رب. قال القاري: فيه إشارة إلى أن الدعاء بلفظ الرب
مؤثر في الإجابة لإيذانه بالاعتراف بأن وجوده فائض عن تربيته وإحسانه وجوده
وامتنانه (وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ) مصدر ميمي بمعني مفعول، أي: مطعومه حرام،
والجملة حال أيضًا، وكذا قوله: (وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ) أي: مشروبه حرام
وملبوسه حرام (وغُذِيَ) بضم الغين وتخفيف الذال المعجمة المكسورة أي: رُبِّيَ
(بالحرام) أي: من صغره إلى كبره. قال الأشرف: ذكر قوله: ((وغذي بالحرام)) بعد
قوله: ((ومطعمه حرام)) إما لأنه لا يلزم من كون المطعم حرامًا التغذية به، وإما
تنبيهًا به على استواء حاليه أعني: كونه منفقًّا في حال كبره ومنفقًا عليه في حال
صغره في وصول الحرام إلى باطنه، وأشار بقوله: ((ومطعمه حرام)) إلى حال كبره.
وبقوله: ((وغذي بالحرام)) إلى حال صغره في وصول الحرام إلى باطنه، فأشار
بقوله: ((مطعمه حرام)) إلى حال كبره، وبقوله: ((وغذي بالحرام)» إلى حال صغره،
وهذا يدل على أن لا ترتيب في الواو. قال القاري: وذهب المظهر إلى الوجه
الثاني، ورجح الطيبي الوجه الأول، ولا منع من الجمع، فيكون إشارة إلى أن عدم
إجابة الدعوة إنما هو لكونه مُصِرًّا على تلبس الحرام - انتهى. قال الأشرف:
(يطيل)) محله نصب صفة الرجل؛ لأن جنس المعرفة بمنزلة النكرة كقوله:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَئِيمِ يَسُبُِّي
قال الطيبي: قوله: ((ثم ذكر الرجل)) يريد الراوي، أن رسول الله وَالاله عقب
كلامه بذكر الرجل الموصوف؛ استبعادًا أن الله تعالى يقبل دعاء آكل الحرام؛
لبغضه الحرام وبعد مناسبته من جنابة الأقدس، فأوقع فعله على الرجل ونصبه،
ولو حكي لفظ الرسول وَ ليل رفع الرجل بالابتداء، والخبر ((يطيل)) وقوله: ((أشعث
أغبر)) حالان مرادفتان، وقوله: ((يا رب)) أي: يمد يديه قائلًا: يا رب، وكل هذه
الحالات دالة على غاية استحقاق الداعي للإجابة. قال: وقوله: ((ومطعمه ومشربه
وملبسه وغذي)) حال من فاعل ((قائلًا)) قال: ودلت تلك الخيبة على أن الصارف قوي
والحاجز مانع شدید - انتھی بتصرف یسیر .
(فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ) أي: من أين يستجاب لمن هذه صفته؟ أو كيف يستجاب

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْكَسْبِ وَطَلَبِ الْحَلَالِ
٢١٧
له؟ والاستفهام للاستبعاد. قال ابن الملك: هذا استبعاد لاستجابة الدعاء لا بيان
لاستحالته. قال النووي: في الحديث الحث على الإنفاق من الحلال، والنهي عن
الإنفاق من غيره، وفيه: أن المشروب والمأكول والملبوس ونحو ذلك ينبغي أن
يكون حلالًا خالصًا لا شبهة فيه، وأن من أراد الدعاء؛ كان أولى بالاعتناء بذلك من
غيره .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الزكاة، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٢ ص ٣٢٨) والترمذي في
تفسير سورة البقرة، والدارمي في الرقاق وابن المنذر وابن أبي حاتم والبغوي (ج
٨ ص ٧-٨).
٢٧٨٦ - [٣] وعنه قال: قال رسول الله وَّل: (يَأْتِي عَلَى النَّاسِ
زَمَانٌ، لاَ يُبَالِي المَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ الحَلَاَلِ أَمْ مِنَ الحَرَامِ؟)) [رَوَاهُ البُخَارِيُّ]
الشرح
٢٧٨٦ - قوله (يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ) في رواية أحمد: («ليأتين على الناس
زمان)) وهكذا وقع في رواية البخاري في باب قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تَأْكُلُواْ الْرِّبَؤْأْ أَضْعَفًا مُضَعَفَةٌ﴾ [آل عمران: الآية ٠ ١٣] واللام فيه جواب قسم محذوف
وعدى الإتيان بـ(على)) لتضمنه معنى الغلبة كذا قيل (لاَ يُبَالِي المَرْءُ مَا) أي: بما
(أَخَذَ) أي: المرأ (مِنْهُ) أي: مما أخذ (أَمِنَ الحَلاَلِ) أي: أهو من الحلال (أَمْ مِنَ
الحَرَامِ؟) فالضمير المجرور في ((منه)) راجع إلى ((ما)) والمراد به المال، وقد جاء
هذا الحديث برواية أخرى وفيها لفظ المال، فقد رواه أحمد بلفظ: ((لا يبالي المرء
بما أخذ من المال بحلال أو حرام» وللبخاري في الباب المذكور ((لا يبالى المرأ بما
أخذ المال أمن حلال أم من حرام»، وللنسائي: ((يأتي على الناس زمان ما يبالي
الرجل من أين أصاب المال من حلال أو حرام؟» قال السندي: قوله: ((من أين
أصاب ... )) الخ أي: من أي وجه، أي: لا يبحث أحد عن الوجه الذي أصاب المال
منه أهو من حلال أم حرام؟ وإنما المال نفسه يكون مطلوبًا بأي وجه وصل اليد إليه
(٢٧٨٦) أخرجه البخاري (٢٠٨٣، ٢٠٥٩) ولم أجده في مسلم.

٢١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أخذه، ومثل هذا الحديث حديث ((يأتي على الناس زمان يأكلون الربا)» قلت: هو
زماننا هذا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وفيه معجزة بينة له وَل. انتهى. وقال الطيبي
في شرح لفظ الكتاب: يجوز أن تكون ((ما)) موصولة أو موصوفة والضمير المجرور
راجع إليها و ((من)) زائدة على مذهب الأخفش وما منصوب على نزع الخافض أي
لا يبالي بما أخذ من المال، وأم متصلة ومتعلق ((من)) محذوف والهمزة قد سلب
عنها معنى الاستفهام وجردت لمعنى الاستواء، فقوله: ((من الحلال أخذ أم من
الحرام)) في موضع الابتداء: ((لا يبالي)) خبر مقدم يعني من الحلال ومن الحرام
مُسْتَرٍ عنده ولا يبالي بأيهما أخذ ولا يلتفت إلى الفرق بين الحلال والحرام، كقوله
تعالى: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرُهُمْ﴾ [البقرة: الآية ٦] أي سواء عليهم إنذارك
وعدمه - انتهى. وفي الحديث: ذم ترك التحري في المكاسب.
قال ابن التين: أخبر النبي وَل بهذا؛ تحذيرًا من فتنة المال وهو من بعض دلائل
النبوة لإخباره بالأمور التي لم تكن في زمنه، ووجه الذم من جهة التسوية بين
الأمرين، وإلا فأخذ المال من الحلال غير مذموم من حيث هو.
قلت: وهذا من معجزاته فإنه إخبار عن أمر غيبي وقد وقع على وفق ما أخبر به
وهو كثير في زماننا هذا، نسأل الله السلامة.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في موضعين من كتاب البيوع ولم يخرجه مسلم، وقد أخرجه
أحمد (ج ٢ ص ٤٣٥، ٤٥٢، ٥٠٥) والدارمي والنسائي والبيهقي في البيوع
والبغوي ( ج ٨ ص ١٧).

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْكَسْبِ وَطَلَبِ الْحَلَالِ
٢١٩
وَال :
٢٧٨٧ - [٤] وعن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله
((الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ،
فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ؛ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ؛ وَقَعَ فِي
الْحَرَامِ، كَالزَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكَ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكِ
حِمَّى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ؛
صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَا وَهِيَ الْقَلْبُ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٧٨٧- قوله (الْحَلَالُ بَيِّنٌ) بتشديد الياء المكسورة، أي: ظاهر من باب
((يبين بيانًا)) إذا اتضح، وهو على وزن فيعل، قال القاري: ((الحلال بين)) أي:
واضح لا يخفى حِلَّهُ بأن ورد نص على حله، أو مهد أصل يمكن استخراج
الجزئيات منه، كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: الآية ٢٩] فإن
اللام للنفع، فعلم أن الأصل في الأشياء الحل إلا أن يكون فيه مضرة، وقوله:
(وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ) أي: ظاهر لا تخفى حرمته بأن ورد نص على حرمته كالفواحش
والمحارم وما فيه حد وعقوبة والميتة والدم ولحم الخنزير ونحوها، أو مهد ما
يستخرج منه نحو كل مسكر حرام. انتهى كلام القاري.
وقال السندي: قوله: ((الحلال بين ... )) الحديث. ليس المعنى أن كل ما هو
حلال عند الله فهو بين بوصف الحل يعرفه كل أحد بهذا الوصف وما هو حرام
عند الله تعالى فهو كذلك، وإلا لم يبق المشتبهات، وإنما معناه - والله أعلم - أن
الحلال من حيث الحكم بَيِّنٌ بأنه لا يضر تناوله، وكذلك الحرام بأنه يضر تناوله،
أي: هما بينان يعرف الناس حكمهما، لكن ينبغي أن يعلم الناس حكم ما بينهما من
المشتبهات؛ لأن تناوله يخرج من الورع ويقرب إلى تناول الحرام، وعلى هذا،
فقوله: ((الحلال بين والحرام بين)) اعتذار لترك ذكر حكمهما. انتهى.
(٢٧٨٧) أخرجه البخاري (٥٢، ٢٠٥١)، ومسلم (١٥٩٩).