النص المفهرس
صفحات 61-80
٦٠
*
SUPER
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تكاملت فتوح معظم البلاد وانتشر الإسلام في أقطار الأرض ثم صار إلى ما تقدم
ذكره، والتَحْقِيق أيضًا: أن جنس جهاد الكفار متعين على كل مسلم إما بيده وإما
بلسانه وإما بماله وإما بقلبه، انتهى. وسيأتي مزيد الكلام في ذلك في شرح هَذَا
الحديث في آخر الفصل الأول من كتاب الجهاد، ويأتي هناك بسط أحكام الجهاد
إن شاء الله تعالى.
(وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةً) قال القاري: أعاده تأكيدًا أو إشارة إلى وقوع هَذَا القول وقتًا
آخر من ذلك اليوم والله تعالى أعلم، انتهى. قلتُ: اللَّفْظُ المَذْكورُ لمسلمٍ رواه في
الحجِّ عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير، وروى البُخَارِي هَذَا الحديث فيّ باب لا
يحلُّ القتالُ بمكّة، من كتابٍ الحجِّ، من طريق عثمان بن أبي شيبة عن جرير بلفظ :
((وَإِذَا اسْتُتْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ ... )) إلخ. أي: ليس فيه قوله: ((وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ
مَكَّةَ)) قال الحافظ: الفاء أي في قَوْلِه: ((فَإِنَّ هَذَا)) جواب شرط محذوف تقديره: إذا
علمتم ذلك فاعلموا أن هَذَا بلد حرام، وكأن وجه المناسبة أنه لما كان نصب القتال
عليه حرامًا كان التنفير يقع منه لا إليه، ولما روى مسلم هَذَا الحديث عن إسحاق
عن جرير فصل الكلام الأول من الثاني بقوله: وَقَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ: ((إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ... ))
إلى آخره. فجعله حديثًا آخر مستقلا، وهو مقتضى صنيع من اقتصر على الكلام
الأول كعلي بن المديني عن جرير كما سيأتي في الجهاد، انتهى.
(إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ) أي: مكة يعني: حرمها. قال القاري: أو المراد بالبلد أرض
الحرم جميعها. (حَرَّمَهُ اللَّهُ) أي: حكم بتحريمها وقضاه، وظاهره أن حكم الله
تعالى في مكة أن لا يقاتل أهلها ويؤمن من استجار بها ولا يتعرض له، وهو أحد
أقوال المفسرين في قَوْلِه تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَا﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩١] وقوله:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَإِنَّا﴾ [سورة العنكبوت: الآية ٦٧]. (يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ)
يعني: أن تحريمه أمر قديم وشريعة سالفة مستمرة، وحكمه تعالى قدیم لا يتقيد
بزمان فهو تمثيل في تحريمه بأقرب متصور لعموم البشر؛ إذ ليس كلهم يفهم معنى
تحريمه في الأزل، وليس تحريمه مما أحدثه الناس أو اختص بشرعه، وهذا لا
ينافِي قَوْلَهُ في حَدِيث جَابِرِ عند مسلم وحديث أنس عند البخاري: ((أَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ
مَكَّةَ))؛ لأن إسناد التحريم إليه من حيثُ أنه مبلغه، فإن الحاكم بالشرائع والأحكام
كلها هو اللَّه تعالى، والأنبياء يبلغونها، فكما تضاف إلى اللَّه تعالى من حيث أنه
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم مَكَّةٌ حَرَسَهَا اللهُ تَعَالَى
Re
٦١
الحاكم بها تضاف إلى الرسل؛ لأنَّهَا تسمع منهم وتبين على ألسنتهم، والحاصل :
أنه أظهر تحريمها مبلغًا عن الله بعد أن كان مهجورًا إلا أنه ابتدأه، وقيل: إنه حرمها
بإذن الله، يعني: أنه تعالى كتبٍ في اللوح المحفوظ يوم خلق السماوات والأرض
أن إبراهيم سيحرم مكة بأمر الله تعالى، كذا في ((إرشاد الساري)).
وقال العَيْنِي: معنى قوله: ((أَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ)) أعلن بتحريمها وعرف الناس
بأنها حرام بتحريم اللَّه إياها، فلما لم يعرف تحريمها إلا أن في زمانه على لسانه
أضيف إليه، وذلك كما في قَوْلِه تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٣] فإنه أضاف
إليه التوفي، وفي آية أخرى: ﴿قُلْ يَنَوَقَّنكُم مَّلَكُ اُلْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] فأضاف إلى
الملك التوفي، وقال في آية أخرى: ﴿الَّذِينَ تَنَوَقَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ﴾ [النحل: ٣٠، ٣٤] فأضافَ
إليهم التوفي، وفِي الحَقِيقَة المتوفي هو اللَّه من، وأضاف إلى غيره لأنَّه ظهرَ على
أيديهمْ، انتهى. وقال الحافظ: لا معارضة بين الحديثين؛ لأن معنى قوله: ((إِنَّ
إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ)) أي: بأمر الله تعالى لا باجتهادِهِ، أو أن اللَّه قضى يوم خلق
السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرم مكة، أو المعنى أن إبراهيم أول مَن أظهر
تحريمها بين الناس، وكانت قبل ذلك عند الله حرامًا، أو أول من أظهره بعد
الطوفانِ .
وقال القرطبي: معنَاه: إنَّ اللهَ حرَّم مكة ابْتِدَاء من غير سبب ينسب لأحد ولا
لأحد فيه مدخل، قال: ولأجل هَذَا أكد المعنى بقوله في حديث أبي شريح الآتي :
((وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ)). والمراد بقوله: ((وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ)) أن تحريمها ثابت
بالشرعِ لا مدخل للعقلِ فيه، أو المراد أنها من محرمات اللَّه فيجب امتثال ذلك
وليس من محرمات الناس - يعني: في الجاهلية - كما حرَّمُوا أشياء من عند
أنفسهم فلا يسوغ الاجتهاد في تركه، وقيل: معناه إن حرمتها مستمرة من أول
الخلق، وليس مما اختصت به شريعة التَّبِي وَلِّ.
قال الحافظ: واستدل بالحديث على اشتراط الإحرام على من دخل الحرم. قال
القرطبي: معنى قوله: ((حَرَّمَهُ اللَّهُ)) أي: يحرم على غير المحرم دخوله حتى يحرم،
ويجري هَذَا مجرى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُّكُمْ﴾ [النساء: ٢٧] أي :
وطؤهن، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٤] أي: أكلها. فعرف الاستعمال يدل على
٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تعيين المحذوف. قال: وقد دلَّ على صحة هَذَا المعنى اعتذاره عن دخول مكة غیر
محرم مقاتلاً بقوله: ((لَمْ تحِلَّ ◌ِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ... )) الحديث، انتهى. وقد تقدم
بسط القول في هذه المسألة في شرح حديث ابن عباس في بيان المواقيت (ج٨:
ص ٥٠ إلى ٥٣) وتقدم الجواب هناك عن الاستدلال بِهَذَا الحَدِيث على منع دخول
الحرم بغير إحرام، فتذكر.
(فَهُوَ) أي: البلد. (حَرَامٌ) أي: محرم محترم. (بِحُرْمَةِ اللَّهِ) أي: بسبب حرمة
الله، فالباء للسببية، ويجوز أن تكون للملابسة فيكون متعلق الباء محذوفًا، أي
متلبسًا بحرمة الله، وهو تأكيد للتحريم. (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) إيماء إلى عدم نسخه،
وقال الحافظ: قوله: ((بِحُرْمَةِ اللَّهِ)) أي: بتحريمهَ، وقيل: الحرمة الحق، أي:
حرام بالحق المانع من تحليله، قال: واستدلَّ به على التحريم القتل والقتال
بالحرم، فأما القتل فنقل بعضهم الاتفاق على جواز إقامة حدِّ القتلِ فيها على مَن
أوقعَهُ فيها، وخص الخلاف بمن قتل في الحل ثم لجأ إلى الحرم، وممن نقل
الإجماع على ذلك ابن الجوزي، واحتجَّ بعضُهُم بقتل ابن خطل بها، ولا حجة
فيه؛ لأن ذلك كان في الوقت الَّذِي أحلت فيه للنبيِ وَّه، وزعم ابنُ حزمٍ: أن
مقتضى قول ابن عمر وَابْن عباس وغَيْرهما أنه لا يجوز القتل فيها مطلقًا. ونقل
التفصيل عن مجاهد وعطاء. وقال أبو حنيفة: لا يُقتل في الحرم حتى يخرج إلى
الحلِّ باختياره، لكن لا يجالس ولا يُكَلَّم، ويُوعظ ويُذَكَّرِ حَتَى يخرجَ، وقال
أبو يوسف: يخرج مضطرًّا إلى الحلِّ وفعله ابن الزبير، وروى ابن أبي شيبة من
طريق طاوس عن ابن عباس: من أصاب حدًّا ثم دخل الحرم لم يجالس ولم يبايع،
وعن مالك والشافعي: يجوزُ إقامةُ الحدِّ مطلقًا فيها؛ لأن العاصي هتك حرمة نفسه
فأبطل ما جعل الله له من الأمن. وأما القتال، فقال الماوردي: من خصائص مكة
أن لا يحارب أهلها، فلو بغوا على أهل العدل فإن أمكن ردهم بغير قتال لم يجز،
وإن لم يكن إلا بالقتال، فقال الجمهور: يقاتلون؛ لأنَّ قتال البغاة من حقوق الله
تعالى، فلا يجوز إضاعتها، وقال الآخرون: لا يجوزُ قتالهم، بل يضيق عليهم إلى
أن يرجعوا إلى الطاعة، قال النووي: والأول نص عليه الشافعي وأجاب أصحابه
عن الحديث بحمله على تحريم نصب القتال بما يعم أذاه كالمنجنيق، بخلاف ما لو
تحصن الكفار في بلد، فإنه يجوز قتالهم على كل وجهٍ، وعن الشافعي قول آخر
٦٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم مَكَّةٌ حَرَسَهَا اللَّهِ تَعَالَى
بالتحريم واختاره القفال، وجزم به في ((شرح التلخيص)). وقال به جماعة من علماء
الشافعية والمالكية، قال الطَّبَري: مَن أتى حدًّا في الحل واستجار بالحرم فللإمام
إلجاؤه إلى الخروج منه، وليس للإمام أن ينصب عليه الحرب بل يحاصره ويضيق
عليه حتى يذعن للطاعة؛ لقوله وَّ: ((وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وقد عادت
حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس)). فعلم أنها لا تحل لأحد بعده بالمعنىَ الَّذِي حلت
له به، وهو محاربة أهلها والقتل فيها، ومالٍ ابن العربي إلى هذا، وقال ابن المنير:
قد أكَّد النبيُّ وَّه التحريم بقوله: ((حَرَّمَهُ اللَّهُ)) ثم قال: ((فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ)) ثم
قال: ((وَلَمْ تَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ)) وكان إذا أراد التأكيد ذكر الشيء ثلاثًا، قال:
فهذا نص لا يحتمل التأويل. وقال القرطبي: ظاهر الحديث يقتضي تخصيصه وقليل
بالقتال لاعتذاره عما أبيح له من ذلك مع أن أهل مكة كانوا إذ ذاك مستحقين للقتال
والقتل لصدهم عن المَسْجِد الحرام وإخراجهم أهله منه وكفرهم، وهذا الَّذِي فهمه
أبو شريح كما سيأتي، وقال به غير واحد من أهل العلم. وقال ابن دقيق العيد:
يتأكد القول بالتحريم بأن الحديث دلَّ على أن المأذون للنبي وَّ فيه لم يؤذن لغيره
فيه، والذي وقع له إنما هو مطلق القتال لا القتال الخاص بما يعم كالمنجنيق،
فكيف يسوغ التأويل المذكور، وأيضًا فسياقُ الحديثِ يدلُّ على أن التحريم لإظهار
حرمة البقعة بتحريم سفك الدماء فيها، وذلك لا يختص بما يستأصل، انتهى كلام
الحافِظ .
قلت: ومذهب الحنفية في مسألتي القتل والقتال في الحرم على ما ذكره في
((غنية الناسك)) (ص١٦٣) هو: أن مَن جنى في غير الحرم بأن قتل أو ارتد أو زنى أو
شرب الخمر أو فعل غير ذلك مما يوجب الحدُّثم لاذ إليه لا يتعرض له ما دام في
الحرم، ولكن المرتد يعرض عليه الإسلام، فإن أسلم سَلِمٍ وإلا قُتِل؛ لأن إباءه عن
الإسلام جناية في الحرم، وغير المرتد لا يبايع ولا يؤاكل ولا يجالس ولا يؤوى إلى
أن يخرج منه فيقتص منه، وأما إن فعل ما يوجب القصاص ثم لاذ إليه، فإن كان
القصاص في النفس لا يتعرض له ويضيق عليه حتى يخرج كما في الحدِّ، وإن كان
فيما دون النفس يقتص منه في الحرم؛ لأن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال،
ومن جنى على المال إذا لجأ إلى الحرم يؤخذ منه؛ لأنَّهُ حق العبد، أي: فكذا
يقتص منه في الأطراف بخلاف الحد؛ لأنَّهُ حق الرب تبارك وتعالى، وبخلاف
٦٤
es
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
*29
القصاص في النفس؛ لأنَّهُ ليس بمنزلة المال، وإن فعل شيئًا من ذلك في الحرم يقام
عليه الحد ويقتص منه فيه، وإن قتل في الحرم قتل فيه، وإن قتل في البيت لا يقتل
فیه. قال في ((رد المحتار)): وكذا الحكم في سائر المساجد، انتهى. ومن دخل
الحرم مقاتلاً قُتِل فيه ... إلى آخر ما ذكر.
قلت: واستدل لما ذهب إليه مالك والشافعي، ومن تبعهم من أن حكم الحرم
كغيره فيقام فيه الحد ويستوفى فيه القصاص سواء كانت الجناية في الحرم أو في
الحل، ثم لجأ إلى الحرم بأن العاصي هتك حرمة نفسه، فأبطل ما جعل الله له من
الأمن، واستدلوا لذلك أيضًا بعمومات النصوص الدالة على استيفاء الحدود
والقصاص في كل زمان ومكان، وبأنَّ النبيَّ ◌َّ أمر بقتلٍ ابنٍ خطل وهو متعلق
بأستار الكعبة، وبالقياس على مَن أتى في الحرم ما يوجب القتل، وأما ما ذهب إليه
أبو حنيفة وأصحابه من الفقهاء والإمام أحمد وبعض محدثيه مع أنه إن كانت
الجناية في الحرم استوفيت العقوبة فيه، وإن كانت في الحل ثم لجأ إلى الحرم لم
تستوف منه فیه، ويلجأ إلى الخروج منه، فإذا خرجَ اقتص منه، فاستدل لهم بمثل
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، ﴿أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَإِنَّا﴾.
[القصص: ٥٧] ونحوهما من الآيات، ولو لم يكن للتخصيص فائدة ما ذكر.
وأجابَ هؤلاء عن أدلة المعارضين بأن العمومات لا تتناوله؛ لأن لفظها لا يدل
عليه لا بالوضع ولا بالتضمن فهو مطلق بالنسبة إليها، ولو فرض تناولها له لكانت
مخصصة بالأدلة الواردة في منع إقامة الحد فيه لئلا يبطل موجبها. وأما قتل ابن
خطل فليس فيه دليل؛ لأنَّهُ قتل في الساعة التي أحل فيها الحرم للنبي وَّ، وأما
قياسه على مَن أتى في الحرم بما يوجب القتل فلا يستقيم؛ لأن الجاني فيه هتك
حرمته وحرمة اللَّه تعالى فهما مفسدتان ولو لم يقم الحد على الجناة فيه لعم الفساد
وعظم الشر في حرم اللَّه بخلاف الَّذِي أتى ما يوجب القتل خارجه، فذنبه أخف
كثيرًا وهو بلجوئه إلى الحرم كالتائب من الذنب النادم على فعله.
قلت: ونصر ابنُ حزم في ((المحلى)) (ج٧: ص ٢٦٢): أن القصاص وأنواع
الحدود لا تقام في الحرَّم مطلقًا، وقال: من أتى فيه بما يوجب القتل والحد
فليخرج ثم يُقام عليه، ونقل عمومات عن بعض الصَّحَابَة ظاهرها معه. قلت:
٦٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمَ مَكْةٌ حَرَسَهَا اللهُ تَعَالَى
والقولُ الراجحُ عندنا: هو ما ذهب إليه أبو حنيفة وأحمد لقوة دليل هَذَا القول واللّه
أعلم. (وَإِنَّهُ) أي: الشأن، فالهاء فيه ضمير الشان. (لَمْ يَحِلِّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي)
زاد في بعض طرق البخاري: ((وَلا يَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي)) قال المحبُّ الطبري
(ص٥٩١): هَذَا القول يحتمل وجوهًا ثم ذكرها، وقال: الوجه الرابع وهو أقواها
وأسلمها عن الاعتراضٍ: أن يريد تحريم القتل بها وكان مستحقًّا، حتى لو دخل
كافر بغير أمان أو زان محصن أو من قتل إنسانًا عمدًا عدوانًا لم يقتل بها بل يضيق
عليه حتى يخرج، وهذا مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد وقول بعض
أصحاب مالك، وكذلك القتال أيضًا لا يكون بقتل، بل بالحصر والتضييق
والمدافعة حتى يخرجوا منها، ولا كذلك سائر البلاد، وإليه الإشارة بقوله {وَلآ ،
فإن أحدٌ ترخص بقتال رسول اللّه وَله. أي: وقتله ابن خطل وغيره وقد عاذوا
بالحرم، فيقال لهم: إن الله ثم أذن لرسوله ولم يأذن لكم، فمنع رسول اللّه وَ ل
الناس أن يقتدوا به في هذه الرخصة، وأن يعد سببها تَحْقِيقا لاختصاصه وَّ بهذه
الرخصة، انتهى.
قال ابنُ بطالٍ: المراد بقوله: ((وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي)» الإخبار عن الحكم في ذلك
لا الإخبار بما سيقع لوقوع خلاف ذلك في الشاهد كما وقع من الحجاج وغيره،
انتهى. ومحصله: أنه خبر بمعنى النهي بخلاف قوله: ((لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ
قَبْلِي)) فإنه خبر محض، أو معنى قوله: ((وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي)) أي: لا يحله الله
بعدي؛ لأن النسخ ينقطع بعده لكونه خاتم النبيين، .
(وَلَمْ يَحِلَّ) أي: القتال. (لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) أي: مقدارًا من الزمان، وهو ما
بين طلوع الشمس وصلاة العصر، وقد وردَ عند أحمد من طريق عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده: لما فُتِحت مكة قال: (كُفُوا السِّلَاحَ إلا خزاعة عن بني بكرٍ))،
فأذن لهم حتى صلَّى العصر، ثم قال: ((كُفُوا السِّلاَحَ)) فلقى رجل من خزاعة رجلًا
من بني بكر من غدٍ بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك رسول اللَّه وَلّ فقام خطيبًا، فقال:
ورأيته مسندًا ظهره إلى الكعبة. فذكر الحديث. ويستفاد منه: أن قتل من أذن
النَّبِي ◌ََّ في قتلهم كابن خطل وقع في الوقت الَّذِي أبيح للنبيِ وَّ فيه القتال خلافًا
لمن حمل قوله: ((سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ)) على ظاهره، فاحتاج إلى الجواب عن قصة ابن
خطل كَذَا فِي ((الفَتْح)).
٦٦
seexx Xces
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
قال القاري: قوله ◌َله: (وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ)). أي: أحل لي ساعة
إراقة الدم دون الصيد وقطع الشجر، وقال الخطابي: قيل: إنما أحلت له في تلك
الساعة إراقة الدم دون الصيد وقطع الشجر وسائر ما حرم على الناس منه، انتهى.
قال الطَّبَري: ويحتمل العموم، فإن انتشار العسكر لا يخلو من تنفير صيدٍ ودوس
خلا وقطعه وغير ذلك، والعمد والخطأ فيه سواء، وقال أيضًا: يحتمل أنْ يَكُون
المراد جميع ما حرم فيه من تنفير الصيد واختلاء الخلا وعضد الشجر؛ لأن ذلك
من لوازم انتشار العسكر غالبًا، فالصيد ينفر بذلك والدواب يختلى لها ويخبط
فحصوله وإن كان تبعًا وضمنًا لكنه لما كان معلومًا بالضرورة کان کالمباشر،
انتھی .
ثم قال القاري: قوله: (لَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ)) دل على أن فتح مكة كان
عنوة وقهرًا كما هو عندنا، وقال الشيخ الدهلوي: يدلّ ظاهرُهُ على وقوع القتال
فيه، وقد وقع من خالد بن الوليد، وكان ذلك بأمر من النَّبِي وَل أو بإذن منه وَل،
ولهذا ذهب الأكثرون، وَمِنْهُم أبو حنيفة إلى أن مكة فُتحت عنوة، وعن الشافعيِّ،
وهو رواية عن أحمد: أنها فتحت صُلْحًا؛ لأنهم لم يتهيؤا وللحرب، وإنما وقعت
اتفاقًّا بعد دخول خالد وتعرض بعض المشركين واعتذاره مدير بحل القتال له صريح
في وقوع القتال والفتح عنوة. وثمرة الخلاف: أن من قال: فتحت عنوة لا يجوز
بيع دورها وإجارتها؛ لأن التَّبِي ◌َّ أخذها من الكفار وجعلها وقفًّا بين المسلمين،
ومن قال بالفتح صلحًا جوز ذلك؛ لأنها مملوكة لأصحابها مبقاة على أملاكهم،
انتھی .
قلت: ذهب الأكثرون منهم أبو حنيفة وأحمد في المشهور عنه إلى أن مكة
فتحت عنوة، وذهب الشافعي إلى أنها فتحت صلحًا، واستدلَّ له على ذلك بأنها لو
فتحت عنوة لقسَّمَها النَّبِي وَلّ بين الغانمين كخيبر ولملك الغانمون دورها، وكانوا
أحق بها من أهلها، ولو كانت عنوة لم يؤمن أهلها. واستدل الجمهور بقوله وَالآتى :
(لَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ)) وبقوله في حديث أبي شريح: ((فإن ترخَّص أحدٌ
بقتال رسول اللّه وَّل فيها فقولوا له: إن الله أذن لرسولهِ ولم يأذن لك)). واستدلوا
أيضًا بأن النَّبِي ◌َّ دخلها في حالةٍ حرب وتعبئة، فقد جعل للجيش ميمنة وميسرة
ومقدمة ومؤخرة وقلبًا، ودخلها وعلى رأسه المغفر غير المحرم. وحصل القتال
٦٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ مَكَّةٌ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالى
بين خالد بن الوليد وبينهم حتى قتل منهم جماعة. وقال بيَّةٍ للأنصار: ((أَتَرَوْنَ
أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعَهُمْ احْصُدُوهُمْ حَصْدًا)). حتى قال أبو سفيان: يا رسولَ اللهِ،
أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم، وقال: ((مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ)). وغير
ذلك من الأدلة الواضحة الصحيحة، وأجابوا عن أدلة المعارضين فقالوا: أما كونه
لم يقسم أرضها بين الغانمين، فلأنَّ الأرضَ غير داخلة في الغنائمِ التي تقسم، وهذا
عمل الخلفاء الراشدين في أرضٍ العنوة التي يأخذونها لا يقسمونها، وإنما
يجعلونها فيئًا على المسلمين أولهم وآخرهم على أن النَّبِي وََّ مَنَّ على أهل مكة
فأمَّنَهُم، ومن تَأْمِينهم ترك ما بأيديهم مع أن هناك خلافًا بين العُلَمَاء هل يملك رباع
مكة ودورها؟ وقد رَجَح كثير من العُلَمَاء عدم تملكها وقالوا: إنه يستوي فيها
المسلمون كالمساجدِ، وأما تأمينه أهلها فبعد القتال منَّ عليهم بذلك؛ لكونهم
جيران بيت الله تعالى، وبعد أن رأوا أن لا طَاقة لهم في القتالِ طلبوا الأمان،
فأجابهم لطفًا بهم ورحمة، كذا في ((تيسير العلام)). وارجع لمزيد التفصيل إلى
((الفتح)) في شرح حديث هشام بن عروة عن أبيه من باب: أَيْنَ رَكَزَ النَّبِيُّ وَّةِ الرَّايَةَ
يَوْمَ الفَتْحِ؟
(فَهُوَ) أي: البلد. (حَرَامٌ) أي: على كل أحد بعد تلك الساعة. (بِحُرْمَةِ اللَّهِ)
أي: المؤبدة. (لا يُعضَدُ) بضم أوله وفتح الضاد المعجمة، أي: لا يقطع،
والعضد: القطع، يقال: عضدت الشجر أعضده بالكسر قطعته، قال ابن الجوزي:
أصحاب الحديث يقولون: يعضد بضم الضاد. وقال لنا ابن الخشاب: هو
بكسرها، والمعضد بكسر أوله الآلة التي يقطع بها. قال الخليل: المعضد الممتهن
من السيوف في قطع الشجر. وقال الطَّبَري: أصله من عضد الرجل إذا أصابه بسوء
في عضده. (شَوْكُهُ) قال القاري: أي: ولو يحصل التأذي به. وأما قول بعض
الشافعية أنه يجوز قطع الشوك المؤذي فمخالف لإطلاق النصِّ، ولذا جرى جمع
من متأخريهم على حُرمة قطعه مطلقًا، وصحَّحه النووي في ((شرح مسلم)) واختاره
في عدة گُتُبه، انتهى.
قلتُ: قال الخطابي في ((المعالم)): أما الشوك فلا بأسَ بقطعِهِ لما فيه من الضررِ
وعدم النفع، ولا بأس بأن ينتفع بحَطام الشجر وما بلي منه، انتهى. وقال الحافظ:
وأجازوا - أي: الشافعية - قطع الشوك؛ لكونه يؤذي بطبعه فأشبه الفواسق، ومنعه
٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الجمهور لحديث ابن عباس، وصححه المتولي من الشافعيةٍ، وأجابوا بأن القياس
المذكور في مقابلة النص فلا يعتبر به حتى ولو لم يرد النص على تحريم الشوك
لكان في تحريم قطع الشجر - كما في حديث أبي هريرة الآتي - دليل على تحريم
قطع الشوك؛ لأن غالب شجر الحرم كذلك، ولقيام الفارق أيضًا، فإنَّ الفواسق
المذكورة تقصد بالأذى بخلاف الشجر. قال ابن قدامة: ولا بأس بالانتفاع بما
انكسر من الأغصان وانقطع من الشجر بغير صنع آدمي ولا بما يسقط من الورق
نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافًا، انتهى.
(وَلَا يُنَفَّرُ) بضم أوله وتشديد الفاء المفتوحة. (صَيْدُهُ) أي: لا يصاحُ عليه فينفر،
وقال سفيان بن عيينة: معناه: أنْ يَكُون الصيد في ظلِّ الشجرة. فلا ينفر ليجلس
مکانه ویستظل. قال الطبري: لا خلاف أنه لو نفره وسلم فلا جزاء علیه لکنه یأثم
بارتكابه النهي، فلو أتلفه أو تلف بتنفيره وجب جزاؤه، وقال النووي: يحرم التنفير
وهو الازعاج عن موضعه فإن نفره عصى سواء تلف أو لا، فإن تلف في نفاره قبل
سكونه ضمن وإلا فلا. قال العلماءُ: يستفادُ من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف
بالأولى. وقال الحافظ: قيل: تنفير الصيد كناية عن الاصطيادِ، وقيل: هو على
ظاهره، وقد روى البُخَارِي عن ◌ِكْرِمَة أنه قال: هو أن تنحيه من الظل تنزل مكانه،
قال الحافظ: قيل: نَّه ◌ِكْرِمَة بذلك على المنع من الإتلاف كسائر أنواع الأذى
تنبيهًا بالأدنى على الأعلى، وقد خالفَ عكرمةَ عطاءٌ ومجاهدٌ فقالا: لا بأسَ بطردِهِ
ما لم يفض إلى قتلِهِ، أخرجَهُ ابنُ أبي شيبة، وروى ابن أبي شيبة أيضًا من طريق
الحکم عن شیخ من أهل مكة أن حمامًا کان علی البيت فذرق علی ید عمر، فأشار
عمر بيده فطار فوقع على بعض بيوت مكة فجاءت حية فأكلته فحكم عمر على نفسه
بشاة، وروي من طريق أخرى عن عثمان نحوه.
(وَلَا يَلْتَقِطُ) بصيغة المعلوم. (لُقَطَتَهَ) بالنصب على أنه مفعول. قال القسطلاني:
لقطته بفتح القاف في ((اليونينية)) وبسكونها في غيرها، قال الأزهري: والمحدثون
لا يعرفون غير الفتح، ونقل الطيبي عن صاحب ((شرح السنة)) أنه قال: اللقطة بفتح
القاف والعامة تسكنها .
وقال الخليلُ: هو بالسكون، وأما بالفتح فهو الكثير الالتقاط، قال الأزهري:
٦٩
كِتَابُ المُنَاسِكِ
بَابْ حَرَم مَكَّةٌ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
ENESE
وهو القياس، وقال ابن بري في حواشي ((الصِّحَاح)): وهذا هو الصواب؛ لأن
الفعلة للفاعل كالضحكة للكثير الضحك، وفي ((القاموس)): واللقط محركة، أي:
بغير هاء وكحزمة وهمزة وثمامة ما التقط، انتهى.
وقال النووي: اللغة المشهورة فتحها. قال القسطلاني: وهي هنا نصب مفعول
مقدم والفاعل قوله : ((إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا)) أي: أَشْهَرَها ثُم يحفظها لمالكها ولا يتملكها،
أي: عرفها ليعرف مالكها فيردها إليه، وهذا بخلاف غير الحرم، فإنه يجوزُ تملكها
بشرطِهِ. وقال الحنفية والمالكية: حكمها واحد في سائر البلاد؛ لعموم قوله وَل:
((اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَّةً)) من غير فصل، لنا أن قوله: ((وَلَا يَلْتَقِطُ
لُقَطَتَهُ)) ورد مورد بيان الفضائل المختصة بمكّة كتحريمٍ صيدها وقطع شجرها، وإذا
سوى بين لقطة الحرم وبين لقطة غيره من البلاد بقي ذكر اللقطة في هَذَا الحديث
خاليًا عن الفائدة، انتهى.
وقال التُّورْبَشْتِي: قوله: ((لَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا)) أي: لا يلتقطها إلا من
يريد تعريفها فحسب، يدل عليه قوله في حديثٍ أَبي هريرةَ: (وَلَا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَهَا إِلَّ
مُنْشِدٌ)) أي: ليس للملتقط أن يتصدق بها أو يستنفقها كسائر اللقطات وذلك لتعظيمِ
أمر الحرم، ولم يفرق أكثر العُلَمَاء بين لقطة الحرم ولقطة غيره من الأماكن،
ويعضد هَذَا الحديث وما وردَ بمعناه قول من فرقٍ بينهما؛ لأنَّ الكلام ورد مورد بيان
الفضائل المختصة بها كتحريم صيدها وقطع شجرها وحصد خلاها، ثم إن الخبر
الخاص إنما يساق لعلم خاص وإذا سوى بين لقطة الحرم ولقطة غيره من البلاد
وجدنا ذكر حكم اللقطة في هَذَا الحديث خاليًا عن الفائدة، انتهى.
قلت: ذهب الشافعية ومتأخروا المالكية فيما ذكره صاحب تحصيل المرام من
المالكية إلى أن لقطة مكة بخلاف غيرها من البلاد، وأنها لا تحل إلا لمن يعرفها
أبدًا، ولا يتملكها كما يتملكها في غيرها من البلاد، والصحيح من مذهب مالك
وأبي حنيفة وأحمد: أنه لا خصوصية للقطة مكة وأن حكم اللقطة في سائر البلاد
واحد، والحديث عندهم محمول على المبالغة في التعريف، فإن الحاج يرجع إلى
بلاده فلا يعود إلا بعد أعوام، فتدعو الضرورة إلى إطالة التعريف أو على قطع،
وهم من يظن أنه لا يحتاج إلى التعريف، فإن الغالبَ أن الحجيجَ إذا تفرقوا مُشَرِّقِين
٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ومُغَرِّبِين، وقد مدت المطايا أعناقها لا يعرجون على شيء فلا فائدة في التَّعْرِيفِ.
وقال القاري: المقصود من ذكرها أن لا يتوهم تخصيص تعريفها بأيام الموسم،
وقال ابن الهمام: تخصيص مكة لدفع وهم سقوط التعريف بها بسبب أن الظاهرَ أن
ما وجد بها من لقطة، فالظاهر أنه للغرباء، وقد تفرقوا فلا يفيد التعريف فيسقط،
انتھی .
قال الحافظ: استدلَّ بحديثي ابن عباس وأبي هريرة على أن لقطة مكة لا تلتقط
للتملك، بل للتعريف خاصة وهو قول الجمهور، وإنما اختصت بذلك عندهم
لإمكان إيصالها إلى ربها؛ لأنَّهَا إن كانت للمكي فظاهر، وإن كانت للآفاقي فلا
يخلو أفق غالبًا من وارد إليها. فإذا عرفها واجدها في كل عام سهل التوصل إلى
معرفة صاحبها، قاله ابن بطال. وقال أكثر المالكية وبعض الشافعية: هي كغيرها
من البلاد وإنما تختصُّ مكة بالمبالغةِ في التعريفِ؛ لأنَّ الحاجَّ يرجعُ إلى بلده وقَدْ
لا يعود، فاحتاجَ الملتقط بها إلى المبالغة في التعريف. واحتجَّ ابن المنير لمذهبه
بظاهر الاستثناء؛ لأنَّهُ نفي الحل واستثنى المنشد في قَوْلِهِ: ((لَا تَحِلَّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا
لِمُنْشِدٍ)) فدلَّ على أن الحل ثابت للمنشد؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات. قال:
ويلزم على هَذَا أن مكة وغيرها سواء، والقياس يقتضي تخصيصها، والجواب: أن
التخصيص إذا وافق الغالب لم يكن له مفهوم، والغالب أن لقطة مكة ييأس ملتقطها
من صاحبها وصاحبها من وجدانها لتفرق الخلق إلى الآفاق البعيدة فربما داخل
الملتقط الطمع في تملكها من أول وهلة فلا يعرفها، فنهى الشارع عن ذلك وأمر أن
لا يأخذها إلا من عرفها، وفارقت في ذلك لقطة العسكر ببلاد الحرب بعد تفرقهم
فإنها لا تعرف في غيرهم باتفاق بخلاف لقطة مكة، فيشرع تعريفها لإمكان عود
أهل أفق صاحب اللقطة إلى مكة فيحصل التوصل إلى معرفة صاحبها، انتهى.
(ولا يُخْتَلَى) بضم الياء وسكون الخاء المعجمة وفتح الفوقية واللام أي لا يُجَزّ
ولا يقطع. (خَلَاهَا) بفتح المعجمة مقصور الرطب من الكلأ، فإذا ييس فهو
حشيش وهشيم. قال الحافظ: الخلا هو الرطب من النبات واختلاؤه قطعه
واحتشاشه، واستدل به على تحريم رعيه لكونه أشد من الاحتشاش، وبه قال مالك
والكوفيون واختاره الطبري. وقال الشافعي: لا بأس بالرعي لمصلحة البهائم وهو
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابٌ حَرَم مَكَّةٌ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
٧١
عمل الناس بخلاف الاحتشاش، فإنه المنهي عنه، فلا يتعدى ذلك إلى غيره،
انتھی .
قلت: الظاهر أن الإمام مالكًا وافق الشافعي في جواز الرعي لما في ((المدونة)).
قال مالك: لا بأس بالرعي في حرم مكة وحرم المدينة في الحشيش والشجر، وفي
آخر جامع الحج من ((الموطأ»: سئل مالك هل يحتش الرجل لدابته من الحرم؟
فقال: لا. قال الباجي: وهذا كما قال: أن لا يحتش أحد في الحرم لدابته ولا لغير
ذلك إلا الإذخر الَّذِي أباحه الشَِّنََّ، ومن احتش في الحرم فلا جزاء عليه، ولا
بأس أن يرعى الإبل في الحرم. والفرق بينه وبين الاحتشاش أن الاحتشاش تناول
قطع الحشيش وإرسال البهائم للرعي ليس بتناول لذلك، وهذا لا يمكن الاحتراز
منه، ولو منع منه لامتنع السفر في الحرم والمقام فيه لتعذر الامتناع منه والتحرز،
انتھی .
قال الحافظ: وفي تخصيص التحريم بالرطب إشارة إلى جواز رعي اليابس
واختلائه وهو أصح الوجهين للشافعية؛ لأن النبت اليابس كالصيد الميت. قال ابن
قدامة: لكن في استثناء الإذخر إشارة إلى تحريم اليابس من الحشيش، ويدل عليه
أن في بعض طرق حديث أبي هريرة ((وَلا يُحْتَشُّ حَشِيشُهَا))، قال: وأجمعوا على
إباحة أخذ ما استنبته الناس في الحرم من بقل وزع ومشموم فلا بأس برعيه
واختلائه، انتهى. وسيأتي بسط الكلام في ذلك في شرح قوله الآتي: ((لَا يُعْضَدُ
شَجَرُهَا».
(فَقَالَ الْعَبَّاسُ) أي: ابن عبد المطلب. (إِلَّا الْإِذْخِرَ) يجوزُ فيه الرفع بدلًا مما
قبله ونصبه لكونه مستثنى بعد النفي، واختار ابن مالك النصب؛ لكون الاستثناء
وقع متراخيًا عن المستثنى منه، والإِذْخر: بكسر الهمزة والخاء المعجمة بينهما ذال
معجمة ساكنة نبت معروف عند أهل مكة طيب الريح له أصل مندفن، أي: ماض
في الأرض، وقضبان دِقَاقٍ ينبت في السهل والحزن، وبالمغرب صنف منه فيما
قاله ابن البيطار. قال: والذي بمكّة أجوده، وأهل مكة يسقفون به البيوت بين
الخشب يعني يجعلونه تحت الطين وفوق الخشب ليسد الخلل فلا يسقط الطين،
وكذا يجعلونه في القبور - يعني يسدون به الخلل بين اللبنات في القبور - وكانوا
٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يستعملونه بدلًا من الحلفاء في الوقود ولهذا قال العباس: ((فإنه لقينهم)). ووقع عند
عمر بن شبة: فقالَ العباسُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أهل مكّة لا صبرَ لَّهُم عن الإذخرِ
لِقَيْنِهم وبُيُوتهم. وهذا يدل على أن الاستثناء في حديث الباب لم يرد به أن يستثنى
هو، وإنما أراد به أن يلقن النَّبِي تَّ الاستثناء.
(فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ) بفتحِ القاف وسكون التحتانية بعدها نون أي الحداد وحاجته له
ليوقد به النار وقال الطّبَري: القين عند العرب كل ذي صناعة يعالجها بنفسه، وفي
رواية للبخاري: ((فإنه لصاغتنا وقبورنا)). ووقع في مرسل مجاهد عند عمر بن شبه
الجمع بين الثلاثة. (وَلِبُيُوتِهِمْ) أي: لسقفها. (فَقَالَ: إِلَّا الْإِذْخِرَ) هو استثناء بعض
من كل لدخول الإذخر في عموم ما يختلى، قال الحافظ: اختلفوا هل كان قوله وَل
((إِلَّا الْإِذْخِرَ)) باجتهاد أو وحي؟ وقيل: كان اللَّه فوض له الحكم في هذه المسألة
مطلقًا. وقيل: أوحي إليه قبل ذلك أنه إن طلب أحد استثناء شيء من ذلك فأجب
سؤاله.
وقال ابن المنير: الحق أن سؤال العباس كان على معنى الضراعة وترخيص
النَّبِي وَ لّ كان تبليغًا عن اللّه إما بطريق الإلهام أو بطريق الوحي، ومن ادعى أن
نزول الوحي يحتاج إلى أمد متسع فقد وهم، قال الحافظ: وفِي الحَدِيث بيان
خصوصية النَّبِي وَّ بما ذكر في الحديث وجواز مراجعة العالم في المصالح
الشرعية والمبادرة إلى ذلك في المجامع والمشاهد وعظيم منزلة العباس عند
النَّبِي وَّر وعنايته بأمر مكة؛ لكونه كان بها أصله ومنشأه.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البُخَارِي في الجنائز وفي الحِج وفي البيوع وفي اللقطة وفي
الجهاد وفي الجزية وفي المغازي مختصرًا ومطولًا، ومُسْلِم في الحج والجهاد
وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج١: ص ٢٢٦، ٢٥٣، ٢٥٩، ٢٦٦، ٣١٥، ٣١٦، ٣٥٥)
مختصرًا ومطولًا، والترمذي في السير وأبو دَاوُد في الحج والجهاد، والتَّسَائِي في
الحج وفي البيعة، والدارمي مختصرًا وَابْن الجارود والْبَيْهَقِي، وسعيد بن منصور
وعبد الرزاق مطولًا .
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم مَكَّةٌ خَرَسَهَا اللَّهِ تَعَالَى
٧٣
٢٧٤١ - [٢] وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يَلْتَقِطُ
سَاقِطَتَهَا إِلَّا مُنْشِدٌ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٧٤١ - قوله: (وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي: عند الشيخين، فقد أخرَجها
البخاريُّ في العلم وفي الديات وفي اللقطة ومُسْلِم في الحج وأخرجها أيضًا أحمد
(ج٢: ص ٢٣٨) والترمذي وأبو دَاوُد والنَّسَائِي وَابْن ماجه والْبَيْهَقِي وَابْن
الجارود، ولفظها عند الشيخين من طريق شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة
عن أبي هريرة: أنَّ خزاعة قتلوا رجلًا من بني ليثٍ عام فتح مكة بقتيل منهم، قتلوه
فأخبر بذلكِ الَّبِي وَّ، فركب راحلته فخطبَ، فقال: ((إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَن مَكَّةً
الْفِيلَ، وَسَأَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّها لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلَّ
لِأَحَدٍ بَعْدِي، أَلَا وِإِنَّها حَلَّتَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، أَّا وِإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى
شَوْكُهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ)). وفي رواية: (لَا يَلْتَقِطُ
سَاقِطَتَهَا إِلَّا مُنْشِدٌ، فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَعْقِلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ
الْقَتِيلِ))، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: أَكْتُبْ لِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: ((اكْتُبُوا
لِأَِّي قُلَانٍ))، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ. إِلَّا الْإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا
وَقُبُورِنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِلَّا الْإِذْخِرَ)).
(لَا يُعْضَدُ) بصيغة المجهول أي لا يقطع ووقع في رواية لعمر بن شبة بلفظ: ((لاَ
يُخْضَدَ)) بالخاء المعجمة بدل العين المهملة، وهو راجع إلى معني العضد، فإن
أصل الخضد الكسر ويستعمل في القطع. (شَجَرُهَا) قال القرطبي: خص الفقهاء
الشجر المنهي عن قطعه بما ينبته اللّه تعالى من غير صنع الآدمي، فأما ما ينبت
بمعاجلة آدمي فاختلف فيه، والجمهور على الجواز. وقال الشافعي: في الجميعِ
الجزاء، ورجَّحه ابن قدامة، واختلفوا في جزاء ما قطع من النوع الأول، فقالَ
مالك: لا جزاء فيه بل يأثم، وقال عطاء: يستغفر، وقال أبو حنيفة: يؤخذ بقيمته
(٢٧٤١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١١٢) (١٥٨٧)(٦٨٨٠)، ومُسْلِم (١٣٥٥/٤٤٨) فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.
٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
هدي، وقال الشافعي: في العظيمةِ بقرة وفي ما دونها شاة. واحتجَّ الطبري بالقياس
على جزاء الصيد، وتعقبه ابن القصار بأنه كان يلزمه أن يجعل الجزاء على المحرم
إذا قطع شيئًا من شجر الحل ولا قائل به. وقال ابنُ العربي: اتفقوا على تحريم قطع
شجر الحرم إلا أن الشافعي أجاز قطع السواك من فروع الشجرة، كذا نقله أبو ثور
عنه. وأجاز أيضًا أخذ الورق والثمر إذا كان لا يضرها ولا يهلكها، بهذا قال عطاء
ومجاهد وغَيْرهما، كَذَا فِي ((الفَتْح))، وقال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على تحريم
قطع شجر الحرم وإباحة أخذ الإذخر وما أنبته الآدمي من البقول والزروع
والرياحين، حكى ذلك ابن المنذر، والأصل فيه ما روينا من حديث ابن عباس،
وروى أبو شريح وأبو هريرة نحوًا من حديث ابن عباس وكلها مُتَفَق عَلَيها، فأما ما
أنبته الآدمي من الشجر فقال أبو الخطاب وَابْن عقيل: له قلعه من غير ضمان
كالزرع، وقال القاضي: ما نبت في الحلِّ ثم غرس في الحرم فلا جزاء فيه، وما
نبت أصله في الحرم ففيه الجزاء بكل حال، وقال الشافعي في شجر الحرم: الجزاء
بكلِّ حال أنبته الآدميون أو نبت بنفسه؛ لعموم قوله ظلَّا: ((لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا»،
وقال أبو حنيفة: لا جزاء فيما ينبت الآدميون جنسه كالجوز واللوز والنخل ونحوه
ولا يجب فيما ينبته الآدمي من غيره كالدوح والسلم والعضاه؛ لأن الحرم يختص
تحريمه ما كان وحشيًّا من الصيد كذلك الشجر، قال ابن قدامة: ويحرم قطع
الشوك والعوسج، وقال القاضي وأبو الخطاب: لا يحرم. وروى ذلك عن عطاء
ومجاهد وعمرو بن دينار والشافعي؛ لأنَّهُ يؤذي بطبعه، فأشبه السباع من الحيوان،
ولنا قول الشَِّي ◌ََّ: ((لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا)) وفي حديث أبي هريرة: ((لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا))
وهذا صريح، ولأن الغالب في شجر الحرم الشوك، فلما حرم النَّبِي بَّ قطع
شجرها والشوك غالبه كان ظاهرًا في تحريمه، قال: ولا بأس بقطع اليابس من
الشجر والحشيش؛ لأنَّهُ بمنزلة الميت، ولا يقطع ما انكسر ولم يبن؛ لأنَّهُ قد تلف
فهو بمنزلة الظفر المنكسر، ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان وانقلع من
الشجر بغير فعل آدمي ولا ما سقط من الورق، نَصَّ عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافًا؛
لأن الخبر إنما ورد في القطع وهذا لم يقطع، قال: وليس له أخذ ورق الشجر، وقال
الشافعي: له أخذه؛ لأنَّهُ لا يضر به، وكان عطاء يرخص في أخذ ورق السنا
يستمشي به ولا ينزع من أصله، ورخص فيه عمرو بن دينار، ولنا أن النَّبِي وَّ قال:
٧٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم مَكَّةٌ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
(لَا يُخْبَطُ شَوْكُهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا)) رواه مسلم. ولأنَّ ما حرم أخذه حرم كل شيء
منه كريش الطائر، وقولهم: لا يضر به. لا يصح، فإنه يضعفها وربما آل إلى
تلفها. قال: ويحرم قطع حشيش الحرم إلا ما استثناه الشرع من الإذخر، وما أنبته
الآدميون واليابس؛ لقوله ◌ِالَّ: ((لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا))، وفي لفظ ((لا يُحْتَشُّ حَشِيشُهَا))
وفي استثناء النَّبِي ◌َّ الإذخر دليل على تحريم ما عداه. وفي جواز رعيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأن ما حرم إتلافه لم يجز أن يرسل
عليه ما يتلفه كالصيد. والثاني: يجوز، وهو مذهب عطاء والشافعي؛ لأن الهدي
كانت تدخل الحرم فتكثر فيه ولم ينقل أنه كانت تسد أفواهها، ولأن بهم حاجة إلى
ذلك أشبه قطع الإذخر. قال: ويباح أخذ الكمأة من الحرم وكذلك الفقع؛ لأنَّهُ لا
أصل له فأشبه الثمرة، وروى حنبل قال: يؤكل من شجر الحرم الضغابيس
والعشرق وما سقط من الشجر وما أنبت الناس، انتهى.
وقال في ((الروض المربع)): يحرمُ قطع شجر الحرم وحشيشه الأخضرين الَّذِين
لم يزرعهما آدمي، ويجوز قطع اليابس والثمرة وما زرعه الآدمي والكمأة والفقع
والإِذخر، ويباح الانتفاع بما زالَ أو انكسرَ بغيرِ فعلٍ آدمي ولو لم يبن، ويضمن
حشيش وورق بقيمته وغصن بما نقص، انتهى. وفي ((نيلِ المآرب)): يحرمُ قطع
شجره حتى ما فيه مضرة كعوسج وشوك وسواك ونحوه إلا اليابس، انتهى. قال ابنُ
قدامة: ويجبُ في إتلاف الشجر والحشيش الضمان. وبه قال الشافعيُّ وأصحابُ
الرأي، وروي ذلك عن ابنِ عباسٍ وعطاء، وقال مالك وأبو ثورٍ وداود وَابْن المنذر:
لا يضمن؛ لأنَّ المحرم لا يضمنه في الحلِّ، فلا يضمن في الحرم كالزرع. وقال
ابنُ المنذر: لا أجد دليلًا أوجب به في شجر الحرم فرضًا من كتاب ولا سنة ولا
إجماع، وأقول كما قال مالك، نستغفر الله تعالى، ولنا ما روى أبو هشيمة قال:
رأيتُ عُمر بن الخطاب أمر بشجر كان في المَسْجِد يضر بأهل الطواف فقطع
وفدى. قال: وذكر البقرة. رواه حنبل في ((المناسك))، وعَنِ ابْن عَبَّاسٍ أنه قال في
الدوحة: بقرة، وفي الجزلة شاة، والدوحة الشجرة العظيمة والجزلة الصغيرة،
وعن عطاء نحوه. ولأنه ممنوع من إتلافه لحرمة الحرم، فكان مضمونًا كالصيد،
ويخالف المحرم فإنه لا يمنع من قطع شجر الحل ولا زرع الحرم، إذا ثبت هَذَا فإنه
يضمن الشجرة الكبيرة ببقرة والصغيرة بشاة والحشيش بقيمته والغصن بما نقص،
٧٦
#eese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وبهذا قال الشافعي.
وقال أصحاب الرأي: يضمن الكل بقيمته لأنه لا مقدر فيه فأشبه الحشيش. ولنا
قول ابن عباس وعطاء، ولأنَّه أحد نوعي ما يحرم إتلافه فكان فيه ما يضمن بمقدر
كالصيد، انتهى بقدرِ الضرورةٍ، وقال مَالِك في ((الموطأ)»: ليسَ على المحرمٍ فيما
قطعَ من الشجر في الحرم شيء ولم يبلغنا أن أحدًا حكم فيه بشيء وبئس ما صنع.
قال الباجي: ذكر في مسألتين: إحداهما: ليسَ على المحرم فيما قطع من الشجر
في الحرم بشيء، والثانية: قوله: بئس ما صنعَ، فنص على المنع من ذلك،
وتتعلَّق بذلك مسألة ثالثة وهي تبيين الشجر الممنوع قطعه وتمييزه من غيره، فأما
المسألةُ الأولى في أنه لا يجبُ بهِ شيء فَهُو مذهبُ مالِك، وقال أبو حنيفة
والشافعي: يجب عليه الجزاء، انتهى. وقال الدردير: لا جزاء على قاطع ما حرم
قطعه لأنه قدر زائد على التحريم يحتاج لدليل، انتهى. واستدل لذلك الزرقاني بأن
الَّبِيِنَّ قال في خطبة فتح مكة: ((لَا يَحِلَّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ
بِهَا دَمَّا وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً)). في روايات أخر: ليس في شيءٍ منها ذكر جزاء ولا
غيره والكفارات لا يقاس عليها، قال الباجي: وأما المسألة الثانية في المنع من قطع
شجر الحرم فهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة، والأصلُ في ذلك ما روي عن
النبيِّ وَّ أنه قال: ((لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا)).
وأما المسألة الثالثة: أي تبيين ما يستباح قطعه من شجر الحرم وتمييزه مما هو
ممنوع، فإن الممنوع منه ما هو من شجر البادية مما لا يملك غالبًا، وجرت العادة
بأن ينبت من غير عمل آدمي كالطلح والسعدان وما جرى مجرى ذلك، وكذلك
سائر أنواع الحشيش، والأصلُ في ذلك ما روي عنه وَ لّ أنه قال: ((لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا
وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا)). فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنه لصاغتنا وقبورنا.
فقال ◌َله: ((إِلَّا الْإِذْخِرَ)). قال الباجي: والسنا عندي مثله وهذا فيما ينبت بنفسه،
وأما ما غرس منه واتخذ بالعمل وملكه العامل فعندي يجوز أخذه وهو قول أبي
حنيفة، وقال الشافعي: لا يجوزُ. وأما ما جرت العادة بأنه يملك ويغرس ويعمل
كالنخل والرمان والجوز وما أشبهها فإنه غير ممنوع قطعه، وكذا ما كان يتخذ من
البقول سواء نبت بنفسه أو بصنع آدمي لأنه على أصله، ويجري ذلك مجرى
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم مَكْةٌ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالى
٧٧
الحيوان ما كان أصله التأنيس، فإنه لا يمنع من اصطياده في الحرم وإن توحش،
انتھی .
وفي ((المدونة)): لا يقطع في الحرم من الشجر شيء يبس أو لم بيبس، وقال
مالك: كل شيء أنبته الناس في الحرم من الشجر مثل النخل والرمان وما أشبههما
فلا بأس بقطع ذلك كله، وكذلك البقل كله مثل الكراث والخس والسلق وما أشبه
ذلك، ولا بأس بالسنا والإذخر أن يقلع في الحرم، انتهى. وقال الدردير: حرم
بالحرم قطع ما ينبت بنفسه، من غير علاج كالبقل البري وشجر الطرفاء، ولو
استنبت نظرًا لجنسه، وكما يأتي في عكسه، إلا الإذخر والسنا ومثلهما العصا
والسواك وقطع الشجر للبناء والسكنى بموضعه أو قطعه لإصلاح الحوائط، كما
يستنبت من خسٍ وسلق وكراث وبطيخ وخوخ وإن لم يعالج نظرًا لأصله، انتهى.
قال الدسوقي: قوله: ما ينبت بنفسه أي ولو كان قطعه لإطعام الدواب على
المعتمدِ، ولا فرق بين الأخضر واليابس، وقوله: كما يستنبت أي: كما يجوزُ قطع
ما يستنبته كالحنطة والقثاء والعناب والنخل والرمان، انتهى.
وقال النووي في ((مناسكه)): يضمن المحرم والحلال شجر حرم مكة، فمن قلع
شجرة كبيرة ضمنها ببقرة، وإن كانت صغيرة ضمنها بشاة ثم يتخير بين البقرة
والشاة والطعام والصيام كما سبق في جزاء الصيد، وإن كانت صغيرة جدًّا وجبت
القيمة، ثم يتخير بين الطعام والصيام وكذا حكم الأغصان، وأما الأوراق فيجوز
أخذها، لكن لا يخبطها مخافة أن يصيب قشورها، ويحرمُ قطع حشيش الحرم، فإنْ
قلعه لزمه القيمة، وإن كان يابسًا فلا شيء في قطعه، فلو قطعه لزمه الضمانَ؛ لأنَّهُ
لو لم يقلعه لنبت، ويجوز تسريح البهائم في حشيش الحرم لترعى فلو أخذ
الحشيش لعلف البهائم جاز على الأصحِّ بخلاف من يأخذ للبيع أو غيره، ويستثنى
من البيع الإذخر، ولو احتيج إلى شيءٍ من نباتِ الحرم للدواء جازَ قطعه على
الأصحّ.
قال ابنُ حجرٍ المكي: قوله: يضمن شجر الحرم أي: بالقلع والقطع سواء الَّذِي
في ملكه والمثمر والمستنبت وغيره، وقوله: فمن قلع شجرة أي: رطبة غير مؤذية
كالشوك، وقوله: يحرم قطع حشيش الحرم أي: ليس من شأنه أن يستنبت سواء
٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
نبت بنفسه أو استنبت. أما إذا كان من شأنه ذلك وإن نبت بنفسه كالحنطة والشعير
والبقول والخضروات فيجوز أخذه، وقوله: لأنه لو لم يقلعه لنبت محله ما إذا لم
يفسد منبته وإلا جاز قلعه أيضًا، وقوله: يستثنى الإذخر، ألحق به ما يتغذَّى به
كالرجلة والنبات المسمى بالبقلة ونحوهما؛ لأنَّهُ في معنى الزرعِ، وكالإِذخر غيره
إذا احتاج إليه للتسقیف، انتهى.
واختلفَ الشافعيةُ في جوازٍ أخذ المساويك وعدمه كما بسطَ ذلك ابنُ حجرٍ،
وقال ابن عابدين: اعلم أن النابت في الحرم إما جاف أو منكسر أو إذخر أو غيرها،
والثلاثة الأول مستثناة من الضمان كما يأتي، وغيرها إما يكون أنبته الناس أو لا .
والأول: لا شيء فیه سواء کان من جنس ما ینبته الناس کالزرع أو لا، کأم غیلان.
والثاني: إن كان من جنس ما ينبتونه فكذلك، وإلا ففيه الجزاء، فما فيه الجزاء هو
النابت بنفسه، وليسَ مما يستنبت ولا منكسرًا ولا جافًّا ولا إذخرًا كما قرره في
((البحر))، انتهى.
وفي ((شَرح اللبابِ)): أشجارُ الحرم ونباته أربعة أنواع؛ الأول: كلُّ شجرٍ أنبته
الناس حقيقة وهو من جنس ما ينبته الناس عادة كالزرع. الثاني: ما أنبته الناس وهو
ليسَ مما ينبتونه عادة كالأراك وهو شجر المسواك. الثالث: ما نبت بنفسه وهو من
جنس ما ينبته الناس عادة، فهذه الأنواع الثلاثة يحل قطعها وقلعها والانتفاع بها ولا
جزاء فيها. وأما النوع الرابع: فكلَّ شجر نبت بنفسه وهو من جنس ما لا ينبته الناس
عادة کأم غيلان، فهذا محظور القطع والقلع سواء كان مملوكًا بأن یکون في أرض
رجل أو لا إلا اليابس لعدم إطلاق الشجر والنبات عليه حينئذٍ فإنه صار حطبًا، وإلا
الإذخر فيجوز قطعه رطبًا ويابسًا، ويجوز أخذ الكمأة وما اجتنى من الزهر والثمر
وما انكسر من الشجر بغير فعل آدمي، ويحرم قطع الشوك والعوسج، ولا ضمان
فيه، ولا يجوز اتخاذ المساويك من أراك الحرم، وسائر أشجاره إذا كان أخضر
ويجوز أخذ الورق ولا ضمان فيه إذا كان لا يضر بالشجر ولا يجوز رعي الحشيش
في قول أبي حنيفة ومحمد وأحمد، وقال أبو يوسف ومالك والشافعي: لا بأسَ بهِ
ولو ارتعت دابته حالة المشي لا شيء عليه لوقوع رعيها من غير اختياره، وهذا مما
اتفق عليه، انتهى. وزادَ في ((الغنية)): يحل قطع الشجر المثمر - أي: وإن لم يكن
من جنس ما ينبته الناس -؛ لأن إثماره أقيم مقام إنبات الناس، انتهى.
٧٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابْ حَرَم مَكّْةٌ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
وفي ((ردِّ المحتارِ): ولا يَرْعى حشيشه، أي: عندهما، وجوَّزَهُ أبو يوسف
للضرورة، فإن منع الدواب عنه متعذر، وتمامه في ((الهداية)) ونقل بعض المحشين
عن ((البرهان)) تأييد قوله بما حاصله: أن الاحتياج للرعي فوق الاحتياج للإذخر،
وأقرب حد الحرم فوق أربعة أميال، فَفِي خُرُوج الرعاةِ إليه، ثُم عودهم قَدْ لَا يبقي
من النهار وقت تشبع فيه الدواب، وفي قَوْلِهِ بِّهِ: ((لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ
شَوْكُهَا)) وسكوته عن نفي الرعي إشارة لجوازٍهٍ وإلا لبينه ولا مساواة بينهما ليلحق به
دلالة، إذ القطع فعل العاقل، والرعي فعل العجماء وهو جبار، وعليهِ عملُ الناسِ
وليسَ في النصِّ دلالة على نفي الرعي ليلزم من اعتبارِ الضرورة معارضته بخلاف
الاحتشاش، انتهى.
قال ابنُ عابدين: لكن في قَوْلِه: والرعي فعل العجماء نظرٌ؛ لأنَّهَا لو ارتعت
بنفسِها لا شيء عليه اتفاقًا، وإنما الخلاف في إرسالها للرعي وهو مضاف إليه،
انتهى. وفي ((الهداية)): إن قطع حشيش الحرم أو شجرة ليست بمملوكة وهو مما لا
ينبته الناس - كشجر أم غيلان والأثل - فعليه قيمته إلا فيما جفَّ منه؛ لأن حرمتهما
تثبت بسبب الحرم. قال ◌َلَّ: ((لَا يُخْتَلَى خَلَهَا وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا))، ولا يكونُ
للصوم في هذه القيمة مدخل فلا يكفي في الجزاء الصوم؛ لأن حرمة تناولها بسبب
الحرم لا بسبب الإحرام فكان من ضمان المحال على ما بينا من أن الصوم يصلح
جزاء للأفعال لا ضمان المحال ويتصدق بقيمته على الفقراء، انتهى.
هذا؛ وقد ظهر بما ذكرنا من عبارات كتب الفروع أن ها هنا عدة مسائل اتفق
الفقهاء على بعضها واختلفوا في البعض الآخر، فمنها أنهم اختلفوا في مصداق
المنهي عنه من الشجر وتمييزه من غيره، فقال مالك كما ذكر الدردير: يحرم قطع ما
ينبت جنسه بنفسه ولو استنبته أحد نظرًا لجنسه. وقالت الحنفية: يحرم ما ينبت
بنفسه وهو من جنس ما لا ينبته الناس عادة. وقال أحمد: يحرم قطع ما لم يزرعه
آدمي من الشجر والحشيش، ويباحِ ما زرعه الآدمي وأنبته، وقالت الشافعية: يحرم
قطع شجر الحرم وحشيشه، أي: الَّذِي ليس من شأنه أن يستنبت مطلقًا، أي: سواء
أنبته الآدميون أو نبت بنفسه إلا الَّذِي من شأنه أن يستنبت، وإن نبت بنفسه كالبقول
والخضراوات والحنطة والشعير.