النص المفهرس

صفحات 1-20

مُعَاءُ الْمَقَابِ
شَرَُّ
مِشَكَاةِ المِصَاحُ
٥
لِلعَلَامَةِ المحدِّث
أَبِيّ الْحَسِنْ عُبَيْدِ اللهِبْن الْعَلَامَةِ محَّدَ عَبْدِ السَّلَامِ لِلْبَّارَ كَفُورِيّ
رَحْمَهُمَا الأَعَالى
تقديم نَضِيَ الشَّيخ
الدكتور وَضِيَّ اللَّهِ بْ مُحَمَّدٌ عَبَّاسِ حَفِظَهُ الله
المَدَدَس بالنِّالَآمَ وَالأسْنَاذَ المُتَّارِك ◌َجَامِعْ أُمّ الُرى - بِمَلَة الَكرَّقَةُ
حقّقه وخرج أحاديثه
الشَّيْخُ مُحَمَّدْ سُلَيْمَانْ بَزْ مُحَمَّدٍ أَمِيْنَ
غَمَّ اللَّه لَه وَكَوَ الدَيْهِ
للجَلَّدُ الثَّانِي عَشِّر
تَتِمّةُّ كِتَابِ المنَّاسِك - كِتَابُ البيُوع
كَامِلاً وَلأْوَل قَرْ يُطَبَع
حَديث (٢٧٣٢ - ٢٨٧٠)
غَدَارُ الْقَبِ التِّمِ والتّوزيع

فرعَاء الْمَقَاريخ
شَرَّخَ
مُ
مِشَكَاةِ المِصَاع
المُجَلَُّ الثَّانِي عَشْر

محمد سليمان أمين، ١٤٣٨ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
المباركفوري، عبيد الله محمد
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح. / عبيد الله محمد المباركفوري؛
محمد سليمان أمين - الرياض، ١٤٣٨ هـ
١٤ مج
ردمك ٢-٨٧٦٥-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (مجموعة)
٥-٨٧٧٧-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (ج١٢)
١ - الحديث - شرح أ- أمين، محمد سليمان (محقق) ب- العنوان
١٤٣٦/٧١٢٣
ديوي ٢٣٧،٢
رقم الإيداع: ١٤٣٦/٧١٢٣
ردمك: ٢-٨٧٦٥-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (مجموعة)
٥-٨٧٧٧-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (ج١٢)
جميع الحقوق محفوظة لُحقّق والنّاشِرْ
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧م
حقوق الطبع محفوظة ٥ ١٤٣٨ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام
ميكانيكي أو إلكتروني يمكّن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي
لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من المحقق والناشر.
صَفْ وَتَصِمْحَ وَإِخْرَاجْ
قَدَارُ الْقَبِسِ الَّشر والتّوزيع
الرياض - المملكة العربية السعودية
شارع الأمير سطام بن عبدالعزيز
ت: ٢٦٨١٠٤٥ - ف: ٤٣٥١٣٩٥
جوال: ٠٠٩٦٦٥٥٢٢٩٣٩٣٨
darulqabas@yahoo.com

مُرْعَاءُ الْقَاتِ
شِرَحُ
مِشَكَاةِ المِصَاح
لِلَعَلّامَةِ المُحدِّث
أَبَيْ الْحَسَنْ عُبَيْدِ اللهِبْنِ الْعَلَّمَةِ مُحَدَ عَبْدِ السَّلَامِ لَمُّارَكَفُورِيّ
رَعَهُمَا اللّه تَعَالى
تَقْدِيِم نَضِيَة الشّيخ
الدّكتور وَضِيَّ اللّهِ بَزْ مُحَمَّدْ عَبَّاسِ حَفِظَةُ الله
المدرّس بالَْجِالحَمَ وَالأسْنَاذ المُشَارِ بَجَامِعَةٍ أُمّ الُرِى - بِمَّ الَكَرَة
حقّقه وخرّج أحاديثه
الشَّيِّخْ مُحَمَّدْ سُلَيْمَانْ بَنْمُحَمَّدْ أَمِّيْنْ
غَضَ اللّه ◌َوَكَوَالَدَيْهِ
المُجَلَّدُ الثَّانِي عَشْرِ
تَتمَةُ كِتَابِ المنَّاسِك - كِتَابُ البيوع
كَامِلاً وَلأول مَرّة يُطَبَع
حَديث (٢٧٣٢ - ٢٨٧٠)
قرارُ القَبِ النَّشْرِوَالتَّوَيُ

٥
مِرْعَاةٌ الْمَفَاتِيحِ شَرْحَ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٣ - بَابُ الْإِخْصَارِ، وَفَوْتِ الْحَجّ
(بَابِ الْإِحْصَارِ) هو في اللغة: المنع والحبس مطلقًا، وفي الشرع: المنع عن
الوقوف والطواف، فإن قدر على أحدهما فليس بمحصر. (وَفَوْتِ الْحَجِّ) بأن يكون
محرمًا ولم يدرك مكان الوقوف وهو عرفة في زمانه، وهو من بعد الزوال إلى
طلوع فجر يوم النحرِ ولو ساعة، قاله القاري. وقال العَيْنِي: الإحصار. المنع
والحبس عن الوجه الَّذِي يقصدُهُ، يقال: أحصره المرض أو السلطان إذا منعه عن
مقصده فهو محصر، والحصر: الحبس، يقال: حصره إذا حبسه فهو محصور.
وقال القاضي إسماعيل: الظاهر أن الإحصار بالمرض والحصر بالعدو ومنه:
(فلمَّا حُصِر رسولُ اللهِ وَ لَ) وقال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ وقال الكسائي: يقال من
العدو حصر فهو محصور، ومن المرض أحصر فهو محصر، وحكى عن الفراء أنه
أجاز كل واحد منهما مكان الآخر، وأنكره المبرد والزجاج وقالا: هما مختلفان في
المعنى، ولا يقال في المرض: حصره، ولا في العدو: أحصره، انتهى. وقال
صاحب ((فيض الباري)): اعلم أنَّ الإحصار عندنا - الحنفية - وعند جماعة من
السلفِ وأهل اللغة عام للمرض والعدو، كما نقل عن الفراء أيضًا، وعند الشافعية
يختصُّ بالعدوِّ، وادعى بعض من الحنفية أن المحصر لا يقال إلا في المرض، أما
في العدو فيقال له محصور لا محصر، قلت: وليس بجيدٍ فإن الآية حينئذ تقتصر
على المرضٍ مع أنها نزلت في العدو بالاتفاق، فإنها نزلت في قصة الحديبية ولم
يكن النَّبِي وََّ فيها مريضًا، وها هنا دقيقة وهي: أن اللفظ قد يشتهر في نوع من
الجنس ثم يرد استعماله في نوع آخر من ذلك الجنس أو في الجنس بعينه، فيجعله
الناس مقابلًا كالإحصار، فإنه عام للمرض والعدو إلا أنه اشتهر الإحصار في
المرض والحصر في العدو حتى ذهبت أوهام العامة أنهما متقابلان، فجعلوا
الإحصار مختصًا بالمرض والحصر بالعدو وليس كذلك، وإنما أخذ القُرْآن في
النظم اللفظ العام لئلا يختص الحكم بالعدو ويعم المرض والعدو كليهما، انتهى.
وقال الآلوسي في ((تفسيره)) (ج٢: ص ٨٠): الإحصارُ والحصرُ كلاهما في

٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أصلِ اللغة بمعنى المنع مطلقًا، وليس الحصر مختصًا بما يكون من العدوِّ
والإحصارِ بما يكونُ من المرض ونحوه كما توهّم الزجاج من كثرة استعمالهما،
كذلك فإنه قد يشيع استعمال اللفظ الموضوع للمعنى العام في بعض أفرادِهِ،
والدليلُ على ذلك أنه يقال: حصره العدو وأحصره كصده وأصده، فلو كانت
النسبة إلى العدوّ معتبرة في مفهوم الحصر لکان التصریح بالإسناد إليه تكرارًا، ولو
كانت النسبة إلى المرض ونحوه معتبرة في مفهوم الإحصار لكان إسناده إلى العدو
مجازًا، وكلاهما خلاف الأصل، والمراد من الإحصار هنا حصر العدو عند مالك
والشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَآ أَمِنْتُمْ﴾ فإن الأمن لغة في مقابلة الخوف ولنزوله
عام الحديبية، ولقول ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو. فقيد إطلاق الآية وهو
أعلم بموقع التنزيل، وذهب أبو حنيفة: إلى أنَّ الْمَرَاد به ما يعم كل منع من عدو
ومرض وغَيْرهما لحديث الحجاج بن عمرو الآتي في الفصل الثاني، ولما روى
الطحاوي من حديث عبد الرحمن بن زيد قال: أهل رجل بعمرة، يقال له: عمر بن
سعيد، فلسع فبينا هو صريع إذ طلع عليه ركب فيهم ابنُ مسعود فسألوه فقال: ابْعَثُوا
بالهدي واجْعَلوا بينكم وبينه يوم أمارة، فإذا كان ذلك فليحل، وأخرج ابن أبي شيبة
عن عطاءٍ قال: لا إحصار إلا من مرضٍ أو عدوٍّ أو أمرٍ حابسٍ، وروى البُخَارِي مثله
عنه. وقال عروة: كلَّ شيءٍ حبس المحرم فهو إحصار، وما استدل به الخصم -
الشافعي ومن وافقه - مجاب عنه.
أما الأول: فإنه يقال للمريض: إذا زال مرضه وبرئ: أمن كما روي ذلك عن
ابن مسعود وابن عباس من طريق إبراهيم، قال الآلوسي: فيضعف استدلال
الشافعي ومالك بالآية على ما ذهبا إليه.
وأما الثاني: فإنه لا عبرة بخصوص السبب والحمل على أنه للتأييد يأبى عنه
ذكره باللام استقلالًا والقول بأن ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ ليس عامًا؛ إذ الفعل المثبت لا عموم
له، فلا يراد إلا ما ورد فيه وهو حبس العدو بالاتفاق ليس بشيء؛ لأنَّهُ وإن لم يكن
عامًّا لكنه مطلق فيجري على إطلاقهِ.
وأما الثالث: فلأنه بعد تسليم حجية قول ابن عباس في أمثال ذلك معارض بما
أخرجه ابن جرير وَابْن المنذر عنه في تفسير الآية أنَّه قال: يقولُ مَن أحرمَ بحجٍّ أو

٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِخْصارِ، وَفْتِ الْحُجِ
عمرةٍ، ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أو عدو يحبسه فعليه ذبح ما استيسر من
الهدي، فكما خصص في الرواية الأولى عمم في هذه، وهو أعلم بمواقع التنزيل،
والقول بأن حديث الحجاج ضعيف. ضعيف إذ له طرق مختلفة في السننِ، وحمله
على ما إذا اشترط المحرم الإحلال عند عروض المانع من المرض له وقت النية؛
لقوله بِّلّ لضباعة: ((حُجِّي وَاشْتَرِطِي وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي)). لا
يتمشى على ما تقَّرر في أصول الحنفية من أن المطلق يجري على إطلاقه إلا إذا
اتحد الحادثة والحكم، وكان الإطلاق والتقييد في الحكم إذ ما نحن فيه ليس
کذلك کما لا يخفى، انتهى كلام الآلوسي.
وإن شئت مزيد البسط فيما أجاب به الحنفية عن الآية وقرروا به مذهبهم فارجع
إلى ((شرح البُخَارِي)) للقسطلاني والعيني و((الجوهر النقي)) للمارديني و((أحكام
القُرْآن)) لأبي بكر الرازي الجصاص و((فتح القدير)) لابن الهمام.
وقال الشنقيطي: اختلف العُلَمَاء في المراد بالإحصار في قَوْلِه تعالى: ﴿فَإِنْ
أُحْصِرْتُمُ نَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدِّْ وَلَا تَخْلِّقُواْ رُءُوسَكُمْ حَى بَلُغَ الْهَدْىُ مَحِلٌَّ﴾ [البقرة: الآية ١٩٢] فقال قوم:
هو صد العدو المحرم ومنعه إياه من الطواف بالبيت، وقال قوم: المراد به حبس
المحرم بسبب مرض نحوه، وقال قوم: المراد به ما يشمل الجميع من عدو ومرض
ونحو ذلك، لكن قوله تعالى بعد هذا: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ يشير إلى أنَّ الْمَرَاد بالإحصار
هنا صد العدو للمحرم؛ لأن الأمن إذا أطلق في لغة العرب انصرف إلى الأمن من
الخوف لا إلى الشِّفَاء من المرض ونحو ذلك، ويؤيده أنه لم يذكر الشيء الَّذِي منه
الأمن، فدلَّ على أنَّ الْمَرَاد به ما تقدَّم من الإحصارِ، فثبت أنه الخوفُ من العدوِّ،
فما أجاب به بعض العُلَمَاء من أن الأمن يطلق على الأمن من المرض كما في
حديث: ((مَن سَبقَ العَاطسَ بِالحَمْدِ أَمِن مِنَ الشوصِ واللوثِ والعلوصِ)) أخرجه ابن
ماجه في ((سننه)) فهو ظاهر السقوط؛ لأن الأمن فيه مقيد بكونه من المرض فلو
أطلق لا نصرف إلى الأمن من الخوف، وقد يجاب أيضًا بأنه يخاف وقوع المذكور
من الشوص الَّذِي هو وجع السن، واللوث الَّذِي هو وجع الأذن، والعلوص الَّذِي
هو وجع البطن؛ لأنَّهُ قبل وقوعها به يطلق عليه أنه خائف من وقوعها، فإذا أمن من
وقعها به فقد أمن من خوف. أما لو كانت وقعت به بالفعل فلا يحسن أن يقال أمن
منها؛ لأن الخوف في لغة العرب هو الغم من أمر مستقبل لا واقع بالفعل، فدلَّ هَذَا

٨
SCREENS
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
على أن زعم إمكان إطلاق الأمن على الشِّفَاء من المرض خلاف الظاهر.
وحاصل تحرير هذه المسألة في مبحثين، الأول: في معنى الإحصار في اللغة
العربية، الثاني: في تَحْقِيق المراد به في الآية الكريمة وأقوال العلماء، وأدلتها في
ذلك. فاعلم: أن أكثر علماء العربية يقولون: إن الإحصار هو ما كان عن مرض أو
نحوه، قالوا: تقول العرب: أحصره المرض يحصره بضم الياء وكسر الصاد
إحصارًا، وأما ما كان من العدو فهو الحصر، تقول العرب: حصره العدو يحصره
بفتح الياء وضم الصاد حصرًا بفتح فسكون، ومن إطلاق الحصر في القُرْآن على ما
كان من العدو قوله تعالى: ﴿وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ومن إطلاق الإحصار على
غير العدو كما ذكرنا عن علماء العربية قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي
سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقول ابن ميادة:
ومَا هَجْرٍ لَيْلِى أَنْ تَكُونَ تَبَاعَدَتْ
عَلَيْكِ وَلَا أَن أَحْصَرِتَكَ شُغُولُ
وعكس بعضُ علماء العربيةِ فقال: الإحصار من العدو، والحصر من المرضِ،
قاله ابن فارس في ((المجمل)) نقله عنه القرطبي ونقل البغوي نحوه عن ثعلب، وقال
جماعة من علماء العربية: إن الإحصار يستعمل في الجميع وكذلك الحصر،
وممن قال باستعمال الإحصار في الجميع الفراء، وممن قال بأن الحصر والإحصار
يستعملان في الجميع أبو نصر القشيري.
قال الشنقيطي: لا شك في جواز إطلاق الإحصار على ما كان من العدو كما
سترى تَحْقِيقه، هَذَا حاصل كلام أهل العربية في معنى الإحصار، وأما المراد به في
الآية الكريمة فقد اختلف فيه العُلَمَاء على ثلاثة أقوال. الأول: أنَّ الْمَرَاد به حصر
العدو خاصة دون المرض ونحوه، وهذا قول ابن عباس وَابْن عمر وأنس وَابْن
الزبير وهو قول سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وبه قال مروان وإسحاق وهو
الرواية المشهورة الصحيحة عن أحمد بن حنبل، وهو مذهب مالك والشافعي،
وعلى هَذَا القول أنَّ الْمَرَاد بالإحصار ما كان من العدو خاصة فمن أحصر بمرض
ونحوه لا يجوز له التحلل إلا أن يشترط عند الإحرام عند الشافعي وأحمد كما
سيأتي حتى يبرأ من مرضه ويطوف بالبيت ويسعى فيكون متحللًا بعمرة، وحجة
هَذَا القول متركبة من أمرين.

٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابَ الْإِحْضارِ، وَفْتِ الْحُجِ
31
الأول: أن الآية الكريمة التي هو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾
نزلت في صدِّ المشركين النَّبِي ◌ِّ وأصحابه وهم محرمون بعمرة عام الحديبية عام
ست بإطباق العلماء، وقد تقرَّر في الأصول أن صورة سبب النزول قطعية الدخول
فلا يمكن إخراجها بمخصص فشمول الآية الكريمة لإحصار العدو الَّذِي هو سبب
نزولها قطعي، فلا يمكن إخراجه من الآية بوجه، وروي عن مالك أن صورة سبب
النزول ظنية الدخول لا قطعيته وهو خلاف قول الجمهور، وبهذا تعلم أن إطلاق
الإحصار بصيغة الرباعي على ما كان من عدو صحيح في اللغة العربية بلا شك كما
ترى، وأنه نزل به القُرْآن العظيم الَّذِي هو في أعلى درجات الفصاحة والإعجاز.
الأمر الثاني: ما ورد به الآثار في أن المحصر بمرض ونحوه لا يتحلل إلا
بالطواف والسعي، فمن ذلك ما رواه الشافعي في ((مسنده)) والْبَيْهَقِي (ج٥ : ص
٢١٩) عن ابنِ عباسٍ أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو.
قال النووي في ((شرح المهذب)): إسناده صحيح على شرط البُخَارِي ومسلم
وصححه أيضًا الحافظ ابن حجر، ومن ذلك ما رواه البُخَارِي والنَّسَائِي عن ابن عُمر
أنه كان يقول: أليس حسبكم سنة رسولِ الله وَ له إنْ حُبِس أحدكم عن الحجِّ طافَ
بالبيتٍ وبالصفا والمروة، ثم يحل من كلِّ شيءٍ حتى يحج عامًا قابلًا فيهدي أو
يصوم إن لم يجد هديًا، ومن ذلك ما رواه مالك في ((الموطأ)) والبيھَقِي (ج٥ : ص
٢١٩) عن ابن عمر أنه قال: المحصر بمرض لا يحلَّ حتى يطوف بالبيت ويسعى
بين الصفا والمروة، فإذا اضطر إلى لبس شيء من الثياب التي لا بد له منها أو الدواء
صنع ذلك وافتدى، ومن ذلك ما رواه مالك في ((الموطأ)) والْبَيْهَقِي أيضًا (ج٥ : ص
٢١٩) عن أيوب السختياني عن رجل من أهل البصرة كان قديمًا أنه قال: خرجت
إلى مكة حتى إذا كنت ببعض الطريق كسرت فخذي، فأرسلت إلى مكة وبها
عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر والناس فلم يرخص لي أحد أن أحل فأقمت
على ذلك الماء سبعة أشهر حتى أحللت بعمرة، والرجل البصري المذكور الَّذِي
أبهمه مالك.
قال ابن عبد البر: هو أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي شيخ أيوب كما رواه
حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة، ورواه ابن جرير من طرق، وسمى الرجل

١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
يزيد بن عبد الله بن الشخير، ومن ذلك ما رواه مالك في ((الموطأ)) والْبَيْهَقِي أيضًا
(ج٥: ص ٢٢٠) عن سليمان بن يسار أن سعيد بن حزابة المخزومي صرع ببعض
طريق مكّة وهو محرم فسأل - على الماءِ الَّذِي كان عليه - عنِ العلماءِ فوجدَ
عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم فذكر لهم الَّذِي عرض له،
فكلُّهم أمره أن يتداوى بما لا بدَّله منه، ويفتدي، فإذا صحَّ اعتمر فحلَّ من إحرامه،
ثم عليه حج قابل ويهدي ما استيسر من الهدي. قال مالك: وعلى هَذَا الأمر عندنا
فيمن أحصر بغير عدوٌّ، وقد أمر عمر بن الخطاب أبا أيوب الأنصاري وهبار بن
الأسود حين فاتهما الحج وأتيا يوم النحر أن يحلا بعمرة ثم يرجعا حلالا، ثم
يحجان عامًا قابلًا ويهديان، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحجِّ وسبعة إذا رجعَ
إلى أهلِهِ. هَذَا هو حاصل أدلة القول بأنَّ الْمَرَاد بالإحصار في الآية هو ما كان من
خصوص العدو دون ما كان من مرض ونحوه.
القول الثاني في المراد بالإحصارِ: أنَّه يشملُ ما كان من عدوٌّ ونحوه وما كان من
مرضٍ ونحوه من جميع العوائق المانعة من الوصول إلى الحرم، وممن قال بهذا
القول ابن مسعود ومجاهد وعطاء وقتادة وعروة بن الزبير وإبراهيم النخعي وعلقمة
والثوري والحسن وأبو ثور وداود وهو مذهب أبي حنيفة، وحجة هَذَا القول من
جهة شموله لإحصار العدو قد تقدمت في حجة الّذِي قبله، وأما من جهة شموله
للإحصار بمرض، فهي ما رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة وَابْن خزيمة
والْحَاكِمِ والْبَيْهَقِي عن عِكْرِمَة عن الحجاج بنِ عمرو الأنصارِي رَوَّهُ قال: سمعت
رسول اللَّه ◌َ له يقول: ((مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى))، فذكرت ذلك
لابن عباس وأبي هريرة فقالا: صدق، وفي رواية لأبي داود وابن ماجه: ((مَنْ عَرَجَ
أَوْ كُسِرَ أَوْ مَرِضَ»، فذكر معناه، وفي رواية ذكرها أحمد في رواية المروزي ((مَنْ
حُبِسَ بِكَسْرٍ أَوْ مَرَضٍ)) وبهذا تعلم قوة حجة أهل هَذَا القول.
ورد المخالفون الاحتجاج بحديث عِكْرِمَة هَذَا من وجهين، الأول: ما ذكره
البيهقي في ((السنن الكبرى)) (ج٥: ص ٢٢٠) قال: وقد حمله بعض أهل العلم إن
صح على أنه يحل بعد فواته بما يحل به من يفوته الحجِ بغير مرض، فقد روينا عَنٍ
ابْن عَبَّاسٍ ثابتًا عنه قال: لا حصر إلا حصر عدو، والله أعلم، انتهى.

١١
بَابُ الْإِخضارِ، وفؤْتِ الْحَجِ
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
31
*******<<<<<**********<<<<<<***<<<< > <<<<<<<<**<<<< ><> <<<<<< > ******<< > << > <<< **
الوجه الثاني: هو حمل حله المذكور في الحديث على ما إذا اشترط في إحرامه
أنه يحل حيث حبسه اللَّه بالعذرِ، والتَحْقِيق جواز الاشتراط في الحجّ بأن يحرم
ويشترط أن محله حيث حبسه الله، ولا عبرة بقول منع الاشتراط لثبوته عن
الَّبِي ◌َّ - كما سيأتي -.
القول الثالث في المراد بالإحصار: أنه ما كان من المرض ونحوه خاصة دون ما
كان من العدو، وقد قدمنا أنه المنقول عن أكثر أهل اللغة، وإنما جاز التحلل من
إحصار العدو عند من قال بهذا القول؛ لأنَّهُ من إلغاء الفارق وأخذ حكم المسكوت
عنه من المنطوقِ به فإحصار العدوِّ عندهم ملحق بإحصار المرض بنفي الفارق، ولا
يخفى سقوط هَذَا القول لما قدمنا من أن الآية الكريمة نزلت في إحصار العدو عام
الحديبية، وأن صورة سبب النزول قطيعة الدخول كما عليه الجمهور وهو الحق.
قال الشنقيطي: الَّذِي يظهرُ لنا رجحانه بالدليل من الأقوال المذكورة هو ما
ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه أنَّ الْمَرَاد بالإحصار في
الآية: إحصارُ العدوِّ وأن من أصابه مرض أو نحوه لا يحل إلا بعمرة؛ لأنَّ هَذَا هو
الَّذِي نزلت فيه الآية، ودلَّ عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ الآية، ولا سيما على قول
من قال مِن العلماءِ: إنَّ الرخصة لا تتعدَّى محلها، وهو قول جماعة من أهل
العلم .
وأما حديث عِكْرِمَة الَّذِي رواه عن الحجاج بن عمرو وَابْن عباس وأبي هريرة فلا
تنتهض به حجة لتعين حمله على ما إذا اشترط ذلك عند الإحرام لحديث عائشة عند
الشيخين، وحديث ابن عباس عند مسلم وأصحاب السنن وغَيْرهم من أنه وَ لّه قال
لضباعه بنت الزبير بن عبد المطلب: ((حُجِّي وَاشْتَرِطِي))، ولو كان التحلل جائزًا
دون شرط كما يفهم من حديث الحجاج بن عمرو، لما كان للاشتراط فائدة،
وحديث عائشة وَابْن عباس بالاشتراط أصح من حديث عِكْرِمَة عن الحجاج بن
عمرو والجمع بين الأدلة واجب إذا أمكن، وهو ممكن في الحديثين بحمل حديث
الحجاج بن عمرو على ما إذا اشترط ذلك فِي الإِحِرْام، فيتفق مع الحديثين الثابتين
في الصحيح، فإن قيل: يمكنُ الجمعُ بين الأحاديث بغيرِ هذا، وهو حمل أحاديث
الاشتراط على أنه يحل من غير أن تلزمه حجة أخرى، وحمل حديث عِكْرِمَة عن

EDONE
١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحجاج بن عمرو وغيره على أنه يحل وعليه حجة أخرى، ويدلَّ لهذا الجمع أن
أحاديث الاشتراط ليس فيها ذكر حجة أخرى، وحديث الحجاج بن عمرو قال فيه
النَّبِي ◌َ: ((فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى)).
فالجواب: أن وجوب البدل بحجة أخرى أو عمرة أخرى لو كان يلزم لأمر
النَّبِي ◌َّ أصحابه أن يقضوا عمرتهم التي صدهم عنها المشر كون، قال البُخَارِي فِي
((صَحِيحِه)) في باب: من قالَ: ليس على المحصرِ بدل. ما نصه: وقال مالك
وغيره: ينحر هديه ويحلق في أي موضع كانَ، ولا قضاء عليه؛ لأن النَّبِي وَل
وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا وحلوا مِّن كل شيء قبل الطواف، وقبل أن يصل
الهدي إلى البيت، ثم لم يذكر أن النَّبِي ◌ََّ أمر أحدًا أن يقضوا شيئًا ولا يعودوا له
والحديبية خارج من الحرم، انتهى.
وقد قال مالك: إنه بلغه أن رسول اللّه وَ لل حلَّ هو وأصحابه بالحديبية، فنحروا
الهدي وحلقوا رؤوسهم وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت وقبل أن يصل
إليه الهدي، ثم لم يعلم أن رسول اللَّه ◌َ ليل أمر أحدًا من أصحابه ولا ممن كان معه
أن يقضوا شيئًا ولا يعودوا لشيء، انتهى.
ولا يعارض ما ذكرنا بما رواه الواقدي في ((المغازي)) من طريق الزهري ومن
طريق أبي معشر وغَيْرهما، قالوا: أمر رسول اللَّه وَل ◌َ- أصحابه أن يعتمروا فلم
يتخلف منهم إلا من قتل بخيبر أو مات، وخرج معه جماعة معتمرين ممن لم
يشهدوا الحديبية وكانت عدتهم ألفين؛ لأنَّ الشافعيَّ قال: والذي أعقله في أخبار
أهل المغازي شبيه بما ذكرت؛ لأنا علمنا من متواطئ أحاديثهم أنه كان معه عام
الحديبية رجال معرفون، ثم اعتمر عمرة القضية فتخلف بعضهم بالمدينة من غير
ضرورة في نفس ولا مال، فهذا الشافعي جزم بأنهم تخلف منهم رجال معروفون
من غير ضرورة في نفس ولا مال، وقد تقرَّر في الأصول أن المثبت مقدم على
النافى.
وقال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)): ويمكن الجمع بين هَذَا إن صحَّ وبين الَّذِي
قبله بأن الأمر كان على طريق الاستحباب؛ لأن الشافعي جازم بأن جماعة تخلفوا
بغير عذرٍ، وقال الشافعي في عمرة القضاء: إنما سميت عمرة القضاء والقضية

١٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الإحْصَارِ، وَفَوْتِ الحج
للمقاضاة التي وقعت بين النبيِّ يِّ﴾ وبين قريش، لا على أنهم وجب عليهم قضاء
تلك العمرة، وقد روى الواقدي أيضًا من حَدِيث ابنِ عُمَر قال: لم تكن هذه العمرة
قضاء، ولكن كان شرطًا على قريش أن يعتمر المسلمون من قابل في الشهر الَّذِي
صدهم المشركون فيه.
وقال البُخَارِي فِي ((صَحِيحِه)) في الباب المذكور: وقال روح عن شبل عن ابن أبي
نجيح عن مجاهد عَنِ ابْن عَبَّاسٍ ﴿ّ: إنما البدل على من نقض حجه بالتلذَّذِ، فأما
من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع، انتهى.
وقد ورد عَنِ ابْن عَبَّاسٍ نحو هَذَا بإسناد آخر أخرجه ابن جرير من طريق علي بن
أبي طلحة عنه، وفيه: فإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها، وإن كانت غير
الفريضة فلا قضاء عليه، فإذا علمت هَذَا وعلمت أن ابن عباس ممن روى عنه
عِكْرِمَة الحديث الَّذِي روى عن الحجاج بن عمرو وأن راوي الحديث من أعلم
الناس به، ولا سيما إن كان ابن عباس الَّذِي دعاله النَّبِي وَّ أن يعلمه التأويل، وهو
مصرح بأن معنى قوله ◌ََّ في حديث الحجاج بن عمرو: ((وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى)) محله
فيما إذا كانت عليه حجة الإسلام، تعلم أن الجمع الأول الَّذِي ذكرنا هو المتعين،
واختاره النووي وغيره من علماء الشافعية، وأن الجمع الأخير لا يصح لتعين حمل
الحجة المذكورة على حجة الإسلام، وأما على قول من قال: إنه لا إحصار إلا
بالعدو خاصة وأن المحصر بمرض لا يحل حتى يبرأ ويطوف بالبيت وبالصفا
والمروة، ثم يحل من كل شيء حتى يحج عامًا قابلًا فيهدي أو يصوم إن لم يجد
هديًا كما ثبت في «صحيح البُخَارِي)) من حَدِيث ابنِ عُمَر كما تقدم، فهو من حيث
أن المريض عندهم غير محصر، فهو كمن أحرم وفاته وقوف عرفة، يطوف ويسعى
ويحج من قابل ويهدي أو يصوم إن لم يجد هديًا، انتهى كلام الشنقيطي.
وسيأتي بسط الكلام في مسألة الاشتراط في شرح حديث عائشة آخر أحاديث
هَذَا الفصل وتعيين القول الراجح في مسألة الإحصار بالمرض في شرح حديث
الحجاج بن عمرو في الفصل الثاني.

١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الأول
٢٧٣٢ - [١] عَنِ ابْن عَبَّاس قَالَ: قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ فَحَلَقَ
رَأْسَهُ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ خَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا.
[ رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٧٣٢ - قوله: (قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ) أي: مُنِع عن عمرته التي أحرم بها
في عام الحديبية. (فَحَلَقَ رَأْسَهُ) أي: بنية التحلل. (وَجَامَعَ نِسَاءَهُ) أي: بعد تحلله
الكامل كما يشير إليه قوله: (وَنَحَرَ هَدْيَهُ) إذ الواو لمطلق الجمع، وفي
((الصَّحِيحَيْن)): أنه وَليل تحلل هو وأصحابه بالحديبية لما صده المشركون وكان
محرمًا بالعمرةِ فنحَرَ ثُمَّ حَلَقٍ ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: ((قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا)). وفي
حديث المسور بن مخرمة عند البُخَارِي في الشروطِ : فلما فرغَ من قضيَّةِ الكتابِ،
قال رسولُ اللهِ وَّه لأصحابه: ((قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا».
واختلف العُلَمَاء هل نحر هديه يوم الحديبية في الحلِّ أو في الحرم؟ وظاهرُ قوله
تعالى: ﴿وَالْهَدْىَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلٌَّ﴾ [سورة الفتح: الآية ٢٥] أنهم نحروه في الحلِّ، وفي
محلِّ نحر الهدي للمحصر أقوال، الأول للجمهور: أنه يذبح هديه حيث يحل في
حل أو حرم الثاني للحنفية: أنه لا ينحره إلا في الحرم، الثالث لابن عباس
وجماعة: أنه إن كان يستطيع البعث إلى الحرم وجبَ عليه ولا يحلَّ حتى ينحر في
محله، وإن كان لا يستطيع البعث به إلى الحرمَ نحره في محلِّ إحصاره، وقيل: إنه
نحره في طرف الحديبية وهو من الحرم، والأول أظهر كذا في ((السبل)).
(حَتَّى اعْتَمَرَ) غاية للمجموع، أي: تحلل حتى اعتمر. قال القسطلاني: ولأبي
ذر عن المستملى: ((ثُمَّ اعْتَمَرَ)). (عَامًا قَابِلًا) أي: آتيا يعني السنة السابعة من
(٢٧٣٢) الْبُخَارِي (١٨٠٩) فِي الحَجِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

١٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بابُ الإِخضارِ، وفؤْتِ الْحَجِ
سِ
الهجرة التي اعتمر فيها حسب المقاضاة التي وقعت بينه مطل وبين قريش، وقيل:
قضاء لعمرة حل عنها، وفيه نظر، وهذا الحديث فيه حذف يدل عليه ما رواه ابن
السكن في كتاب ((الصَّحَابَة)) كما نَّه عليه الحافظُ وقال: إنه لم ينبه عليه من شراح
هَذَا الكتاب غيره ولا بينه الإسماعيلي ولا أبو نعيم، ولفظه عن يحيى بن أبي كثير
عن عِكْرِمَة قال: قال عبد الله بن رافع مولى أم سلمة أنها سألت الحجاج بن عمرو
الأنصاري عمن حبس وهو محرم فقال: قال رسولُ اللَّه ◌َله: ((مَنْ عَرِجَ أَوْ كُسِرَ أَوْ
حُبِسَ فَلْيَجْزِي مِثْلَهَا وَهُوَ فِي حِلَّ)). قال: فحدثت به أبا هريرة فقال: صدق. وحدثته
ابن عباس فقال: قد أحصر رسول اللّه وَلّ فحلق ونحر هديه وجامع نسائه حتى
اعتمر عامًا قابلًا، والسببُ في حذفِ البُخَارِي ما ذَكَر أنَّ الزائدَ ليسَ على شرطِهِ؛
لأنَّهُ قد اختلف في حديث الحجاج بن عمرو على يحيى بن أبي كثير عَن عِكْرِمَة كما
بيَّنَّهُ الحافظُ مع كونٍ عبد الله بن رافع ليس من شرط البخاري، فاقتصر على ما هو
من شرط كتابه، واستدل بالحديث على وجوب القضاء على المحصر.
قال المحب الطبري: هكذا يستدلَّ به من قال بوجوب القضاء، ولا دلالة فيه
على وجوب القضاء؛ لأنَّهُ تضمن حكاية ما وقع، وقد تخلَّف بعضُ مَن كان معه في
عمرة الحديبية عن عمرة القضية بالمدينة من غير ضرورة في نفس ولا مالٍ، ولو
وجبَ عليهم القضاء لأمرهم رسول اللّه وَ ليل أن لا يتخلفوا عنه، وإنما سميت عمرة
القصاص وعمرة القضية؛ لأنَّ اللهَ تعالى اقتصَّ لنِّهِوَ لَه فدَخَل عَلَيْهِم كَمَا مَنَعُوه لا
عَلى أَنَّ ذَلِك وَجَبَ عَلَيْهِ .
قال البيهقي: وروى الواقديُّ بسندِهِ عنِ ابنِ عُمر قالَ: لم تكنِ العمرةُ قضاءً،
ولكنْ كانَ شرطًا على المُسْلِمِين أن يعتمروا من قابل في الشهرِ الَّذِي صدَّهُم
المشرگُون فيه، انتھی.
وقال الأميرُ اليماني: قولُهُ: حتَّى اعتمرَ عامًا قابلًا، قيل: إنه يدلُّ على إيجابٍ
القضاءِ عَلى مَن أحصر، والمرادُ: من أحصر عن النفلِ، وأما من أحصر عن واجبه
من حج أو عمرة، فلا كلام أنه يجب عليه الإتيان بالواجبٍ إن منع من أدائه،
والحقُّ أنه لا دلالة في كلام ابنِ عباسٍ على إيجاب القضاء، فإنَّ ظاهر ما فيه أنه
أخبر أنه وَّ اعتمر عامًا قابلًا، ولا كلام أنه وَل اعتمر في عام القضاء، ولكنها عمرة

١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أخرى ليست قَضَاء عن عمرةِ الحديبيةِ، إلى آخر ما ذكر من الدلائل على ذلكَ،
والحديثُ فيه دليل على: أنَّ المعتمرَ إذا أُحْصِر يحل، وأنَّ التحلل بالإحصارِ لا
يختصُّ بالحاجِّ، وقد أوردَ البُخَارِي هَذَا الحديثَ في بابٍ إذا أُحصر المعتمر، قال
الحافظُ: قيل: غرض المصنف بهذه الترجمة الرد على مَن قال: التحلّل بالإحصار
خاص بالحاجِّ، بخلاف المعتمر فلا يتحلل بذلك بل يستمر على إحرامه حتى
يطوف بالبيت؛ لأن السَّنَة كلها وقت للعمرة فلا يخشى فواتها بخلاف الحجِّ، وهو
محكي عن مالك، واحتج له إسماعيل القاضي بما أخرجه بإسناد صحيح عن أبي
قلابة قال: خرجت معتمرًا فوقعت عن راحلتي فانكسرت فأرسلتُ إلى ابنِ عباسٍ
وَابْن عمر فقالا: ليس لها وقتٌ كالحجِّ يكونُ على إحرامِهِ حتَّى يصل إلى البيتِ،
انتھی .
وقال العَيْنِي: روي ذلك القول عن مالك، وهو محكي عن محمد بن سيرين
وبعض الظاهرية، وقضية الحديبية حجة تقضي عليهم، انتهى.
قلت: هكذا ذكر خلاف مالك للجمهور في مسألةِ الإحصارِ في العمرة عامة
نقلة المذاهب كابن قدامة وغيره، لكن الظاهر أن هذه الحكاية ليست بصحيحة،
فإن عامة فروع المالكية كـ(الشرح الكبير)) والدسوقي و((المدونة)) وغيرها مصرحة
بصحة الحصر عن العمرة وجواز التحلل عنها عند الحصر، فلا خلاف في هذه
المسألة بين الأئمة الأربعة.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) من طريق يحيى بن أبي كثير عن عِكْرِمَة عن ابن عباس، وأخرجه
أيضًا الإسماعيلي وأبو نعيم وَابْن السكن.

١٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِخْصَارِ، وَفَوْتِ الْحَجِ
٢٧٣٣ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّه ◌ِ﴾
فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشِ دُونَ الْبَيتِ، فَتَحَرَ الْنَّبِيُّ وَلِّ هَدَايَاهُ، وَحَلَقَ، وَقَصَّرَ
أَصْحَابُهُ.
[رَوَاهُ الْبُخَارَيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٧٣٣ - قوله: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ﴾ أي: معتمرين كما في رواية،
وكان خروجهم يوم الاثنين مستهل ذي القعدة سنة ست من الهجرة. (فَحَالَ كُفَّارُ
قُرَيْشِ دُونَ الْبَيْتِ) أي: منعونا من دخول مكة والوصول إلى البيت. (فَنَحَرَ
النَّبِيُّ ◌َِّ هَدَايَاهُ) أي: بالحديبية، وفي رواية: (بُدْنه) بضم الموحدة وسكون
الدال جمع بَدَنة. (وَحَلَقَ) أي: رأسه كما في رواية، يعني ثم حلق فتحلل كما بينته
الروايات الصحيحة الصريحة. (وَقَصَّرَ أَصْحَابُهُ) أي: بعضهم وحلق آخرون،
وذلك أنهم توقفوا في الإحلال لما دخل عليهم من الحزن؛ لكونهم منعوا من
الوصول إلى البيت، فأشارت أمُّ سلمة إلى أن يحل هو ◌َّ قبلهم ففعل، فتبعوه
فحلق بعضهم وقصر بعض، وكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر ممن
اقتصر على التقصيرِ .
واعلم: أنهم اختلفوا في المحصر: هل يجب عليه الحلق أو التقصير إذا نحر
هديه أم لا؟ فذهب الشافعية إلى الوجوب بناء على المشهور عندهم: أنه نسك،
وقال به أبو يوسف في إحدى الروايتين، وهو رواية عن أحمد، والمشهور عنه: أنه
لا يجب، وبه قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، وإليه ذهب المالكية كما في
الدردير والدسوقي، قال ابنُ قُدامة (ج٣: ص ٣١٦): هل يلزمه الحلق أو التقصير
مع ذبح الهدي أو الصيام؟ ظاهر كلام الخرقي أنه لا يلزمه؛ لأنَّهُ لم يذكره، وهو
إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأن الله تعالى ذكر الهدي وحده ولم يشترط سواه.
والثانية: عليه الحلق أو التقصير؛ لأنَّ النبيَّ وَّ حلق يوم الحديبية وفعله في النُّسُك
دالٌّ على الوجوبٍ، ولعلَّ هَذَا ينبني على أن الحلاق نسك أو إطلاق من محظور،
(٢٧٣٣) البُخَارِي (١٨٠٧) (١٨١٢) فِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ .

=DONE
١٨
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ولا يتحلل إلا بالنية مع ما ذكرنا، فيحصل الحل بشيئين النحر أو الصوم والنية إن
قلنا: الحلاق ليس بالنسك، وإن قلنا: هو نسك حصل بثلاثة أشياء: الحلاق مع ما
ذكرنا، انتھی.
وقال النووي في ((مناسكه)): اعلمْ: أنَّ التحلُّلَ يحصلُ بثلاثة أشياء ذبح ونية
التحلل بذبحها، والحلق إذا قلنا بالأصح أنه نسك، انتهى. وفي ((غنية الناسك)):
وبذبحه يحل بلا حلق وتقصير إلا أنه لو حلق أو قصر فحسن كما فعله النَّبِي وَلِه
وأصحابه عام الحديبية ليعرف استحكام عزيمته على الانصراف ويأمن المشركون
منهم فلا يشتغلون بمكيدة أخرى هَذَا عندهما، وعَلَيه المتونُ وهو ظاهر الروايةِ عن
أبي يُوسف، انتهى.
وقال في ((البحر العميق)) بعد ما حكى خلاف أبي يوسف: وقال الجصاص: إنما
لا يجبُ الحلق عندهما إذا أحصر في الحلِّ؛ لأنَّ الحلق يختصُّ بالحرم، وأما إذا
أحصر في الحرم يجب الحلق عندهما وعليه حمل حلقه وَالر بالحديبيةِ، وأجيب
أيضًا: بأنه محمولٌ على الاستحبابِ؛ لأنهم كانوا يمتنعون عن التحلل طمعًا في
دخول مكة ويرون التحلل بالحلق فقطع بالأمر به أطماعهم تسليمًا لأمر الله تعالى.
قلتُ: ومالَ الطحاوي إلى وجوب الحلق كما ذكره القاري في ((المرقاة)) وفي
((شرح اللباب))، وقال القاري أيضًا: وإذا لم يجب عليه الحلق، وأراد أن يتحلَّل فإنه
يفعل أدنى ما يحظره الإحرام، كذا في ((البحر الزاخر))، والأظهر وجوب الحلق
لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَخْلِّقُواْ رُءُوسَكُمْ حَّ بَغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ﴾ ولفعله - عليه الصلاة والسلام -
وأصحابه الكرام، انتهى.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في الحجِّ وفي غزوة الحديبية وعمرة القضاء من كتابٍ المغازي
مختصرًا ومطولًا، واللَّفْظ المذكورُ له في غزوةِ الحديبيةِ وهو طرف من حديثٍ
طويلٍ، وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد مرارًا والْبَيْهَقِي ولم يخرجه مسلم ولا أصحاب السنن.

١٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الإِخْصَارِ، وَفَوْتِ الحَجِ
٢٧٣٤ - [٣] وَعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: إِنَّ رَسَولَ اللَّهِ وَ نَحَرَ
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ
الشرح
٢٧٣٤ - قوله: (وَعَنِ الْمِسْوَر) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو
فراء. (بْنِ مَخْرَمَةَ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء، ابن نوفل بن
أهيب بن عبد مناف بن زهرة القرشي الزهري أبو عبد الرحمن، له ولأبيه صحبة،
ماتَ النبيُّ وَّه وهو ابن ثمان سنين، وسمع منه وحفظ عنه، ولد بمكة بعد الهجرة
بسنتين وقدم به أبوه المدينة في ذي الحجة بعد الفتح سنة ثمان، وهو أصغر من ابن
الزبير بأربعة أشهر، وكان فقيهًا من أهل الفضل والدين، لم يزل مع خالِهِ
عبد الرحمن بنِ عوف مقبلاً ومدبرًا في أمرِ الشُّورى، وبَقي بالمدينةِ إلى أنْ قتل
عُثمان، ثُم انتقل إلى مكة ولم يزل بها إلى أن حاصرها عسكر يزيد فقتله حجرٌ من
حجارةِ المنجنيق وهو يصلي في الحجرِ، وذلك مستهل ربيع الأول سنة أربع
وستين، وصلى عليه ابن الزبير بالحجون، توفي وهو ابن اثنتين وستين سنة، وقيل :
إن وفاته كانت يوم جاء نعي يزيد إلى ابن الزبير وحصين بن نمير محاصر لابنٍ
الزُّبيرِ .
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ) أي: بالنحر قبل
الحلقِ، وفيه دلالة على تقديم النحر قبل الحلق، وقد تقدَّم أنَّ المشروعَ تقديم
الحلق قبل الذبح، فقيل: حديث المسور هَذَا إنما هو إخبار عن فعله ◌َّ في عمرة
الحديبية، حيثُ أحصر فتحلَّل ◌َ له بالذبح، وقد بوَّب عليه البخاري: باب النحرِ
قبلَ الحلقِ في الحصرِ. وأشارَ الْبُخَارِي إلَى أن هَذَا الترتيب يختصُّ بالمحصر على
جهة الوجوب، فإنَّه أخرجَهُ بمَعْنَاه، هَذَا وقد أخرجَهُ بطولِهِ في كتابِ الشروطِ،
وفيه أنه قال لأصحابه: ((قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا».
قال الشوكاني: فيه دليل على أنَّ المحصر يقدم النحر عَلى الحلقِ، ولا يعارض
(٢٧٣٤) الْبُخَارِي فِي المَغَازِي هو في المغازي، عَنِ المِسْورِ وَمَرْوَانَ.