النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عن عمارة بن ثوبان: مستور، وعن موسى بن باذان. مجهول، ففي كون حديث
يعلى هَذَا حسنًا نظر. والله أعلم، وفي الباب عن ابن عمر بن الخطاب أخرجه
الطَّبَرَاني في ((الأوسط)) وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) وقال: فيه عبد الله بن
المؤمل، وثَّقَه ابن حبان وغيره وضعفه جمع. انتهى.
٢٧٤٩ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ لِمَكَّةَ: ((مَا
أَطْيَكِ مِنْ بَلَدٍ، وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلَاً أَنَّ قَوْمِي أَخْرَ جُونِي مِنْكَ مَا سَكَنْتُ
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، غَرِيبٌ إِسْنَادًا] {صحيح}
غَيْرَكِ)).
الشرح
٢٧٤٩ - قوله: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِمَكَّةَ) أي: خطابًا لها حين وداعها وذلك
يوم فتح مكَّة. (مَا أَطْيَكِ مِنْ بَلَدٍ) صيغة تعجب. (وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ) عطف عليه
والأولى: بالنسبة إلى حد ذاتها أو للإطلاق، والثانية: للتخصيص، قاله القاري.
(وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي) أي: صاروا سبًا لخروجي. (مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ) قال
القاري: هَذَا دليل للجمهور على أن مكة أفضل من المدينة؛ خلافًا للإمام
مالك تَخْتُهُ، وقد صنَّفَ السيوطيُّ رسالةً في هذه المسألةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في
أواخر المناقب وأخرجه أيضًا ابن حبان في ((صَحِيحِه)) والْحَاكِم (ج١: ص ٤٨٦)
كلهم من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير وأبي الطفيل عن ابن
عباس. (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ). وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد
ووافقه الذهبي. (غَرِيبٌ إِسْنَادًا) تمييز، وفي ((جامع الترمذي)) غريب من هَذَا
الوجه .
(٢٧٤٩) التِّرْمِذِي (٣٩٢٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الحَجِّ.
١

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم مَكْةٌ حَرَسَهَا اللَّهِ تَعَالَى
١٠١
٢٧٥٠ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ حَمْرَاءَ قَالَ: رَأَيْتُ
رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ وَاقِقًّا عَلَى الْحَزْوَرَةِ فَقَالَ: ((وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ،
وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ)).
[ْرَوَاهُ النَّْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] (صحيح}
الشرح
٢٧٥٠- قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ حَمْرَاءَ) القرشي الزهري من
أنفسهم، وقيل: إنه ثقفي حالف بني زهرة، يكني أبا عمر، وقيل: أبا عمرو. قال
البخاري: له صحبة ورواية، يُعَدُّ في أهل الحجاز، وكان ينزل فيما بين قديد
وعسفان وهو من مسلمة الفتح، روى عن النَّبِي ◌َّر في فضل مكة. روى عنه أبو
سلمة ومحمد بن جبير بن مطعم، وقوله: ((حَمراء))، كذا في ((المشكاة))
و ((المصابيح))، وهكذا وقع عند الترمذي وابن حبان، وفي ((مسند الإمام أحمد))
و((سنن ابن ماجه)): ((الحمراء))، وهكذا ذكر الحافظ في ((التقريب)) و((التهذيب))
و((الإصابة)) وَابْن عبد البر في ((الاستيعاب))، وكذا وقع في ((المنتقى)) للمجد بن
تيمية و ((القرى)) للمحب الطبري.
(رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ بِّهِ وَاقِفًّا عَلَى الْحَزْوَرَةِ) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي
وفتح الواو بعدها راء ثم هاء: هي الرابية الصغيرة والجمع الحزاور. قال الجزري:
هو موضع بمكة عند باب الحناطين وهو بوزن قسورة. قال الشافعي: الناس
يشددون الحزورة والحديبية وهما مخففتان. انتهى. وقال الطيبي: هو على وزن
القسورة موضع بمكة وبعضهم شددها أي: الواو، والحزورة في الأصل بمعني
التل الصغير، سميت بذلك؛ لأنَّهُ هناك كان تل صغير، وقيل: لأن وكيع بن سلمة
ابن زهير بن إياد كان ولي أمر البيت بعد جرهم، فبنى صرحًا هناك، وجعل فيها أمة
يقال لها: حزورة، فسميت حزورة مكة بها، وارجع إلى ((شفاء الغرام)) (ج١ : ص
٧٦) .
(٢٧٥٠) التِّرْ مِذِي (٣٩٢٥) فِي المَنَاقِبِ، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٤٢٥٢)، وَابن مَاجَهْ (٣١٠٨) عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الحَمْرَاءِ.

١٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَقَالَ) أي: مخاطبًا للكعبة وما حولها من حرمها. (وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ
وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ) فيه تصريح بأن مكة أفضل من المدينة كما عليه
الجمهور. قال الشوكاني: فيه دليل على أن مكة خير أرض الله على الإطلاق
وأحبها إلى رسول اللّه وَله، وبذلك استدل من قال: إنها أفضل من المدينة. (وَلَوْلًا
أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ) أي: بأمر من الله. (مَا خَرَجْتُ) فيه دلالة على أنه لا ينبغي
للمؤمن أن يخرج من مكة إلا أن يخرج منها حقيقة أو حكمًا، وهو الضرورة الدينية
أو الدنيوية، والحديث حجة للقائلين بفضل مكة على المدينة.
قال الدميري: وأما ما روي من حديث: ((اللهم إنك تعلم أنهم أخرجوني من
أحب البلاد إليَّ فأسكني في أحب البلاد إليك)). فقال ابن عبد البر: لا يختلفُ أهل
العلم في نكارته ووضعه ونسبوا وضعه إلى محمد بن الحسن بن زياد وتركوه
لأجلهِ. وقال ابن دحية في ((تنويره)): إنه حديث باطل بإجماع أهل العلمِ. وقال ابن
مهدي: سألت عنه مالكًا فقال: لا يحل أن تنسب الباطل إلى رسولِ الله وَل. وقد
بين علته أبو بكر البزار والحافظ وغَيْرهما، نعم السكنى بالمدينة أفضل؛ لما ثبت
من حديث ابن عمر: أن النَّبِي ◌َّه قال: ((لا يَصْبِرُ عَلَى لأُوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إِلا كُنْتُ
لَهُ شَفِيعًا وَشَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، ولم يرد بسكنى مكة شيء من ذلك، بل وكرهها
جماعة من العلماء، وثبت أنه رَّه قال: ((مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا،
فَإِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا)) وجعل ابنُ حزم التفضيل الحاصل بمكة ثابتًا لجميع
الحرم. قاله السندي.
وقال القاري: وأما خبر الطَّرَاني: ((المدینة خیر من مكة)). فضعيف بل منکر واهٍ
كما قاله الذهبيُّ، وعلى تقدير صحته يكون محمولًا على زمانه؛ لكثرة الفوائد في
حضرته وملازمة خدمته؛ لأن شرف المدينة ليس بذاته بل بوجوده - عليه الصلاة
والسلام - فيه ونزوله مع بركاته، وأيضًا نفس المدينة ليس أفضل من مكة اتفاقًا إذ
لا تضاعف فيه أصلاً، بل المضاعفة في المسجدين، ففي الحديث الصحيح الَّذِي
قال بعض الحفاظ: على شرط الشيخين ((صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفٍ
صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ
مِنَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمَائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ» وصحَّ عن ابنٍ عُمر موقوفًا وَهو في
حكم المرفوع؛ لأنَّهُ لا يقال مثله بالرأي: صلاةٌ واحدةٌ بالمسجدِ الحرامِ أفضلُ من

١٠٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم مَكَّةٌ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
مائةِ ألفٍ صلاةٍ بمسجدِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام. انتهى. وإن شئت بسط الكلام
على مسألة أفضلهما وعلى مسألة حكم المجاورة بمكة فارجع إلى ((النيل)) و((شفاء
الغرام)) (ج١: ص ٧٨) و((المرقاة)) و((المحلى)) لابن حزم (ج ٧: ص ٢٧٩) و((وفاء
الوفاء)) للسمهودي و((القرى)) (ص١٦٠) للمحب الطبري.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) في أواخر المناقب. (وَابْنُ مَاجَهْ) في أواخر الحِجِّ، وأخْرَجَه
أيضًا أَحْمَد (ج٤: ص ٣٠٥) والنَّسَائِي وَابْن خزيمة وَابْن حِبَّان في ((صحيحيهما))
وسعيد بن منصور في ((سننه))، كلهم من طريق الزهري عن أبي سلمة عن عبد الله
ابن عدي بن حمراء، والحديث صحّحه التِّرْمِذيُّ ثم قال: ورواه محمد بن عمرو
عن أبي سلمة عن أبي هريرة، عن النَّبِي ◌ََّ، وحديث الزهري عن أبي سلمة عن
عبد الله بن عدي بن الحمراء عندي أصح. انتهى. وفيه: أنه روى هَذَا الحديث
أيضًا الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، كما في ((المسندٍ))
(ج٤: ص ٣٠٥)، قال الحافظ في ((الإصابة)): انفرد برواية حديث عبد الله بن
عدي بن الحمراء ابن شهاب الزهري، واختلف عليه فيه، فقال الأكثر عنه عن أبي
سلمة عن عبد الله بن عدي بن الحمراء، وقال معمر فيه: عن الزهري عن أبي سلمة
عن أبي هريرة، ومرة أرسله، وقال ابن أخي الزهري: عن محمد بن جبير بن مطعم
عن عبد الله بن عدي، والمحفوظ الأول. انتهى.
قلت: روى أحمد من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن عن أبي هريرة، ثم روى من طريق رباح عن معمر عن الزهري، فقال :
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن بعضهم - أي: الصَّحَابَة - أن رسول اللّه وَه
قال، إلخ. قال التقي الفاسي في ((شفاء الغرام)) (ج١ : ص ٧٦) بعد ذكر الروايتين ما
لفظه: وذكر صاحبنا الحافظ أبو الفضل العسقلاني أن رواية معمر شاذة، يعني:
رواياته لهذا الحديث عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مَرْفُوعًا. قال:
والظاهر أن الوهم فيه من عبد الرزاق؛ لأن معمرًا كان لا يحفظ اسم صحابيه كما
جاءت رواية رباح عنه وعبد الرزاق سلك الجادة، فقال: عن أبي سلمة عن أبي
هريرة، ثم قال: وإذا تقرر ذلك؛ علم أن لا أصل له من حديث أبي هريرة. والله
أعلم. انتهى.

١٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قلت: رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (ج٥: ص ٢٧) عن معمر عن الزهري عن
أبي سلمة موقوفًا عليه، فيغلب على الظن أن الناسخ أسقط قوله: ((عن أبي هريرة))،
والله أعلم، والحديث روي نحوه عن عبد الله بن عمرو أيضًا، كما ذكره التقي
الفاسي في ((شفاءِ الغرامِ)).

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم مَكّْةٌ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
١٠٥
الفصل الثالث
٢٧٥١ - [١٢] عَنْ أَبِي شُرَيْحِ الْعَدَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ
يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: اثْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ، أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِّهِ رَسُولُ اللَّهِ
وَهِ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ
تَكَلَّمَ بِهِ: حَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ مَكَّةً حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا
النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًّا، وَلَا
يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ بِهِ فِيهَا فَقُولُوا لَهُ:
إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يُؤْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً من نَهَارٍ،
وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ، كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ)). فَقِيلٌ
لِأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو؟ قَالَ: قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنَْكَ يَا أَبَا شُرَيْح،
إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًّا، وَلَا فَارًّا بِدَم، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِّي
ء
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْبُخَارِيِّ: الْخَرْبَةَ: الْجَنَايَةِ.
الشرح
٢٧٥١ - قوله: (عَنْ أَبِي شُرَيْح) بضم الشين المعجمة وفتح الراء وبالحاء
المهملة. (الْعَدَوِيِّ) بفتح العين والدَّال. قال الحافظ في كتاب الحج: كذا وقع
هنا، وفيه نظر؛ لأنَّهُ خزاعي من بني كعب بن ربيعة بن لحي بطن من خزاعة؛ ولهذا
يقال له: الكعبي أيضًا، وليس هو من بني عدي لا عدي قريش ولا عدي مضر،
فلعله كان حليفًا لبني عدي بن كعب من قريش، وقيل: في خزاعة بطن يقال لهم:
بنو عدي، ثم قال في ((المغاري)): كنت جوزت في الكلام على حديث الباب في
الحج أنه من حلفاء بني عدي بن كعب، وذلك لأنني رأيته في طريق أخرى الكعبي
نسبة إلى بني كعب بن ربيعة بن عمرو بن لحي، ثم ظهر لي أنه نسب إلى بني عدي
ابن عمرو بن لحي، وهم إخوة كعب ويقع هَذَا في الأنساب كثيرًا ينسبون إلى أخي
(٢٧٥١) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٤٢٩٥)، ومُسْلِم (١٣٥٤) عنه.

١٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ixE
القبيلة، وأبو شريح هَذَا صحابي مشهور، اختلف في اسمه. فقيل: خويلد بن
عمرو. وقيل: عمرو بن خويلد. وقيل: كعب بن عمرو، وقيل: هانئ بن عمرو.
وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وأصحها وأشهرها خويلد بن عمرو، وهو خويلد بن
عمرو بن صخر بن عبد العزي بن معاوية بن المحترش بن عمرو بن مازن بن عدي
ابن عمرو بن ربيعة الخزاعي، ثم الكعبي أسلم قبل فتح مكة، و کان يحمل أحد
ألوية بني كعب بن خزاعة يوم فتح مكة، روى له عن النَّبِي ◌ََّ عشرون حديثًا، اتفقا
على حديثين وانفرد البُخَارِي بحديث، وكان أبو شريح من عقلاء أهل المدينة سكن
المدينة ومات بها سنة ثمان وستين.
(أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو) بفتح العين. (بْنِ سَعِيدٍ) أي: ابن أبي العاص بن سعيد بن
العاص بن أمية القرشي الأموي المعروف بالأشدقِ، وليست له صحبة، ولا كان
من التابعين بإحسان، وعرف بالأشدق؛ لأنَّهُ صعد المنبر، فبالغ في شتم عليٍّ رضي
اللَّه تعالى عنه، فأصابه لقوة. (وَهُوَ) أي: عمرو (يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ) جملة
حالية والبعوث جمع بعث، بمعنى مبعوث، وهو من تسمية المفعول بالمصدر،
والمراد به: الجيش المجهز للقتال، أي: يرسل الجيوش إلى مكة لقتال عبد الله بن
الزبير؛ لكونهِ امتنعَ من مبايعة يزيد بن معاويةَ، واعتصمَ بالحرم، وكان عمرو والي
يزيد على المدينة، والقصَّة مشهورة. وملخصها: أن معاوية عهد بالخلافة بعده
ليزيد بن معاوية، فبايعَهُ الناس إلا الحسين بن علي وَابْن الزبير، وأما عبد الرحمن
ابن أبي بكر، فمات قبل موت معاوية، وأما عبد الله بن عمر فبايع ليزيد عقب
موت أبيه، وأما الحسين بن علي فسار إلى الكوفة لاستدعائهم إياه ليبايعوه، فكان
ذلك سبب قتله، وأما ابن الزبير فاعتصمَ، ويسمى عائذ البيت، وغلب على أمر
مكة، فكان يزيد بن معاوية يأمر أمراءه على المدينة أن يجهزوا إليه الجيوش، فكان
آخر ذلك أن أهل المدينة اجتمعوا على خلع يزيد من الخلافةِ، وكان عمرو بنُ
سعيدٍ هَذَا قد أَمَّر على الجيشِ الَّذِي جهّزَه إلى مكة عمرو بن الزبير، وكان معاديًا
لأخيه عبد الله، وكان عمرو بن سعيد قد ولاه شرطته ثم أرسله إلى قتال أخيه، فجاء
مروان إلى عمرو بن سعيد فنهاه فامتنعَ، وجاءِ أبو شريح فذكرِ القصةَ، فلما نزل
الجيش ذا طوى خرج إليهم جماعة من أهل مكّة، فهزموهم وأَسِر عمرو بن الزبير
فسجنه أخوه بسجنٍ عارم، وكان عمرو قد ضربَ جماعة من أهل المدينة ممن اتهم

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم مَكْةٌ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
١٠٧
بالميلِ إلى أخيهِ، فأقادهم عبد الله منه حتى مات عمرو من ذلك الضرب.
تنبيه:
وقعَ في ((السيرةٍ)) لابن إسحاق و((مغازي الواقدي)): أنَّ المراجعةَ المذكورة
وقعت بين أبي شريح وبين عمرو بن الزبير، فإنْ كانَ محفوظًا احتملَ أنْ يَكُون أبو
شريح راجع الباعث والمبعوث. والله أعلم؛ قاله الحافظ.
(ائْذَنْ) بهمزتين وفتح الذال، أمر من أذن يأذن، وتبدل همزته الثانية ياء؛
لسكونها وانكسار ما قبلها فيقال: إيذن. (أَيُّهَا الْأَمِيرُ) أصله: يا أيها الأمير، حذف
منه حرف النداء، ويستفاد منه حسن التلطف في مخاطبة السلطان؛ ليكون أدعى
لقبوله النصيحة، وأن السلطان لا يخاطب إلا بعد استئذانه ولا سيما إذا كان في أمر
يعترض به عليه فترك ذلك، والغلظة له قد يكون سببًا لإثارة نفسه ومعاندة من
يخاطبه. (أُحَدِّثْكَ) بالجزم؛ لأنه جواب الأمر. (قَوْلًا) مفعول ثان. (قَامَ بِهِ) صفة
للقول والمقول هو حمد الله تعالى إلى آخره. (الْغَدَ) بالنصبِ. (مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ)
أي: ثاني يوم الفتح يعني أنه خطب اليوم الثاني من فتح مكة. (أُذُنَايَ) هَو فاعَل
سمعت وأصله أذنان لي، فلما أضيف إلى ياء المتكلم سقطت نون التثنية. وفيه :
إشارة إلى بيان حفظه له من جميع الوجوه، فقوله: ((سمعته)) أي: حملته عنه بغیر
واسطة، وذكر الأذنين للتأكيد، وقوله: (وَعَاهُ قَلْبِي) أي: حفظه تَحْقِيق لفهمه
وتثبته، وقوله: (وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ) زيادة في تَحْقِيق ذلك، وأن سماعه منه ليس
اعتمادًا على الصوت فقط بل مع المشاهدة والروية. (حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ) أي: بالقول
المذكور و ((حِينَ)) نصب على الظرف ((سمعت ووعاه وأبصرت))، ويؤخذ من
قوله: ((وَوَعَاهُ قَلْبِي)) أن العقل محله القلب.
(حَمِدَ اللَّهَ) جملة استئنافية مبينة، وفي رواية: ((إِنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ)). قال الحافظ: هو
بيان لقوله: تكلّم، ويؤخذ منه استحباب الثناء بين يدي تعليم العلم وتبيين الأحكام
والخطبة في الأمور المهمة، وقد تقدَّم من رواية ابن اسحاق أنه قال فيها: ((أَمَّا
بَعْدُ)). (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) عطف على حمد من قبيل عطف العام على الخاص. (حَرَّمَهَا
اللهُ) جملة وقعت في محل الرفعِ؛ لأنَّهَا خبر ((إن)). (وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ) بالضّ
أي: إن تحريمها كان بوحي من الله، لا من اصطلاح الناس. (فَلَا يَحِلَّ) الفاء فيه

١٠٨
**
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
BHE
**
جواب شرط محذوف تقديره إذا كان كذلك، فلا يحل. (لِامْرِئٍ) هَذَا اللفظ من
النوادرِ حيث كانت عينه دائمًا تابعة للامه في الحركة. (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)
اكتفى بطرفي المؤمن به عن بقيته.
قال الحافظ: فيه تنبيه على الامتثالِ؛ لأن من آمن بالله؛ لزمته طاعته، ومن آمن
باليوم الآخر لزمه امتثال ما أمر به واجتناب ما نهي عنه خوف الحساب علیه، وقد
تعلَّق به من قال: إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، والصحيح عند الأكثر
خلافه، وجوابهم بأن المؤمن هو الَّذِي ينقاد للأحكام وينزجر عن المحرمات،
فجعل الكلام معه، وليس فيه نفي ذلك عن غيره، وقال ابن دقيق العيد: الَّذِي أراه
أنه من خطاب التهييج نحو قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَّكَّلُواْ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ﴾
[المائدة: الآية ٢٦] فالمعنى: أن استحلال هَذَا المنهي عنه لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم
الآخر بل ينافيه، فهذا هو المقتضى لذكر هَذَا الوصف، ولو قيل: لا يحلُّ لأحدٍ
مطلقًا لم يحصل منه هَذَا الغرض، وإن أفاد التحريم.
(أَنْ يَسْفِكَ) فاعل ((لا يحل)) و((أن)) مصدرية، تقديره: فلا يحل سفك دم،
ويسفك بكسر الفاء على المشهور، وحكي ضمها، ومعنى السفك: إراقة الدم
وصبه، والمراد به: القتل، واستدل به على تحريم القتل والقتال بمكة، وتقدَّم
البحث فيه في الكلام على حديث ابن عباس. (بِهَا) أي: بمكة، و((الباء)) بمعنى
((في)) أي: فيها كما هي رواية المستملي للبخاري. (دَمًّا) مفعول (يسفك)). (وَلَا
يَعْضِدَ) بالنصبِ أيضًا؛ لأنَّهُ عطف على (يسفك)) والتقدير: وأن لا يعضد، وزيدت
((لا)) لتأكيد معنى النفي، فمعناه: لا يحل أن يعضد، ويعضد بكسر الضاد المعجمة
بصيغة المعلوم. والضمير الَّذِي فيه يرجع إلى امرئ أي: ولا يقطع. (بِهَا) أي:
بمكة. (شَجَرَةً) بالنصبِ مفعول یعضد، وفيه: دليل على تحريم قطع شجر مكّة،
وقد سبقَ الكلامُ في ذلك وتفصيل مذاهب الأئمة في شرح حديث ابن عباس.
(فَإِنْ) شرطية. (أَحَدٌ) فاعل فعل محذوف مضمر، والتقدير: فإنَّ ترخَّص أحد،
ويفسره قوله: (تَرَخَّصَ) وإنما حذف لئلا يجتمع المفسر والمفسر، وذلك، كما في
قَوْلِه تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ﴾﴾ [التوبة الآية: ٦] وقوله: (تَرَخَّصَ) على
وزن تفعل مشتق من الرُّخْصَة، وفي رواية ابن أبي ذئب عند أحمد: ((فَإِنْ تَرَخَّصَ

١٠٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم مَكَّةٌ حَرَسَهَا اللَّهِ تَعَالَى
مُتَرَخِّصٌ)) وهو المتكلف للرخصة. (بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِوَ ليّ) كذا في ((صحيح مسلم))
وفي البخاري: (لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ)) واللام فيه للتعليل، وهو متعلق بقوله:
((ترخص)). (فَقُولُوا) جواب الشرط؛ فلذلك دخلت فيه الفاء. (إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ)
بكسر الذال أي: أجاز. (لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ) معناه: إن قال أحد بأن ترك القتال
عزيمة والقتال رخصة يتعاطى عند الحاجة مستدلًّا بقتال رسول اللَّه وَ لَه فيها فقولوا
له: ليس الأمر كذلك، فإنَّ اللَّه أذن لرسوله و﴿ ﴿ ولم يأذن لكم. (وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي)
بفتح الهمزة وكسر الذال على بناءِ الفاعلِ، والضمير فيه يرجعُ إلى اللهِ، ويروى
بضم الهمزة على البناء للمجهول، وفي قَوْلِه: ((لِي)) التفات؛ لأنَّ نسق الكلام:
وَإِنما أذن له، أي: لرسوله؛ قاله الحافظ.
وقال العَيْنِي: وإنما التفت ثانيًا بقوله: ((وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي)) ولم يقل: أذن له؛ بيانًا
لاختصاصه بذلك بالإضافة إلى ضميره، كما في قول امرئ القيس:
وَذَلِك مِن نَبَأْ جَاءَنِي وَخبرته عن أبي الأسود
(سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) قد مضى في شرح حديث ابن عباس: أن مقدار هذه الساعة ما
بين طلوع الشمس وصلاة العصر، وكان قتل من قتل بإذن النَّبِي وَلَّ كابن خطل،
وقع في هَذَا الوقت الَّذِي أبيح فيه القتال للنبي وَّ، والمأذون له فيه القتال لا قطع
الشجر، فليس في الحديث ما يدل على إباحة عضد الشجر لرسول اللَّه ◌َليل في تلك
الساعة. (وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا) أي: الحكم الَّذِي في مقابلة إباحة القتال المستفاد
من لفظ الإذن. (الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ) المراد باليوم: الزمن الحاضر،
وبالأمس: أي الأمس من يوم الفتح. وقال السندي: الظاهر: أنَّ الْمَرَاد وقد عادت
حرمتها بعد تلك الساعة كحرمتها قبل تلك الساعة. انتهى. ولم يبين غاية الحرمة
هنا، وقد بيَّنها في روايةِ ابنِ أبي ذئب المذكورة بقوله: ((ثُمَّ هِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْم
الْقِيَامَةِ)) وكذا في حديث ابن عباس السابق بقوله: (فَهِيَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمَ
الْقِيَامَةِ)). (وَلْيُبَلِّغ) بسكون اللام وكسرها وتشديد اللام الثانية ويجوز تخفيفها أي:
يوصل. (الشَّاهِدُ) بالرفع. (الْغَائِبَ) بالنصب. قال ابن جرير: فيه دليل على جواز
قبول خبر الواحد؛ لأنَّهُ معلوم أن كل من شهد الخطبة قد لزمه الإبلاغ، وأنه لم
يأمرهم بإبلاغ الغائب عنهم إلا وهو لازم له فرض العمل بما أبلغه، كالذي لزم
السامع سواء وإلا لم يكن للأمر بالتبليغ فائدة.

١١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْح) لم يدر اسم القائل. وظاهر رواية ابن إسحاق أنه بعض قومه
من خزاعة. (مَا قَالَّ لَكَ عَمْرٌو؟) أي: في جوابك. (قَالَ) أي: أبو شِريح. (قَالَ)
أي: عمرو (أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ) أي: بالمذكور من قول أبي شريح: إن مكَّة حرَّ مها الله
تعالى ... إلخ. (مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْح) بإظهار الهمزة، ويجوز حذفها للتخفيف،
فيقال: يا أبا شريح. (إِنَّ الْحَرَمَ) أيَّ: حرم مكة. (لَا يُعِيذُ) بالذال المعجمة، أي:
لا يجير ولا يعصم. (وَلَا فَارًّا بِدَم) بالفاء وتثقيل الراء من الفرار وهو عطف على
((عَاصِيًّا)) والباء في ((بِدَم)) للمصاحبة، أي: مصاحبًا بدم ومتلبسًا به، يعني: لا يجير
هاربًا علیه دم یعتصم بمكة، کیلا یقتص منه.
قال الحافظ: المراد من وجب عليه حد القتل، فهرب إلى مكة مستجيرًا
بالحرم، وهي مسألة خلاف بين العلماء، وأغرب عمرو بن سعيد في سياقهِ الحكم
مساق الدليل، وفي تخصيصه العموم بلا مستند. (وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ) عطف على ما
قبله، والباء فيه للسببية وقوله: ((بِخَرْبَةٍ)) بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء بعدها باء
موحدة وهي السرقة، كذا ثبت تفسيرها في رواية المستملي أعني في روايته: ولا
فار بخربة يعني: السرقة. وقال ابن بطال: الخربة بالضم الفساد وبالفتح السرقة .
قال الحافظ: قد تصرف عمرو في الجواب وأتى بكلام ظاهره حق، ولكن أراد به
الباطل. قال ابن حزم: لا كرامة للطيم الشيطان أنْ يَكُون أعلم من صاحب
رسول اللّهُ وَّةِ، وأغرب ابنُ بطال فزعم أن سكوت أبي شريح عن جواب عمرو بن
سعيد دال على أنه رجع إليه في التفصيل المذكور، ويعكر عليه ما وقع في رواية
أحمد أنه قال في آخره: قال أبو شريح: فقلت لعمرو: قدْ كنتُ شاهدًا وكنتَ
غائبًا، وقد أَمَرَنا أنْ يبلغ شاهدُنا غائبَنا وقد بلَّغْتُ. فهذا يشعر بأنه لم يوافقه، وإنما
ترك مشاققته لعجزه؛ لما كان فيه من قوةِ الشوكةِ.
وقال ابن بطال أيضًا: ليس قول عمرو جوابًا لأبي شريح؛ لأنَّهُ لم يختلف معه
في أن من أصاب حدًّا في غير الحرم ثم لجأ إليه أنه يجوز إقامة الحد عليه في
الحرم، فإن أبا شريح أنكر بعث عمرو الجيش إلى مكة ونصب الحرب عليها،
فأحسن في استدلاله بالحديث، وحاد عمرو عن جوابه وأجابه عن غير سؤاله،
وتعقبه الطيبي: بأنه لم يحد في جوابه وإنما أجاب بما يقتضي القول بالموجب،
كأنه قال له: صح سماعك وحفظك لكن المعنى المراد من الحديث الَّذِي ذكرته

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم مَكَّةٌ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
خلاف ما فهمته منه، فإن ذلك الترخص كان لسبب الفتح وليس بسبب قتل من
استحق القتل خارج الحرم ثم استجار بالحرم، والذي أنا فيه من القبيل الثاني.
قلت - قائله الحافظ: لكنها دعوى من عمرو بغير دليل؛ لأنَّ ابن الزبير لم يجب
علیه حد، فعاذ بالحرم؛ فرارًا منه حتى يصح جواب عمرو، نعم كان عمرو یری
وجوب طاعة يزيد الَّذِي استنابه وكان يزيد أمر ابن الزبير أن يبايع له بالخلافة
ويحضر إليه في جامعة يعني: مغلولًا، فامتنع ابن الزبير وعاذ بالحرم، فكان يقال
له بذلك: عائذ الله، وكان عمرو يعتقدُ أنه عاص بامتناعه من امتثال أمر یزید،
ولهذا صدر كلامه بقوله: إن الحرم لا يعيذ عاصيًا. ثم ذكر بقية ما ذكر استطرادًا،
فهذه شبهة عمرو وهي واهية، وهذه المسألة التي وقع فيها الاختلاف بين أبي شريح
وعمرو فيها اختلاف بين العُلَمَاء أيضًا كما مرَّ تفصليه في شرح حديث ابن عباس من
هَذَا الباب، وفي حديث أبي شريح من الفوائد غير ما تقدم: جواز إخبار المرء عن
نفسه بما يقتضي ثقته وضبطه لما سمعه ونحو ذلك، وإنكار العالم على الحاكم ما
يغيره من أمر الدين، والموعظة بلطف وتدريج، والاقتصار في الإنكار على
اللسان؛ إذ لم يستطع باليد، ووقوع التأكيد في الكلام البليغ، وجواز المجادلة في
الأمور الدينية، وفيه: الخروج عن عهدة التبليغ، والصبر على المكاره لمن لا
يستطيع بدًّا من ذلك.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البُخَارِي في العلم وفي الحج وفي المغازي، ومُسْلِم فِي
الحج، وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٦: ص ٣٨٥) والترمذي في الحج وفي الديات،
والتَّسَائِي في الحج وفي العلم. (وَفِي الْبُخَارِيِّ: الْخَرْبَةُ: الْجِنَايَة) قال القاري:
وفي نسخة: الخيانة ضد الأمانة. انتهى. والذي فِي الْبُخَارِي في الحج وفي
المغازي، قال أبو عبد الله: الخربة: البلية. وقال ابن الأثير في النهاية: في
الحديث: الحرم لا يعيذ عاصيًّا ولا فارًّا بخربة. الخربة: أصلها العيب والمراد بها
ها هنا الَّذِي يفر بشيء يريد أن ينفرد به ويغلب عليه مما لا تجيزه الشريعة، والخارب
أيضًا: سارق الإبل خاصة، ثم نقل إلى غيرها؛ اتساعًا، وقد جاء في سياق الحديث
في ((كتاب البُخَارِي)) أن الخربة: الجناية والبلية.
قال الترمذي: وقد روي ((بخزية)) ويجوز أنْ يَكُون بكسر الخاء - وسكون

١١٢
BE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الزاي - وهو الشيء الَّذِي يُستحيا منه أو من الهوان والفضحة ويجوز أنْ يَكُون
بالفتح وهو الفعلة الواحدة منهما. انتهى. وارجع لمزيد التفصيل إلى الفتح في
الحج، والعيني والقسطلاني في العلم.
٢٧٥٢ - [١٣] وَعَنْ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: (لَا تَزَالُ هَذِهِ الْأَمَّةُ بِخَيْرِ مَا عَظَّمُوا هَذِهِ الْحُرْمَةَ حَقَّ
تَعْظِيمِهَا، فَإِذَا ضَيَّعُوا ذَلِكَ؛ هَلَكُوا)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه]
· الشرح
٢٧٥٢- قوله: (وَعَن عيَّاشِ) بتشديد التحتانية وآخره معجمة. (بْنِ أَبِي
رَبِيعَةَ) اسم أبي ربيعة عمرو - ويلقب ذا الرمحين - ابن المغيرة بن عبد الله بن
عمرو بن مخزوم القرشي أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن المخزومي ابن عم
خالد بن الوليد بن المغيرة، وأخو أبي جهل بن هشام لأمه، أمهما أم الجلاس،
وأخو عبد الله بن أبي ربيعة لأبيه وأمه، واسمها أسماء بنت سلمة بن مخرمة، وهي
أم الحارث وأبي جهل ابني هشام بن المغيرة، كان هشام بن المغيرة قد طلَّقها،
فتزوجها أخوه أبو ربيعة بن المغيرة، كان إسلام عياش بن أبي ربيعة قديمًا قبل أن
يدخل رسول الله وي لإ دار الأرقم، وهاجر إلى أرض الحبشة مع امرأته وولد له بها
ابنه عبد الله، ثم هاجر إلى المدينة فجمع بين الهجرتين. قال الزبير: كان عياش بن
أبي ربيعة قد هاجر إلى المدينة حين هاجر عمر بن الخطاب، فقدم عليه أخواه لأمه
أبو جهل والحارث ابنا هشام، فذكر له أن أمه حلفت أن لا يدخل رأسها دهن ولا
تستظل حتى تراه، فرجع معهما فأوثقاه رباطًا وحبساه بمكة، فكان رسول اللّه وَل
يدعو له بالنجاة في القنوت، كما ثبت في ((الصَّحِيحَيْن)) عن أبي هريرة، روى عن
النبيِّ وَّةَ فِي تَعْظِيم مكة وعنه ابنه عبد الله وعبد الرحمن بن سابط وغَيْرهما استشهد
باليمامة، وقيل: باليرموك، وقيل: مات سنة خمس عشرة بالشام في خلافة عمر.
(لَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ) أي: أمة الإجابة. (بِخَيْرٍ) التنوين للتعظيم. (مَا عَظَّمُوا)
(٢٧٥٢) ابن مَاجَهْ (٣١١٠) من رواية عيَّش بن أبي ربيعةً.

١١٣
كِتّابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم مَكّْةٌ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
BE
أي: مدة تعظيمهم. (هَذِهِ الْحُرْمَةَ) يعني: الكعبة والحرم. وقال القاري: أي:
حرمة مكة وحرمها المعهودة عند العرب بأجمعها. وقال السندي: أي: حرمة
شعائر الله. (فَإِذَا ضَيَّعُوا ذَلِك) أي: التعظيم أو ما ذكر من الحرمة. (هَلَكُوا) أي:
بالإهانة؛ جزاء وفاقًا .
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) في آخر الحج من طريق يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن
سابط عن عياش. قال ابن عبد البر: ويَقُولُون: إن عبد الرحمن بن سابط لم يسمع
منه، وأنه أرسلَ حديثه عنه، وروى عنه نافع مرسلا أيضًا وروى عنه ابنه عبد الله بن
عياش سماعًا منه، انتهى.
وقال السندي: قال في ((الزوائد)): في إسناده يزيد بن أبي زياد واختلط بأخرة،
انتهى. والحديث ذكره المحب الطبري في ((القرى)) (ص٥٨٩) وقال: أخرجه ابن
الحاج في ((منسكه))، وذكره الحافظ في ((الفتح)) في باب فضل مكة وبنيانها ثم قال:
أخرجه أحمد وابن ماجه وعمر بن شبة في ((کتاب مكة)) وسنده حسن. انتهى.

١١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
١٥ - بَابُ حَرَمَ الْمَدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
(بَاب حَرَمِ الْمَدِينَةِ) قال الزرقاني: المدينة في الأصل: المصر الجامع، ثم
صارت علمًا بَالغلبة على دار هجرته وّله، ووزنها فعيلة؛ لأنَّهَا من مدن - بالمكان،
أي: أقام به - وقيل: مفعلة بفتح الميم؛ لأنَّهَا من دان - بمعنى: أطاع، والدين
الطاعة -، والجمع مدن ومدائن بالهمز على القول بأصالة الميم ووزنها فعائل
وبغير همز على القول بزيادة الميم ووزنها مفاعل. انتهى. وقال الحافظ في
((الفتح)): المدينة علم على البلدة المعروفة التي هاجر إليها النَّبِي وَلّ ودفن بها. قال
الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَيْن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [المنافقون: الآية ٨]، فإذا أطلقت؛ تبادر إلى
الفهم أنها المراد، وإذا أريد غيرها بلفظ المدينة فلا بد من قيد، فهي كالنجم
للثريا، وكان اسمها قبل ذلك: يثرب، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ تَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَكَأَهْلَ
يَثْرِبَ﴾ [الأحزاب: الآية ١٣] ويثرب اسم لموضع منها سميت كلها به، قيل: سميت بيثرب
ابن قانية من ولد إرم بن سام بن نوح؛ لأنَّهُ أول من نزلها، حكاه أبو عبيد البكري،
وقيل غير ذلك. ثم سماها النَّبِي وَل طابة وطيبة كما سيأتي. وكان سكانها العماليق
ثم نزلها طائفة من بني إسرائيل. قيل: أرسلهم موسى ظلّلا، كما أخرجه الزبير بن
بكار في ((أخبار المدينة)) بسند ضعيف، ثم نزلها الأوس والخزرج لما تفرق أهل سبأ
بسبب سیل العرم. انتهى.
قال النووي في ((مناسكه)): لمدينة رسول اللَّه ◌َل خمسة أسماء: المدينة وطابة
وطيبة والدار ويثرب، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ [ التوبة: الآية ١٢١] وفي
مسلم عن جابرٍ مَرْفُوعًا: ((إِنَّ اللَّه سَمَّى الْمَدِينَةَ طَابَةً)). قال النووي: سميت طابة
وطيبة؛ لخلوصها من الشرك وطهارتها منه، وقيل: لطيب ساكنها، وأما تسميتها
الدار؛ فللاستقرار بها لأمنها، وأما المدينة فقال كثير من أهل اللغة: هي من دان،
أي: أطاع، سميت بها؛ لأنَّهُ يطاع لله تعالى فيها .
قال ابن حجر في ((شرحِهِ)): اقتصر على هذه الأسماء مع أن أسماءها تقارب
الألف كما بينها بعض المتأخرين؛ لأنَّهَا أشهرها. انتهى. وقال السمهودي: إن

١١٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ الْمُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، ولم أجد أكثر من أسماء هذه البلدة الشريفة
وقد استقصيتها بحسب القدرة حتى أني زدت على شيخ مشائخنا المجد الشيرازي
اللغوي، وهو أعظم الناس في هَذَا الباب نحو ثلاثين اسمًا، فرقمت على ذلك
صورة ليتميزوها وأنا أوردها مرتبة على حروف المعجم، ثم ذكر السمهودي أربعة
وتسعين اسمًا مع بيان معانيها، وسرد أحمد بن عبد الحميد العباسي ثمانية
وخمسين اسمًا ثم ترجم كل اسم حسب ترتيبه الأبجدي، من أحب الوقوف على
ذلك رجع إلى ((وفاء الوفا)) (ص٨ إلى ص ٢٧) وإلى ((عمدة الأخْبَار)) (ص٥٨ إلى
ص ٧٠).
واعلم: أن للمدينةِ حُرمة عند الحنفية لا حرمًا كما لمكة خلافًا للأئمة الثلاثة؛
فعندهم يحرم صيدها وقطع شجرها، وعند الحنفية لا يحرم ذلك، وسيأتي بسط
الكلام في ذلك.

١١٦
ae
MEN *
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ithess
الفصل الأول
٢٧٥٣ - [١] عَنْ عَلِيِّ رَوْنَهُ قَالَ: مَا كَتَبْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ إِلَا
الْقُرْآنَ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الْمَدِينَةُ حَرَامٌ مَا
بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًّا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا؛ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ
وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسَِّ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ
وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا؛ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ
وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَمَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنٍ
مَوَالِيهِ؛ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا
عَدْلٌ)) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: ((مَنِ الذَّعَى إِلَى غَيْرٍ أَبِيهِ أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ؛ فَعَلَيْهِ
لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٧٥٣ - قوله: (مَا كَتَبْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ إِلَّ الْقُرْآنَ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ)
هَذَا لفظ البُخَارِي في الجزية رواه من طريق سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيمي
عن أبيه عن علي، وروى مسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن
أبيه، قال - أي: يزيد بن شريك التيمي والد إِبراهيم: خطبنا عليُّ بنُ أبي طالبٍ
فقال: منْ زعمَ أن عندنا شيئًا نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة - قال: وصحيفة
معلقة في قراب سيفه - فقد كذب. وروى البُخَارِي أيضًا في العلم من طريق مطرف
عن الشعبي عن أبي جحيفة قال: قلتُ لعليٍّ رَوّثْلَهُ: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا
كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة.
قال الحافظ: قوله: ((هَلْ عِنْدَكُمْ))، الخطاب لعلي والجمع: إما لإرادته مع بقية
(٢٧٥٣) البخاري (١٨٧٠)، ومُسْلم (١٢٧٠)، وأَبُو دَاوُد (٢٠٣٤)، والتر مِذِي (٢١٢٧)، والنسائي فِي
الكُبرى (٤٢٧٨) فِي الحَجِّ عَنْ عَلِّ رَوُلَهُ.

١١٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ المُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
أهل البيت أو للتعظيم. وقوله: كتاب. أي: مكتوب أخذ تموه عن رسول اللَّه ◌ِ له
مما أوحي إليه، ويدلّ على ذلك رواية المصنف - يعني البُخَارِي - في الجهاد: هل
عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتابِ اللهِ؟ وله في الديات: ((هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِمَّا
لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ؟)). وفي ((مسند إسحاق بن راهويه)) عن جرير عن مطرف: هل
علمت شيئًا من الوحي؟ وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك؛ لأن جماعة من الشيعة
كانوا يزعمون أن عند أهل البيت لا سيما عليًّا أشياء من الوحي خصَّهم النبيُّ وَّه بها
"لم يطلع غيرهم عليها. وقد سأل عليًّا عن هذه المسألة أيضًا قيس بن عُبَاد - بضم
العين وتخفيف الباء - والأشتر النخعي وحديثهما في ((مسند النسائي)). ((ومسند
الإمام أحمد)) (ج ١: ص ١٢٢).
وقال النووي: قوله: ((مَنْ زعمَ أنَّ عندنا شيئًا نقرؤه إلا كتاب اللَّه وهذه
الصحيفة؛ فقد كذب)). هَذَا تصريح من علي رَوَّهُ بإبطال ما تزعمه الرافضة
والشيعة ويخترعونه من قولهم: إن عليًّا رَضِ ◌َّهُ أوصى إليه السَّبِي وَلَه بأمور كثيرة من
أسرار العلم وقواعد الدين وكنوز الشريعة، وأنه وَّ خصَّ أهلَ البيت بما لم يطلع
عليه غيرهم، وهذه دعاوى باطلة واختراعات فاسدة لا أصل لها ويكفي في إبطالها
قول عليٍّ رَوَّتَهُ هذا، وفيه دليل على جواز كتابة العلم.
(قَالَ) أي: علي رَوَّهُ تفسيرًا لما في الصحيفة، وفي رواية أبي جحيفة عند
الْبُخَارِي في العلم قال: ((قلتُ: ومَا فِي هذهِ الصَّحِيفةِ؟ قال: الْعَقْل ... )) إلخ. قال
الحافظ: ووقع للبخاري ومسلم من طريق يزيد التيمي عن علي قال: ما عندنا شيء
نقرؤه إلا كتاب اللهِ وهذه الصحيفة، فإذا فيها الجراحات وأسنان الإبل والمدينة
حرم - الحديث. ولمسلم عن أبي الطفيل عن عليٍّ: ما خصَّنا رسول اللَّه ◌َل بشيء
لم يعم بِه الناس كافة إلا ما في قِراب سيفي هذا. وأخرج صحيفة مكتوبة، فيها:
(لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ ... )) الحديث. وللنسائي من طريق الأشتر وغيره عن
علي: فإذا فيها: ((الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ... )) الحديث.
ولأحمد من طريق طارق بن شهاب: ((فيها فرائض الصدقة)).
والجمع بين هذه الأحاديث: أن الصحيفة كانت واحدة وكان جميع ذلك مكتوبًا
فيها، فنقل كل واحد من الرواة عنه ما حَفِظه. والله أعلم. وقد بين ذلك قتادة في

١١٨
ese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
رِوَايَتِه لهذا الحديث عن أبي حسان عن علي.
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: الْمَدِينَةُ حَرَامٌ) كذا في رواية البُخَارِي في باب إثم من عاهد
ثم غدر من كتاب الجهادِ، وهكذا وقعَ عند أحمد (ج ١: ص ١٢٦) وأبي داود ولفظ
مسلم: ((الْمَدِينَةُ حَرَمٌ)) بفتحتين بدون ألف، وهكذا عند البُخَارِي في: ((باب ذمة
المسلمين وجوارهم واحدة)). وكذا وقع عند أحمدَ (ج١: ص ٨١) والترمذي
والنسائي. والحرام بمعنى: الحرم؛ لأن الروايات يفسر بعضها بعضًا. وقال
القاري: حرام أي: محترم ممنوع مما يقتضي إهانة الموضع المكرم، وعند
الشافعية: الحرام بمعنى الحرم.
قلت: وهو الظاهر.
(مَا بَيْنَ عَيْرٍ) بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف، بلفظ العير مرادف
الحمار: جبل مشهور في قبلة المدينة بقرب ذي الحليفة ميقات المدينة، وفي
رواية للبخاريِّ: ((مَا بَيْنَ عَائِرٍ)) بألف بعد العين المهملة على وزن فاعل. (إِلَى ثَّوْرٍ)
بفتح الثاء المثلثة وسكون الواو بلفظ الثور، فحل البقر جبل صغير خلف أحد، وهو
غير جبل ثور الَّذِي بمكة، وقوله: (إِلَى ثَوْرٍ) انفردَ به مسلمٌ، ولفظ البخاري: ((إِلَی
كَذَا)) أي: بإبهام النهاية .
قال الحافظ: اتفقت روايات البُخَارِي كلها على إبهام الثاني، ووقع عند مسلم :
((إِلَى ثَوْرٍ)) فقيل: إن البُخَارِي أبهمه عمدًا لما وقع عنده أنه وهم. وقال صاحب
((المشارق والمطالع)): أكثر رواة البُخَارِي ذكروا عيرًا، وأما ثور: فمنهم من كثَّى
عنه بكذا، وَمِنْهُم من ترك مكانه بياضًا، والأصل في هَذَا التوقف قول مصعب
الزبيري: ليس بالمدينة عير ولا ثور. وأثبت غيره عیرًا فوافقه على إنكار ثور. قال
أبو عبيد - القاسم بن سلام: قوله: ((مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ)». هذه رواية أهل العراق،
وأما أهل المدينة فلا يعرفون جبلًا عندهم يقال له: ثور، وإنما ثور بمكة، ونرى أن
أصل الحديث ما بين عير إلى أحد. قلت - قائله الحافظ -: وقد وقع ذلك في
حديث عبد الله بن سلام عند أحمد والطَّبَرَاني في ((الكبير)): قال عبد الله بن سلام:
ما بين كذا وأحد حرام حرمه رسول اللَّه ◌َ لَّ ما كنتُ لأقطعُ به شجرةً ولا أقتل به
طائرًا. هَذَا لفظ أحمد (ج٥: ص ٤٥٠)، ولفظ الطَّرَاني: قال: ((مَا بَيْن عَيْرٍ وَأُحُدٍ

١١٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ الْمُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
حَرَامٌ)). قال الْهَيْئَمِي: ورجاله ثقات. وقال عياض: لا معنى لإنكار عير بالمدينة
فإنه معروف، وقد جاء ذكره في أشعارهم، وأنشد أبو عبيد البكري في ذلك عدة
شواهد. وقال ابن السيد في ((المثلث)): عير اسم جبل بقرب المدينة معروف. قال
الحافظ: وقد سلك العُلَمَاء في إنكار مصعب الزبيري لعير وثور مسالك، منها ما
تقدَّم، ومنها: قول ابن قدامة في ((المغنى)) (ج٣: ص ٣٥٤): يحتملُ أن النَّبِي ◌ِالثّ.
أراد قدر ما بين ثور وعير لا أنهما بعينهما في المدينة، ويحتمل أنه أراد الجبلين
الَّذِين بطرفي المدينة وسماهما عيرًا وثورًا تجوزًا وارتجالاً. انتهى.
وحكى ابنُ الأثيرِ كلامَ أبي عبيدٍ مختصرًا ثم قال: وقيل: إن عيرًا جبل بمكة،
ويكون المراد أنه حَرَّمَ من المدينة قدرِ ما بين عير وثور من مكة أو حَرَّمَ المدينة
تحريمًا مثل تحريم ما بين عير وثور بمكّة، على حذف المضاف ووصف المصدر
المحذوف .
وقال النووي: يحتمل أن ثورًا كان اسمًا لجبل هناك إما أحد وإما غيره، فخفي
اسمه، وقال صاحب ((البيان والانتصار)): قد صحَّت الرواية بلفظِ ثور، فلا ينبغي
الإقدام على توهيم الرواة بمجرد عدم العرفان، فإن أسماء الأماكن قد تتغيَّر أو
تنسى ولا يعلمها كثير من الناس، وأيضًا فقد يكون للشيء اسمان، فيعرف أحدهما
دون الآخر. وقال المجد صاحب ((القاموس)): لا أدري كيفَ وقعت المسارعة من
هؤلاء الأعلام إلى إثبات وهم في الحديثِ المتفقِ على صحَّتِهِ بمجرَّد ادعاء أن أهل
المدينة لا يعرفون جبلًا يسمى ثورًا، وذكر احتمال طرق التغيير في الأسماء
والنسيان لبعضها، قال: حتى إني سألتُ جماعة من فقهاء المدينة وأمرائها وغَيْرهم
من الأشراف عن فدك ومكانها، فكلهم أجابوا بعدم معرفة موضع يسمى بذلك في
بلادهم مع أن هذه القرية لم تبرح في أيدي الأشراف والخلفاء يتداولونها إلى أواخر
الدولة العباسية، فكيف بجبل صغير لا يتعلَّق به كبير أمر مع أنه معروف بين أهل
العلم بالمدينة، ونقل بعض الحفاظ وصفه بذلك خلفًا عن سلف. انتهى.
ونقل جماعة عن المحدث أبي محمد عفيف الدين عبد السلام بن مزروع
البصري نزيل المدينة المشرفة، أنه رآه غير مرة، وأنه لما خرج رسولًا من صاحبٍ
المدينةِ إلى العراق كان منه دليل يذكر له الأماكن والأجبل، فلما وصلا إلى أحد إذا