النص المفهرس

صفحات 161-180

الأسود، فقالا فيه: ((قال الأسود»، وذلك في صحيح البخاري، وقال
البخاري: ((قول الأسود منقطع، وقول ابن عباس: ((رأيته عبداً))
(١)
أصح))(١).
قال البيهقي رحمه الله تعالى: ((وقد روي عن أبي حذيفة عن
الثوري عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها أن زوج
بريرة كان عبداً حين أعتقت(٢))(٣). ((ورواه ابن أبي بكير عن أبي جعفر
عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها
نحوه»(٤) .
فقد تقابلت الرواية عن الثوري، والأعمش بحديث الأسود، وقد
بقيت لنا رواية القاسم، وعروة عن عائشة رضي الله عنها مع قربهما
منها، وأنهما من أهل الحجاز.
وروي عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها أنه
كان لها غلام، وجارية زوج، فقالت عائشة رضي الله عنها: ((يا
رسول الله إني أريد أن أعتقهما، قال رسول الله وَله: إن أعتقتهما
فابدئي بالرجل قبل المرأة))(٥)، يشبه أن يكون إنما أراد بالبداءة
(١) البخاري ك/ الطلاق، ب/ خيار الأمة تحت العبد ٢٠٢٣/٥، ومعرفة السنن
والآثار ١٠/ ١٩٧ - ١٩٨.
(٢) في الأصل: ((أعتق)).
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢٢٤/٧.
(٤) المرجع السابق ٢٢٤/٧، وقال البيهقي: ((وليس ذلك بشيء من هذين الوجهين،
فرواية الجماعة عن الثوري، والأعمش بخلاف ذلك، والاعتماد على ما سبق
ذكره، وبالله التوفيق))، وقال ابن التركماني: وإذا اختلفت الرواية في زوجها
وجب حملها على وجه لا تضاد فيه، والحرية تعقب الرق، ولا ينعكس، فثبت
أنه كان حراً عند ما خيرت، عبداً قبله، ومن أخبر بعبوديته لم يعلم بحريته قبل
ذلك)) في الجوهر النقي ٧/ ٢٢٤.
(٥) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢٢٢/٧، وفي معرفة السنن والآثار ١٠/
١٩٨، وقال ابن التركماني: ((في سنده عبيد الله بن عبد المجيد بن عبيد الله بن =
١٦١

بالرجل؛ لئلا يكون لها الخيار إذا عتقت، والله أعلم.
وروي عن سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والحسن،
وعكرمة عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قالوا: ((لا خيار لها على
الحر)).
وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((لا تخير إذا أعتقت
إلا أن يكون زوجها عبداً)(١)، والله أعلم.
عبد الرحمن بن موهب تكلموا فيهما، قال ابن معين في الأول: ليس بشيء،
وضعف الثاني، ثم ذكر توجيه ابن حزم للحديث لو صح وأن الرسول وَل ﴿ لا
يتحيل في إسقاط حق أوصاه ربه للمعتقة)) قلت: ولم لا نقول: إنه وَلقد حرص
على لم الشمل، وعدم التفريق بين زوحين مسلمين، ينظر الجوهر النقي ٧/
٢٢٢.
(١) السنن الكبرى للبيهقي ٢٢٢/٧، ومعرفة السنن والآثار ١٩٨/١٠.
١٦٢

كتاب الصداق
ومن كتاب الصداق:
مسألة (٢٠٨):
أقل المهر لا يتقدر بالعشرة (١). وقال أبو حنيفة رحمه الله: ((إنه
مقدر بالعشرة))(٢).
لنا حديث أنس رضي الله عنه في الصحيحين أن عبد الرحمن بن
عوف رضي الله عنه جاء إلى النبي وَ لّ وبه أثر صفرة، فسأله
رسول الله ور، فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال
رسول الله وَله: ((كم سقت إليها؟))، قال: ((زنة نواة من ذهب))، فقال
له رسول الله وَلي: ((أولم ولو بشاة))(٣).
قال أبو عبيد: ((قوله نواة يعني خمسة دراهم تسمى نواة ذهب،
كما تسمى الأربعون أوقية، وكما تسمى العشرون نشّاً (٤)))، قال أبو
عبيد: ((حدثنيه يحيى بن سعيد عن سفيان عن منصور عن مجاهد قال:
((الأوقية أربعون، والنش عشرون، والنواة خمسة))(٥) .
(١) مختصر المزني ص ١٧٨ - ١٧٩، ونهاية المحتاج ص ٣٣٥.
(٢) الجامع الكبير ص ٩١، وتحفة الفقهاء ٢/ ٢٠٠ - ٢٠١.
(٣) البخاري ك/ النكاح، ب/ الوليمة ولو بشاة ١٩٨٣/٥، رقم ٤٨٧٢، ومسلم ك/
النكاح، ب/ الصداق وجواز كونه وهباً ٢/ ١٠٤٢، رقم ١٤٢٧.
(٤) غريب الحديث ١٨٩/٢ - ١٩٠.
(٥) المصدر السابق، والسنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٢٣٧، ومعرفة السنن والآثار ٢١١/١٠.
١٦٣

وفي الصحيحين حديث سهل بن سعد في المرأة التي وهبت
نفسها لرسول الله بَّر، وأنه بَ ل زوجها من الرجل الذي خطبها منه،
فقال {وَ ل﴿: ((قد زوجتكها بما معك من القرآن))، بعد أن قال له:
((التمس ولو خاتماً من حديد))(١)؛ لتصدقها إياه))(٢).
وعند أبي داود عن جابر رضي الله عنه أن النبي وَلّ قال: ((من
أعطى في صداق امرأة ملء كفيه سويقاً، أو تمراً فقد استحل))(٣).
فإن اعترض معترض بأن هذا ورد في نكاح المتعة، وهو منسوخ
بدليل حديث جابر في صحيح مسلم ((كنا نستمتع بالقبضة من التمر
[نهاية ١٤٧/ب] والدقيق الأيام/ على عهد رسول الله وَّر، وأبي بكر رضي الله عنه
حتى نهانا عمر رضي الله عنه في شأن عمرو بن حريث(٤))(٥)، فقد
مضت الدلالة عن رسول الله عليه أنه حرم نكاح المتعة بعد الرخصة،
والفسخ إنما ورد بإبطال الأجل، لا قدر ما كانوا ينكحون به من
الصداق، والله أعلم.
(١) قال الشافعي: ((وخاتم الحديد لا يساوي قريباً من درهم، ولكن له ثمن يتبايع
به)»: الأم ٥٩/٥.
(٢) سبق تخريجه في ص ١٣٨، وينظر معرفة السنن والآثار ٢١٢/١٠، رقم
١٤٢٣٩، وفتح الباري ٩/ ٧٤.
(٣) أبو داود ٢٣٦/٢، رقم ٢١١٠، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٣٨/٧.
(٤) هو عمرو بن حريث بن عثمان بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي، أخو
سعيد بن حريث، كان عمرو من بقايا أصحاب الرسول # الذين كانوا نزلوا
الكوفة، مولده قبيل الهجرة، له صحبة ورواية، حدث عنه ابنه جعفر، والحسن
العرني، والمغيرة بن سبيع، والوليد بن سريع، وعبد الملك بن عمير،
وإسماعيل بن أبي خالد، وآخرون، توفي سنة خمس وثمانين، قال الواقدي:
(قبض النبي * ولعمرو بن حريث اثنتا عشرة سنة.
ينظر طبقات ابن سعد ٢٣/٦، والجرح والتعديل ٢٢٦/٦، وأسد الغابة ٤/
٢١٣، وسير أعلام النبلاء ٤١٧/٣، وتهذيب التهذيب ١٧/٧، والإصابة ٢/
٥٣١، وشذرات الذهب ٩٥/١.
(٥) مسلم ك/ النكاح، ب/ نكاح المتعة، وبيان أنه أبيح ثم نسخ ٢/ ١٠٢٣، رقم ١٦.
١٦٤

وفيه أخبار أخر تركناها للمعارضة.
وقال الشافعي رحمه الله: ((هذا شيء خالفتم فيه السنة، والعمل،
والآثار بالمدينة، ولم يقله أحد قبلكم بالمدينة علمناه، عمر بن
الخطاب رضي الله عنه يقول: ((في ثلاث قبضات زبيب مهر).
وسعيد بن المسيب يقول: ((لو أصدقها سوطاً فما فوقها جاز)). وربيعة
يجيز النكاح على نصف درهم وأقل)) (١)، وذكر باقي الحكاية(٢).
وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لو
أن رجلاً تزوج امرأة على سواك لكان ذلك مهراً))(٣).
استدلوا بما روى مبشر بن عبيد عن الحجاج بن أرطأة عن
عطاء(٤)، وعمرو بن جابر رضي الله عنه مرفوعاً: ((لا تنكحوا النساء
إلا الأكفاء، ولا يزوجهن إلا الأولياء(٥)، ولا مهر دون عشرة
دراهم))(٦)، هذا حديث منكر، مبشر بن عبيد ممن أجمعوا على ترك
حديثه، والحجاج بن أرطأة أيضاً لا يحتج به.
قال أبو أحمد بن عدي(٧): ((هذا الحديث مع اختلاف ألفاظه في
(١) الأم ٢٢٣/٧، وتتمته: ((وإنما تعلمتم هذا فيما نرى من أبي حنيفة، رحمه الله،
ثم أخطأتم قوله: لأن أبا حنيفة قال: ((لا يكون الصداق مما تقطع فيه اليد،
وذلك عشرة دراهم ... )).
(٢) في الأصل: ((النكاح))، وهو خطأ.
(٣) عبد الرزاق ١٧٩/٦، وينظر المحلى لابن حزم ٩/ ٥٠٠، ومجمع الزوائد ٤/
٢٨٠، والسنن الكبرى للبيهقي ٢٣٩/٧ - ٢٤٠.
(٤) من الأخريين.
(٥) من الأخريين.
(٦) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٢٤٠.
(٧) أبو أحمد عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد بن مبارك بن القطان
الجرجاني، مولده في سنة سبع وسبعين ومائتين، سمع بهلول بن إسحاق
التنوخي، ومحمد بن عثمان بن أبي سويد، وخلقاً كثيراً، وروى عنه شيخه أبو
العباس بن عقدة، وأبو سعد الماليني، ومحمد بن عبد الله، وحمزة بن يوسف =
١٦٥

المتون، دون اختلاف إسناده باطل كله (١)، لا يرويه غير مبشر بن
عبيد. قال أحمد بن حنبل: ((مبشر بن عبيد يضع الحديث))(٢).
ثم هو مقابل بما هو أصح منه عن أبي سعيد الخدري رضي الله
عنه قال: ((سألنا رسول الله﴿ عن صداق النساء، فقال: هو ما
اصطلح عليه أهلوهم))(٣).
واستدلوا بما روى داود بن يزيد الأودي(٤) عن الشعبي عن علي
رضي الله عنه ((لا صداق دون عشرة دراهم))، داود بن يزيد ضعيف في
الحديث، وهذا مما أنكر عليه، قال أحمد بن حنبل: ((لقن غياثُ بن
إبراهيم داود بن يزيد الأودي عن الشعبي عن علي رضي الله عنه(٥) («لا
السهمي، وآخرون، قال الحافظ ابن عساكر: ((كان ثقة على لحن فيه)»، قال
=
حمزة بن يوسف: ((سألت الدارقطني أن يصنف كتاباً في الضعفاء، فقال: أليس
عندك كتاب ابن عدي؟ قلت: بلى، قال: فيه كفاية، لا يزاد عليه)»، قال حمزة
السهمي: ((كان ابن عدي حافظاً متقناً»، وقال أبو الوليد الباجي: ((ابن عدي
حافظ، لا بأس به))، وقال حمزة السهمي: ((ومات في جمادى الآخرة سنة
خمس وستين وثلاث مائة)).
الأنساب ٢٢١/٣، وسير أعلام النبلاء ١٥٤/١٦، والبداية والنهاية ٢٨٣/١١،
والعبر ٣٣٧/٢، واللباب ٢٧٠/١، وشذرات الذهب ٥١/٣.
(١) من الأخريين.
(٢) الكامل في الضعفاء ٢٤١٢/٦، ومعرفة السنن والآثار ٢١٨/١٠ - ٢١٩.
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢٣٩/٧، وقال ابن التركماني: ((وفي سنده أبو
هارون العبدي، قال: حماد كذاب، وقال السعدي: كذاب مفتر، وقال أحمد:
ليس بشيء، ثم ذكر بقية الأقوال في تكذيبه، ثم قال: ومثل هذا كيف يستشهد
به)) الجوهر النقي بذيل السنن ٢٣٩/٧ - ٢٤٠.
(٤) هو داود بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي، الزعافري - بزاء مفتوحة، ومهملة،
وكسر الفاء - أبو زيد الكوفي، الأعرج، ضعيف، من السادسة، مات سنة
إحدى وخمسين ومائة، روى له البخاري في الأدب المفرد، والترمذي، وابن ماجه.
ينظر تهذيب التهذيب ٢٠٥/٣، وتقريب التهذيب ٢٣٥/١.
(٥) من الأخريين.
١٦٦

يكون مهر أقل من عشرة دراهم))(١)، فصار حديثاً، قال ابن معين:
((غياث كذاب، ليس بثقة، ولا مأمون، داود الأودي ليس بشيء)»،
وروي معناه عن علي رضي الله عنه أيضاً بإسناد ضعيف عن الضحاك
عنه، والضحاك لم يدركه، فهو مع ضعفه منقطع(٢).
وروي عن الحسن بن دينار عن عبد الله الداناج(٣) عن عكرمة
عن ابن عباس رضي الله عنهما عن علي رضي الله عنه قال: ((لا مهر
أقل من خمسة دراهم»، وهذا ليس بشيء، الحسن بن دينار ضعيف
الحديث، قد (٤) سبق ذكره(٥). وقد روي عن علي رضي الله عنه
بخلاف ذلك كله، عن جعفر بن محمد عن أبيه أن علياً رضي الله عنه
قال: ((الصداق ما ترضى(٦) به الزوجات))(٧)، وهذا مع إرساله أمثل
هذه الروايات عن علي، رضي الله عنه.
وروي عن المطلب بن عبد الله بن حنطب(٨) قال: ((زوجني
(١) الأم ٥/ ١٦٠، ومعرفة السنن والآثار ٢١٧/١٠، والسنن الكبرى للبيهقي ٢٤١/٧.
(٢) معرفة السنن والآثار ٢١٧/١٠، والسنن الكبرى للبيهقي ٢٤٠/٧ - ٢٤١.
(٣) هو عبد الله بن فيروز الداناج البصري، و(دانا) بالفارسية العالم، روى عن
أنس، وأبي برزة الأسلمي، وأبي ساسان حصين بن المنذر، وأبي رافع الصائغ،
وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وعكرمة، وغيرهم. وروى
عنه قتادة، وسعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، وعبد العزيز بن المختار،
وإسماعيل بن علية، وغيرهم، قال أبو زرعة: ((ثقة))، وقال النسائي: ((ليس به
بأس»، وذكره ابن حبان في الثقات.
التهذيب ٣١٤/٥، والثقات لابن حبان ٣٩/٥.
(٤) من الأخريين.
(٥) السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٢٤٠.
(٦) من الأخريين: ((تراضى)).
(٧) السنن الكبرى للبيهقي ٢٤١/٧.
(٨) هو المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن
مخزوم القرشي، المخزومي، المدني، أحد الثقات، روى عن عمر، وأبي
موسى الأشعري، وزيد بن ثابت، وعائشة، وأم سلمة، وأبي هريرة، وأبي =
١٦٧

سعيد بن المسيب ابنته بصداق درهمين، ليس لها صداق غيره))(١)،
والله أعلم.
مسألة (٢٠٩):
ويجوز أخذ الأجرة على تعليم الخير، وذلك مثل تعليم القرآن،
وأن يجعل مهراً، وكذلك يجوز أخذ(٢) الأجرة على الأذان(٣). وقال
أبو حنيفة رحمه الله: ((غير جائز))(٤).
ودليلنا من طريق الخبر حديث ابن عباس رضي الله عنهما في
صحيح البخاري في الذي رقى السليم بأم الكتاب على شاء، فأتى
رسول الله : ﴿ فأخبره بما كان، فقال رسول الله وَالقول: ((إن أحق ما
أخذتم عليه أجراً كتاب الله عز وجل))(٥).
رافع، وابن عباس، وابن عمرو بن العاص، وأنس، وجابر، رضي الله عنهم،
=
وروى عنه ابناه عبد العزيز والحكم، وعمرو بن عمرو، وعاصم الأحول،
والأوزاعي، وابن جريج، وآخرون وثقه أبو زرعة، والدارقطني، وذكره ابن
حبان في الثقات، وقال ابن سعد: ((كان كثير الحديث، ولیس یحتج بحديثه،
وكان حياً في حدود سنة عشرين ومائة)).
الجرح والتعديل ٣٥٩/٨، وسير أعلام النبلاء ٣١٧/٥، وتهذيب التهذيب ١٧٨/١٠.
(١) الذي عند سعيد بن منصور في سننه ص ١٧١، رقم ٦٢٠، قال: ((حدثنا
مسلم بن خالد قال حدثني يسار بن عبد الرحمن أن سعيد بن المسيب زوج ابن
أخيه على درهمين))، ولم أجده عند غيره.
(٢) من الأخريين.
(٣) مختصر المزني ص ١٧٩، وروضة الطالبين ٧/ ٣٠٤.
(٤) تحفة الفقهاء ٢٠٢/٢، وحاشية ابن عابدين ١٠٧/٣.
ومن أدلة المانعين من أخذ الأجرة على تعليم الخير، والأذان، ونحوهما؛ لأن
من شرط هذه الأعمال كونها قربة إلى الله تعالى، فلم يجز أخذ الأجرة عليها،
كما لو استأجر قوماً يصلون خلفه فإنه لا يصح بالإجماع، ولقوله عليه: ((اقرأوا
القرآن، ولا تأكلوا به))، رواه أحمد ٤٢٨/٣، ينظر حاشية الروض المربع لابن
قاسم ٣٢٠/٥ - ٣٢١.
(٥) البخاري ك/ الطب، ب/ الشرط في الرقية بقطيع من الغنم ٢١٦٦/٥، رقم
٥٤٠٥، وذكر مسلم القصة في صحيحه ١٧٢٧/٤، رقم ٢٢٠١.
١٦٨

وحديث سهل بن سعد رضي الله عنه في المرأة التي زوجها
رسول الله وَي الرجل على ما معه من القرآن في الصحيحين.
وفي رواية عند مسلم أنه وَلفر قال: ((انطلق فقد زوجتكها بما
تعلمها(١) من القرآن))(٢).
وفي أخرى عند أبي داود بعض حديث(٣) سهل عن أبي هريرة
رضي الله عنه وفيه فقال ((ما تحفظ من القرآن؟)) قال: ((سورة البقرة،
والتي تليها، قال: ((قم، فعلمها عشرين آية، وهي امرأتك))(٤) .
استدلوا بما روى عتبة بن السكن عن الأوزاعي عن ابن أبي
طلحة عن زيادة بن سخبرة عن ابن مسعود رضي الله عنه أن امرأة أتت
النبي ◌َ﴿ فقالت: ((يا رسول الله، رأ/ فيَّ رأيك)) الحديث، فقال [نهاية ١/١٤٨]
رسول الله له: قد أنكحتكها على أن تقرئها وتعلمها، فإذا رزقك الله
عوضها، فتزوجها الرجل على ذلك))، قال الدارقطني: ((تفرد به عتبة،
وهو متروك الحديث))(٥)، وقال البيهقي رحمه الله: ((عتبة بن السكن
منسوب إلى وضع الحديث، وليس هذا الحديث بشيء)).
وروي عن مغيرة بن زياد عن عبادة عن الأسود بن ثعلبة عن
عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: ((علمت ناساً من أهل الصفة
الكتابة والقرآن، فأهدى إلي رجل منهم قوساً، فقلت: ليست بمال،
وأرمي عليها في سبيل الله، لآتين رسول الله وسل﴿ فلأسألنه، فأتيته(٦)،
فقلت: يا رسول الله، رجل أهدى إلي قوساً ممن كنت أعلمه الكتاب
(١) في الأخريين: ((فعلمها).
(٢) ينظر: ص ١٦٣ - ١٦٤.
(٣) زيادة من الأخريين.
(٤) أبو داود ٢٣٦/٢ - ٢٣٧، رقم ٢١١٢، والدارقطني ٢٤٧/٢، رقم ٢١.
(٥) الدارقطني ٢٤٩/٣ - ٢٥٠، رقم ٢٣، البيهقي في السنن الكبرى ٢٤٣/٧.
(٦) ساقطة من (ب).
١٦٩

والقرآن، وليست بمال، وأرمي عليها في سبيل الله، قال: إن كنت
تحب أن تطوق طوقاً من نار فاقبلها))(١)، مغيرة بن زياد تكلموا فيه،
وليس بمحتج به في الصحيح.
وروي بإسناد آخر وليس بالقوي نحوه، والأول أتم فقلت: ((ما ترى
فيها يا رسول الله؟)) فقال: ((جمرة بين كفيك(٢)، تقلد بها، أو تعلقها))(٣).
ثم هذا متروك الظاهر فليس فيه أنه علمه بشرط الأجرة، ومن
علم غيره القرآن، فأهدى المتعلم له شيئاً جاز له قبوله بالإجماع، على
أن ابن المديني ضعفه، فإن صح فيشبه أن يكون منسوخاً بما روينا من
حديث ابن عباس، وأبي سعيد رضي الله عنهما عن النبي وَلهو: ((إن
أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله عز وجل))(٤)؛ وابن عباس
رضي الله عنهما من أواخر من حمل الحديث عن رسول الله القادر،
وكذا أبو سعيد، رضي الله عنه.
ومما يدل على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ما روي عن
وكيع عن صدقة بن موسى(٥) عن الوضين بن عطاء قال: ((ثلاثة
(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى ١٢٥/٦، وينظر السلسلة الصحيحة للألباني ١/
٤٥٩ - ٤٦٠.
(٢) في (ب): ((كتفيك)).
(٣) أبو داود ٢٦٤/٣، رقم ٣٤١٦، وابن ماجه ٢/ ٣٧٠، رقم ٢١٥٧، وأحمد ٥٪
٣١٥، ورواه الحاكم في المستدرك ٤١/٢، وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي
في السنن الكبرى ١٢٥/٦، ومال ابن التركماني في الجوهر النقي إلى تصحيح
هذا الحديث: ((وفي إسناده الأسود بن ثعلبة الكندي، قال ابن المديني: لا
يعرف، وذكره ابن حبان في الثقات على ما قاله ابن حجر، وأخرج له الحاكم،
وقال إنه شامي معروف)»، ينظر تهذيب التهذيب ٣٣٨/١.
(٤) سبق تخريجه في ص ١٦٨، وينظر معرفة السنن والآثار ٢٢٢/١٠.
(٥) هو صدقة بن موسى الدقيقي، روى عن ثابت، ضعفوه، له عن مالك بن دينار
عن عبد الله بن غالب عن أبي سعيد مرفوعاً: ((خصلتان لا يجتمعان في مؤمن:
البخل وسوء الخلق)). المغني في الضعفاء ٤٤٠/١.
١٧٠

معلمين كانوا بالمدينة يعلمون الصبيان، وكان عمر بن الخطاب
رضي الله عنه يرزق كل واحد منهم خمسة عشر درهماً كل شهر))(١).
وعن خلف بن هشام(٢) عن إبراهيم بن سعد عن أبيه أن عمر
رضي الله عنه كتب إلى بعض عماله أن أعط الناس على تعليم
القرآن(٣) .
وروي عن أبي الدرداء مرفوعاً: ((من أخذ على تعليم القرآن
قوساً قلده الله تعالى يوم القيامة قوساً من نار))(٤)، قال(٥)
الدارمي: ((قال دجيم (٦) حديث أبي الدرداء في هذا ليس له
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١٢٤/٧.
(٢) هو خلف بن هشام بن ثعلب، وقيل: طالب بن غراب الإمام، الحافظ،
الحجة، شيخ الإسلام، أبو محمد البغدادي، البزار، المقرىء، ولد سنة
خمسين ومائة، سمع مالك بن أنس، وحماد بن زيد، وأبا عوانة، وأبا شهاب
الحناط عبد ربه، وشريكاً القاضي، وحماد بن يحيى الأربح، وأبا الأحوص،
وحدث عنه مسلم، وأبو داود، وأبو حاتم، وموسى بن هارون، وأبو يعلى
الموصلي، وعدد كثير، قال فيه يحيى بن معين، والنسائي، وغيرهما: ((ثقة))،
وقال الدارقطني: ((كان عابداً فاضلاً))، توفي في سابع شهر جمادى الآخرة سنة
تسع وعشرين ومائتين، وقد شارف الثمانين.
طبقات ابن سعد ٣٤٨/٧، والجرح والتعديل ٣٧٢/٣، وسير أعلام النبلاء ١٠/
٥٧٦، وتهذيب التهذيب ١٥٦/٣، وشذرات الذهب ٦٧/٢.
(٣) الأموال لأبي عبيد ص ٢٦١ (ط ٣٥٣)، وينظر موسوعة فقه عمر ص ٧١٢.
(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١٢٦/٧، ينظر السلسلة الصحيحة ٤٥٧/١،
رقم ٢٥٦.
(٥) ساقطة من (ب).
(٦) هو دحيم القاضي، الإمام، الفقيه، الحافظ، محدث الشام، أبو سعيد
عبد الرحمن بن إبراهيم بن عمرو بن ميمون الدمشقي، قاضي مدينة طبرية
قاعدة الأردن، ولد في شوال سنة سبعين ومائة، قاله ابنه عمرو، حدث عن
سفيان بن عيينة، ومروان بن معاوية، والوليد بن مسلم، وسويد بن عبد العزيز،
وخلق كثير، وحدث عنه البخاري، وأبو داود، والنسائي، والقزويني، وأبو
محمد الدارمي، وأبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، وأبو زرعة الدمشقي، وخلق =
١٧١

أصل))(١). قال البيهقي: ((ثم إن صح شيء من هذا الجنس فهو
محمول عندنا على ما لو تعين عليه تعليمه بأن لا يجد المتعلم
غیرہ)) .
وروي عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أنه قال: ((يا
رسول الله، اجعلني إمام قومي، قال: أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم،
واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)(٢).
وهذا هو الأولى أن لا يتخذ مؤذناً يأخذ على أذانه أجراً إذا وجد
من يتطوع به، فإن لم يجد فيجوز. قال الشافعي رحمه الله: ((قد
رزقهم - يعني المؤذنين - إمام هدى عثمان بن عفان، رضي الله عنه)).
واحتج الشافعي رحمه الله تعالى في جواز أخذ الأجرة على تعليم
الخير بحديث التزويج على تعليم القرآن.
وروى أبو عصمة عن يونس عن الحسن عن شعبة كلهم يحدثونه
عن رسول الله وَّر، فذكر الحديث، وقال: ((ونهى عن التعليم بالأجر،
ونهى عن الأذان بالأجر، ونهى عن الإمامة بالأجر)»، وهذا منقطع،
كثير، قال ابن أبي حاتم: ((كان يعرف بـ((دحيم اليتيم، سمعت أبي يقول: كان
=
دحيم يميز، ويضبط، وهو ثقة))، وقال النسائي: ((ثقة مأمون)) قال الدارقطني:
(ثقة)، قال أحمد العجلي: (دحيم ثقة))، توفي بفلسطين في يوم الأحد في شهر
رمضان سنة خمس وأربعين ومائتين، ذكره محمد بن يوسف الكندي وكذا ابنه
عمرو بن دحیم.
الجرح والتعديل ٢١١/٥، و٢١٢، وميزان الاعتدال ٥٤٦/٢، وسير أعلام
النبلاء ٥١٥/١١، وتهذيب التهذيب ١٣١/٦، وشذرات الذهب ١٠٨/٢.
(١) السنن الكبرى للبيهقي ١٢٦/٧، وقال ابن التركماني: ((أخرجه البيهقي هنا بسند
جيد، فلا أدري ما وجه ضعفه، وكونه لا أصل له))، الجوهر النقي ١٢٦/٧.
(٢) أبو داود ١٤٦/١، رقم ٥٣١، والنسائي ١٠٩/١، وأحمد ٢١/٤، و٢١٧،
وشرح الطحاوي ٢٧٠/٢، ورواه الحاكم في المستدرك ١٩٩/١ - ٢٠١،
وصححه ووافقه الذهبي.
١٧٢

وأبو عصمة متروك(١).
قال البخاري رحمه الله في الترجمة: ((وقال الحكم(٢): لم أسمع أحداً
كره أجر المعلم))، قال: ((ولم ير ابن سيرين بأجر المعلم(٣) بأساً))(٤).
وروينا عن عطاء، وأبي قلابة أنهما كانا لا يريان بتعليم
الغلمان(٥) بالأجر بأساً.
وعن الحسن قال: ((إذا قاطع، ولم/ يعدل كتب من الظلمة)) (٦). [نهاية ١٤٨/ب]
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((لم يكن لأناس من
أسارى بدر فداء، فجعل رسول الله يثير فداءهم أن يعلموا أولاد
الأنصار الكتابة، قال: فجاء غلام من الأنصار يبكي (يوماً إلى أبيه)(٧)
فقال له أبوه: ما شأنك؟ قال: ضربني معلمي، قال: الخبيث يطلب
بدحل بدر، والله لا تأتينه أبداً(٨))(٩)، وهذا يعلم الخير، والله أعلم.
مسألة (٢١٠):
وإن مات زوج المفوضة(١٠) قبل فرض مهرها، والدخول بها لم
(١) لم أجده.
(٢) في (أ) ك (الحاكم)).
(٣) في البخاري: ((القسام))، وهو الذي يوظف لقسمة المال بين الناس.
(٤) البخاري ك/ الإجارة، ب/ ما يعطى في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب
٧٩٥/٢.
(٥) في الأخريين: ((القرآن)».
(٦) السنن الكبرى للبيهقي ١٢٤/٦.
(٧) من الأخريين.
(٨) ساقطة من (أ).
(٩) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١٢٥/٦.
(١٠) قال ابن رشد في بداية المجتهد ٢/ ٢٥: ((أجمع العلماء على أن نكاح التفويض جائز،
وهو أن يعقد النكاح دون صداق، فالمفوضة هي التي لم يفرض لها صداق)).
ينظر: الأم ٦٨/٥، والقوانين الفقهية ص ٢٠٣.
١٧٣

يجب لها مهر المثل مع الميراث في أحد القولين(١). وقال العراقيون:
((لها مهر المثل والميراث))(٢).
دليلنا ما روى الشافعي رحمه الله عن مالك عن نافع أن ابنة
عبد(٣) الله بن عمر وأمها بنت زيد بن الخطاب كانت (تحت ابن) (٤)
لعبيد(٥) الله بن عمر فمات، ولم يدخل بها، ولم يسم لها صداقاً،
فابتغت أمها صداقاً، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: ((ليس لها
صداق، ولو كان لها صداق لم نمنعكموه(٦)، ولم نظلمها))، فأبت(٧)
أن تقبل ذلك، فجعلوا بينهم زيد بن ثابت، فقضى أن لا صداق لها،
ولها الميراث(٨).
وقال الشافعي رحمه الله عن ابن عيينة عن عطاء بن السائب عن
عبد خير عن علي رضي الله عنه في الرجل يتزوج المرأة، ثم يموت،
ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقاً: ((إن لها الميراث وعليها العدة،
ولا صداق لها)»(٩).
وروى سفيان الثوري عن عبد الملك بن جريج عن عطاء عن
ابن عباس رضي الله عنهما مثل ذلك(١٠).
(١) المهذب ٦١/٢، ومغني المحتاج ٢٣١/٣، ونهاية المحتاج ٣٥١/٦.
(٢) الجامع الكبير ص ١٠٧، و١٠٨، وحاشية ابن عابدين ١٠٩/٣، واللباب ١٦/٣.
(٣) في (أ): ((عبد)).
(٤) زيادة من الموطأ.
(٥) في الأصل: ((عبيد الله)).
(٦) وعند مالك ((نمسكه)) بدل ((نمنعكموه)).
(٧) عند مالك ((فأبت أمها))، فالتي امتنعت هي الأم.
(٨) الموطأ ٥٢٧/٢، والأم ٦٩/٥، ومسند الشافعي ١٠/٢، ورواه البيهقي في
السنن الكبرى ٢٤٦/٧.
(٩) أخرجه في الأم ٦٩/٥، والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٢٤٧، وعلقه الترمذي
في سننه ٤٤٢/٣.
(١٠) السنن الكبرى للبيهقي ٢٤٦/٧، ومعرفة السنن والآثار ٢٢٩/١٠، رقم
١٤٣٢٥، وعلقه الترمذي في السنن ٤٤٢/٣.
١٧٤

ودليل القول الثاني ما عند أبي داود عن الشعبي عن مسروق عن
عبد الله رضي الله عنه في رجل تزوج امرأة، فمات عنها، ولم يدخل
بها، ولم يفرض لها، فقال: ((لها الصداق كاملاً، وعليها العدة، ولها
الميراث))، فقال معقل بن سنان: ((سمعت رسول الله وَ طهر قضى في
بروع بنت واشق(١))(٢).
وروي عن علقمة، قال: ((أتى عبد الله في امرأة توفي عنها
زوجها، ولم يفرض لها صداقاً ولم يدخل بها، فترددوا إليه، ولم
يزالوا به، حتى قال: ((إني سأقول برأيي: لها صداق نسائها، لا
وكس(٣)، ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث))، فقام معقل بن
سنان، فشهد أن رسول الله وَّله قضى في بروع بنت واشق الأشجعية
بمثل ما قضيت، ففرح عبد الله)) (٤)، إسناده صحيح، ورواته ثقات،
ومعقل بن سنان صحابي معروف، وقد قيل في هذا الحديث:
(معقل بن يسار))، و((ابن سنان))، أصح، وقيل ذلك عن ناس من
أشجع(٥).
(١) هي بروع بنت واشق الرواسية، الكلابية أو الأشجعية، زوج هلال بن مرة. لها
ذكر في حديث معقل الأشجعي وغيره، وقد روى حديثها ابن أبي عاصم من
روايتها أنها نكحت رجلاً وفوضت إليه فتوفي قبل أن يجامعها، فقضى
رسول الله ټے بصداق نسائها.
الإصابة ٢٩/٨.
(٢) أبو داود ٢٣٧/٢، والترمذي وصححه ٢٩٩/٤، رقم ١١٥٣، والنسائي ٦/
١٢١، وابن ماجه ٦٠٩/١، رقم ١٨٩١، وأحمد ٤٣٠/١، رقم ٤٠٩٩، وابن
أبي شيبة ٣٠٠/٤، والدارمي ١٥٥/٢، والطبراني في الكبير ٢٣١/٢٠،
والحاكم ٢/ ١٨٠، وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٤٥/٧.
(٣) قال الخطابي: ((الوكس: النقصان، والشطط: العدوان، وهو الزيادة على قدر
الحق، ينظر معالم السنن مع مختصر سنن أبي داود ٥١/٣، رقم ٢٠٢٩.
(٤) سنن أبي داود ٢٣٧/٢، رقم ٢١١٥، و٢١١٦، وللحديث طرق أخرى، ينظر:
الصفحة السابقة.
(٥) مختصر سنن أبي داود ٥١/٣ - ٥٣، ومعرفة السنن والآثار ١٤٣٠٩/١٠.
١٧٥

قال الشافعي رحمه الله: ((وقد روي عن النبي وَليل بأبي وأمي،
أنه قضى في بروع بنت واشق، ونكحت بغير مهر، فمات زوجها،
فقضى لها بمهر نسائها، وقضى لها بالميراث، فإن كان يثبت عن
النبي ◌َّ فهو أولى الأمور بنا، ولا حجة في قول أحد دون
النبي ◌َّ، ولا في القياس، ولا في شيء في قوله إلا طاعة الله(١)
بالتسليم له، وإن كان لا يثبت عن النبي بَّر، لم يكن لأحد أن يثبت
عنه ما لم يثبت، ولم أحفظه(٢) من وجه يثبت مثله، هو مرة يقال:
عن معقل بن يسار، (ومرة عن معقل بن سنان)(٣) ومرة عن بعض
أشجع لا یسمی»(٤).
وقال رحمه الله: ((إن صح حديث(٥) بروع بنت واشق قلت به)).
قال أبو عبد الله الحاكم: ((لو حضرت الشافعي رحمه الله تعالى
لقمت إليه على رؤوس أصحابه، وقلت: قد صح الحديث فقل به،
قال: (((فالشافعي رحمه الله)(٦) إنما قال: لو صح الحديث؛ لأن هذه
الرواية وإن كانت صحيحة فإن الفتوى لعبد الله بن مسعود، وسند
الحديث لنفر من أشجع)).
قال البيهقي رحمه الله تعالى: ((وشيخنا أبو عبد الله إنما حكم
بصحة الحديث؛ لأن الثقة قد سمى فيه رجلاً من الصحابة(٧)، وهو
[نهاية ١٤٩/ أ] معقل بن سنان الأشجعي، وهذا الاختلاف في تسمية من /روى قصة
(١) من الأخريين.
(٢) في معرفة السنن والآثار: ((ولم أحفظه بعد ... )).
(٣) ساقطة من (أ).
(٤) هذا الكلام للشافعي بطوله في معرفة السنن والآثار ٢٢٦/١٠، وفي السنن
الكبرى للبيهقي ٢٤٤/٧.
(٥) ساقطة في الأصل، والمثبت من الأخريين.
(٦) في الأخريين: ((قال البيهقي، رحمه الله تعالى)).
(٧) المستدرك للحاكم ٢/ ١٨٠.
١٧٦

بروع بنت واشق عن النبي ◌َ﴿ لا يوهن الحديث؛ فإن أسانيد هذه
الروايات صحيحة، وفي بعضها إن جماعة من أشجع شهدوا بذلك،
فبعضهم سمى هذا، وبعضهم سمى آخر، وكلهم ثقة، ولولا الثقة بمن
رواه عن النبي ◌َّر لما كان عبد الله يفرح بروايته))(١)، والله أعلم.
مسألة (٢١١):
والذي بيده عقدة النكاح هو الأب، على قوله في (٢) القديم(٣)،
وقال العراقيون: ((هو الزوج))(٤).
فوجه قوله القديم من طريق الأثر ما روي عن ابن عباس
رضي الله عنهما في الذي ذكر الله ﴿ أَوْ يَعْفُواْ الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ
النِّكَاحِ﴾(٥) قال: ((ذلك أبوها)).
وعن الحسن، قال: ((هو الولي))(٦).
وعن علقمة: ((الذي بيده عقدة النكاح هو الولي))(٧).
وعن الزهري قال: ((إن كانت المرأة مالكة أمرها فهي تعفو، وإن
(١) معرفة السنن والآثار ٢٢٦/١٠، و٢٢٧، وينظر مختصر سنن أبي داود ٥١/٣ -
٥٣، والأم للشافعي ٦٨/٥ - ٦٩، وعبد الرزاق رقم ١٠٨٨٩، وسعيد بن
منصور ص ٩٢٢ - ٩٣٤، والمنتقى لابن الجارود ٧١٨، وشرح الزركشي
بتحقيق الشيخ عبد الله بن جبرين ٣١١/٥ - ٣١٢.
(٢) ساقطة من الأخريين.
(٣) الأم للشافعي ٥/ ٧٠ - ٧٤، ومختصر المزني ص ١٨٣، وروضة الطالبين ٧/
٣١٦، ومغني المحتاج ٢٤٠/٣.
(٤) أحكام القرآن للجصاص ٤٣٩/١، والمبسوط ٦٣/٦، وبدائع الصنائع ٢٩٠/٢،
وحاشية ابن عابدين ٢/ ٤٦٤.
(٥) سورة البقرة: الآية ٢٣٧.
(٦) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٢٥١، وفي معرفة السنن والآثار ٢٤١/١٠،
وينظر المغني لابن قدامة ١٠/ ١٦١.
(٧) السنن الكبرى للبيهقي ٢٥١/٧.
١٧٧

كانت بكراً فالذي بيده عقدة النكاح أبوها يعفو))(١).
وعن مالك قال: ((قال الله تعالى في كتابه: ﴿إِلَّ أَنْ
يَعْفُونَ﴾(٢) الآية، فهن النساء اللاتي قد دخل بهن، قال: ﴿ أَوْ يَعْفُوَأْ
الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ النِّكَاحْ﴾(٢)، وهو الأب في ابنته البكر، أو السيد في
أمته، قال: وذلك الذي سمعت، والذي عليه الأمر عندنا))(٣).
وعن إبراهيم قال: ((الذي بيده عقدة النكاح هو الولي))(٤).
ووجه قوله في الجديد من طريق الأثر ما روي عن شريح قال:
((سألني علي رضي الله عنه عن الذي بيده عقدة النكاح، قال: قلت:
هو الولي، قال: لا بل هو الزوج)»(٥) .
وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق فيه
علي بن زيد. والرواية المتقدمة عنه أصح؛ فإن علي بن زيد غير
محتج به .
وروي عن أبي سلمة رضي الله عنه أن جبير بن مطعم تزوج
امرأة من بني نظر، فسمى لها صداقها، ثم طلقها من قبل أن يدخل
بها، فقرأ هذه الآية ﴿إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَأْ الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ
التِّكَاحِ﴾ (٦)، قال: ((أنا أحق بالعفو منها، فسلم إليها صداقها))(٧).
(١) السنن الكبرى للبيهقي ٢٥١/٧.
(٢) سورة البقرة: الآية ٢٣٧.
(٣) موطأ مالك المطبوع مع تنوير الحوالك ٦٥/٢.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي ٢٥١/٧، ومعرفة السنن والآثار ٢٤٢/١٠.
(٥) عبد الرزاق ٦/ ٤٧٧، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٥١/٧، ومعرفة السنن
والآثار ١٠/ ٢٤٠، وينظر: أحكام القرآن للجصاص ٤٣٩/١.
(٦) سورة البقرة: الآية ٢٣٧.
(٧) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٢٥١، ومعرفة السنن والآثار ٢٤٠/١٠.
١٧٨

وتابعه محمد بن جبير عن أبيه، وعن ابن المسيب قال: ((الذي
بيده عقدة النكاح هو الزوج)»(١).
وعن المغيرة (٢) عن الشعبي في قوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾
الآية. قال: ((يعني المرأة، والذي بيده عقدة النكاح هو الزوج))، قال:
((وهو قول شريح))(٣).
وعن ابن سيرين قال: ((الذي بيده عقدة النكاح هو (٤) الزوج)).
وعن سعيد بن جبير مثله(٥).
وعن قتادة قال: (﴿إلا أن تعفو (٦)﴾ المرأة، فتدع نصف
صداقها، أو يعفو الزوج، فيكمل لها صداقها))(٧). وروي ذلك عن
طاوس، ونافع بن جبير، ومجاهد، ومحمد بن كعب(٨).
وروى ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:
((قال رسول الله (َّلير: ولي عقدة النكاح الزوج))، وابن لهيعة ضعيف،
لا يحتج به(٩)، والله أعلم.
(١) الأم للشافعي ٧٤/٥، ومعرفة السنن والآثار للبيهقي ٢٤١/١٠، رقم ١٤٣٦٧،
وينظر: أحكام القرآن للجصاص ٤٣٩/١.
(٢) ساقطة من الأخريين.
(٣) معرفة السنن والآثار ٢٤٢/١٠، والسنن الكبرى للبيهقي ٢٥١/٧.
(٤) زيادة من الأخريين.
(٥) الأم ٧٤/٥، ومعرفة السنن والآثار ٢٤٢/١٠.
(٦) وفي الأخريين: ((يعفو)).
(٧) السنن الكبرى للبيهقي ٢٥١/٧.
(٨) معرفة السنن والآثار ٢٤٢/١٠، رقم ١٤٣٧١، وينظر: أحكام القرآن للجصاص
٤٣٩/١ - ٤٤٠.
(٩) الدارقطني ٣٧٩/٣، وابن جرير في تفسيره رقم ٥٣٥٥، والبيهقي في السنن
الكبرى ٢٥١/٧، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير ١٩٣/٣: ((أخرجه
الطبراني في الأوسط)).
١٧٩

مسألة (٢١٢):
والخلوة الخالية عن الوطء لا تقرر المهر، ولا توجب العدة على
أصح القولين(١). وقال أبو حنيفة، وصاحباه رحمهم الله: ((إنها تقرر
المهر، وتوجب العدة))(٢).
وبناء المسألة لنا على الكتاب والمعاني، قال الله سبحانه وتعالى:
﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَمُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا
فَضْتُمْ ﴾(٣).
وقال جل جلاله، وتعالى علاؤه وشأنه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ
عِدَّةٍ تَعْنَذُّونَهَا﴾(٤) والمسيس الجماع.
روى الثقات عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((اللمس،
والمس، والمباشرة جماع، ولكن الله عز وجل يكني بما شاء عما شاء))(٥).
وروي عن الشعبي عن ابن مسعود، رضي الله عنه، قال:
((نصف الصداق، وإن جلس بين رجليها))(٦)، فيه انقطاع بينهما.
وعنه عن شريح أن رجلاً تزوج امرأة، وأغلق عليها الباب،
وأرخى الستر، ثم طلقها، ولم يمسها، فقضى لها(٧) شريح بنصف
الصداق(٨).
(١) مختصر المزني ص ١٨٣، والمهذب ٥٧/٢، ونهاية المحتاج ٣٣٨/٦ - ٣٣٩.
(٢) المبسوط ٩٤/٥، وتحفة الفقهاء ٢٠٧/٢ - ٢٠٨، واللباب ١٦/٣ - ١٧.
(٣) سورة البقرة: الآية ٢٣٧.
(٤) سورة الأحزاب: الآية ٤٩.
(٥) ذكره ابن جرير في تفسيره ٦٦/٥، سورة النساء: الآية ٤٣.
(٦) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٢٥٥، ومعرفة السنن والآثار ٢٤٥/١٠، رقم
١٤٣٨٨.
(٧) في (ب): ((له)).
(٨) معرفة السنن والآثار ٢٤٥/١٠.
١٨٠