النص المفهرس
صفحات 121-140
aBONE
١٢٠
THE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بقربه جبل صغير، فسأله ما اسم هَذَا الجبل؟ فقال له: يسمى ثورًا. وقد حكى عنه
نحو هَذَا القطب الحلبي في ((شرح البخاريِّ) ثم قال: فعلمت بذلك صحَّة الرواية.
وقال المحب الطبري في ((الأحكام)» بعد حكاية كلام أبي عبيد ومن تبعه: قد أخبرني
الثقة الصدوق الحافظ العالم أبو محمد عبد السلام البصري أن حذاءَ أُحُد عن يساره
جانحًا إلى ورائه جبل صغير يقال له: ثور. وأخبر أنه تكرَّر سؤاله عنه لطوائف من
العرب العارفين بتلك الأرض، وما فيها من الجبال، فكلُّ أخبر أن ذلك الجبل
اسمه ثور، وتواردوا علی ذلك.
قال الطَّبري: فعلمنا بذلك أن ذکر ثور في الحدیث صحیح، وأن عدم علم أكابر
العُلَمَاء به لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه. قال: وهذه فائدة جليلة، انتهى. وقال
الحافظ بعد حكاية كلام ابن مزروع البصري والمحب الطبري والقطب الحلبي:
وذكر شيخنا أبو بكر بن حسين المراغي نزيل المدينة في ((مختصره لأخبار المدينة))
أن خَلَفَ أهل المدينة ينقلون عن سلفهم أن خَلْفَ أحد من جهة الشمال جبلًا صغيرًا
يضرب لونه إلى الحمرة بتدوير يسمى ثورًا. قال: وقد تحقَّقْتُهُ بالمشاهدة. انتهى
كَلَام الحَافِظ. ونقل السمهودي عن الإقشهري أنه قال: قد استقصينا من أهل
المدینة تَحْقِیق خبر جبل يقال له: ثور عندهم، فوجدنا ذلك اسم جبل صغير خلف
جبل أحد يعرفه القدماء دون المحدثين من أهل المدينة. والذي يعلم حجة على من
لا يعلم. انتهى.
واعلم: أنَّ ما ورد في حديث علي هَذَا من تحديد حرم المدينة بما بين عير وثور
لا ينافي الحديث الآتي: ((إِنِّي أَحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَي الْمَدِينَةِ))؛ لأن اللابتين حرتان
یکتنفانها، کما في ((القاموس))، وعیر وثور مكتنفان المدينة، فحدیث عیر وثور
يفسر اللابتين، وقيل حديث: ((مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا)) يعني: من جهة المشرق والمغرب،
فإن من جهة المشرق حرة ومن جهة المغرب أخرى، وحديث: ((مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى
ثَوْرٍ)) يعني: من جهة الجنوب والشمال، فثور من جهة الشمال، وعير من جهة
الجنوب. والله أعلم.
وفي حديث علي هَذَا وفيما يأتي من أحاديث سعد بن أبي وقاص، وحديث أبي
سعيد وحديث أنس دليل على أن للمدينة حرمًا كحرم مكة، وقد روي في هَذَا عن
١٢١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ المُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
جماعة من الصَّحَابَة غير هؤلاء، ذكر أحاديثهم المجد في ((المنتقى))، والعيني في
((العمدة)) (ج١٠: ص ٢٣١) والهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٣: ص ٣٠٣)
والسمهودي في ((وفاء الوفا)) (ص٨٩، ١٠٥، ١٠٨). قال الشوكاني: استدل بما
في هذه الأحاديث من تحريم شجر المدينة وخبطه وعضده وتحريم صيدها وتنفيره
الشافعي ومالك وأحمد وجمهور أهل العلم على أن للمدينة حرمًا كحرم مكة يحرم
صيده وشجره. قال الشافعي ومالك: فإن قتل صيدًا أو قطع شجرًا فلا ضمان؛ لأنَّهُ
ليس بمحل للنسك، فأشبه الحمى. وقال ابنُ أبي ذئب وَابْن أبي ليلى: يجب فيه
الجزاء كحرم مكة، وبه قال بعض المالكية وهو ظاهر قوله: (كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ
مَكَّةَ))، وذهب أبو حنيفة وزيد بن علي والناصر إلى أن حرم المدينة ليس بحرم على
الحقيقةِ ولا تثبت له الأحكام من تحريم قتل الصيد وقطع الشجر، والأحاديثُ تردّ
عليهم. انتهى. وقال العَيْنِي: احتجَّ بأحاديث تحريم حرم المدينة محمد بن أبي
ذئب والزهري والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق، وقالوا: المدينة لها حرم، فلا
يجوزُ قطع شجرها ولا أخذ صيدها، ولكنَّهُ لا يجبُ الجزاء فيه عندهم خلافًا لابن
أبي ذئب فإنه قال: يجب الجزاء، وكذلك لا يحل سلب من يفعل ذلك عندهم إلا
عند الشافعي. وقال في القديم: من اصطاد في المدينة صيدًا أخذ سلبه، ويروى فيه
أثرًا عن سعد، وقال في الجديد بخلافه. وقال الثوري وعبد الله بن المبارك وأبو
حنيفة وأبو يوسف ومحمد: ليس للمدينة حرم كما كان لمكة، فلا يمنع أحد من
أخذ صيدها وقطع شجرها. انتهى.
والمراد من المنع: منع استحباب لا تحريم، فلا يحرم عند الحنفية أخذ صيدها
وقطع شجرها، بل يكره فقط كما في ((المرقاة)). قال في ((الكافي)): لأن حِلَّ
الاصطياد عرف بالنصوص القاطعة، فلا يحرم إلا بقاطع كذلك، ولم يوجد، وأما
تحريم مكة فنصوص الكتاب فيه صريحة. قال التُّورِبَشْتِي: قوله ◌َّرَ: ((حرمت
المدينة)) أراد بذلك تحريم التعظيم دون ما عداه من الأحكام. قوله {وَل في حديث
مسلم ((لَا تُخْبَطُ منهَا شَجَرَةٌ إِلَّا لِعَلْفٍ)) وأشجار حرم مكة لا يجوزُ خبطها بحالٍ،
وأما صيد المدينة وإن رأى تحريمه نفر يسير من الصحابة، فإن الجمهورَ منهم لم
ينكروا اصطياد الطيور بالمدينة ولم يبلغنا فيه عن النَّبِي بَّ نهي من طريق يعتمد
عليه. انتهى. وأيضًا قال أصحابنا: قوله - عليه الصلاة والسلام: ((أَحَرِّمُ)) من
١٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحرمة لا من التحريمِ بمعنى أعظم المدينة؛ جمعًا بين الدليلين بقدر الإمكانِ، وبه
نقول فنعظمها ونوقرها أشد التوقير والتعظيم، لكن لا نقول بالتحريم؛ لعدم القاطع
احترازًا عن الجرأة على تحريم ما أحلَّ اللهُ تعالى. فإن قيل: إنه شبه التحريم
بمكّة، فكيف يصح الحملِ على التعظيمِ؟ أجيب: بأنه لا يخلو عن أمرين، إما أنْ
یگُون المراد التشبيه من کلِّ الوجوه أو من وجه دون وجه، فإن كان الأول فلا يصح
الحمل على ما حملتم عليه قوله: ((كَتَحْرِيمٍ إِبْرَاهِيمَ مَكَّةَ» فقلتم في الحرمة فقط لا
في وجوب الجزاء في المشهور من المذهب، وإن قلتم بوجوب الجزاء فلا نسلم؛
لأنَّهُ لم يثبتْ عن النبيِّ وَّه ولا عن الصَّحَابَة ﴿ه إلا عن سعدٍ فقط. وعن عمر في
قول، وهو سلب القاطع والصائد، وقد أجمعنا أن ذلك لا يجبُ في حرمٍ مكة،
فكيف يجبُ هناك؟ وإن كان الثاني فكما حملتم على شيء ساغ لنا أن نحمل على
آخر، وهذا؛ لأنَّ تشبيه الشيء بالشيء یصُ من وجه واحد، وإن کان لا يشبهه من
كل الوجوه كما في قَوْلِه تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَدَمْ﴾ [آل عمران: الآية
٥٢]. يعني: من وجه واحد وهو تخليقه بغير أبٍ، فكذلك نقول: إن تشبيهه بمكة
في تحريم التعظيم فقط لا في التحريم الَّذِي يتعلق به أحكام أخر؛ لأن ذلك يوجب
التعارض بين الأحاديث، وبالحمل على ما قلنا يدفع ودفعه هو المطلوب مهما
أمكن بالإجماع، فصار المصير إلى ما ذهبنا إليه أولى وأرجح بلا نزاع. انتهى.
قال صاحب ((فتح الملهم)) بعد ذكر هَذَا كله: قلتُ: ولكن يرد هَذَا كله حَدِيث
جَابِرِ عند مسلم بلفظ: ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَا بَتَيْهَا، لَا
يُقْطَعُ عِضَاهُهَا، وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا)). وأصرح منه حديث سعد بلفظ: ((إِنِّي أُحَرِّمُ مَا
بَيْنَ لَابَيْ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا)). وفي حديث ابن عباس عند
أحمد (ج١: ص ٣١٨) بإسنادٍ حسنٍ: ((لِكُلِّ نَبِيِّ حَرَمٌ وَحَرَمِي الْمَدِينَةُ، اللَّهُمَّ إِنِّي
أُحَرِّمُهَا بِحُرَمِكَ، أَنْ لَا يُؤْوَى بِهَا مُحْدِثٌ وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا وَلَا
تُؤْخَذُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدِهَا)). فقد ثبت النهي عن الاصطياد بطريق يعتمد عليه، وظهر
أن التحريم فيه ليس بمعنى التوقير والتعظيم فقط، بل هو واقع على قطع العضاه
وقتل الصيد كالحرم المكي والله أعلم. انتهى.
قلت: والأصل في المنع والنهي: التحريم حتى تقوم دلالة على التنزيه، ولم
يقم دليل على كون النهي؛ لكراهة التنزيه، بل ورد ما يدلّ على كونه للتحريم، فقد
١٢٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ المُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
روى مسلم من طريق يزيد بن هارون عن عاصم الأحول قال: سألت أنسًا أَحرَّمَ
رسولُ اللهِ وَثّ المدينة؟ قال: نعم هي حرامٌ، لا يختلى خلاها، فمن فعل ذلك
فعليه لعنةُ اللهِ والملائكة والناسِ أجمعينَ. ففي هذه الرواية ترتَّب الوعيد الشديد
على المختلي، قال صاحب ((فتح الملهم)): هَذَا مخالف لما ذهب إليه الحنفية من
حمل النهي عن الاختلاء ونحوه على الكراهة مع إثبات الإباحة. قال: ولم أجد في
غير هَذَا الطريق ويختلج في قلبي أن الرواية وقع فيها اختصار، وحذف بعض الرواة
ذكر الإحداث وإيواء المحدث، وكان الوعيد مرتبًا على ذلك المحذوف، كما هو
المصرح في سائر الروايات عن أنسٍ، وأيضًا ليس في هذه الرواية التصريح برفع
هذه الجملة إلى النَّبِي بََّ، كما لا يخفى على المتأمل. انتهى.
قلت: ليس منشأ هَذَا الاختلاج إلا أن هذه الرواية مخالفة لمذهب الحنفية،
فاضطر إلى توهينها والتشكيك في رفعها، وإلا فليس ها هنا ما يدل على كونها
مخالفة لسائر الروايات. فتأمل. وأجاب الحنفية أيضًا عن الأحاديث المذكورة
بأنه وَ لخيّ إنما قال ذلك لا لأنه لما ذكروه من تحريم صيد المدينة وشجرها، بل إنما
أراد بذلك بقاء زينة المدينة ليستطيبوها ويألفوها وذلك كمنعه وَّل من هدم آطام
المدينة وقال: ((إِنَّهَا زِينَةُ الْمَدِينَةِ)). قال الحافظ: قال الطحاوي: يحتمل أنْ يَكُون
سبب النهي عن صيد المدينة وقطع شجرها كون الهجرة كانت إليها، فكان بقاء
الصيد والشجر مما يزيد في زينتها ويدعو إلى ألفتها، كما روى ابن عمر: أنَّ
النَّبِي ◌َّ نهى عن هدم آطام المدينةِ، فإنها من زينةِ المدينةِ، فلما انقطعت الهجرة
زالَ ذَلِك، وما قاله ليس بواضحٍ؛ لأن النسخ لا يثبت إلا بدليلٍ، وقد ثبت على
الفتوى بتحريمها سعد وزيد بن ثابت وأبو سعيد وغَيْرهم، كما أخرجه مسلم .
قال الحافظ: واحتج الطحاوي - لما ذهب إليه الحنفية - بحديث أنس في قصةٍ
أبي عمير ((مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» قال: لو كانَ صيدُها حرامًا ما جازَ حبس الطير.
وأجيب: باحتمال أنْ يَكُون من صيدِ الحلِّ. قال أحمد: من صاد من الحلِّ ثم أدخله
المدينة لم يلزمه إرساله لحديث أبي عمير، وهذا قول الجمهور، لكن لا يرد ذلك
على الحنفية؛ لأنَّ صيد الحل عندهم إذا دخل الحرم كان له حكم الحرم، ويحتملُ
أن تكون قصة أبي عمير كانت قبل التحريم - لأنه في أول الهجرة، وتحريم المدينة
كان بعد رجوعه ◌َّ من خيبر - واحتج بعضُهُم بحديثٍ أنس في قصةٍ قطع النخل
١٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
لبناء المسجدِ، ولو كان قطع شجرها حرامًا ما فعله ◌ََّ، وتعقّب: بأن ذلك كان في
أولِ الهجرة كما سيأتي واضحًا في أوَّلِ المغازي، وحديث تحريم المدینة كان بعد
رجوعِهِ مَّلجر من خيبر، كما سيأتي في حديث عمرو بن أبي عمرو عن أنس في
الجهاد، وفي غزوة أحد من المغازي واضحًا.
قلت: واستدلَّ الحنفيةُ أيضًا بما رواه الطحاوي والطَّرَاني وَابْن أبي شيبة عن
سلمة أنه قال له رسول اللّه وَله: ((أَمَا إِنَّكَ لَوْ كُنْتَ تَصَيَّدَتَ بِالْعَقِيقِ لَشَيَّعْتُكَ إِذَا
ذَهَبْتَ وَتَلَقَّْتُكَ إِذَا جِئْتَ، فَإِنِّي أُحِبُّ الْعَقِيقَ)). قال الطحاوي: ففي هَذَا الحديث ما
يدلّ على إباحةٍ صيد المدينة، ألا ترى رسول اللَّه وَ ل قد دلَّ سلمة، وهو بها على
موضع الصيد، وذلك لا يحل بمكة، فثبتَ أن حكم صيد المدینة خلاف حكم صيد
مكة. وقال في ((النخبة)): هَذَا تصريح من النَّبِي وَ لّ على جواز صيد المدينة، فإنَّ
الأئمة اتفقوا على أنَّ العقيق من المدينة ولم يخالف فيه مخالف.
وأجيب عن ذلك بما قال البيهقي: إن حديث سلمة ضعيف، ومن يدعي العلم
بالآثار لا ينبغي له أن يعارض الأحاديث الثابتة في حرم المدينةِ بِهَذَا الحَدِيث
الضعيف، وقد يجوزُ أنْ يَكُون الموضع الَّذِي كان سلمة يصيدُ فيه خارجًا من حرمِ
المدينةِ، والموضعُ الَّذِي رأى فيه سعد بن أبي وقاص غلامًا يقطع شجرًا من حرم
المدينة داخله حتى لا يتنافيان، ولو اختلفا كان الحكم لرواية سعد لصحة حديثه
وثقة رجاله دون حديث سلمة. انتهى.
ويحتمل أنَّ حديث سلمة كان قبل تحريم المدينة. قال صاحب ((فتح الملهم)):
والذي تحصل من مجموع الروايات - والله سبحانه وتعالى أعلم - أن لمكة حرمًا
وللمدينة حرمًا يختلف عن حرم مكة في نوع من الأحكام كالنهي عن دخولها بغير
إحرام وغيره، ويشبهه في نوع منها، كالنهي عن الاصطياد وقطع الشجر مع تفاوت
الدرجات فيه من حيث ورود التشديد والتغليظ في شأن مكة وإيجاب العقوبات
على من جنى فيها على غير شاكلة ما هو في شأن المدينة من وقوع التساهل
والإغماض عمن ارتكب شيئًا مما نهى عنه، وهذا غير خاف على من تأمّل في
الأحاديث التي ذكرناها من الطحاوي وغيره، ويشهد لهذا التخفيف أيضًا ما رخص
النَّبِي وَّ في خبط شجرها لعلف الدواب، وقال في حديثٍ جابرٍ عند أبي داود
١٢٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم الْمَدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
وغيره: ((لَا يُخْبَطُ وَلَا يُعْضَدُ حِمَى رَسُولِ اللَّهِ ◌ِلّهِ وَلَكِنْ يُهَشُّ هَشَّا رَفِيقًا)) أي: ينثر
نثرًا بلينٍ ورفقٍ، ولهذا لم يجر التعامل على ما في حديث سعد من التعزير
بالسلبِ؛ بل قال ابنُ بطالٍ: حديث سعد في السلب لم يصح عند مالك، ولا رأى
العمل عليه بالمدينة، كما في ((عمدة القاري)). انتهى.
وقال الحافظ: قال ابن قدامة: يحرم صيد المدينة وقطع شجرها، وبه قال مالك
والشافعي وأكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة: لا يحرم، ثم من فعل مما حرم عليه
فيه شيئًا أثم ولا جزاء عليه في رواية لأحمد، وهو قول مالك والشافعي في الجديد
وأكثر أهل العلم وفي رواية لأحمد وهو قول الشافعي في القديم وَابْن أبي ذئب،
واختاره ابن المنذر وَابْن نافع من أصحاب مالك، وقال القاضي عبد الوهاب: إنه
الأقيس واختاره جماعة بعدهم فيه الجزاء، وهو كما في حرم مكة، وقيل: الجزاء
في حرم المدينة أخذ السلب لحديثٍ صحَّحَه مسلم عن سعد بن أبي وقاص، وفي
رواية لأبي داود: ((مَنْ وَجَدَ أَحَدًا يَصِيدُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ، فَلْيَسْلُبْهُ)). قال القاضي
عياض: لم يقل بهذا بعد الصَّحَابَة إلا الشافعي في القديم.
قلت - قائله الحافظ: واختارَهُ جماعةٌ معه وبعده لصحة الخبر فيه، ولمن قال به
اختلاف في کیفیته و مصرفه، والذي دلَّ علیه صنیع سعد عند مسلم وغيره أنه کسلب
القتيل، وأنه للسالب لكنه لا يخمس، وأغرب بعض الحنفية، فادعى الإجماع على
ترك الأخذ لحديث السلب، ثم استدلَّ بذلك على نسخ أحاديث تحريم المدينة،
ودعوى الإجماع مردودة، فبطل ما ترتب عليها. قال ابن عبد البر: لو صحَّ حديث
سعد لم يكن في نسخ أخذ السلب ما يسقط الأحاديث الصحيحة، ويجوزُ أخذ
العلف لحديث أبي سعيد في مسلم: ((وَلَا يُخْبَطُ فِيهَا شَجَرَةٌ إِلَّا لِعَلْفٍ)). ولأبي داود
من طريق أبي حسان عن علي نحوه. وقال المهلب: في حديث أنس دلالة على أن
المنهي عنه في الحديث الماضي مقصور على القطع الَّذِي يحصل به الإفساد، فأما
من يقصد الإصلاح، كمن يغرس بستانًا مثلًا، فلا يمتنع عليه قطع ما كان لتلك
الأرض من شجر يضر بقاؤه. قال: وقيل: بل فيه دلالة على أن النهي إنما يتوجه إلى
ما أنبته اللَّه من الشجر مما لا صنع فيه للآدمي، كما حمل عليه النهي عن قطع شجر
مكة، وعلى هَذَا يحمل قطعه وَّهِ النخل وجعله قبلة المَسْجِد ولا يلزم منه النسخ
المذكور. انتهى. ويأتي مزيد الكلام على حرم المدينة ومسألة السلب في شرح
١٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
حديث سعد الآتي.
٢ فائدة:
روى مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب
عن أبي هريرة، قال: حرم رسول اللَّه وَ له ما بين لا بتي المدينة. قال أبو هريرة: فلو
وجدت الظباء ما بين لابتيها ما ذعرتها، وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حمى.
وروى أبُو دَاوُد من حديث عدي بن زيد قال: حمى رسول اللّه وَّ كل ناحية من
المدينة بريدًا بريدًا لا يخبط شجره ويعضد إلا ما يساق به الجمل. وقد سكتَ عليه
أَبُو دَاوُد وكذا سكت عليه الحافظ في ((الفتح))، وقال المنذري: في إسناده سليمان
ابن كنانة، سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: لا أعرفه، ولم يذكره البُخَارِي في
((تاريخِهِ))، وفي إسنادِهِ أيضًا عبد الله بن أبي سفيان وهو في معنى المجهول.
انتھی .
وقال في ((التقريب)) في عبد الله بن أبي سفيان: إنه مقبول. قال السمهودي
(ص٩٦): اعلم أن قوله في حديث مسلم: وجعلَ اثني عشر ميلاً حولَ المدينةِ
حمى. ظاهِر في التحريم لذلك القدر؛ إذ حول المدينة إنما هو حرمها وحمى
النَّبِيِ وَّ الَّذِي ليس بحرم لم يكن حول المدينة على ما سيأتي بيانه، ولأن التقي
السبكي قال: إن في ((سنن أبي داود)) تحديد حرم المدينة ببريد من كل ناحية. قال:
وإسنادُهُ ليسَ بالقويِّ. والذي رأيتُهُ في أبي داود عن عدي بن زيدٍ : حمى رسول الله
وَيّر كل ناحية من المدينة بريدًا بريدًا. إلخ. قال: ورواه البزار بنحوه، ورواه ابن
زبالة بلفظ: حرم رسول اللَّه وَ ل شجر المدينة بريدًا في بريد منها، وأذن في المسدِ
والمنجدة ومتاع الناضح أن يقطع منه. وروى المفضل الجندي عن سعد بن أبي
وقاص أنه قال في قصة العبدِ الَّذِي وجده يعضد أو يخبط عضاها بالعقيق: سمعتُ
رسولَ اللَّهِ لّه يقول: ((مَنْ وَجَدَ مَنْ يَعْضِدُ أَوْ يَخْبِطُ شَيْئًا مِنْ عِضَاه الْمَدِينَةِ بَرِيدًا فِي
بَرِيدٍ؛ فَلَهُ سَلْبُهُ)). وروى البزار عن جابرٍ قال: حرم رسول اللَّه وَّل المدينة بريدًا من
نواحيها كلها - قال الهيثمي بعد عزوه للبزار: وفيه الفضل بن مبشر وثَّقْه ابنُ حبان
وضعَّفه جماعة - قال السمهودي: وفي ((الأوسط)) للطبراني: وفيه ضعيف عن
كعبِ بنِ مالِكِ، قال: حرم رسول اللَّه وَّه الشجر بالمدينة بريدًا في بريدٍ، فأرسلني
١٢٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابْ حَرَمِ الْمُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهِ تَعَالَى
فأعلمت على الحرم على شرف ذات الجيش وعلى شريب، وعلى أشراف مخيض
وعلى نبت - قال الْهَيْئَمِي: في طرقه عبد العزيز بن عمران بن أبي ثابت، وهو
ضعيف - قال السمهودي: ورواه ابنُ النجارِ وَابْن زبالة بلفظ: حرم رسول اللّه ◌ِله
المدينة بريدًا في بريد وأرسلني فأعلمت على الحرم ... إلخ. قال: وروى ابن
زبالة أيضًا من طريق مالك بن أنس عن أبي بكر بن حزم أن رسول الله بِ ال# قال في
الحمى: إلى مضرب القبة.
قال مالك : وذلك نحو من برید.
قال السمهودي بعد بيان الألفاظ المتعلقة بالتحديد ما نصه: والتحديد بهذه
الأماكن مؤيد لكون مجموع الحرم بريدًا، ولذلك قال ابن زبالة عقب ما تقدم عنه :
وذلك كله يشبه أنْ يَكُون بريدًا في بريد. انتهى. ويحمل عليه قول أبي هريرة في
حديث مسلم: وجعل اثني عشر ميلاً حول المدينة حمى. لأنَّ ذلك هو البريد،
أي: ستة أميال من جهة قبلتها وستة أميال من جهة شاميها، وكذلك في المشرق
والمغرب، ومثله حديث حمى كل ناحية من المدينة بريدًا، أي: من القبلة إلى
الشمال بريدًا، ومن المشرق إلى المغرب بريدًا، وقد أخذ بذلك مالك تَخّْتْهُ، لكن
فرق بين حرم الشجر وحرم الصيد، وجعل البريد حرم الشجر وما بين اللابتين حرم
الصيد. قال عياض في ((الإكمال)): قال ابن حبيب: تحريم ما بين اللابتين
مخصوص بالصيد، قال: وأما قطع الشجر فبريد في بريد في دور المدينة كلها،
بذلك أخبرني مطرف عن مالك وهو قول عمر بن عبد العزيز وَابْن وهب. انتهى.
وحكى الباجي في ((المنتقى)) مثله عن ابن نافع، ونقل ابن زبالة عن مالك أنه قال:
الحرم حرمان: فحرم الطير والوحش من حرة واقم - أي: وهي الحرة الشرقية،
إلى حرَّة العقيق - أي: وهي الغربية - وحرم الشجر بريد في بريد.
وقال البرهان ابن فرحون: حرم الصيد: ما بين حرارها الأربع، وسماها أربعًا
لوجود الحرتين المذكورتين في الجهات الأربع؛ لانعطاف بعض الشرقية والغربية
من جهة الشمال والقبلة، ولم يعول أصحابنا في تحديد الحرم على البريد مع ما فيه
من الزيادة؛ لأن أدلته ليست بالقوية، فعولوا على ما اشتملت عليه الأحاديث
الصحيحة من الجبلين واللابتين على أن إطلاق أحاديث التحريم مقتض لعدم
١٢٨
#BINDINGES CONONE **
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفرق بين حرم الشجر وحرم الصيد سواء كان الحرم بريدًا أو دونه غير أن في
أحاديث البريد ما يشعر بأنه للشجر، مع أن ابن زبالة - ومحله من الضعف معلوم -
روى عن ابن بشير المازني أنه سَمع رسول اللّه وَّ يحرم ما بين لا بتيها - يعني:
المدينة - من الصيد، وعن أبي هريرة وغيره نحوه. وفي رواية لَه: من الطيرِ أن
يُصاد بها، وقد يقال: هو من بابٍ إفراد فرد مما حرم بالذكرٍ. فإن قيل: قوله في
حديث مسلم: ((حرم ما بين لابتيها وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حمى)). دال
على الفرق المذكور، قلنا: ممنوع؛ لأن غايته أن يراد بالحمى الحرم، فكأنه قال:
وجعل اثني عشر ميلا حولها حرمًا؛ إذ ليس فيه أنه جعله حمى الشجر. انتهى كلام
السمهودي .
(فَمَنْ أَحْدَثَ) أي: أظهر. (فِيهَا) أي: في المدينة. (حَدَثًا) بفتحتين أي: منكرًا
أو بدع وهي ما خالف الكتاب والسنة. وقال العَيْنِي: هو الأمر الحادث المنكر
الَّذِي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة. (أَوْ آوَى) أي: ضمَّ وحَمی ومكَّن وأجارَ .
قال عياض: ويقال: أوى وآوى بالقصر والمد في الفعل اللازم والمتعدي جميعًا،
لكن القصر في اللازم أشهر وأفصح، والمد في المتعدي أشهر وأفصح. قال
النووي: وبالأفصح جاء القُرْآن العزيز في الموضعين، قال الله تعالى: ﴿أَرَءَيْتَ إِذْ
أَوَيْنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف الآية: ٦٢] وقال في المتعدي: ﴿ وَءَاوَيْنَهُمَا إِلَى رَبْوَقٍ﴾ [المؤمنون: الآية
٥٢]. (مُحْدِثًا) بكسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول، فمعنى الكسر: من نصر
جانيًا وآواه وأجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه. ومعنى الفتح: هو
الأمر المبتدع نفسه، ويكون معنى الإيواء فيه الرضا به والصبر عليه، فإنه إذا رضي
ببدعته وأقرَّ فاعله عليها ولم ينكرها، فقد آواه؛ قاله العَيْنِي. وقال القاري: بكسر
الدال على الرواية الصحيحة أي: مبتدعًا، وقيل: أي: جانًا بأن يحول بينه وبين
خصمه أن يقتص منه، ويروى بفتح الدال أي أمرًا مبتدعًا، وإيواؤه الرضاء به
والصبر عليه (فَعَلَيْهِ) أي: فعلى كل منهما. (لَعْنَةُ اللَّهِ) أي: طرده وإبعاده.
(وَالْمَلَائِكَةِ) أي: دعاؤهم عليه بالبعد عن رحمته. (وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) قال الحافظ:
قوله: ((فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ ... )) إلخ، فيه جواز لعن أهل المعاصي والفساد لكن لا
دلالة فيه على لعن الفاسق المعين. وفيه: أن المحدث والمؤوي للمحدث في الإثم
سواء .
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ الْمُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
١٢٩
قال عياض: واستدلَّ بهذا على أنَّ الحدث في المدينة من الكبائر؛ لأن اللعنة لا
تكون إلا في كبيرة، والمراد بلعنة الملائكة والناس المبالغة في الإبعاد عن
رحمة اللهِ، فإن اللعن في اللغة: هو الطرد والإبعاد. قال: والمراد باللعن هنا:
العذاب الَّذِي يستحقه على ذنبه في أول الأمر وليس هو كلعن الكافر الَّذِي يبعد من
رحمة الله كل الإبعاد. وقال ابن بطال: دل الحديث على أن من أحدث حدثًا أو
آوى محدثًّا في غير المدينة أنه غير متوعد بمثل ما توعد به من فعل ذلك بالمدينة،
وإن كان قد علم أن من آوى أهل المعاصي أنه يشاركهم في الإثم، فإن من رضي
فعل قوم وعملهم التحق بهم، ولكن خصت المدينة بالذكر لشرفها، ولكونها مهبط
الوحي، وموطن الرسول عليه الصلاة والسلام، ومنها انتشر الدين في أقطار
الأرض، فكان لها بذلك مزيد فضل على غيرها. وقال غيره: السر في تخصيص
المدينة بالذكر أنها كانت إذ ذاك موطن التَّبِي وََّ، ثم صارت موضع الخلفاء
الراشدین .
(لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ) بفتح أولهما، وفي رواية: ((لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ صَرْفًّا وَلَا عَدْلًا))، واختلفَ في تفسيرهما فعندَ الجمهورِ: الصرف:
الفريضة، والعدل: النافلة، ورواه ابنُ خزيمة بإسنادٍ صحيح عن الثوريِّ وعن
الحسن البصري بالعكس، وعن الأصمعي: الصرف: التوبة، والعدل: الفدية،
وقيل غير ذلك. قال عياض: معناه: لا يقبل قبول رضى وإن قبل قبول جزاء،
وقيل: يكون القبول هنا بمعنى تكفير الذنب بهما، وقد يكون معنى الفدية هنا أنه لا
يجد يوم القيامة فداء يفتدي به بخلاف غيره من المذنبين بأن يفديه من النار بيهودي
أو نصراني، كما رواه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري.
(ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ) أي: عهدهم وأمانهم (وَاحِدَة) أي: إنها كالشيء الواحد لا
يختلف باختلاف المراتب، ولا يجوز نقضها لتفرُّد العاقد بها، وكان الَّذِي ينقض
ذمة أخيه كالذي ينقض ذمة نفسه، وهي ما يذم الرجل على إضاعته من عهد وأمان،
كأنهم كالجسد الواحد الَّذِي إذا اشتكى بعضُهُ اشتكى كله، قاله القاري. وقال
الحافظ: ذمة المسلمين واحدة، أي: أمانهم صحيح، فإذا أَمَّنَ الكافرَ واحدٌ من
المسلمين حرم على غيره التعرض له، وللأمان شروط معروفة. وقال البيضاوي:
الذمة: العهد سمي بها؛ لأنَّهُ يذم متعاطيها على إضاعتها. (يَسْعَى بِهَا) أي: يتولاها
EBOKE
١٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ويلي أمرها. (أَدْنَاهُمَ) أي: أدنى المسلمين مرتبة، والمعنى: أن ذمة المسلمين
واحدة سواء صدرت من واحد أو أكثر، شريف أو وضيع، فإذا أَمَّنَ أحد من
المسلمين كافرًا وأعطاه ذمة لم يكن لأحد نقضه، فيستوي في ذلك الرجل والمرأة
والحر والعبد؛ لأن المسلمين كنفس واحدة.
قال الحافظ : دخل في قَوْلِه : (أَدْنَاهُمَ) کل وضیع بالنص و کل شریف بالفحوى؛
فدخل في (أَدْنَاهُمَ) المرأة والعبد والصبي والمجنون، فأما المرأة، فقال ابنُ
المُنْذِر: أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة إلا شيئًا ذكره عبد الملك - يعني:
ابن الماجشون - صاحب مالك لا أحفظ ذلك عن غيره، قال: إن أمر الأمان إلى
الإمام وتأول ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصة. قال ابنُ المُنْذِر: وفي قول
الَّبِيِ نََّ (يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ)) دلالة على إغفال هَذَا القائل. انتهى. وجاء عن
سحنون مثل قول ابن الماجشون فقال: هو إلى الإمام إن أجازه؛ جاز، وإن رده؛
رد، وأما العبد فأجاز الجمهور أمانه قاتل أو لم يقاتل. وقال أبو حنيفة: إن قاتل
جاز أمانه وإلا فلا. وقال سحنون: إذا أذن له سيده في القتال؛ صحَّ أمانه وإلا فلا .
وأما الصبي، فقال ابنُ المُنْذِر: أجمع أهل العلم أن أمان الصبي غير جائز.
قلت - قائله الحافظ: وكلام غيره يشعر بالتفرقة بين المراهق وغيره، وكذلك
المميز الَّذِي يعقل، والخلاف عن المالكية والحنابلة، وأما المجنون، فلا يصح
أمانه بلا خلاف كالكافر، لكن قال الأوزاعي: إن غزا الذمي مع المسلمين فَأَمَّنَ
أحدًا، فإن شاء الإمام أمضاه وإلا فليرده إلى مأمنه، وحكى ابن المنذر عن الثوري
أنه استثنى من الرجال الأحرار الأسير في أرض الحرب فقال: لا ينفذ أمانه،
وكذلك الأجير.
(فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا) بالخاءِ المعجمة والفاء، أي: نقض عهد مسلم وأمانه
فتعرض لكافر أَمَّنَهُ مسلم. قال أهل اللغة: يقال: أخفرت الرجل إذا نقضت عهده
وخفرته بغير همز إذا أَمَّْتَه، فالهمزة في أخفر للإزالة والسلب نحو أشكيته أي:
أزلت شكايته فمعنى ((أَخْفَرَ مُسْلِمًا)) أزال خفرته أي: عهده وأمانه. (وَمَنْ وَالَى قَوْمًا)
أي: اتخذهم أولياء، وهو يحتمل أن يراد به ولاء الموالاة والحلف بأن يكون لرجل
موالي، فأبطل موالاتهم واتخذ قومًا آخرين موالي بغير إذن مواليه والاستشارة
١٣١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ الْمُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
بهم، فإن فيه نوعًا من نقض العهد والإيذاء، وقيل: المراد من نسب نفسه إليهم،
كانتمائه إلى غير أبيه، ويحتمل أن يراد ولاء العتاقة، وهذا أنسب لما جاء في الرواية
الأخرى من أقرانه وذكره مع قوله: ((مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ)) يعني: من انتسبَ إلى
غير من هو معتق له كان كالدعيِّ الَّذِي ينتسب إلى غير أبيه. قال النووي: معناه أن
ينتمي العتيق إلى ولاء غير معتقه وهذا حرام؛ لتفويته حق المنعم عليه. ولأن الولاء
كالنسب، فيحرم تضييعه، كما يحرم تضييع النسب وانتساب الإنسان إلى غير أبيه.
(بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ) تنبيه على ما هو المانع وهو إبطال حقهم وأمانتهم وإيراد
الكلام على ما هو الغالب في الوقوع لا تقييد الحكم بعدم الإذن حتى يجوز
الانتساب بإذنِهِم. قال النووي: احتجَّ قومٌ بقولِهِ ((بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ)) على جوازِ التولي
بإذنِ مواليهِ، والصحيحُ الَّذِي عليه الجمهور: أنه لا يجوزُ وإن أذنوا كما لا يجوز
الانتساب إلى غير أبيه، وإن أذن أبوه فيه، وحملوا التقييد في الحديث على
الغالبِ؛ لأنَّ غالب ما يقع هَذَا بغير إذن الموالي، فلا يكون له مفهوم يعمل به،
ونظيرُهُ قوله تعالى: ﴿وَرَبَِّبُكُمُ الَّتِى فِى حُجُورِكُمْ﴾ [ النساء: الآية ٢٧]، وقوله تعالى:
﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ مِّنْ إِمْلَقٍ﴾ [الأنعام: الآية ١٥١] وغير ذلك من الآياتِ التي قيد فيها
بالغالب وليس لها مفهوم یعمل به. انتهى.
وقال الخطابي: ليس إذن الموالي شرطًا في ادعاء نسب وولاء ليس منه وإليه،
وإنما ذكر تأكيدًا للتحريم؛ لأنَّهُ إذا استأذنهم في ذلك منعوه وحالوا بينه وبين ما
يفعل من ذلك. انتهى. قال الحافظُ: وهذا لا يطرد؛ لأنهم قد يتواطؤون معه على
ذلك لغرض ما، والأولى ما قال غيره: أن التعبير بالإذن ليس لتقييد الحكم بعدم
الإذن وقصره عليه، وإنما وردَ الكلام بذلك على أنَّه الغالب. انتهى. قال الحافظُ:
ويحتملُ أنْ يَكُون كتَّى بذلك عن بيعه، فإذا وقع بيعه؛ جاز له الانتماء إلى مولاه
الثاني وهو غير مولاه الأول، أو المراد موالاة الحلف، فإذا أراد الانتقال عنه لا
ينتقل إلا بإذن. وقال البيضاوي: الظاهر أنه أراد به ولاء العتق لعطفه - في الرواية
الآتية - على قوله: ((مَنِ اذَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ)) والجمعُ بينهما بالوعيدِ، فإنَّ العتقَ من
حيثُ أنَّه لحمة كلحمة النسب، فإذا نسب إلى غير من هو له كالدعي الَّذِي تبرَّأ عمن
هو منه وألحق نفسه بغيره، فيستحق به الدعاء عليه بالطرد والإبعاد عن الرحمة، ثم
أجاب عن الإذن بنحو ما تقدم، وقال: ليس هو للتقييد، وإنما هو للتنبيه على ما هو
١٣٢
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المانع، وهو إبطال حق مواليه، فأورد الكلام على ما هو الغالب.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). أخرجه البُخَارِي في الحجِّ وفي الجِهاد وفي الفرائض وفي
الاعتصام، ومُسْلِمٍ في الحج وفي العتق، وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد وأبو دَاوُد في أواخر
الحج والترمذي في الولاء والهبة، والنَّسَائِي والطحاوي والْبَيْهَقِي وغَيْرهم. (وَفِي
رِوَايَةٍ لَهُمَا) أي: للشيخين وفيه أن قوله: ((مَنْ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ)) ليس في رواية
البخاري. (مَنِ ادَّعَى) أي: انتسب. (إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ) أي: المعروف. (أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ
مَوَالِيهِ) هَذَا العطف يؤيد من فسر الموالاة بولاء العتاقة كما تقدم. (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ
اللهِ ... ) إلخ. قال النووي: هَذَا صريح في غلظ تحريم انتماء الإنسان إلى غير أبيه أو
انتماء العتيق إلى ولاء غير مواليه؛ لما فيه من كفر النعمة وتضييع حقوق الإرث
والولاء والعقل وغير ذلك مع ما فيه من قطيعة الرحم والعقوق.
٢٧٥٤ - [٢] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ
لَابَي الْمَدِينَةِ: أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا)) وَقَالَ: ((الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ
لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، لَا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلَّا أَبْدَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ،
وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَجَهْدِهَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا، أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ
الْقِيَامَةِ».
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيحٍ}
الشرح
٢٧٥٤ - قوله: (وَعَنْ سَعْدٍ) أي: ابن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة. (إِنِّي
أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ) بتخفيف الموحدة تثنية لابة، وهي الحرة وهي الأرض
ذات الحجارة السود، كأنها أحرقت بالنار، وأراد بهما حرتين تكتنفانها وجمع
اللابة لوب ولابات ولاب. قال ابن حبيب: هما الحرتان الشرقية والغربية،
وللمدينة حرتان: حرة بالقبلة - من جهة الجنوب - وحرة بالجرف - من جهة
الشمال -، فهي حرار أربع، لكن يرجع كلها إلى الحرتين الشرقية والغربية
الاتصالهما بهما؛ ولذلك جمعها وَّ في اللابتين. وقال السمهودي: ما بين لابتيها،
(٢٧٥٤) مُسْلِم (٤٥٩/ ١٢٦٣) فِي الحَجّ عَنْ سَعْدٍ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَخْرَجَ الأخِيرُ مِنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ خَرَمِ الْمُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
١٣٣
أي: حرتيها الشرقية والغربية، والمدينة بينهما، ولها أيضًا حرة بالقبلة وحرة بالشام
لكنهما يرجعان إلى الشرقية والغربية؛ لاتصالهما بهما؛ ولهذا جمعها وَلّ كلها في
اللابتين كما نَّه عليه الطبري. انتهى.
قال الحافظ: قد تكرر ذكر اللابتين في الحديث ووقع في حَدِيث جَابِر عند أحمد
((وَأَنَا أُحَرِّمُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ حَرَّتَيْهَا)) فادَّعى بعضُ الحنفيةِ أنَّ الحديثَ مضطرب؛ لأنَّهُ
وقع في رواية ((مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا)) وفي رواية ((مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا)) وفي روايةٍ: ((مَأْزِمَيْهَا))
وتعقب: بأن الجمعَ بينهما واضح وبمثل هَذَا لا ترد الأحاديث الصحيحة، فإن
الجمع لو تعذّر؛ أمكن الترجيح، ولا شك أن رواية ((ما بين لا بتيها)) أرجح لتوارد
الرواة عليها، ورواية ((جبليها)) لا تنافيها، فيكونُ عند كلِّ لابة جبل أو لابتيها من
جهة الجنوب والشمال، وجبليها من جهة الشرق والغرب، وتسمية الجبلين في
رواية أخرى: لا تضر، وأما رواية: ((مازميها))، فهي في بعضٍ طُرُق أبي سعيدٍ،
والمأزِم بكسر الزاي: المضيق بين الجبلين، وقد يطلق على الجبل نفسه، كذا قال
الحافظُ في شرح حديث أنس في باب حرم المدينة. وفيه نظر، فإنه ليسَ عند كلِّ
جبلٍ لابة، ولاَ أن لابتيها من جهة الجنوب والشمال وجبليها من جهة المشرق
والمغرب، بل الحقيقة أنَّ حديث ما بين لابتيها، يعني: من جهة المشرق
والمغرب، فإنَّ من جهة المشرق حرة ومن جهة المغرب أخرى، وحديث ((ما بين
جبليها))، يعنى: الحرتين الجنوبية والشمالية.
قال النووي: للمدينةِ لابتان: شرقية وغربية وهي بينهما. قال: والمراد
باللابتين: الحرتان، قال: وهذه الأحاديث كلها متفقة فما بين لابتيها بيان لحد
حرمها من جهتي المشرق والمغرب، وما بين جبليها لحده من جهة الجنوب
والشمال. وقال الحافظُ في باب: لا بتي المدينة، في شرح حديث أبي هريرة ((مَا بَيْنَ
لَابَتَيْهَا حَرَامٌ)): أن المدينة بين لابتين شرقية وغربية، ولها لابتان أيضًا من الجانبين
الآخرين إلا أنهما يرجعان إلى الأوليين لاتصالهما بهما، والحاصلُ أنَّ جميع دورها
كلها داخل ذلك. انتهى.
قال النووي: ومعنى قوله: ((مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا))، اللابتان وما بينهما، والمراد تحريم
المدينة، ولا بتيها يعني: أن اللابتين داخلتان أيضًا. قال الأبي: ولعلّها بدليلٍ آخر
١٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وإلا فلفظ: ((بَيْنَ)) لا يشملهما، انتهى. (أَنْ يُقْطَعَ) بدل اشتمال من المفعول.
(عِضَاهُهَا) بكسر العين المهملة، وهي كلَّ شجر عظيم له شوك كالطلح والعوسج
واحدها عضاهة وعضهة وعضه وعضة بحذف الهاء الأصلية كما يحذف من الشفة.
(وَقَالَ: الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ) قال القاري: أي: لأهلها من المؤمنين في الدنيا
والأخرى، وذلك مطلق إن كان قبل الفتح ومقيد بغيرِ مكّة إن كان بعده، أو المراد
بالخيرية من جهة بركة المعيشة، فلا ينافي بركة الفضيلة الزائدة الثابتة لمكة
بالأحاديث الصحيحة الصريحة. انتهى. قلت: احتجَّ ابنُ رشدٍ بالحديث على
تفضيل المدينة على مكة، ولا دليل فيه؛ لأن كونها خيرًا مطلق يصدق بصورة
ككونها خيرًا من الشام لا من كلِّ الأرضِ. وقال السندي في ((حاشية مسلم)): قوله:
((الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَّهُمْ)) قال ذلك في ناس يتركون المدينة إلى بعض بلاد الرخاء كالشام
وغيره كما سيجيء، وهؤلاء الناس هم المراد بضمير ((لَهُمْ)) أي: المدينة خير
لأولئك التاركين لها من تلك البلاد التي يتركون المدينة لأجلها، فلا دليل في
الحديثِ على تفضيل المدينة على مكة كما لا يخفى.
(لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: ما فيها من الخير لما فارقوها وما اختاروا غيرها عليها
وما تحولوا للتوسعة في الدنيا. قال السندي: ليسَ المراد به أنها خير على تقدير
العلم؛ إذ المدينة خير لهم علموا أو لا، بل المراد: لو علموا بذلك لما فارقوها،
وقد يجعل كلمة ((لو)) للتمني لكن قد يقال: كثير منهم يبلغهم الخبر ويفارقونها،
فأولئك قد علموا بذلك لبلوغهم الخبر، ومع ذلك فارقوها فكيف يصحُّ لو علموا
بذلك لما فارقوها؟ قلت: يمكن دفعه بأنَّ الْمَرَاد لو علموا بذلك عيانًا، وليس الخبر
كالمعاينة، أو يقال: هو من تنزيل العالم الَّذِي لا يعمل بعلمه بمنزلة الجاهل، كأنه
ما علم هذا، وقد يقال: المعنى المدينة خير لهم لو كانوا من أهل العلمٍ؛ إذ البلدة
الشريفة لا ينتفع بها إلا الأهل الشريف الَّذِين يعملون على مقتضى العلم، وأما من
ليس من أهل العلم فلا ينتفع بالبلدة الشريفة بل ربما يتضرر، فخيرية البلدة ليست
إلا لأهلها، ومن يليق للاقامة فيها فافهم. انتهى.
وقال الأبي: (لَو) هذه إن كانت امتناعية، فجوابها محذوف، أي: لو كانوا من
أهل العلم لعلموا ذلك ولم يفارقوا المدينة، وإن كانت متعدية، فالتقدير: لو كانوا
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم المُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
١٣٥
يعلمون ذلك لما فارقوها، وإن كانت للتمني لم تفتقر إلى جواب، وعلى التقديرين
هو تجهيل لمن فعل ذلك؛ لتفويته عن نفسه أجرًا عظيمًا؛ ولذلك قال: ((إلا
أبدل اللَّه فيها خيرًا منهم))، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَوْ يَسْتَبْدِلْ فَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾
[محمد: ٤٠]، أي: يخلق خلقًّا سواكم على خلاف صفتكم من الرغبة في الإيمان.
(لَا يَدَعُهَا) استئناف مبين أي: لا يتركها. (أَحَدٌ) ممن استوطنها. (رَغْبَةً عَنْهَا)
أي: عن ثواب الساكن فيها، وأما من خرج لضرورة شدة زمان أو فتنة، فليس ممن
يخرج رغبة عنها. وقال القرطبي والمازري: رغبة عنها أي: كراهة لها من رغبت
عن الشيء إذا كرهته. وقال الباجي: الظاهر عندي أنه إنما أراد به الخروج عن
استيطانها إلى استيطان غيرها، وأما من كان مستوطنًا غيرها يعني من كان وطنه
غيرها، فقدم عليها طالبًا للقربة بإتيانها ورجع إلى وطنه أو كان مستوطنًا بها، فسافر
عنها لحاجة أو لضرورة شدة زمان أو فتنة، فليس ممن يخرج رغبة عنها. انتهى.
(إِلَّا أَبْدَلَ اللَّهُ فِيهَا) أي: في المدينة. (مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ) قال الباجي: بمولود يولد
فيها أو بمنتقل ينتقل إليها من غيرها. قيل: هَذَا خاص بزمن حياته وََّ، وقيل:
دائمًا. ويدل عليه قوله في حديث: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ
وَقَرِيبَهُ هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ، الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)). وقال ابن عبد البر: هَذَا
في حياته وَ ل وذلك مثل الأعرابي القائل: أقلني بيعتي. ومعلوم أن من رغب عن
جواره؛ أبدله اللَّه خيرًا منه، وأما بعد وفاته، فقد خرج منها جماعة من أصحابه،
ولم تعوض المدينة خيرًا منهم. قال الزرقاني: يعني كأبي موسى وَابْن مسعود
ومعاذ وأبي عبيدة وعلي وطلحة والزبير وعمار وحذيفة وعبادة بن الصامت وبلال
وأبي الدرداء وأبي ذر وغَيْرهم، وقطنوا غيرها وماتوا خارجًا عنها، ولم تعوض
المدينة مثلهم فضلاً عن خيرٍ منهم، فدلَّ ذلك على التخصيصٍ بزمنِهِ وَل.
قال الأبي: الأظهر أن ذلك ليس خاصًّا بالزمن النبوي، ومن خرج من الصَّحَابَة
لم يخرج رغبة عنها، بل إنما خرج لمصلحةٍ دينيةٍ من تعليم أو جهاد أو غير ذلك.
انتهى. قالَ الزرقاني: لا يقال: ليس النزاع في أن خروجهم لما ذكر إنما هو في
تعويضها بخير منهم، وهذا لم يقع فالأظهر التخصيص؛ لأنا نقول: الإبدال مقيد
بالخروج رغبة عنها، فلا يرد أن الخارج لمصلحة دينية لم تعوض مثلهم. انتهى.
قلت: هَذَا هو الظاهر بل الصحيح، فإن التعويض والإبدال لما كان مقيَّدًا بترك
١٣٦
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
المدينة والخروج رغبة عنها، فلا مانع من حمله على الإطلاق والعموم.
(وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ) أي: بالصبر. (عَلَى لَأُوَائِهَا) بالمدِّ بسكون الهمزة الأولى وتبدل
ألفًا أي: شدة جوعها. (وَجَهْدِهَا) بفتح الجيم وقد تضم، أي: مشقتها مما يجد فيه
من شدة الحرِّ وكربة الغربة وأذية من فيها من أهل البدعة لأهل السنة. قال
الجوهري: اللأواء: الشدة، لكن المراد هنا: ضيق المعيشة والقحط لما في أكثر
الروايات على لأوائها وشدتها، فلابد من الاختلاف في معناهما، وإن كان يمكن
أنْ يَكُون العطف تفسيريًّا وتأكيديًّا؛ لأن التأسيس أولى، والأصل في العطف
التغاير، فيحمل اللأواء على ضيقِ المعيشةِ والجهد على ما يصيبهم من الحرِّ،
وعلى ما يصيب المهاجر فيها من وحشةِ الغربةِ وغير ذلك، كذا في ((المرقاة))،
و(شرح المصابيح)) للتوربشتي. قال الأبي: الحديث خرج مخرج الحثِّ على
سكناها، فمن لزم سكناها دخل في ذلك، ولو لم تلحقه لأواء؛ لأنَّ التعليل بالغالب
والمظنة لا يضرُّ فيه التخلف في بعض الصور، كتعليل القصر بمشقة السفر.
(إِلَّا كُنْتُ) بصيغة المتكلم. (لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا) قال عياض: سُئلت قديمًا عن
معنى هَذَا الحديث، يعنى: أن ((أو)) هذه هل هي للشك أو غيره؟ ولمَ خص ساكن
المدينة بالشفاعة هنا مع عموم شفاعته بَّله وادخاره إياها لأمته؟ قال: وأجبت عنه
بجواب شاف مقنع في أوراق اعترف بصوابه كل واقف عليه. قال: وأذكر الآن منه
يعنى في ((شرح مسلم)) لمعًا تليق بهذا الموضع، قال بعض شيوخنا: ((أو)) هنا للشك
والأظهر عندنا أنها ليست للشك؛ لأن هَذَا الحديث رواه جابر بن عبد الله وسعد بن
أبي وقاص وَابْن عمر وأبو سعيد وأبو هريرة وأسماء بنت عميس وصفية بنت أبي
عبيد عن النَّبِي وَّر بهذا اللفظ، ويبعد اتفاق جميعهم أو رواتهم على الشك
وتطابقهم فيه على صيغة واحدة، بل الأظهر أنه يَّ قال هكذا، فإما أنْ يَكُون أعلم
بهذه الجملة هكذا - أي: من اللّه تعالى -، وإما أنْ تَكُون ((أو)) للتقسيم، ويكون
شهيدًا لبعض أهل المدينة وشفيعًا لباقيهم، إما شفيعًا للعاصين وشهيدًا للمطيعين،
وإما شهيدًا لمن مات في حياتهِ وشفيعًا لمن ماتَ بعده أو غير ذلك، وهذه خصوصية
زائدة على الشفاعة لكافة المذنبين يوم القيامة، وعلى شهادته على جميع الأمة،
وقد قال وَله في شُهداء أُحُد: ((أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ)) فيكون لتخصيصهم بهذا كله
مزية وزيادة منزلة وحظوة. قال: وقد تكون ((أو)) بمعنى الواو، فيكون لأهل
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ المُدِينَةِ حَرَسَهَا اللهُ تَعَالَى
١٣٧
المدينة شفيعًا وشهيدًا معًا. قال: وقد روي: ((إلا كنت له شهيدًا وله شفيعًا)).
انتهى. قال الزرقاني: بالواو رواه البزار من حديث ابن عمر. قال عياض: وإذا
جعلنا ((أو)) للشك كما قيل، فإن كانت اللفظة الصحيحة ((شَهِيدًا)) اندفع
الاعتراض؛ لأنَّهَا زائدة على الشفاعة المدخرة المجردة لغيرهم، وإن كانت
((شَفِيعًا)) فاختصاص أهل المدينة بهذا مع ما جاء من عموهما وادخارها لجميع الأمة
أن هذه شفاعة أخرى غير العامة التي هي لإخراج أمته من النار، ومعافاة بعضهم
منها بشفاعته ◌َّ في القيامة، وتكون هذه الشفاعة بزيادة الدرجات ورفعها، أو
تخفيف السيئات، أو بما شاء الله من ذلك، أو بإكرامهم يوم القيامة بأنواع من
الكرامة، كإيوائهم إلى ظل العرش، أو كونهم في روح، أو على منابر، أو الإسراع
بهم إلى الجنة، أو غير ذلك من خصوص الكرامات الواردة لبعضهم دون بعض.
انتهى. كذا نقله عنه النووي في شرح مسلم وغيره وأقروه. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) في
الحديث إشارة إلى بشارة حسن الخاتمة، وتنبيه على أنه ينبغي للمؤمن أنْ يَكُون
صابرًا بل شاكرًا على إقامته في المدينة ولا ينظر إلى ما في عداها من النعم
الصورية؛ لأن العبرة بالنعم الحقيقية الأخروية.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أَحْمَد (ج١ : ص ١٨١، ١٨٥)، والبيهَقِي (٥٦ : ص
١٩٧).
٢٧٥٥ - [٣] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بِ قَالَ: ((لَا يَصْبِرُ عَلَى
لَأْوَاءِ الْمَدِينَةِ وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٧٥٥ - قوله: (لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَاءِ الْمَدِينَةِ) أي: شدة جوعها. (وَشِدَّتِهَا)
عطف تفسير على قول بعض الشراح. وقال أبو عمر: يعني: المدينة، والشدة:
الجوع، واللأواء: تعذر الكسب وسوء الحال. وقال المازري: اللأواء: الجوع
(٢٧٥٥) مسند أحمد (٨٥١٦).
EECHE
١٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وشدة المكسب، وضمير شدتها يحتمل أن يعود على اللأواء، ويحتمل أن يعود إلى
المدينة. وقال الباجي: اللأواء: هو الجوع وتعذر التكسب والشدة يحتمل أن يريد
بها اللأواء ويحتمل أن يريد بها كل ما يشتد به سكناها وتعظم مضرته.
(أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) كذا وقع في ((المشكاة))
و((المصابيح))، أي: بذكر شفيعًا فقط، وفي ((صحيح مسلم)): ((كنت له شفيعًا يوم
القيامة أو شهيدًا)). وهكذا عند أحمد والبخاري في ((الكبير)) والترمذي، وكذا ذكره
الجزري في ((جامع الأصول)) (ج ١٠: ص ١٩٩) والظاهر أنه سقط لفظ ((أَوْ شَهِيدًا))
في ((المشكاة)) و((المصابيح)). وقد تقدم أنهم اختلفوا في هذا، فقيل: هو مختص
بمدة حياته ◌َّلة، وقال آخرون: هو عام أبدًا، وهذا أصحُّ، حكاه النووي عن عِیاضٍ
وأقرَّهُ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجَهُ أيضًا أحمد (ج٢: ص ٢٨٨)، والبخاريُّ في ((التاريخ
الكبيرِ)) (ج ٢: ص٢٨٤، ٢٨٥) والترمذي في فضل المدينة من آخر المناقبٍ.
٢٧٥٦ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرَةِ جَاءُوا بِهِ إِلَى
النَّبِيِّ ◌َِّ، فَإِذَا أَخَذَهُ قَالَ: ((اللَّهُمَّ بَارِْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا،
وَبَارِْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَبَارِْكُ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ
وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُلَكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَالَكَ لِمَكَّةَ، وَأَنَا أَدْعُوَكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا
دَعَكَ لِمَكَّةَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ)) ثُمَّ قَالَ: يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ لَهُ، فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الْثَمَّرَ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٧٥٦ - قوله: (كَانَ النَّاسُ) أي: الصحابة. (إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرَةِ) كذا في
((المشكاة)) و((المصابيح)) و((جامع الأصول))، ولفظ مسلمٍ: ((أَوَّلَ الثَّمَرِ)) أي: بغيرِ
التاءِ، وهكذا في ((الموطأ)) و((جامع الترمذي))، والظاهر: أن ما وقعَ في ((المشكاةٍ))
(٢٧٥٦) مُسْلِم (١٣٧٣/٤٧٣) فِي الحَجِّ، وَالتِّرْمِذِي (٣٤٥٤) في الدعاءِ، والنَّسَائِيُّ في الكُبرى
(١٠١٣٤) في عمل اليوم والليلة عن أبي هريرة.
١٣٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابَ حَرَم المُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهِ تَعَالَى
و((المصابيح)) و((جامع الأصول)) خطأ، والثمر بفتح المثلثة والميم، وأول الثمر
يسمى الباكورة، فالمعنى: إذا رأوا باكورة الثمر، وهي أول ما يدرك من الفاكهةِ.
(جَاءُوا بِهِ) أي: بأول الثمر. (إِلَى النَّبِيِّ وََّ) أي: هدية له وَلّ كما يدلُّ عليه إعطاؤه
لوليد. قال العلماء: كانوا يفعلون ذلك رغبة في دعائه وَّله في الثمر وللمدينة
والصاع والمد، وإعلامًا له وَلَّ بابتداء صلاحها بما يتعلَّق بها من الزكاة وغيرها،
وتوجيه الخارصين. وقال الأبي: وقيل: إنما كانوا يؤثرونه به على أنفسهم حبًّا لَه،
ويرونه أولى الناس بما يسبق إليهم من خير ربهم. وقال الزرقاني: إما هدية وجلالة
ومحبة وتعظيمًا، وإِما تبركًا بدعائه لهم بالبركة، وهو الَّذِي يغلب على ظنِّي،
وسياقُ الحديثِ يدلُّ عليه، والمعنيان محتملان، قاله ابنُ عبدِ البرِّ. وكذا ذكر
هذين الاحتمالين التُّورِبَشْتِي.
وقال الباجي: يريدُ بالثمر: ثمر النخل؛ لأنَّهُ هو المقصود ثمارها، وأتوا به تبركًا
بدعائه وإعلامًا له ببدو الصلاح، إما لما كان يتعلّق به من إرسال الخراص؛
ليستحلوا أكلها والتصرف فيها، وإما ليعلموه جواز بيع ثمارهم لنهيه وَخلاله عن بيعها
قبل بدوها .
(فَإِذَا أَخَذَهُ) أي: رسول اللَّه ◌َله. قال الزرقاني: زاد في بعض طرق الحديث:
(وَضَعَهُ عَلَى وَجْهِهِ)). أي: إظهارًا للفرح والمسرة. (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا) بالنماء
والزيادة والبقاء. (وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا) أي: في ذاتها من جهة سعتها ووسعة أهلها،
وقد استجابَ اللهُ دعاءَهُ - عليه الصلاة والسلام - بأنَّ وسع نفس المسجد، وما
حوله من المدينة، وكثر الخلق فيها حتى عُدَّ من الفَرس الْمُعَدُّ للقتال المهيأ بها في
زمن عمر أربعون ألف فرس. والحاصل: أنَّ الْمَرَاد بالبركة هنا ما يشمل الدنيوية
والأخروية والحسية؛ قاله القاري. وقيل: (بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا) في أمور أخرى
أيضًا سوى الثمار. (وَبَارِْ لَنَا فِي صَاعِنَا) أي: فيما يُكَالُ به كمية وكيفية. (وَبَارِكْ لَنَا
فِي مُدِّنَا) قال الزرقاني: أي: بارك لنا فيما يكال في صاعنا وبارك لنا فيما يكال في
مدنا، فحذف المقدر لفهم السامع وهو من باب ذكر المحل وإرادة الحال.
قال ابنُ عبد البر: هَذَا من فصيح كلامه وبلاغته وَّه، وفيه استعارة؛ لأن الدعاء
إنما هو للبركة في الطعام المكيل بالصاع والمد لا في الظروفٍ، وقد يحتملُ على