النص المفهرس
صفحات 141-160
كتاب الشهادات ومن كتاب الشهادات: مسألة (٣٥٥)(*): ولا يحيل حكم الحاكم الأمور عما هي عليه (١). وقال أبو حنيفة(٢) - رحمه الله -: ((ما للحاكم إنشاؤه من العقود (وحله)(٣) نفذ ظاهراً وباطناً»(٤). وفي هذا حيلة لمن عشق امرأة رجل، وأتى بشاهدين يشهدان أنّ زوجها طلقها ثلاثاً، وأنه تزوج بها فحكم الحاكم بالتفريق بينها وبين (*) قال الشاطبي في الموافقات ٢٧٥/٢: ((إن الشريعة عامة بالنسبة إلى عالم الغيب والشهادة من جهة كل مكلف، فإليها نرد كل ما جاءنا من جهة الباطن، كما نرد إليها كل ما في الظاهر))، وينظر: رحمة الأمة في اختلاف الأئمة ص ٣٢٨ - ٣٢٩. قال ابن أبي الدم في أدب القضاء ص ١١٧: ((وأصل الخلاف في هذه المسألة ينبني على أن المجتهد المصيب واحد، أو أن كل مجتهد مصيب، فمن قال بهذا كان الحق في جهات متعددة، فينفذ الحكم ظاهراً وباطناً. ومن قال إن المصيب واحد فالحق عنده في جهة واحدة يعلمها الله تعالى، فلا ينفذ إلا ظاهراً) انتهى باختصار وتصرف، وينظر السول في شرح منهاج الأصول ٤/ ٥٥٦ - ٥٧٦، فقد أطال في تفصيل المسألة. (١) الأم ٤٠/٧ - ٤١، وروضة الطالبين ١٥٢/١١ - ١٥٣، ونهاية المحتاج ١٨ ٢٥٨، و ٢٥٩، وينظر كتاب أدب القضاء لابن أبي الدم ص ١١٥. (٢) ساقطة من (ب). (٣) ساقطة من (ب). (٤) المبسوط ٨٥/١٦، وتبيين الحقائق ١٨٩/٤ - ١٩١. ١٤١ الأول، وحكم بأنها زوجة الآخر، ثم بانا شاهدي زور، فتطيب له أن يطأها، ولا سبيل للأول عليها. فأجاز مثل هذا الخداع بين المسلمين، وقد قال رسول الله وَلات : [نهاية ١/١٩١] ((لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به))(١)، وقال/: ((ولا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل))(٢). وقال: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل)»(٣). وقال: ((من فعل في أمرنا ما لا يجوز فهو رد))(٤). وفي الصحيحين حديث أم سلمة - رضي الله عنها - أنّ رسول الله وَلقر قال: ((إنما(٥) أنا بشر مثلكم(٦)، وأنكم تختصمون إليّ، فلعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذ منه، فإنما أقطع له قطعة من النار))(٧). وفي الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ((كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه(٨) سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنهما - أن يقبض إليه ابن وليدة زمعة، فأقبل به إلى النبيّ صلاته، فأقبل معه عبد بن زمعة، فقال سعد: يا رسول الله، هذا ابن أخي عهد إلي أنّه ابنه، قال عبد: يا رسول الله: هذا أخي ابن زمعة، وولد على فراشه، فنظر النبيّ وَ ه إلى ابن وليدة زمعة، فإذا هو أشبه الناس (١) سبق تخريجه. (٢) سبق تخريجه بروايته. سبق تخريجه برواياته. (٣) (٤) رواه الدارقطني ٢٢٧/٤، رقم ٨٠، وهو عند الطيالسي كما سيأتي في الصفحة التالية . من الأخریین. (٥) (٦) ساقطة من الأخريين. (٧) سبق تخريجه. في الأصل: ((إليه)). (٨) ١٤٢ بعتبة بن أبي وقاص، فقال النبيّ وَلهو: ((هو لك يا عبد بن زمعة من أجل أنه ولد على فراش أبيه))، وقال النبيّ وَلَ﴾(١): ((احتجبي منه يا سودة بنت زمعة؛ لما رأى من شبهه بعتبة ابن أبي وقاص، وسودة بنت زمعة زوج النبيّ ◌َليتر))(٢): وفي الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ((قال رسول الله ﴿﴿ من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد))(٣). (وفي رواية أبي داود الطيالسي أنّ رسول الله وَّير قال: ((من فعل في أمرنا ما لا يجوز فهو رد)(٤))(٥). وروى الدارقطني عن أبي جعفر محمد بن سليمان النعماني حدثنا عبد الله بن عبد الصمد بن أبي خداش حدثنا عیسی بن يونس حدثنا عبيد الله ابن أبي حميد عن أبي المليح الهذلي قال: ((كتب عمر (٦) . رضي الله عنه (٧) - أما بعد: (١) من الأخريين. (٢) سبق تخريجه. (٣) البخاري ك/ الصلح، ب/ إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود ٢/ ٩٥٩، رقم ٢٥٤٩، ومسلم ك/ الأقضية ١٣٤٣/٣، رقم ١٧/١٧١٨. (٤) ساقطة من (ب). (٥) مسند الطيالسي ص ٢٠٢، رقم ١٤٢٢، وهو عند الدارقطني كما سبق في الصفحة السابقة. (٦) لقد كتب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في القضاء لنوابه عدة كتب، فمنها كتابه لمعاوية حين كان أميراً على الشام، ذكره القاضي وكيع في أخبار القضاة ١/ ٧٤ - ٧٥. وكتب إلى أبي عبيدة بن الجراح، رواه القاضي أبو يوسف في الخراج ص ١١٧. وكتب لشريح، وللمغيرة بن شعبة، وقد أشار إليهما الدكتور ناصر الطريفي في بحث بعنوان تحقيق رسالة عمر إلى أبي موسى الأشعري، ونشر في مجلة البحوث العلمية العدد السابع عشر ص ١٩٥ - ٢٠٠، وقد ذكر أن رسالة عمر هذه ترجمت بلغات مختلفة. (٧) ذكره ابن القيم في أعلام الموقعين ٨٥/١ - ٨٧. ١٤٣ فإن القضاء فريضة محكمة(١)، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي(٢) إليك(٣) (بحجة وأنفذ الحق إذا وضح) (٤)، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، وآس(*) بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك؛ حتى لا ييأس الضعيف من عدلك، ولا يطمع الشريف في حيفك(٦)، البينة على من ادّعى، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً، أو حرّم حلالاً، لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس (٧)، راجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك، أن تراجع الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم الفهم فيما يلجلج(٨) في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب أو السنّة، اعرف الأمثال والأشباه (٩)، ثم قس الأمور عند ذلك، فاعمد إلى أحبها (١٠) إلى الله وأشبهها (١) أي إنه فرض ثابت، وهو فرض كفاية لا بد منه لصلاح الأمة. (٢) أي رفع لك حجته، وألقاها إليك، غريب الحديث للخطابي ٢٤٤/٢. (٣) قال ابن القيم: (صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله تعالى التي أنعم بها على عبده، بل هما ساقا الإسلام، وقيامه عليهما وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم، ويصير من المنعم عليهم الذين حسنت أفهامهم وقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم الذين أمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة ... ))، ثم شرح الحديث شرحاً جميلاً وافياً، رحمه الله وجزاه الجزاء الأوفى، أعلام الموقعين ٨٧/١ - ١٨٤/٢. (٤) زيادة من الدار قطني. (٥) آس: اعدل، وسوّ بينهم في هذا كله، المغرب ص ٢٦. (٦) الحيف: الظلم، المغرب ص ١٣٥. (٧) زيادة من الدارقطني. (٨) في الدارقطني: ((يختلج))، وفي غيرها: تلجلج))، والمعني واحد، تلجلج: تردد، المغرب ص ٤٢٠. (٩) في أعلام الموقعين ٨٦/١: ((ثم الفهم الفهم فيما أدلى إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة)). (١٠) في الدارقطني: ((عند) بدل ((إلى))، وهما بمعنى. ١٤٤ بالحق فيما ترى، اجعل للمدعي(١) بيّنة (٢) أمداً ينتهي إليه، فإن أحضر بيّنته أخذت بحقه، وإلا وجهت القضاء عليه، فإن ذلك أجلى للعمى(٣)، وأبلغ في العذر، المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا (مجلوداً في حد، أو مجرباً في شهادة زور، أو ظنيناً(٤) في ولاء، أو قرابة)(٥)، إنّ الله تولى منكم السرائر ودرا عنكم - (يعني الحدود)(٢) - إلاّ بالبينات و (الأيمان)(٥)، وإياك والقلق (٧) والضجر، والتأذي بالناس، والتنكر للخصوم في مواطن الحقّ التي(٨) يوجب الله بها الأجر، ويحسن بها الذخر، فإنه من يصلح نيّته فيما بينه(٩) وبين الله ولو على نفسه يكفه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين للناس بما يعلم الله منه غير ذلك يشنه الله، فما ظنك بثواب عند (١٠) الله في عاجل رزقه (١١) وخزائن رحمته، والسلام عليك)). (١) في الدارقطني: ((لمن ادعى))، والمعنى واحد. (٢) زيادة من الدارقطني. (٣) عند وكيع: ((فإنه أثبت للحجة)). (٤) الظنين: المتهم، المغرب ص ٢٩٩. (٥) ما بعد المستثنى - ((مجلود .. مجرب .. ظنين)) مرفوع في رواية البيهقي وغيره، وهي عند وكيع بالنصب، وأثبتنا النصب لأنه أولى في اللغة، حيث صرح علماء العربية أن المستثنى بـ ((إلا)) بعد كلام موجب تام يجب نصبه، ولا يرفع إلا بتأويل قد يكون متكلفاً هنا. ينظر: الجمل للزجاجي ٢٣٠، وأوضح المسالك لابن هشام ١٩٤، والمساعد لابن عقيل ١/ ٥٥٥. (٦) ما بين المعقوفين تفسير من البيهقي، ليس في الدارقطني. (٧) في بعض الروايات: ((وإياك والغضب والقلق))، وفي بعضها: ((والغلق))، والمراد بالقلق شعور معروف. أما الغلق فقيل: الإكراه، وقيل: الغضب، تفسير غريب الحديث ص ١٧٩. (٨) في النسخ: ((الذي))، وفي البيهقي ما أثبت. (٩) من الأخريين، وهي في الدارقطني. (١٠) في الدارقطني ((غير))، وهو خطأ؛ لأن السياق ينفيه. (١١) في بعض الروايات: ((في عاجل دنيا وآجل آخرة)). ١٤٥ ورواه ابن عيينة عن إدريس الأودي عن سعيد بن أبي بردة وأخرج الكتاب(١)، فقال: ((هذا كتاب عمر - رضي الله عنه - بمعناه أو قريب))(٢) منه، والله أعلم. (١) رويت هذه الرسالة من عدة طرق، منها، الوجادة وهي: أن يجد حديثاً بخط شخص بإسناده، وعمل بها الشافعي وجمع من العلماء، وأنكرها آخرون، الباعث الحثيث ص ٦٨. فرواها ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام ٧/ ١٠٠٢، و ١٠٠٣، والدارقطني، والبيهقي وابن القيم، وطعن في إسنادها ابن حزم، ورد عليه أحمد شاكر، رحمه الله، وقد مال إلى تصحيح هذه الرسالة ابن القيم وابن حجر في التلخيص الحبير ١٩٦/٤، وأحمد شاكر في التعليق على المحلى لابن حزم ١/ ٧٩، وأوردها ابن الجوزي في تاريخ عمر بن الخطاب ص ١٥٥. وقال الدكتور الطريفي في تحقيقه للرسالة المنشورة في مجلة البحوث عدد ١٧ ص ٢٢٣: ((ليس هناك مجال للطعن في الرسالة، أو التشكيك في صحتها)) اهـ. باختصار. قلت: فهذه الرسالة ثابتة صحيحة عن عمر، رضي الله عنه، فهي سنة راشدة ينبغي قبولها والعمل بها، وقد دل كلام الله عز وجل وكلام رسوله وَّقر على ما فیھا . (٢) رواه أبو يوسف في الخراج ص ١١٧، وعبد الرزاق ١١/ ٣٢٨، رقم ٢٠٦٧٦ مختصراً، ووكيع في أخبار القضاة ١/ ٢٨٣، و٢٨٤، والدار قطني ٤ /٢٠٦، رقم ١٥ - ١٦، والحاكم في المستدرك ٣٣٣/٤، والبيهقي في السنن الكبرى ١٣٥/١٠. وينظر: أعلام الموقعين ٨٥/١، و٨٦، وكنز العمال ٨٠٧/٥، و١١٥٥٢، و ٢٣٠٧٥، و٢٩٥١٠، وفتاوى وأقضية عمر جمع محمد الهلاوي ص ١٢. ((وهذه رسالة عظيمة جليلة مباركة ينبغي لقضاة المسلمين حفظها والعمل بها، والدعوة إلى مقتضاها، شرحها العلامة ابن القيم في أعلام الموقعين. وهي تفيد أن عمر كان يتخذ القضاة في الأمصار كما فعل النبي (وَ ل98، بخلاف ما ذكره وكيع في أخبار القضاة ١٠٥/١ عن الزهري قال: (ما اتخذ رسول الله لو قاضياً، ولا أبو بكر، ولا عمر حتى قال عمر ليزيد بن أخت النمر اكفني بعض الأمور، يعني صغارها)). وفي طبقات ابن سعد: ((إن أول من استقضى القضاة في الأمصار عمر»، وليس بصحيح، بل النبي ◌َّو بعث معاذاً وعلياً إلى اليمن كما هو معلوم. وقد صنف العلماء في علم القضاء كتباً منها: تبصرة الحكام لإبراهيم بن فرحون المالكي، وفصول الأحكام للباجي، وشرح= ١٤٦ مسألة (٣٥٦): وشهادة الواحدة غير مقبولة(١). وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: (إنها مقبولة على الولادة))(٢). وفي صحيح مسلم عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن رسول الله/* أنّه قال: ((يا معشر النساء تصدقن، وأكثرن من [نهاية ١٩١/ب] الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين، أغلب لذي لب منكن؟ قالت: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين))(٣). وروى الشافعي - رحمه الله - عن مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء أنّه قال: ((لا تجوز شهادة النساء لا رجل معهن في أمر النساء أقل من أربع عدول)). استدلوا بما روي عن محمد بن عبد الملك عن أبي عبد الرحمن المدايني عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة - رضي الله عنه - ((أنّ النبيّ وَل﴿ أجاز شهادة القابلة))(٤)، قال علي بن ميارة الفاسي على تحفة الحكام لمحمد بن أحمد ميارة الفاسي، وروضة القضاة = وطريق النجاة لأبي القاسم علي بن محمد بن أحمد الرجبي السمناني، وظفر اللاظي فيما يجب في القضاء على القاضي، وغيرها، وكلها تدور في فلك شرح رسالة عمر هذه، ومع هذا لم أعثر فيها على نص الرسالة وشرحها كاملاً. (١) مختصر المزني ص ٣٠٤، والمهذب ٢٣٥/٢، والوجيز ٢٥٢/٢. (٢) المبسوط ١٤٢/١٦، والهداية مع البناية ١٣٠/٧، والقدوري ص ١٠٧. (٣) سبق تخريجه. (٤) مسند الشافعي ١٨٣/٢، والأم ٧٨/٧، والدارقطني ٢٣٢/٤، والسنن الكبرى للبيهقي ١٥١/١٠، وينظر نصب الراية ٤/ ٨٠. ١٤٧ عمر: ((أبو عبد الرحمن المدايني رجل مجهول))(١). وروى جابر الجعفي عن عبد الله بن يحيى عن علي - رضي الله عنه - قال: ((شهادة القابلة جائزة على الاستهلال))، كذا رواه أبان بن ثعلب عن جابر))(٢). ورواه الثوري عن جابر بن عبد الله بن يحيى: ((أنّ علياً - رضي الله عنه - أجاز شهادة القابلة وحدها في الاستهلال))(٣)، وجابر الجعفي متروك الحديث - قد سبق ذكري له - والله أعلم. مسألة (٣٥٧): وشهادة المحدود في القذف مقبولة إذا تاب (٤). وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: ((لا تقبل))(٥). قال الله تعالى(٦): ﴿وَلَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَزْبَعَةِ شُهَدَّةَ فَأَجْلِدُوهُمْ ثَنِينَ جَدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ لَمْ شَهِدَةً أَبَدًّا وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا ۵ الَّيْنَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١) الدارقطني ٢٣٢/٤. (٢) رواه ابن حزم في المحلى ١٥١، البيهقي في السنن الكبرى ١٥١/١٠، وذكره في المغني ٩/ ١٥٧٦. (٣) المراجع السابقة، ومعرفة السنن والآثار ٢٦١/١٤، رقم ١٩٨٦٠. (٤) الأم ٨٩/٧، والمهذب ٣٣١/٢، والمنهاج ص ١٥٣. (٥) مختصر الطحاوي ص ٣٣٢، والمبسوط ١٢٥/١٦، ومختصر القدوري ص ١٠٧. (٦) احتج الأحناف بأول الآية، وقالوا: فالله تعالى قد رد شهادته بلفظ التأبيد؛ لأنه الاستثناء يرجع إلى أقرب مذكور، وهو الفسق، أحكام القرآن للجصاص ٣/ ٢٧٣. (٧) سورة النور: الآيتان ٤ و ٥. ويذهب الشافعية إلى أن الاستثناء إلى جميع الجمل السابقة قبله كلها، ينظر تفسير القرطبي ١٨٠/١٢ - ١٨١، والكشاف ٦٢/٣، وغرائب القرآن ٦١/١٨. ١٤٨ وروي عن النبيّ ◌َله: ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له))(١). وقال عمر - رضي الله عنه - لأبي بكرة: ((تب تقبل شهادتك))(٢). وروى الشافعي - رحمه الله - عن ابن عيينة قال: ((سمعت الزهري يقول: زعم أهل العراق أنّ شهادة القاذف لا تجوز، فأشهد لأخبرني سعيد بن المسيب أنّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال لأبي بكرة: تب تقبل شهادتك، أو إن تبت قبلت شهادتك))(٣). قال الشافعي - رحمه الله -: ((وأخبرني من أثق به من أهل المدينة عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما جلد الثلاثة استتابهم، فرجع اثنان، فقبل شهادتهما، وأبى أبو بكرة أن يرجع فرد شهادته))(٤). وروي عن آدم بن فائد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ((قال النبيّ ◌َ﴾: لا تجوز شهادة خائن، ولا خائنة، ولا محدود في الإسلام، ولا محدودة، ولا ذي غمر(٥) على أخيه))(٦)، رواه (١) ابن ماجه ١٤١٩/٢، و١٤٢٠، رقم ٤٢٥٠، وأشار المحقق إلى أنه حسن، وأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، والسنن الكبرى للبيهقي ١٥٤/١٠، وينظر مجمع الزوائد ١٠/ ٢٠٠. (٢) رواه الشافعي في الأم ٨٩/٧، وابن أبي شيبة ١٦٩/٦، وعلقه البخاري في صحيحه ٩٣٦/٢، ينظر فتح الباري ٢٥٥/٥، ورواه البيهقي في السنن الكبرى ١٥٢/١٠، ومعرفة السنن والآثار ٢٦٤/١٤. (٣) ينظر المراجع السابقة. (٤) الأم ٨٩/٧، والسنن الكبرى للبيهقي ١٥٢/١٠، و٢٥٣. (٥) قال ابن حجر: ((الغمر: وهو الحقد، ويقال: غامر في الخصومة))، تفسير غريب الحديث ص ١٧٩. (٦) رواه الدارقطني ٢٤٤/٤، رقم ١٤٤، والبيهقي في السنن الكبرى ١٤٤، وهو عند ابن ماجه ٧٩٢/٢، رقم ٢٣٦٦، وابن أبي شيبة ١٧٢/٦ من طريق أخرى، ولفظه عند ابن أبي شيبة بخلافهم، وفي أسانيدهم حجاج بن أرطأة، = ١٤٩ المثنى بن الصباح عن عمرو، وقال فيه: ((ولا موقوف على حد))، ورواه سليمان بن موسى عن عمرو ولم يذكر المحدودة في مثل(١) هذا الحديث، وهو ثقة من جملة من روى هذا الحديث عن عمرو فلا يلزمنا قبول خلاف من خالفه. ورواه يزيد القرشي عن الزهري عن عروة عن عائشة - رضي الله عنها ترفعه(٢). ورواه عبد الأعلى بن محمد عن يحيى بن سعيد عن الزهري عن ابن المسيب عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبيّ وَّر، ويزيد ضعيف لا يحتج به، ويحيى بن سعيد هذا هو الفارسي متروك، وعبد الأعلى ضعيف، قال ذلك الدارقطني (٣) رحمه الله، والله أعلم. مسألة (٣٥٨): وشهادة الكافر عندنا مردودة في جميع الأحوال(٤). وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: ((شهادة أهل الذمة فيما بينهم مقبولة))(٥). = وهو مدلس كما سبق بيانه من المصنف، قال الزركشي في شرحه لمختصر الخرقي ٣٥٥/٧: ((وقال ابن عبد البر: لم يرفعه من روايته حجة))، وللإمام أحمد نحوه عنه في مسنده ١٧١/١٠، رقم ٦٦٩٨، وقال أحمد شاكر: ((إسناده صحيح))، ورواه أبو داود في سننه كما سيأتي بلفظه ص ١٢٢٣ من هذه الرسالة . (١) من الأخريين. (٢) أحمد (تحقيق شاكر) ١٧١/١٠، رقم ٦٦٩٨، والدارقطنى ٢٤٣/٤ - ٢٤٥، رقم ١٤٣ - ١٤٧، وغريب الحديث لأبي عبيد ١٥٣/٢. (٣) رواه الترمذي ٥٤٥/٤، رقم ٢٢٩٨، وقال: ((هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد ابن زياد الدمشقي، ويزيد يضعف في الحديث، ولا يعرف هذا الحديث من حديث الزهري إلا من حديثه، وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، قال: ولا نعرف معنى هذا الحديث، ولا يصح عندي من قبل إسناده))، ورواه الدارقطني ٢٤٤/٤، رقم ١٤٥، والبيهقي في معرفة السنن والآثار ٢٦٦/١٤. (٤) الأم ٢٣٣/٦، والمهذب ٣٢٥/٢، والوجيز ٣٤٩/٢، والحاوي الكبير ١٧/ ٦١. (٥) المبسوط ١٦/ ١٤٠، والهداية مع البناية ٧/ ١٨٢، ومختصر القدوري ص ١٠٧ .= ١٥٠ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى أَلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾(١). وقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُواْ إِلَّا لِمَنْ تَيِعَ دِينَكُمْ﴾(٢). وقال تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾(٣). وقال: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَ نَِّذُواْ / اَلْهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوِْيَّةٌ﴾ (٤). [نهاية ١٩٢/أ] وقال تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن جَءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ فَتَبَيَُّواْ أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَلَةٍ﴾(٥)، واسم الفاسق يتناول الكافر وغيره بدلالة قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقَاً (لَّا يَسْتَوُنَ)(٦)﴾(٧)، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُواْ فَأْوَنَّهُمُ النَّرُ﴾(٨) الآية. وروى الدوري عن شاذان قال: ((كنت عند سفيان الثوري فسمعت شيخاً يحدث عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله وَ له: ((لا واستدل الأحناف على هذه المسألة بما يلي: ١ - عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - ((أنّ رسول الله صل﴿ أجاز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض)). رواه ابن ماجه ٧٩٤/٢، رقم ٢٣٧٤، قال في الزوائد: ((في إسناده مجالد بن سعيد وهو ضعيف)). ٢ - قال الزمخشري في رؤوس المسائل ص ٥٣٠: ((دليلنا في المسألة هو أنّ الكافر من أهل الولاية فوجب أن يكون من أهل الشهادة كالمسلم)». (١) سورة هود: من الآية ١١٣. (٢) سورة آل عمران: من الآية ٧٣. (٣) سورة البقرة: من الآية ٢٨٢. (٤) سورة المائدة: من الآية ٥١، وينظر في تفسيرها أضواء البيان ٦٢٦/٧ - ٦٢٨. (٥) سورة الحجرات: من الآية ٦. (٦) من الأخريين. (٧) سورة السجدة: الآية ١٨. (٨) سورة السجدة: من الآية ٢٠. ١٥١ يتوارث أهل ملتين شتى، ولا تجوز شهادة ملة على ملة إلا ملة محمد ◌َ﴿، فإنها تجوز على غيرهم))(١). قال أبو عبد الرحمن شاذان: ((فسألت عن هذا الشيخ بعض أصحابنا فزعم أنّه عمر بن راشد الحنفي، تابعه الحسن بن موسى عن عمر بن راشد، ورواه علي بن الجعدي عن عمر بن راشد إلا أنه قال: ((وحدثه عن أبي هريرة أحسبه (٢)(٣). وفي صحيح البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: (خرج رجل من بني جهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدموا بتركته فقدوا جاماً من فضة مخوصاً من ذهب)(٤) فأحلفهما رسول الله وَ لفاز، ثم وجد الجام بمكة، (فقالا: اشتريناه من تميم وعدي)(٥)، فقام رجلان من أولياء السهمي، فحلفا لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأنّ الجام(٦) لصاحبهم، (١) رواه أبو داود ١٢٥/٣، رقم ٢٩١١، والترمذي ٤٢٤/٤، رقم ٢١٠٨، وابن ماجه ٩١٢/٢، رقم ٢٧٣١، ورواه عبد الرزاق ٣٥٦/٨، رقم ١٥٥٢٥ بنصه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أحمد ١٩٥/٢، والدرقطني ٧٤/٤، و ٧٥، فكلهم رووه مختصراً ((لا يتوارث أهل ملتين))، والترمذي أخرجه من حديث جابر بن عبد الله، رضي الله عنه، وقال الترمذي: ((هذا حديث لا نعرفه من حديث جابر إلا من حديث ابن أبي ليلى)) وينظر تحفة الأشراف ٣١٩/٦، والبيهقي في الكبرى ١٦٣/١٠. (٢) من (أ). (٣) لم أجده في كتاب مسند ابن الجعدي وينظر منه ٢ / ٧٦٠، رقم ١٩٦٠، وص ٢٨١، رقم ١٨٨٤، ورواه البيهقي في السنن الكبرى ١٦٣/١٠، وقال في معرفة السنن والآثار ٢٨٣/١٤: ((فلم نر أن نحتج به؛ لضعف حال عمر بن راشد عند أهل النقل)). (٤) في النسخ: ((جام فضة مخوص بذهب))، والتصويب من البخاري. (٥) هذا ليس في نسخة البخاري التي بين يدي، وفي موضعه في البخاري بهذا النص: ((فقالوا ابتعناه من تميم وعدي ... )) والمعنى واحد. (٦) الجام: طبق أبيض من فضة قد يطلى بالذهب، المغرب ص ٩٦. ١٥٢ قال: وفيهم نزلت هذه الآية ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهْدَةٌ بَيْنِكُمْ﴾(١))(٢). وروي عن(٣) الشعبي قال: ((توفي رجل من خثعم فلم يشهد موته(٤) إلاّ رجلان نصرانيان، فأشهدهما على وصيته، فلما قدما الكوفة حلفهما أبو موسى الأشعري في مسجد الكوفة بعد العصر بالله ما خانا، ولا كتما، ولا بدلا، وأن هذه وصيته، فأجاز شهادتهما))(٥)، والله أعلم. مسألة (٣٥٩)(*): (١) سورة المائدة: الآية ١٠٦ - ١٠٨، وينظر تفسيرها في المحرر الوجيز ٧٧/٥، و٧٨. (٢) البخاري ك/ الوصايا، ب/ قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ... ﴾ ١٠٢٢/٣، و ١٠٢٣، رقم ٢٦٢٨. (٣) من الأخريين. (٤) من الأخريين. (٥) أبو داود ٣٠٧/٣، رقم ٣٦٠٥، وعبد الرزاق ٣٦٠/٨، رقم ١٥٥٣٩، وابن أبي شيبة ٧/ ٩١، رقم ١٥٧٥، وعبد الله بن أحمد ص ٤٣٦، ورواه ابن حزم في المحلى ٤٩٦/٩، والبيهقي في السنن الكبرى ١٦٥/١٠، واللفظ له، وأشار إليه في المعرفة ٢٨٢/١٤، وذكره ابن عطية في تفسيره ٨٠/٥، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ برقم ٢٩٠. (*) القضاء بالشاهد واليمين: تحرير محل النزاع: اتفق الأئمة على أنّه لا يصح الحكم بالشاهد واليمين فيما عدا الأموال(١)، واختلفوا في الأموال على قولين: القول الأول: أنه يصح الحكم بالشاهد واليمين في الأموال خاصة، وبه قال مالك(٢) والشافعي(٣) وأحمد(٤)، وبه قال الفقهاء السبعة، وقد روي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، رضي الله عنهم، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، = (١) المغني ١٢٨/١٤، و١٣٠، ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة ص ٣٣٨، وينظر: الموسوعة الفقهية ٢٣٦/١ وما بعدها. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤/ ١٤٧. (٢) (٣) نهاية المحتاج ٨/ ٣٣٠. المحرر ٣١٣/٤، والنكت والفوائد السنية ٣١٣/٤. (٤) ١٥٣ . = وشريح، وإياس، وعبد الله بن عتبة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، ويحيى بن يعمر، وربيعة بن أبي ليلى، وأبي زناد(١). القول الثاني: لا يجوز القضاء بشاهد ويمين، وهو قول أبي حنيفة، وروي عن الشعبي والنخعي والأوزاعي(٢). الأدلة : أولاً: استدل أصحاب القول الأول بالأحاديث التي ذكرها المصنف. ثانياً: واستدل أصحاب القول الثاني بما ذكره المصنف وبما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾ قالوا فمن زاد على الآية فقد زاد في النص، والزيادة في النص نسخ(٣). ٢ - قوله وَيقول: ((البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه))، رواه البيهقي. ٣ - قوله ◌َّه: ((ولكن اليمين على المدعى عليه)) رواه مسلم، فقد حصر اليمين في جانب المدعى عليه كما حصر البيئة في جانب المدعي. المناقشة : أجاب ابن القيم في الطرق الحكمية ص ٧١: ((بأن الله أمرهم في الآية بحفظ حقوقهم بهذا، ولا يدل على منع القضاء بشاهد ويمين الثابت في السنة، وليس كل ما يحكم به الحاكم موجود في القرآن صريحاً كالقرعة والقافة، وإنما هو ثابت بالسنة)) وقال ابن قدامة: ((قولهم: الزيادة في النص نسخ غير صحيح؛ لأن النسخ الرفع والإزالة، والزيادة في الشيء تقدير له لا رفع، ولأن الآية واردة في التحمل دون الأداء(٥) . قلت: قد قرر جمع من الأصوليين أنّ الزيادة من السنة على القرآن بيان وتفصيل وليست نسخاً، ثم إنّ الجمع ممكن بين هذه الآية والأحاديث الواردة في القضاء بشاهد ويمين(٦) فلا بد من المصير إليه وأجاب ابن تيمية عن الحديث في مسلم = (١) مختصر الطحاوي ص ٣٣٣، والمغني مع الشرح الكبير ١٠/١٢ - ١٣، والمغني المحقق ١٤/ ١٣٠. (٢) نهاية السول ٢ / ٦٠٠، و٦٠١. المغني ١٣٠/١٤، وتبصرة الحكام ٢٦٨/١. (٣) (٤) المغني ١٤/ ١٣١. شرح الكوكب المنير ٥٢٥/٣ - ٥٣٠، والطرق الحكمية ص ٦٧ - ٧٧. (٥) (٦) رواه الشافعي في الأم ٩٣/٧، والبيهقي في السنن الكبرى ١٢٣/٨. ١٥٤ ويجوز القضاء بشاهد ويمين في الأموال وما يجري مجراها(١). الذي رواه ابن عباس - رضي الله عنهما - بقوله: ((فهذا الحديث نص أنّ أحداً = لا يعطى بمجرد دعواه، ونص في أن الدعوى المتضمنة للإعطاء تجب فيها اليمين ابتداء على المدعى عليه، وليس منه أنّ الدعاوى الموجبة للعقوبات لا توجب إلا اليمين على المدعى عليه، وليس منه أنّ الدعاوى الموجبة للعقوبات لا توجب إلا اليمين على المدعى عليه، بل ثبت عنه أنّه قال للأنصار: أتحلفون خمسين يميناً وتستحقون قاتلكم، وابن عباس الذي يروي عن النبيّ وَل قر أنه قضى باليمين مع الشاهد، وأنّ هذا قضى به في الدعاوي، وقضى بهذا في دعاوي. وأما الحديث المشهور ((البينة على من ادعى واليمين على من أنكر))، فهذا قد روي لكن ليس إسناده في الصحة والشهرة مثل غيره، ولا رواه عامة أهل السنّة المشهورة، ولا قال بعمومه أحد من علماء الملة إلا طائفة من فقهاء الكوفة مثل أبي حنيفة وغيره))(١). قلت: وإن صح كان الجواب عنه كالجواب عن الذي قبله، قال ابن القيم: ((بل القول ما قاله أئمة الحديث إنّ الحكم بالشاهد واليمين حكم بكتاب الله، فإنه حق، والله سبحانه أمر بالحكم بالحق))(٢). ونبّه ابن القيم إلى المدعى عليه إذا نكل عن اليمين فنكوله بمنزلة شاهد آخر، وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبيّ وَلغير قال: ((إذا ادّعت المرأة طلاق زوجها فجاءت على ذلك بشاهد واحد عدل استحلف زوجها، فإن حلف بطلت شهادة الشاهد، وإن نكل فنكوله بمنزلة شاهد آخر وجاز طلاقه))(٣). وبه أفتى الشيخ محمد بن إبراهيم، رحمه الله(٤). فالراجح القضاء بشاهد ويمين، وإنما يجري الحكم بشاهد ويمين في المال وما يؤول إليه(٥)، والله أعلم. (١) الأم ٢٥٦/٦، والمهذب ٣٣٥/٢، والمنهاج ص ١٥٤. لعله يريد بـ ((وما يجري مجراها)): ما يقصد به المال كالبيع والوقف والجناية الموجبة للمال ونحو ذلك، ينظر المغني ١٤/ ١٢٩. = مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣٩٠/٣٥، و٣٩١. (١) (٢) الطرق الحكمية ص ٧١. (٣) المرجع السابق ص ١٣٩. مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم ٤٢١/١٢، والنكت والفوائد ٣١٣/٤. (٤) (٥) الفروق ١٤٣/٤، ونهاية المحتاج ٣٣٠/٨، وحاشية ابن عابدين ٤٢٣/٤. ١٥٥ وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: ((لا يجوز))(١). دليلنا ما في صحيح مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير عن زيد بن الحباب عن سيف بن سليمان عن قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ((إنّ رسول الله (َّل﴿ قضى بشاهد ويمين))(٢). قال الحاكم أبو عبد الله - رحمه الله تعالى -: ((وقد تعرض لهذا الحديث بعض المخالفين ممن ليس من صناعته معرفة الصحيح من السقيم، واحتج فيه بما روي عن يحيى بن معين سمعت أبا العباس يقول: سمعت(٣) العباس الدوري يقول قال يحيى بن معين: حديث ابن عباس - رضي الله عنه - أنّ رسول الله بَّر ((قضى بشاهد ويمين)) ليس بمحفوظ)» (٤). قال أبو عبد الله - رحمه الله تعالى -: فنقول ـ وبالله التوفيق -: إنّ شيخنا أبا زكريا - رضي الله عنه - لم يطلق هذا القول على حديث سيف بن سليمان عن قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن ابن عباس، وإنما أراد الحديث الخطأ الذي روي عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس، أو الحديث الذي تفرّد به إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، (١) مختصر الطحاوي ص ٣٣٣، والمبسوط ٣٠/١٧، وبدائع الصنائع ٢٢٥/٦. (٢) مسلم ك/ الأقضية، ب/ القضاء باليمين والشاهد ١٣٣٧/٣، رقم ٣/١٧١٢، وذكره ابن الجارود ببعض رجال سند مسلم في المنتقى ص ٢٥٢، رقم ١٠٠٦. (٣) ساقطة من الأخريين. (٤) حديث ابن عباس هذا روي بأسانيد صحيحة بنفس النص، فهو في مسلم ك/ الأقضية، ب/ القضاء باليمين مع الشاهد ٣٠٨/٣، رقم ٣٦٠٨، وأبي داود ٣/ ٣٠٨، رقم ٣٦٠٨، و٣٦٠٩، والنسائي في السنن الكبرى ٤٩٠/٣، رقم ٦٠١١، وقال: ((هذا إسناد جيد)»، ابن ماجه ٧٩٣/٢، رقم ٢٣٧٠، وفي الأم ٢٥٤/٦، ورواه البيهقي في السنن الكبرى ١٦٧/١٠، وينظر: مسند الشافعي ١٧٩/٢، و١٨٠، وتحفة الأشراف ١٨٧/٥. ١٥٦ فأما حديث سيف بن سليمان فليس في إسناده من يجرح، ولم نعلم له أيضاً علة نعلل به الحديث، والإمام أبو زكريا - رحمه الله تعالى - أعرف بهذا الشأن من أن يظن به أن يوهن حديثاً يرويه (١) الثقات الأثبات))(٢). وعلل الطحاوي هذا الحديث بأنّه (لا يعلم قيساً يحدث عن عمرو بن دينار بشيء)(٣)، وليس ما لا يعلمه الطحاوي لا يعلمه غيره. وقد أخبرنا الحسن بن أبي عبد الله الفارسي أخبرنا أبو أحمد محمد بن أبي حامد العدل أخبرنا أبو عبد الله محمد بن مخلد الدوري حدثنا يحيى بن مسلم بن عبد الله الرازي حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال: ((سمعت قيس ابن سعد يحدث عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنّ رجلاً وقصته (٤) ناقته وهو محرم فقال رسول الله رَله: اغسلوه بماء وسدر، ولا تخمروا رأسه؛ فإن الله يبعثه يوم القيامة وهو يلبي))(٥). ولا يبعد أن يكون له عن عمرو غير هذا، وليس من/ شرط قبول الأخبار كثرة رواية الراوي [نهاية ١٩٢/ب] عمن روى عنه، وإذا روى الثقة(٦) عمن لا ينكر سماعه منه حديثاً واحداً ... وجب قبوله، وإن لم يرو عنه غيره، وبالله التوفيق(٧) . (١) في (ب): ((برواية)). (٢) ذكره ابن القيم في الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص ١٨٦. وأبو زكريا وهو يحيى بن معين. (٣) شرح معاني الآثار ١٤٥/٤، يوجد تكرار في (ب). (٤) وقصته ناقته أي كسرت عنقه، والوقص كسر العنق، ينظر تفسير غريب الحديث ص ٢٦٠. (٥) البخاري ك/ الإحصار وجزاء الصيد، ب/ المحرم يموت بعرفه ولم يأمر النبي صل ... ٦٥٦/٢، ومسلم ك/ الحج، ب/ ما يفعل بالمحرم إذا مات ٢/ ٨٦٥، رقم ١٢٠٦. (٦) ساقطة من (أ). (٧) قال ابن التركماني في الجوهر النقي ١٦٨/١٠: ((لم يصرح أحد من أهل هذا= ١٥٧ وقد روى هذا الحديث محمد بن مسلم الطايفي عن عمرو بن دينار عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنّ النبيّ بَّ قضى باليمين مع الشاهد(١). ورواه كذلك عنه أبو حذيفة، ورواه أبو داود في كتاب السنن من حديث عبد الرزاق عن محمد بن مسلم بإسناده ومعناه(٢)، وخالفهما خالد بن يزيد العمري (عن محمد بن مسلم، فرواه عنه عن عمرو عن طاوس عن ابن عباس)(٣)، وتابعه على ذلك عبد الله بن محمد بن ربيعة العدامي، وعصام بن يوسف البلخي، وخالد والعدامي وعصام ليسوا بأقوياء. وعبد الرزاق ثقة حجة، وتابعه (محمد بن مسلم فرواه عنه عن عمرو عن طاوس عن ابن عباس وتابعه)(٤) أبو خليفة فروياه كما ذکرنا(٥)، فلا یعلله رواية من لا یبالي به، وروي بإسناد واهٍ عن عمرو عن جابر بن زيد عن ابن عباس، رضي الله عنه، فسمعت الحاكم أبا عبد الله - رحمه الله - يقول: ((إنّ هذا الخلاف لا يعلل هذا الحديث من أوجه منها: - إنّ عمرو بن دينار قد سمع من ابن عباس، فلا ينكر أن يسمع حديثاً منه ومن أصحابه. الشأن فيما علمنا بأنّ قيساً سمع من عمرو، ولا يلزم من قول جرير: ((سمعت قيساً يحدث عن عمرو أن يكون قيس سمع من عمرو)). (١) رواه الدارقطني ٢١٤/٤، رقم ٣٨، وقال في التعليق المغني: ((في إسناده عبد الله بن محمد ابن ربيعة بن قدامة القدامي أحد الضعفاء، قال الدارقطني: متروك)). (٢) سنن أبي داود ٣٠٨/٣، رقم ٣٦٠٩. (٣) ساقطة من الأخريين. (٤) ساقطة من الأصل. (٥) معرفة السنن والآثار للبيهقي ٢٨٨/١٤، والسنن الكبرى للبيهقي ١٦٨/١٠. ١٥٨ - وأيضاً فإن سيف بن سليمان ثقة مأمون، وقد حكم مسلم بن الحجاج - رحمه الله - لروايته بالصحة(١)، فلا يقابل بمثل العمري والعذرمي والبلخي والحكم لروايته بالصحة، والله أعلم)). روى الشافعي عن عبد العزيز بن محمد عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ((أن رسول الله وَ لقر قضى باليمين مع الشاهد))، قال عبد العزيز: ((فذكرت ذلك لسهيل قال: ((أخبرني ربيعة - وهو عندي ثقة - أني حدثته إياه، ولا أحفظه))، قال عبد العزيز(٢): ((وقد أصاب سهيلاً علة أذهبت بعض عقله ونسي بعض حديثه، وكان سهيل يحدث عن ربيعة عنه عن أبيه))(٣). وروى أبو داود عن محمد بن داود الإسكندراني: حدثنا زياد بن يونس حدثني سليمان بن بلال عن ربيعة بهذا الحديث، قال سليمان: («فلقيت سهيلاً فسألته عن هذا الحديث، فقال: ما أعرفه، فقلت له: (١) السنن الكبرى للنسائي ٤٩٠/٣، و٤٩١. قال ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود ٢٢٦/٥ مؤيداً للحاكم: ((وهذا تعليل باطل لا يعترض بمثله على السنن الصحيحة، وقد رواه الناس عن عمرو بن دينار عن ابن عباس عن النبيّ وَ ل9، وصححه مسلم، وقال النسائي: إسناده جيد، وساقه من طرق عن عمرو بن دينار عن ابن عباس)). (٢) عبد العزيز هو ابن محمد الدراوردي. (٣) مسند الشافعي ١٧٩/٢، والأم ٢٧٤/٦، وأبو داود ٣٠٩/٣، رقم ٣٦١٠، والترمذي ٦١٨/٣، رقم ١٣٤٣، وقال: ((حسن غريب))، وابن ماجه ٧٩٣/٢، رقم ٢٣٦٨، والسنن الكبرى للبيهقي ١٦٨/١٠. وقد أجاب ابن القيم في تهذيب السنن ٢٢٦/٥: ((إنّ هذا لو ثبت لكان تعليلاً لبعض طرق الحديث، ولا يلزم منه تعليل أصله، وأن نسيان الراوي ليس حجة على من حفظ؛ فإن سهيلاً صدق ربيعة، وربيعة من أوثق الناس، وقد أخبر أنه سمعه من سهيل، فلا وجه لرد حديثه، ولو أنكره فكيف؟ ولم ينكره، وإنما نسبه للعلة التي أصابته، وقد سمعه منه ربيعة قبل أن تصيبه تلك العلة)) اهـ. مختصراً. ١٥٩ إنّ ربيعة أخبرني به عنك، قال: فإن كان ربيعة أخبرك عني فحدث به عن(١) ربيعة عني))(٢). قال الحاكم أبو عبد الله - رحمه الله -: ((هذا الحديث عندنا محفوظ من حديث سهيل بن أبي صالح؛ إذ حفظ عنه إمام حافظ متقن مثل ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وقد يحدث المحدث الثبت بالحديث ثم ينساه، وقد روينا أيضاً عن محمد بن عبد الرحمن العامري، ومحمد بن زيد المكي عن سهيل بن أبي صالح مثل رواية ربيعة عنه)). وروي عن محمد بن المبارك عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة - رضي الله عنه - («أنّ رسول الله (قر قضى باليمين مع الشاهد)). وعن عبد الله بن نافع عن المغيرة بإسناده ومتنه(٣). قال الحاكم أبو عبد الله: ((فحدثني محمد بن يعقوب أخبرنا أبو الجهم حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: ((سمعت يحيى بن معين يقول: محمد بن مبارك رجل أهل الشام بعد أبي مسهر لقد حفظ الإسناد)». (١) من الأخريين. (٢) أبو داود ٣٠٩/٣، رقم ٣٦١١، وقد ذكر البيهقي كل هذا الكلام وما بعده عن حديث ((قضى بشاهد ويمين)) في السنن الكبرى ١٦٧/١٠ - ١٧٤، وعلق عليها جميعاً ابن التركماني في الجوهر النقي، وذكره الطحاوي في شرح معاني الآثار ٤ / ١٤٤. (٣) السنن الكبرى للنسائي ٤٩١/٣، رقم ٦٠١٤، ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٤٤/٤، وابن الجارود في المنتقى ص ٢٥٢، وابن عدي في الكامل ٢٣٥٥/٦، وأبو نعيم في الحلية ٩/ ١٥٧، وابن عبد البر في التمهيد ١٤٣/٢، والبيهقي في السنن الكبرى ١٦٩/١٠، وتعقبه ابن التركماني في الجوهر النقي، فقال: ((فيه مع نسيان سهيل أنه قد اختلف علیه)). ١٦٠