النص المفهرس
صفحات 41-60
٤٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ فإن لفظ الإحصار إنما هو للمرض، يقال: أحصره المرض وحصره العدو، فيكون لفظ الآية صريحًا في المريض وحصر العدو ملحق به، فكيف يثبت الحكم في الفرع دون الأصل؟ قال الخليل وغيره: حصرت الرجل حصرًا: منعته وحبسته، وأحصر هو عن بلوغ المناسك بمرض أو نحوه، قالوا: وعلى هَذَا خرج قول ابن عباس: لَا حَصْر إلَّاَ حَصْر العدوِّ. ولم يقل لا إحصار إلا إحصار العدو، فليس بين رأيه وروايته تعارض، ولو قدر تعارضهما فالأخذ بروايته دون رأيه؛ لأن روايته حجة ورأيه ليس بحجة. وأما قولکم: إن معناه أنه يحل بعد وفاته بما يحل به من يفوته الحج لغیر مرض، ففي غاية الضعف، فإنه لا تأثير للكسر ولا للعرج في ذلك، فإن المفوت يحل صحيحًا كان أو مريضًا، وأيضًا فإن هَذَا يتضمن تعليق الحكم بوصف لم يعتبره النص وإلغاء الوصف الَّذِي اعتبره، وهذا غير جائز. وأما قولكم: إنه يحمل على الحل بالشرط. فالشرطُ إما أنْ يَكُون له تأثير في الحل عندكم أو لا تأثير له، فإن كان مؤثرًا في الحل لم يكن الكسر والعرج هو السبب الَّذِي علق الحكم به، وهو خلاف النص، وإن لم يكن له تأثير في الحل بطل حمل الحدیث عليه. قالوا: وأما قولكم: إنه لا يقول أحد بظاهره، فإن ظاهره أنه بمجرد الكسر والعرج يحل، فجوابه أن المعنى: فقد صار ممن يجوز له الحل بعد أن كان ممنوعًا منه، وهذا كقوله ◌ََّ: ((إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ)). وليس المراد به أنه أفطر حكمًا وإن لم يباشر المفطرات، بدليل إذنه لأصحابه في الوصال إلى السحر، ولو أفطروا حكمًا لاستحال منهم الوصال. ولقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجَا غَيْرَهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٠] فإذا نكحت زوجًا آخر حلت، لا بمجرد نكاح الثاني، بل لا بد من مفارقته وانقضاء العدة وعقد الأول عليها . قالوا: وأما قولكم: إنه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من حاله التي هو عليها ولا التخلص من أذاه، بخلاف من حصره العدو، فکلام لا معنی تحته، فإنه قد يستفيد بحله أكثر مما يستفيد المحصر بالعدو، فإنه إذا بقي ممنوعًا من اللباس وتغطية ٤١ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ الْإِحْصَارِ، وَفَوْتِ الحج ١٤ الرأس والطيب مع مرضه تضرر بذلك أعظم الضرر في الحر والبرد، ومعلوم أنه قد يستفيد بحله من الترفه ما يكون سبب زوال أذاه، كما يستفيد المحصر بالعدو بحله، فلا فرق بينهما، فلو لم يأت نص بحل المحصر بمرض لكن القياس على المحصر بالعدو يقتضيه، فكيف وظاهر القُرْآن والسنة والقياس يدل عليه؟ والله أعلم. انتهى كلام ابن القيم. قلت: وأما قول الجمهور: أنه ولو كان التحلل جائزًا بدون شرط لم يكن للاشتراط معنى، ولو كان المرض ونحوه من الأعذار يبيحُ الحل ما احتاجت إلى شرط، فقد أجاب عنه بعض الحنفية: بأنه ليس المراد بنفي الاشتراط وعدم الاحتياج في التحلَّل إليه كون الاشتراط لغوًّا وعبثًا، وأنه لا فائدة فيه أصلًا، بل فيه فائدة عظيمة وإن لم يتغير به حكم، والفائدة فيه تسكين قلب ضباعة وتسلية نفسها حيث كانت مريضة تخاف من عدم إتمام ما أحرمت به، فلو حدث لها مفاجئة ما يعوقها من الإتمام لكان أشق عليها وأبلغ في التفجيع لها؛ كما شق على الصَّحَابَة التحلل في الحديبية، وكما شقَّ عليهم فسخ الحج إلى العمرة في حجة الوداع، بخلاف ما إذا اشترطت وصرحت بتعليق الإتمام على الشرط واستحضرت من أول الأمر أنها في خيرة من تركه عندما يتفق لها من الموانع، فهذا مما لا شك فيه أنه لا يحصل في قلبها ضيق وحرج في التحلل عند حدوث عارض يمنعه من الإتمام والإِكمال، ويكون شروعها في أعمال الحج أهون عليها وأسهل وأيسر، وهذه فائدة لا يمكن إنكارها مع جواز التحلّل من غير اشتراط، على أنه روي عن أبي حنيفة كما في ((المغني)) أن الاشتراط يفيد سقوط الدم مع كون التحلل ثابتًا عنده بكل إحصار، وأما ما ذكره الجمهور من قول ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو. فقد تقدم الجواب عنه في كلام الآلوسي أيضًا فتذكر. وقال التُّورْبَشْتِي: قد نقل عنه في معنى الإحصار برواية الثقات ما يؤيد حديث الحجاج، وروي عن سفيان الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة، ﴿فَإِنْ ◌ُحْصِرُْ﴾، قال: من حبس أو مرض، قال إبراهيم: حدثت به سعيد بن جبير فقال: هكذا قال ابن عباس. ولو ثبت عنه أيضًا لا حصر إلا حصر العدو، فالسبيل أن يُأَوَّل لئلا يخالف حديث حجاج عن التَّبِي وَ لِّ وليوافق حديث سعيد بن جبير عنه، ورأيت التأويل الجامع أن نقول: لا حصر إلا حصر العدو بمثابة قول من قال: لا هم إلا ٤٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ هم الدين، وذلك أن الحصر بالعدو من أعظم أسباب الحصر؛ لأنَّهُ متعلِّق بالعموم وغيره متعلق بالخصوص والأفراد، كما كان من أمر النَّبِي وَلّ حين صد عن البيت وأحصر بالعدو، أحصر هو وسائر من معه، ولو مرض أحد القوم لم یکن کذلك، فهذا معنى قوله: لا حصر إلا حصر العدو، انتهى. قلت: والقول الراجح عندي في معنى الإحصار: أنه يكون من كلِّ حابس يحبس الحاج من عدو ومرض وغير ذلك كما ذهب إليه الحنفية وكثير من الصحابة. قال الأمير اليماني في ((السبل)): القول بتعميم الإحصار هو أقوى الأقوال وليس في غيره من الأقوال إلا آثار وفتاوى للصحابة، انتهى. قلت: وإليه مالَ الْبُخَارِي في ((صحيحِهِ)) إذ ذكر في بابِ المحصر بعد آية الإحصار: قال عطاء: الإحصار من كل شيء يحبسه. قال الحافظ: وفي اقتصاره على تفسير عطاء إشارة إلى أنه اختار القول بتعميم الإحصار، انتهى. وإليه ذهب ابن حزم حيث قال في ((المُحَلَّى)»: كل من عرض له ما يمنعه من إتمام حجه أو عمرته من عدوٍّ أو مرض أو خطأ طريق أو خطأ في رؤية الهلال فهو محصر. قلت: ويدل عليه عموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ... ) الآية، وإن كان سبب نزولها إحصار النَّبِي وَلَّ بالعدو، فالعام لا يقصر على سببه. قال الشوكاني في ((السيل الجرار)) (ج٢: ص ٢٣١): هذه الآية وإن كان سببها خاصًّا فالاعتبار بعموم اللفظ كما تقرر في الأصول، وبنحو ذلك قال الأمير اليماني في ((السبل)). وقال ابنُ جرير في ((تفسيره) بعد تفصيل طويل: وأولى التأويلين للصوابِ في قَوْلِه تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُ﴾ تأويل من تأوله بمعنى: فإن أحصركم خوفٌ أو مرضٌ أو علةٌ عن الوصول إلى البيت، أي: صيركم خوفكم أو مرضكم تحصرون أنفسكم فتحبسونها عن النفوذٍ لما أوجبتموه على أنفسكم من عمل الحج والعمرة، فلذا قيل: ﴿أُحْصِرْتُ﴾ إلى آخر ما قال. قلت: ويدلُّ على التعميم أيضًا حديث الحجاج بن عمرو، بل هو مع الآية المذكورة نص على كونِ الإحصار عامًّا للعدو والمرض، وفيهما بيان قاعدة كلية خرجت مخرج التشريع العام، فلا تترك بما ورد مما يخالفها من الآثار والوقائع الجزئية التي تحتمل محامل من الخصوصية وغيرها، والله أعلم. ٤٣ كِتَابُ الْنَاسِكِ بَابُ الإحْصَارِ، وَفَوْتِ الحَجِ يدِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ ... ) إلخ. وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٣: ص ٤٥٠) وَابْن خزيمة والْحَاكِم (ج١: ص ٤٨٣) والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ٢٢٠) والدار قطني (ص٢٧٩). (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وقد سكت عنه أبُو دَاوُد ونقل الْمُنْذِرِي تحسين الترمذي وقرَّرَهُ، وقال الحاكمُ: صحيح على شرط البخاري، وأقره الذهبيُّ. (وَفِي الْمَصَابِيحِ: ضَعِيفٌ) لعلَّ البغويُّ ضعَّفه للاختلافِ في سنده كما بينه الترمذي والْبَيْهَقِي والَحافظ في ((الفتح)) وغَيْرِهم، والحُّ أن الاختلاف الواقع في سنده لا يضر ولا يستلزم ضعفه كما حققه الحافظ، ولذلك حسنه الترمذي وسكت عليه أبُو دَاوُد وأقرَّ الْمُنْذِرِيُّ تحسين الترمذي، والذهبيُّ تصحيح الحاكم . ٢٧٣٩ - [٨] وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيْلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َ، يَقُولُ: ((الْحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ أَدْرََّكَ عَرَفَةَ لَيْلَةَ جَمْع قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرََكَ الْحَجَّ، أَيَّامُ مِنَّى ثَلَاثَةٌ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَّلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ [رَوَاهُ التّْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ)). وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ] الشرح ٢٧٣٩ - قوله: (وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ) بفتح المثناة التحتية وسكون العين المهملة وفتح الميم ويضم، غير منصرف. (الدِّيلِيِّ) بكسر الدال وسكون التحتانية، منسوب إلى الديل - بمكسورة وسكون ياء - وقيل: الدؤلي بضم الدال وفتح الهمزة مكان الياء، وحينئذ تكتب بصورة الواو وقد تكسر الدال مع فتح همزة وقد تضم مع كسر همزة. قال الحافظ في ((التقريب)): عبد الرحمن بن يعمر الديلي صحابي نزل بالكوفة، ويقال: مات بخراسان. وقال في ((الإصابة)): قال ابن حبان في الصحابة: مكيُّ سكنَ الكوفة، يكنى: أبا الأسود، مات بخراسان، روى عن (٢٧٣٩) أَبُو دَاوُد (١٩٤٩)، والتِّرْ مِذِي (٨٨٩)، والنَّسَائِي (٢٥٦/٥)، وابن ماجه (٣٠١٥) فِيهِ عَنْ عبد الرحمن بْنِ يَعْمُرَ الدَّيْلِيِّ وَفِيهِ قِصَّةٌ. ٤٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ النَّبِي وَِّ حديث: ((الْحَجُّ عَرَفَةُ)) وفيه قصة، وحديث النهي عن الدباء والمزفت، وصحَّح حديثه ابن خزيمة وَابْن حِبَّان والْحَاكِم والدار قطني وصرح بسماعه من النَّبِي ◌ُّ في بعض طرقه إليه. (الْحَجُّ عَرَفَةُ) مبتدأ وخبر على تقديرٍ مضاف من الجانبين، أي: معظم الحج أو ملاكه الوقوف بعرفة لفوت الحج بفواته. وقال الطيبي: تعريفه للجنس وخبره معرفة فيفيد الحصر نحو: ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾. وقال الُّورْبَشْتِي: أي: معظم الحج وملاكه الوقوف بعرفة، وذلك مثل قولهم: المال الإبل، وإنما كان ذلك ملاكه وأصله؛ لأنَّهُ يفوت بفواته ويفوت الوقوف لا إلى بدل، وقيل تقديره: إدراك الحج إدراك وقوف عرفة، والمقصود: أن إدراك الحج يتوقف على إدراك الوقوف بعرفة، وأن من أدركه فقد أمن حجه من الفوات، وقال الشوكاني: أي: الحج الصحيح حج من أدرك يوم عرفة. وقال المحب الطبري: معناه أن فوات الحج متعلق بفوات وقته، وغيره من الأركان وقته ممتد، انتهى. وفِي الحَدِيث قصة، وهي: أن ناسًا من أهل نجدٍ أتوا رسول اللَّه وَ لّوهو بعرفة فسألوه فأمر مناديًا فنادي: ((الحجّ عرفةُ)). هَذَا لفظ الترمذي. وفي رواية أبي داود قال عبد الرحمن بن يعمر: أتيتُ النبيَّ وَّلَهَ. ولأحمد والنسائي: شهدتُ رسولَ اللهِ وَلَه. وهو بعرفة، فجاء ناسٌ أو نفر من أهلِ نجدٍ فأمروا رجلًا فنادى رسول اللَّه ◌َله كيفَ الحجُّ؟ - أي: كيف حج من لم يدرك يوم عرفة كما بوَّب عليه أبُو دَاوُد - فأمر رجلًا فنادي: ((الحج الحج يوم عرفة))، بتكرير لفظ الحجِّ. وزاد في رواية: ((ثم أردفَ رجلًا خلفَهُ فجعلَ ينادي بذلك)). وفي رواية للدار قطني والْبَيْهَقِي: ((الحجُ عرفات، الحج عرفات)). وفي ((المنتقي)) لابن الجارود: ((الحجّ عرفات))، ثلاثًا. وعند أحمدِ (ج٤: ص ٣٠٩، ٣١٠): ((الحجّ يوم عرفة أو عرفات)). وكلاهما اسم للموضع الَّذِي يقف به الحاج، وكل ذلك خارج عن الحرم. (مَنْ أَدْرََكَ عَرَفَةَ) أي: الوقوف بها. (لَيْلَةَ جَمْع) أي: ولو ليلة المبيت بالمزدلفة وهي ليلة العيد. (قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ) أي: قبل طلَّوع فجر يوم النحر، وفيه ردٌّ على مَن زعمَ أن الوقوفَ يفوتُ بَغروبِ الشمسِ يومَ عَرَفة، ومن زعمَ أن وقتَهُ يمتدُّ إلى ما بعد الفجرِ إلى طُلُوع الشمسِ قالَه القاري. وقوله: (مَنْ أَدْرََكَ عَرَفَةَ لَيْلَةَ جَمْع)) **: كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ الْإِخْصَارِ، وَفؤْتِ الْحجِ 31 ٤٥ كذا وقع في ((المشكاة)) و((المصابيح))، وهكذا في ((المنتقي)) لابن الجارود، وفي روايةِ الحميديِّ: ((مَنْ أَدْرََكَ عَرَفَةَ قَبَلَ الْفَجْرِ)). وللنسائي: ((مَنْ أَدْرََكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ)) وفي أخرى له: ((مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْع قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْح)). ولفظ الترمذي: ((مَنْ جَاءَ لَيْلَةً جَمْع قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ)). ولفظًّ أبي داود: ((مَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ)). وهكذا وقعَ عند أحمد (ج٤: ص ٣٠٩، ٣٣٥) وَابْن ماجه، والمعني: من جاءً عرفة ووقف ليلة المزدلفة قبل طلوع فجر يوم النحر، ولأحمد أيضًا (ج٤: ص ٣٠٩) والدارمي: ((مَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ جَمْعِ قَبْلَ صَلاَةِ الصُّبْحِ)). (فَقَدْ أَدْرََكَ الْحَجَّ) أي: لم يفته وأمن من الفساد، وهذا لفظ الترمذي والحميدي والدارمي وَابْن الجارود وأحمد في رواية، ولأبي داود والنَّسَائِي وَابْن ماجه وأحمد في رواية: ((فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ)) قال السندي: أي: أمن من الفوات، وإلا فلابد من الطواف، وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه على النسائي: أي: قارب التمام. وقال الخطابي: قوله: ((فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ)) يريد به معظم الحج وهو الوقوف بعرفة؛ لأنَّهُ هو الَّذِي يخاف عليه الفوات، فأما طواف الزيارة فلا يخشى فواته وهكذا كقوله: ((الْحَجُّ عَرَفَةُ)) أي: معظم الحج هو الوقوف بعرفة، انتهى. (أَيَّامُ مِنَّى) مرفوع على الابتداء وخبره قوله: ((ثَلَاثَةٌ)) أي: ثلاثة أيام، وهي الأيام المعدودات وأيام التشريق وأيام رمي الجمار، وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر، وليس يوم النحر منها لإجماع الناس على أنه لا يجوز النفر يوم ثاني النحر، ولو كان يوم النحر من الثلاث لجاز أن ينفر من شاء في ثانيه. (فَمَنْ تَعَجَّلَ) أي: استعجلَ بالنفرِ أي: الخروجُ من منى. (فِي يَوْمَيْنٍ) أي: من أيام التشريق فنفر في اليوم الثاني منها. قال الآلوسي: النفر في أول منها لا يجوز فظرفية اليومين له على التوسع باعتبار أن الاستعداد له في اليوم الأول، والقول بأن التقدير في أحد يومين إلا أنَّه مجمل فُسِّر باليوم الثاني أو في آخر يومين خروج عن مذاق النظر. (فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) في تعجيله. (وَمَنْ تَأَخَّرَ) أي: عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث. (فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) في تأخيره، وقيل: المعنى: ومن تأخر عن الثالث إلى الرابع ولم ينفر مع العامة فلا إثم عليه، والتخيير ها هنا وقع بين الفاضل والأفضل؛ لأنَّ المتأخر أفضل، فإن قيل: إنما يخاف الإثم المتعجل ٤٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ فما بال المتأخر الَّذِي أتى بالأفضل ألحق به؟ فالجواب: أنَّ المراد من عمل بالرخصة وتعجَّل فلا إثمَ عليه في العمل بالرخصةِ، ومن ترك الرخصة وتأخر فلا إثم عليه في ترك الرُّخْصَة، كذا في ((النيلٍ)). وقال التُّورْبَشْتِي: إن قيل: ما وجه التخيير بين الأمرين وأحدهما أفضل من الآخر؟ وما وجهُ التسوية بين المتعجل والمتأخر؟ والمتأخر أخذ بْالأَسَدِّ والأفضل؟ قلنا: قد ذكر أهل التفسير أن أهلَ الجاهليةِ كَانُوا فئتين، فإحداهما ترى المتعجل آئمًا، والأخرى ترى المتأخر آثمًا، فورد التنزيل بنفي الحرج عنهما، وهذا قول مطابق لسياق الآية لو كان له في أسباب النزول أصل ثابت، والظاهر: أن الإعلام الَّذِي جاءهم من قبل الله إنما جاء ليعلموا أن الأمر موسع عليهم، فلهم أن يأخذوا من الأمرين بأيهما شاءوا، ونظيره التخيير بين الصوم والإفطار وإن كان الصوم أفضل. وأما وجه التسوية بين المتعجل والمتأخر في نفي الجرح، فهو أن من الرخص ما يقع من العامل موقع العزيمة، ويكون الفضل في إتيانه دون إتيان ما يخالفه، وذلك مثل قصر الصلاة للمسافر، فمنهم من يراه عزيمة ولا شك أنه في الأصل رخصة، والذي يراه أيضًا رخصة يرى إتيان هذه الرخصة أفضل، ولما كان التعجل في يومين رخصة والرخصة محتملة للمعاني التي ذكرناها وقع قوله: ﴿فَلاّ إِنَّ عَلَيْهِ﴾ موضع البيان في إتيان الرخصة، وقوله: ﴿وَمَنْ تَأَخََّ﴾ موقع البيان لترك الرخصة، وإذا كانت الرخصة من هَذَا القبيل الَّذِي لن يبين لنا فضله على ما يخالفه فلا شك أن الإتيان بالأتم والأكمل أولى وأفضل، انتهى. والحديث فيه دليل على أن الوقوف بعرفة في وقته ركن لا يصح الحج إلا به، وقد أجمع العُلَمَاء على ذلك، حكى هَذَا الإجماع غير واحد من شراح الحديث ونقلة المذاهب، منهم ابن قدامة وَابْن رشد وغَيْرهما. ودل الحديث أيضًا على أن وقت الوقوف ممتد إلى ما قبل طلوع الفجر من ليلة المزدلفة وقد أجمعوا عليه أيضًا، لكنهم اختلفوا في وقت الفرض والواجب للوقوف كما ستعرف، قالَ ابنُ قُدَامَة (ج٣: ص ٤١٠، ٤١٣): الوقوف ركن لا يتم الحج إلا به إجماعًا، ثم ذكر حديث عبد الرحمن بن يعمر ثم قال: ويجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس ليجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة، فإن النَّبِي وَّ وقف بعرفة حتى غابت الشمس كما تقدم في حَدِيث جَابِرٍ الطويل، وفي حديث عليٍّ وأسامة: أنَّ النبيَّ وَلِّ ٤٧ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ الْإِحْضارِ، وَفؤْتِ الْحُجِ يدِ دَفَعَ حينَ غابت الشمسُ. فإن دفع قبل الغروب فحجه صحيح في قول جماعة الفقهاء، إلا مالكًا قال: لا حج له، قال ابن عبد البر: لا نعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال بقول مالك، وحجته ما روى ابن عمر: أن النَّبِيِ ◌ّه قال: ((مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَاتٍ بِلَيْلِ، فَقَدْ أَدْرَلَكَ الْحَجَّ، وَمَنْ فَاتَّهُ عَرَفَاتٌ بِلَيْلِ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَلْيُحِلَّ بِعُمْرَةٍ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلِ))، ولنا ما روى عروة بن مضرسَ بن أوس بن حارثة قال: أتيتُ رسولَ اللهِ وَلِّ بالمزدلفة حین خرج إلى الصلاة ... الحديث، وفيه: أن رسول اللَّه ◌ِلَه قال: ((مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ)) فأما خبره فإنما خص الليل؛ لأنَّ الفوات يتعلَّق به إذا كان يوجد بعد النهار، فهو آخر وقت الوقوف كما قال تعَا: «مَنْ أَدْرََ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا، وَمَنْ أَدْرََكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا)). وعلى من دفع قبل الغروب دم في قول أكثر أهل العلم، منهم عطاء والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ومن تبعهم، وقال ابن جريج: عليه بدنة. وقال الحسن البصري: عليه هدي من الإبل، ولنا أنه واجب لا يفسد الحج بفواته، فلم يوجب البدنة كالإحرام من الميقات، فإن دفع قبل الغروب ثم عاد نهارًا فوقف حتى غربت الشمس فلا دم عليه. وبهذا قال مالك والشافعي، وقال الكوفيون وأبو ثور: عليه دم؛ لأنَّهُ بالدفع لزمه الدم فلم يسقط برجوعه، كما لو عاد بعد غروب الشمس. ولنا أنه أتى بالواجب وهو الجمع بين الوقوف في الليل والنهار فلم يجب عليه دم كمن تجاوز الميقات غير محرم ثم رجع فأحرم منه، فإن لم يعد حتى غربت الشمس فعليه دم؛ لأنَّ علیه الوقوف حال الغروب وقد فاته بخروجه، انتهى. قلت: وما نسب إلى الكوفيين من وجوب الدم فيما إذا دفع قبل الغروب ثم عاد نهارًا فوقف حتى غربت الشمس، وهو قول مرجوح للحنفية، والراجح: سقوط الدم کما ذهب إليه الجمهور، قال القاري: إن دفع قبل الغروب فإن جاوز حد عرفة بعد الغروب فلا شيء عليه اتفاقًا، وإن جاوزه قبل فعليه دم، فإن لم يعد أصلًا أو عاد بعد الغروب لم يسقط الدم، وإن عاد قبل الغروب فدفع بعد الغروب سقط الدم علی الصحیح، انتهى. ٤٨ ** ٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ثم قالَ ابنُ قُدَامَة (ج٣: ص ٤١٥): ومن لم يدرك جزءًا من النهار ولا جاء عرفة حتى غابت الشمس فوقف ليلًا فلا شيء عليه، وحجه تام لا نعلم مخالفًا فيه لقول النَّبِي ◌َهِ: ((مَنْ أَدْرََكَ عَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ ... )) ولأنه لم يدرك جزءًا من النهار فأشبه من منزله دون الميقات إذ أحرم منه، ووَقّت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر، لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في أن آخر الوقت طلوع فجر يوم النحر؛ قال جابر: لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع. قال أبو الزبير: فقلت له: أقال رسول اللَّه ◌َ ليل ذلك؟ قال: نعم. رواه الأثرم، وأما أوله فمن طلوع الفجر يوم عرفة. وقال مالك والشافعي: أول وقته زوال الشمس من يوم عرفة، واختاره أبو حفص العكبري، وحكى ابن عبد البر ذلك إجماعًا، ولنا قول الَّبِيِنَّ في حديث عروة بن مضرس: ((مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ)) ولأنه من يوم عرفة فكان وقتًّا للوقوف كبعد الزوال، وترك الوقوف لا يمنع كونه وقتًا للوقوف كبعد العشاء، وإنما وقفوا في وقت الفضيلة ولم يستوعبوا جميع وقت الوقوف، انتهى. وقد ظهر من كلام ابن قدامة أنهم اختلفوا في فرض الوقت للوقوف على ثلاثة أقوال؛ الأول: قول أحمد: إنه من طلوع الفجر من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من ليلة النحر من غير فرق بين الليل والنهار، وبه جزم عامة أهل الفروع من الحنابلة. والثاني: قول مالك: إنه ليلة النحر من الغروب إلى طلوع الفجر. فالمعتمد عنده في الوقوف بعرفة ليلة النحر، والنهار من يوم عرفة تبع، والأفضل الجمع بينهما، فإن أفرد الليل جاز، وإن عكس لم يجزه. والحاصل: أن الوقوف بجزء من اللیل ر کن عنده فمن خرج من عرفات قبل الغروب ولم يرجع حتی یتدار كه بجزءٍ من الليل فاته الحج وعليه الحج من قابل، ومن وقف ليلًا ولم يقف بالنهار فعليه دم. قال الدردير: الركن الرابع للحج حضور عرفة ساعة ليلة النحر، وتدخل بالغروب، وأما الوقوف نهارًا فواجب ينجبر بالدم ويدخل وقته بالزوال، انتهى. والقول الثالث: قول الشافعي وأبي حنيفة: إنه من زوال عرفة إلى فجر النحر، وهو مختار اللخمي وَابْن العربي وَابْن عبد البر من المالكية. وأما الوقت الواجب: للوقوف فاختلفوا فيه على قولين، الأول: أن يجمع في وقوفه بين الليل والنهار في ٤٩ بَابُ الْإِخْصَارِ، وَفَوْتِ الْحَجِ Ser كِتَابُ الْمُنَاسِكِ أي جزء منهما، وهو قول مالك. قال الدردير: أما الوقوف نهارًا فواجب ينجبر بالدم ويدخل وقته بالزوال ويكتفي فيه أي جزء منْهُ، قالَ الدسوقي: أي: يكفي في تحصيل الوقوف الواجب الوقوف في أي جزء من ذلك، انتهى. وهو مختار صاحب ((الروض المربع)) من الحنابلة، وبه جزمَ النووي في ((مناسكِهِ))، والثاني: قول الحنفية وعامة الحنابلة أن الواجب أن يمتد الوقوف إلى ما بعد الغروب كما تقدَّم عن ابن قدامة وعلي القاري إذا وقف بالنهار وإن لم يتفق له الوقوف بالنهار فلا امتداد . وقال الشنقيطي: اعلم أن العُلَمَاء أجمعوا على أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج لا يصح الحج بدونه، وأنهم أجمعوا على أن الوقوف ينتهي وقته بطلوع فجر يوم النحر، فمن طلع فجر يوم النحر وهو لم يأت عرفة، فقد فاته الحج إجماعًا، ومن جمع في وقوف عرفة بين الليل والنهارِ، وكانَ جزء النهار الَّذِي وقفَ فيه من بعدَ الزوالٍ فوقوفُهُ تامٌ، ومن اقتصر على جزء من الليل دون النهار صح حجه ولزمه دم عند المالكية خلافًا لجماهير أهل العلم القائلين بأنه لا دم عليه، ومن اقتصر على جزء من النهار دون الليل لم يصح حجه عند مالك، وهو رواية عن أحمد، وعندَ الشافعيِّ وأبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى: حجه صحيح وعليه دم. والدليلُ على أنَّ الوقوف بعرفة ركن، وأنَّ وقتَهُ ينتهي بطلوع الفجر ليلة النحر ما رواه أحمد وأصحاب السنن غيرهم من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي، ودليل الإجماع على أنَّ من جمع في وقوفه بعرفة بين جزء من الليل وجزء من النهار من بعد الزوال أن وقوفه تام هو ما ثبت في الروايات الصحيحة أن النَّبِي وَّ كذلك فعل وقال: (لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)) فمن الروايات الصحيحة الدالة على ذلك ما رواه مسلم فِي ((صَحِيحِه)) من حَدِيث جَابِرِ الطويل في حجة النَّبِي وََّ، فإنه قد صرح فيه بأنه جمع في وقوفِهِ بينَ النهارِ من بعد الزوال، وبين جزء قليل من الليل مع قوله: (لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)). ودليلُ القائلينَ بأنَّ مَن اقتصر في وقوفِهِ بعرفة على جزء من الليل دون النهار فقد تم حجه: حديث عبد الرحمن بن يعمر المذكور، فإن فيه من تصريح الشَّبِي وَّر بأن من أدرك عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تمَّ حجُّهُ، وجمع هي المزدلفة، وليلتها هي الليلة التي صبيحتها يوم النحر، ودليل من ألزموه دمًا مع وقوفه بعرفة ٥٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ في جزء من الليل وهم المالكية: أن النَّبِي ◌َّه لم يكتف بالليل بل وقف معه جزءًا من النهار، فتارك الوقوف بالنهار تاركًا نسكًا، وفي الأثر المروي عن ابن عباس: من ترك نسكًا فعليه دم. ولكن قوله ◌َ لّ في حديثِ الديلي: ((فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ)) لا يساعد على لزوم الدم؛ لأنَّ لفظَ التمام يدلُّ على عدم الحاجة إلى الجبر بدم، فهو يؤيد مذهب الجمهور، والعلم عند الله تعالى. ودليل من قال: بأن مَن اقتصر في وقوفه بعرفة على النهار دون الليل أن وقوفه صحيح وحجه تام: حديث عروة بن مضرس، فإنَّ فيه: ((وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» قال المجد في «المنتقی» بعد أن ساق ھَذَا الحدیث: رواه الخمسةُ وصحَّحَه الترمذيُّ، وهو حجة في أنَّ نهار عرفة كله وقت للوقوفٍ، انتھی . وقد قدمنا إجماع أهل العلم على أن وقت الوقوف ينتهي بطلوع الفجر ليلة جمع، وإجماعهم على أن ما بعد الزوال من يوم عرفة وقت للوقوف، وأما ما قبل الزوال من يوم عرفة: فجمهورُ أهل العلم على أنَّه ليسَ وقتًا للوقوفِ، وخالفَ أحمد الجمهور في ذلك قائلاً إن يوم عرفة كله من طلوع فجره إلى غروبه وقت للوقوف، واحتجَّ لذلك بحديثٍ عُرِوة بن مضرسٍ فإن فيه: ((وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» فقوله ◌َ: «لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» یدلَّ على شمول الحکم لجميع اللیل والنهار، وقد قدمنا قول المجد في ((المنتقى)) بعد أن ساق هَذَا الحديث: وهو حُجة في أن نهار عرفة كله وقت للوقوف، وحجة الجمهور هي أنَّ الْمَرَاد بالنهار في حديث عروة خصوص ما بعدَ الزوالِ، بدليلٍ أنَّ النَّبِي ◌َّ والخلفاء الراشدين بعده لم يقفوا إلا بعد الزوال، ولم ينقل عن أحدٍ أنَّه وقفَ قبله، قالوا: ففعله ◌َّ و فعل خلفائه من بعده مبين للمراد من قوله: ((أَوْ نَهَارًا». والحاصل: أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج إجماعًا، وأن من جمع بين الليل والنهار من بعد الزوال فوقوفه تام إجماعًا، وأن من اقتصر على الليل دون النهار فوقوفه تام ولا دم عليه عند الجمهور، خلافًا للمالكية القائلين بلزوم الدم، وأن من اقتصر على النهار دون الليل لم يصح وقوفه عند المالكية، وعند جمهور العُلَمَاء حجه صحيح، منهم الشافعي وأبو حنيفة وعطاء والثوري وأبو ثور، وهو ٥١ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ الْإِحْصَارِ، وَفَوْتِ الْحُجِ 31 الصحيح من مذهب أحمد. ولكنهم اختلفوا في وجوبٍ الدم، فقال أحمد وأبو حنيفة: يلزمه دم، وعن الشافعية قولان: أحدهما: لا دمَ عليه وصحَّحه النووي وغيره. والثاني: عليه دم، قيل: وجوبًا، وقيل: استنانًا، وقيل: ندبًا، والأصح: أنه سنة على القول به كما جزم به النووي، وأن ما قبل الزوال من يوم عرفة ليس وقتًا للوقوف عند جماهير العُلَمَاء خلافًا لأحمد، وقد رأيت أدلة الجميع. قال الشنقيطي: أما من اقتصر في وقوفه على الليل دون النهار أو النهار من بعد الزوال دون الليل فأظهر الأقوال فيه دليلًا عدم لزوم الدم، أما المقتصر على الليلِ فلحديثِ عبدِ الرحمن بن يعمر، فإن قولَهُ بِ له فيهِ: ((فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ)) مرتبًا ذلك على إتيانه عرفة قبل طلوع فجر يوم النحر نص صريح في أن المقتصر على الوقوفٍ ليلًا حجة تام، وظاهر التعبير بلفظ التمام عدم لزوم الدم، ولم يثبت ما يعارضه من صريح الكتاب أو السُّنة، وعلى هَذَا جمهور أهل العلم خلافًا للمالكية، وأما المقتصر على النهار دون الليل فلحديث عروة بن مضرس، فإنَّ فيهِ أنَّ النَّبِي ◌ِّ قال: ((وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُهُ)) فقوله: ((فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ)) مرتبًا له بالفاء على وقوفه بعرفة ليلًا أو نهارًا يدلَّ على أن الواقف نهارًا يتم حجه بذلك، والتعبير بلفظِ التمام ظاهر في عدم لزوم الجبر بالدم ولم يثبت نقل صريح في معارضة ظاهر هَذَا الحدث، وعدم لزوم الدم للمقتصر على النهارِ، هو الصحيح من مذهبِ الشافعي لدلالةِ هَذَا الحديث على ذَلك كما تَرى، وأما الاكتفاء بالوقوف يوم عرفة قبل الزوال فقد قدمنا أن ظاهر حديث ابن مضرس المذكور يدلُّ عليهِ؛ لأنَّ قولَهُ مَّلِ ((أَوْ نَهَارًا)) صادق بأول النهار وآخره كما ذهب إليه أحمد، ولكن فعل النَّبِي وَلّ وخلفائه من بعده كالتفسير للمراد بالنهار في الحديث المذكور وأنه بعد الزوال، وكلاهما له وجه من النظرِ، ولا شكَّ أن عدمَ الاقتصارِ على أول النهار أحوط، والعلم عند الله تعالى. وحجة مالك في أنَّ الوقوف نهارًا لا يجزئ إلا إذا وقف معه جزءًا من الليل: هي أن النَّبِي وَّ فعل كذلك وقالَ: ((لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)). فيلزمنا أن نأخذ عنه من مناسكنا الجمع في الوقوف بين الليل والنهار، ولا يخفى أن هَذَا لا ينبغي أنْ يعارضَ به الحديث الصريح في محلِّ النزاع الَّذِي فيه: ((وكان قَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ)) كما ترى، انتهى كلامُ الشنقيطي مختصرًا بقدرِ الضرورةِ. ٥٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ... ) إلخ، وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج ٤: ص ٣٠٩، ٣١٠، ٣٣٥) والحميدي (ج٢: ص ٣٩٩) وأبو دَاوُد الطَّيَّالِسي وَابْن حِبَّان والْحَاكِم (ج١: ص ٤٦٤) وقال: حديث صحيح الإسناد كما في ((نصب الراية))، وقال الذّهَبيُّ: صحيح. والبَزَّار والْبَيْهَقِي (ج ٥: ص ١١٦) والدار قطني (ص ٢٦٤) وَابْن الجارود (ص ١٦٥). (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) كذا في جميع نسخ ((المشكاة))، وإني لم أجد كلام التر مذي هَذَا في ((جامع الترمذي)) ولا ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج٣: ص ٩٢) والحافظ في ((التلخيص)) (ص٢١٦) والمُنْذِري في ((مختصرِ السُّنَن)) (ج٢: ص ٤٠٨، ٤٠٩) والمناوي في ((كشف المناهج)) و((فيض القدير))، ولا ذكره المجد في ((المنتقى)) والشَّوْكَاني في ((النَّيْل))، بل سَكَتوا كلهم كما سَكَت عليه أبُو دَاود، فهو حديثٌ صالحٌ قابل للاحتجاجِ عندهم. وقال النوويُّ في ((شرح المهذبٍ)): حديث عبد الرحمن الديلي صحيحٌ، رواه أبُو دَاوُد والتِّرْمِذي والنَّسَائِيَ وَابْن ماجه وآخرون بأسانيد صحيحة، وقال بعد ذكر رواية الترمذي من طريق سفيان بن عيينة عن سفيان الثوري عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر: وإسناد هذه الرواية صحيح، وهو من رواية سفيان بن عيينة عن سفيان الثوري. قال ابنُ عُبَيْنَة: ليس عندكم بالكوفة حديث أشرف ولا أحسن من هذا، انتهى كلام النووي. وذكر الترمذي عن سفيان بن عيينة أنه قال: هَذَا أجودُ حديث رواه سفيان الثوري. قال السيوطي: أي من حديث أهل الكوفة، وذلك؛ لأن أهل الكوفة يكثر فيهم التدليس والاختلاف، وهذا الحديث سالم من ذلك، فإن الثوري سمعه من بكير، وسمعه بكير من عبد الرحمن، وسمعه عبد الرحمن من الشَّبِي وََّ، ولم يختلف رواته في إسناده، وقام الإجماع على العمل به، انتهى. ونقل ابن ماجه في ((سننه)) عن شيخه محمد بن يحيى: ما أرى للتوري حديثًا أشرف منه. كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ حَرَم مَكَّةٌ حَرَسَهَا اللهُ تَعَالَى ٥٣ ١٤ - بَابُ حَرَم مَكَّةٌ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى (بَاب حَرَم مَكَّةَ) أي: حرمة حرمها، وسيأتي ذكر حدوده. (حَرَسَهَا اللهُ تعالى) أي: حماها وحفظها من الآفات الحسية والعاهات المعنوية، واعلم: أن مكة هي الاسم المشهور لتلك البقعة المباركة، ولها أسماء أخرى كثيرة وقد عني الناس بجمعها منهم العلامة اللغوي مجد الدين الشيرازي والنووي، وقد ذكرها التقي الفاسي في ((شفاء الغرام)) مع بيان معاني بعض الأسماء، وقال المحبُّ الطَّبَري: سمى الله تعالى مكة بخمسة أسماء: مكة وبكة والبلد والقرية وأم القرى، فأما مكة ففي قَوْلِه تعالى: ﴿بَطْنِ مَكَّةَ﴾ [سورة الفتح: الآية ٢٤] وفي تسميتها بهذا الاسم أربعة أقوال أحدها: لأنَّها يؤمها الناس من كل مكان، فكأنها تجذبهم إليها من قول العرب: إِمْتَك الفصيل ما في ضرع الناقة إذا لم يبق فيه شيئًا. الثاني: لأنها تَمُكُ من ظلم فيها أي: تهلكه. والثالث: لجهد أهلها، ومن قولهم: تمككت العظم. إذا أخرجت مخه، والتمكك الاستقصاء. الرابع: لقلة الماء بها . وأما بكة ففي قَوْلِه تعالى: ﴿لَلَّذِى بِكَّةَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٠] وفي تسميَتِها بذلك ثلاثة أقوال، أحدها: لازدحام الناسِ بها يقال هم فيها يتاكبون، أي: يزدحمون، قاله ابن عباس. والثاني: لأنها تبك أعناق الجبابرة، أي: تدقها، وما قصدها جبار إلا قصمه الله تعالی . والثالث: لأنها تضعُ من نخوة المتكبرين. )) ﴾ [البلد: ١] قال وأما تسميتها بالبلدِ فَفي قَوْلِه تعالى: ﴿لَّ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ المفسرون: أراد مكة، والبلد في اللغة صدر القُرى. ٥٤ ASIENCE مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ se وأما تسميتها بالقريةِ فَفي قَوْلِه تعالى: ﴿وَضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَيِنَّةً﴾ [سورة النحل: الآية ١١٣]، الإشارة إلى مكّة، فإنها كانت ذات أمن يأمن أهلها أن يغار عليهم، وكانوا أهل طمأنينة لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوفٍ أو ضيق، والقرية اسم لما يجمع جماعة كثيرة من الناس، من قولهم: قريت الماء في الحوض، إذا جمعته فیهِ . وأما تسميتها أم القُرى ففي قَوْلِه تعالى: ﴿لِنُذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَا﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩٢] يعني: مكة، وفي تسميتها بذَلِك أربعة أقوالٍ: أحدها: أنَّ الأرضَ دحيت من تحتها، قاله ابنُ عباسٍ. وقال ابنُ قُتَيْبة: لأنَّها أقدم الأرض. والثّاني: لأنها قبلة يؤمها جميع الأمة. الثالث: لأنها أعظم القرى شأنًا. الرابع: لأنَّ فيها بيت الله تعالى، ولما جرت العادة أن بلد الملك وبيته مقدمان على جميع الأماكن سمي أما؛ لأنَّ الأمَّ متقدمة. قلت: وسماها اللهُ أيضًا في القُرْآن بالبلد الأمين، وبالبلدة، وبـ((مَعاد)) بفتح * [سورة التين: الآية ٣] قال ابن الميم، فأما الأول: ففي قَوْلِه تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ عباس: يعني مكة. وأما الثاني: ففي قَوْلِه تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ [سورة النمل: الآية ٩٣] قال الواحدي في ((الوسيط)): هي مكة. وأما الثالث: ففي قَوْلِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَّاذُكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: الآية ٨٥] قال ابن عباس: إلى مكة، قال التقي الفاسي بعد ذكر هذه الأسماء الثمانية: فهذه ثمانية أسماء لمكة مأخوذة من القُرْآن العظيم، ولم يذكر المحب الطبري من أسمائها المأخوذة من القُرْآن إلا خمسة لأنه قال: سمى الله تعالى مكة بخمسة أسماء: بكة ومكة والبلد والقرية وأم القرى، انتهى. أما حرم مكَّة فهو ما أحاطها وأطافَ بها مِن جوانبها، جعَلَ اللَّه تعالى له حكمها في الحرمةِ تشريفًا لها، وسمي حرمًا لتحريمِ اللهِ تَعالى فيهِ كثيرًا مما ليسَ بمحرم فىٍ غيرِهِ من المواضعِ، وحده من طريقِ المدينةِ عندَ التنعيمِ على ثلاثةِ أميال منَّ مكّة، وقيل: أربعة، وقيل: خمسة، ومن طريقِ اليمن طرف أضاة لِيْن على ستة أميال من مكّة، وقيل: سبعة، ومن طريق الجعرانة على تسعة أميال - بتقديم ٥٥ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ حَرَم مَكَّةٌ حَرَسَهَا اللَّهِ تَعَالَى المثناة الفوقية على السينٍ - ومن طريق الطائف على عرفات من بطنٍ نمرة سبعة أميال - بتقديم السين على الباء - وقيل: ثمانية. ومن طريق جدة عشرة أميال. وقال الرافعي: هو من طريق المدينة على ثلاثة أميال، ومن العراقِ على سبعةٍ، ومن الجعرانة على تسعة ومِن الطائف على سبعة ومن جدة على عشرةٍ. والسببُ في بعدٍ بعض الحدود وقرب بعضها ما قيل: إن اللَّه تعالى لما أهبط على آدم بيتًا من ياقوتة أضاء لهم ما بين المشرق والمغرب، فنفرت الجن والشياطين ليقربوا منها، فاستعاذَ منهم باللهِ وخافَ على نفسِهِ مِنْهُم، فبعثَ اللهُ ملائكة فحفوا بمكة من كلِّ جانبٍ، ووقفوا مكان الحرم، أي: في موضع أنصاب الحرم يحرسون آدم، فصار حدود الحرم مَوضع وقوف الملائكة. وقيل: إن الخليل ظلَلّ لما وضع الحجر الأسود في الركن حين بنى الكعبة أضاءً له نور وصل إلى أماكن الحدود، فجاءت الشياطين، فوقفت عند الأعلام، فبناها الخليلُ التَّلُ حاجزًا، رواه مجاهد عن ابن عباس، وعنه أن جبرئيل لعلَّلا أرى إبراهيم الَّل موضع أنصاب الحرم فنصبها ثم جددها إسماعيل الذَّلا ثم جددها قصي ابن كلاب، ثم جددها النَّبِي ◌ََّ، فلما ولي عمر رَوُلَهُ بعث أربعة من قريش فنصبوا أنصاب الحرم، ثم جددها معاوية رَّتَهُ، ثم عبد الملك بن مروان كذا ذكر القسطلاني في ((شرح البخاريِّ))، ونحوه في ((القرى)) (ص٦٠٢) للمحبِّ الطبري، وارجعْ لمزيد من البسط إلى ((شفاءِ الغرامِ)) (ج١: ص ٥٤ إلى ص ٦٦). G تنبيه: إنَّ علمي الحرم من طريق جدة هما العلمان القديمان من زمنٍ نبيِّنا إبراهيم وَّه بإشارة جبريل ◌ُلِّل بوضعهما في تلك البقعة كسائر حدود الحرم من الجهات الأخرى، أما العلمان الجنوبيان المسامتان لعلمي الحرم المذكورين، فقد أحدثا في جمادى الثانية سنة ست وسبعين وثلاثمائة وألف من أجل طريق السيارات المؤدي بينهما، ثم صارَ عدول السياراتِ مِن هَذَا الطريق الجنوبي الَّذِي يمرُّ بينَ العلمين المحدثين إلى الطريقِ الشِّمالي الَّذِي يمرُّ بين علمي الحرم القديمين، ولإزالة اللبس لزم التنبيه على ذلك، وحيثُ الحال ما تقدَّم من أنَّ حدودَ الحرم مختلفة في القرب والبعد، وأن وضع حدود الحرم هو بإيقاف جبريل عليه الصلاة ٥٦ * مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ BE* والسلام لأبينا إبراهيم ◌َّيّة على حدود الحرم وظهور أن حد الحرم من طريق المدينة ثلاثة أميال ومن طريق جدة عشرة أميال مع أن الحدين متجاوران، فبذلك تبين أنه ليس للاجتهاد في تحديد الحرم مساغ، وأنه لا يجوزُ لأحدٍ أنْ يحدث حدًّا للحرم ويضع عليه أنصابًا من تلقاء نفسه؛ لأنَّهُ قد لا يكون ذلك حدًّا للحرم في نفسِ الأمرِ، أما إذا أتى على محل ليس به أعلام فإنه ينظر إلى محاذاة أقرب الأعلام إليه، وليس في الإِمكان سوى ذلِكَ مَع عدمِ الجزمِ بأنَّ هَذَا حدٌّ للحرمِ، والله أعلم، كذا في ((مفيد الأنام)). كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ حَرَم مَكَّةٌ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى ٥٧ الفصل الأول ٢٧٤٠ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلَّه يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: ((لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَاَ اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا))، وَقَالَ يَوْمَ فَتْحَ مَكَّةَ : ((إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُزَّمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَّا يُعْضَّدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَّتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا))، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا الْإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ: ((إِلَّا الْإِذْخِرَ)). [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشرح ٢٧٤٠ - قوله: (يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ) منصوب؛ لأنَّهُ ظرف لقال. (لَا هِجْرَةَ) أي: بعد الفتح، وأفصح بذلك في بعض الروايات أي: لا هجرة من مكة إلى المدينة مفروضة بعد الفتح كما كانت قبله، وقد عقد البُخَارِي في أواخر الجهاد: بَاب لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ. قال الحافظ: أي: بعد فتح مكة، أو المراد ما هو أعم من ذلك. إشارة إلى أن حكم غير مكة في ذلك حكمها، فلا تجب الهجرة من بلدٍ قد فتحه المسلمون، أما قبل فتح البلد فمن به من المسلمين أحدد ثلاثة؛ الأول: قادر على الهجرة منها، لا يمكنه إظهار دينه بها ولا أداء واجباته فالهجرة منه واجبة. الثاني : قادر لكنه يمكنه إظهار دينه وأداء واجباته، فمستحبة لتكثير المسلمين ومعونتهم وجهاد الكفار والأمن من غدرهم والراحة من رؤية المنكر بينهم. الثالث: عاجز بعذر من أسر أو مرض أو غيره فتجوز له الإقامة فإن حمل على نفسه وتكلف الخروج منها أجر. (٢٧٤٠) البُخَارِي (١٨٣٤)، ومُسْلِم (١٣٥٣)، وأَبُو دَاوُد (٢٠١٨)، والترمِذِي (١٥٩٠)، والنَّسَائِي (٢٠٣/٥). ٥٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ (وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ) أي: لكن لكم طريق إلى تحصيل الفضائل التي في معنى الهجرة، وذلك بالجهاد ونية الخير في كل شيء، وارتفاع ((جِهَادٌ)) على الابتداء، وخبره محذوف مقدمًا تقديره: لكم جهاد. قال الحافظ: المعنى أن وجوب الهجرة من مكة انقطع بفتحها إذا صارت دار إسلام، ولكن بقي وجوب الجهاد على حاله عند الاحتياج إليه، وفسره بقوله: ((فَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا)) أي: إذا دعيتم إلى الغزو فأجيبوا، قال الخطابي وغيره: كانت الهجرة فرضًا في أول الإِسلام على مَن أسلم لقلَّة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع، فلما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجًا، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة، وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به أو نزل به عدو، انتهى. قال الحافظ: وكانت الحِكمة أيضًا في وجوب الهجرةِ على مَن أسلمَ؛ ليَسْلَم مِن أذَى ذويهِ منَ الكُفَّار، فإنَّهم كانوا يعذبون مَن أسلم منهم إلى أنْ يرجعَ عنِ دينِهِ، وفيهم نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ ظَالِمِّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيَ كُمْ قَالُواْ كُنَّ مُسْتَضْعَفِينَ فِى الْأَرْضَِّ قَالُواْ أَلَمّ تَكُنْ أَرْضُ اَللَّهِ وَسِعَةً فَنُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ [سورة النساء: الآية ٩٩] وهذه الهجرة باقية الحكم في حقٍّ من أسلم في دار كفر وقدر على الخروج منها، وقد روِى النسائيُّ من طريقٍ بهز بن حكيم بن معاوية عن أبيه عن جدِّهِ مَرْفُوعًا: ((لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ مُشْرِكٍ عَمَلًا بَعْدَ مَّا أَسْلَمَ أَوْ يُفَارِقُ الْمُشْرِكِينَ)). ولأبي دَاوُد مِن حديثٍ سَمُرة مَرْفُوعًا: ((أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ)). وهذا محمول على مَن لم يأمن على دينِهِ، قال: وقوله: ((جِهَادٌ وَنِيَّةٌ)) قال الطيبي وغيره: وهذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله، والمعنى: أنَّ الهجرةَ التي هي مفارقةُ الوطنِ الَّتي كانت مطلوبة على الأعيانِ إلى المدينةِ انقطعت، إلَّ أنَّ المفارقةَ بسببِ الجهادِ باقية، وكذلك المفارقةُ بسبب نية صالحة کالفرارٍ من دار الكفر والخروج في طلب العلم والفرار بالدين من الفتنٍ والنية في جميع ذلك. (وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ) بصيغة المجهول أي: إذا طلبتم للنفر وهو الخروج إلى الجهاد. (فَانْفِرُوا) بكسر الفاء، أي: اخرجوا، والمعنى: إذا دعاكم السلطان إلى غزو فاذهبوا. قال النووي: يريد أن الخير الَّذِي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة، وإذا أمركم الإمام بالخروج إلى الجهاد ونحوه من الأعمال الصالحة فاخرجوا إليه. وفِي الحَدِيث: بشارة بأن مكة تبقى دار إسلام أبدًا ٥٩ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابٍ خَرَم مَكْةٌ حَرَسھَا اللَّهُ تَعَالَى لا يتصور منها الهجرة، وفيه وجوب تعيين الخروج في الغزو على من عينه الإمام، وأن الأعمال تعتبر بالنيات. وقال الخطابي: في الحديث إيجاب النفير والخروج إلى العدو إذا وقعت الدعوة، وهذا إذا كان فيمن بإزاء العدو كفاية فإن لم يكن فيهم كفاية فهو فرض على المطيقينَ للجهادٍ، والاختيار للمطيق له مع وقوع الكفاية بغيره أن لا يقعد عن الجهاد، قال الله تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمَّ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْفَعِدِينَ دَرَجَّةُ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [سورة النساء: الآية ٩٨]، وقد ترجمَ البُخَارِي لهذا الحديثِ : بابُ وُجوبِ النَّفِيرِ وَمَا يَجِبُ منَ الجهادِ والنَّّةِ، وقوله: ﴿آنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة: الآية ٤٢]. قال الحافظ: قوله: وما يجب من الجهادِ والنّيَّةِ، أي: وبيان القدرِ الواجب من الجهادِ ومشروعيَّة النيّةِ في ذلك، وللناسِ في الجهادِ حالان، إحداهما: في زمن النَّبِي ◌َّه والأخرى: بعده، فأما الأولى: فأول ما شرع الجهاد بعدَ الهجرةِ النبويَّةِ إلى المدينةِ اتفاقًّا، ثُم بعد أنْ شرعَ هل كان فرض عين أو كفاية؟ قولان مشهوران للعلماء، وهما في مذهب الشافعي، وقال الماوردي: كان عينًا على المهاجرين دون غيرهم، ويؤيده وجوب الهجرة قبل الفتح في حقِّ كلٍّ مَن أسلم إلى المدينة النصرِ الإِسلام، وقال السهيلي: كان عينًا على الأنصار دون غيرهم، ويؤيده مبايعتهم الَّبِيِّ بَّ ليلة العقبة على أن يؤووا رسول اللَّه وَجل وينصروه، فيخرج من قولهما أنه كان عينًا على الطائفتين، كفَاية في حقِّ غيرهم، ومع ذلك فليس في حق الطائفين على التعميم، بل في حق الأنصار إذا طرق المدينة طارق، وفي حقِّ المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفار ابتداء، ويؤيد هَذَا ما وقع في قصة بدر فيما ذكره ابن إسحاق فإنه كالصريح في ذلك، وقيل: كانَ عينًا في الغزوةِ الَّتي يخرج فيها الشَِّي وَّ دون غيرها، والتَحْقِيق: أنه كان عينًا على من عينه التَّبِي نَّ فِي حقه ولو لم يخرج. الحال الثاني بعده وَّل فهو فرض كفاية على المشهور إلا أنَّ تدعو الحاجة إليه كأن يدهم العدو، ويتعيَّن على مَن عينه الإمام، ويتأدَّى فرض الكفاية بفعله في السنة مرة عند الجمهورِ، ومن حجتهم: أن الجزية تجب بدلًا عنه، ولا تجب في السنة أكثر من مرة اتفاقًا، فليكن بدلها كذلك، وقيل: يجب كلما أمكن، وهو قوي، والذي يظهر أنه استمر على ما كان عليه في زمنِ النَّبِي نَّ إلى أن