النص المفهرس
صفحات 221-240
حنيفة - رحمه الله -: ((إذا رمى في اليوم الثالث قبل الزوال أجزأه استحساناً))(١). لنا حديث جابر - رضي الله عنه - في صحيح مسلم: ((أن رسول الله - 18 - رمى جمرة العقبة أول يوم ضحى، وأما بعد ذلك فبعد الزوال»(٢). وروى طلحة بن عمرو (٣) عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: ((إذا انتضح النهار من يوم النفر الآخر فقد حل الرمي والصدرُ)) (٤). وطلحة بن عمرو ضعيف. والله أعلم. مسألة (٥٨): للصبي حج(٥). وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: ((لا حج للصبي)»(٦). (١) المبسوط ٦٨/٤، وبدائع الصنائع ١١٢٣/١١٧١/٣، وحاشية ابن عابدين ٢/ ٥٢١. (٢) سبق تخريجه. (٣) هو طلحة بن عمرو الحضرمي. قال البخاري عن يحيى: ليس بشيء. وقال ابن حبان: يروي عن عطاء، ونافع، وروى عنه الوليد بن مسلم، كان ممن يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم، ولا يحل كتابة حديثه، ولا الرواية عنه إلا على جهة التعجب. مات سنة اثنتين وخمسين ومائة. التاريخ الكبير ٤/ ٣٥٠، والمجروحين لابن حبان ١/ ٣٨٢، وميزان الاعتدال ٣٤٠/٢. (٤) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٥/ ١٥٢. (٥) الأم للشافعي ٢/ ١٣٠، ونهاية المحتاج ٣/ ٢٣٦ - ٢٣٦، وحاشيتا قليوبي وعميرة ٢/ ٨٤- ٨٥. (٦) المبسوط ١٣٠/٤، وتحفة الفقهاء ٥٨٣/١، وبدائع الصنائع ٣/ ١٠٨٢ - ١٠٨٤، والوافي في الفروع (مخطوط) ق ٢٦/أ. وقد بين الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ٢٥٦ - ٢٥٨ أنه لا خلاف في أن للصبي حجاً، كما أن له صلاة، ولكن الخلاف إجزاء حج الصبي عن حجه بعد بلوغه، وأن قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد - رحمهم الله - هو أن حج الصبي قبل بلوغه لا = ٢٢١ لنا حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -: (( .... فرفعت إليه امرأة صبياً لها فقال: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر)). أخرجه مسلم في الصحيح(١). وروي أيضاً من حديث جابر - رضي الله عنه - عن النبي - ◌َ﴾(٢). وروي عنه - رضي الله عنه - أنه قال: ((حججنا مع رسول الله - رَّلـ ـ ومعنا النساء والصبيان، فلبينا عن الصبيان، ورمينا (٣) عنهم))(٣). وعند البخاري عن السائب بن يزيد - رضي الله عنه -: ((حج بي في ثقل النبي - وَّهَ ـ وأنا غلام))(٤). وفي رواية عنده عنه: ((حج بي مع رسول الله - م94َ - في يجزئه عن فريضته بعد بلوغه، بل عليه أن يستأنف الحج بعد بلوغه، خلافاً = لمن ذهب إلى أن الصبي إذا حج قبل بلوغه أجزأه ذلك عن حجة الإسلام، ولم يكن عليه أن يحج بعد ذلك بعد بلوغه. قلت: وأصل الخلاف في قبول حجه، أما إجزاؤه عن حجة الإسلام فتلك مسألة أخرى عند بعض العلماء، والله أعلم. (١) مسلم ك/ الحج، ب/ صحة حج الصبي ٩٧٤/٢، رقم ١٣٣٦/ ٤١١٠، وأبو داود ١٤٢/٢، رقم ١٧٣٦، والترمذي ٢٥٥/٣، رقم ٩٢٤، والنسائي ٥٪ ١٢٠ - ١٢١، وابن ماجه ٩٧١/٢، رقم ٢٩١٠، ونحوه في الموطأ ٤٢٢٢/١، رقم ٢٤٤. (٢) رواه الترمذي ٢٥٥/٣، رقم ٩٢٤، وابن ماجه ٩٧١/٢، رقم ٢٩١٠، وفي الموطأ نحوه ٤٢٢/١، رقم ٢٤٤. (٣) رواه ابن ماجه بهذا اللفظ ١٠١٠/٢، رقم ٣٠٣٨. والترمذي ٢٥٧/٣، رقم ٩٢٧، بلفظ قريب، ونصه: ((كنا إذا حججنا مع النبي - 18 - فكنا نلبي عن النساء، ونرمي عن الصبيان)). وقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد أجمع أهل العلم على أن المرأة لا يلبي عنها غيرها، بل هي تلبي عن نفسها، ويكره لها رفع الصوت بالتلبية)). وقال محققا جامع الأصول ٣/ ٤٣٠، رقم ١٧٦٦: ((في إسناده أشعث بن سوار، وهو ضعيف)). (٤) البخاري ك/ الحج، ب/ حج الصبيان ٤٦/٣، رقم ٤٢٨، مع اختلاف في اللفظ. ورواه الترمذي ٢٥٦/٣. ٢٢٢ حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين))(١). وحج رسول الله - وَّل﴿ل ــ بعبدالله بن عباس - رضي الله عنهما - قبل بلوغه؛ ففي الصحيحين عنه - رضي الله عنهما -: ((جئت راكباً على أتان، وقد ناهزت الحلم، فإذا النبي - وَلو - يصلي بالناس بمنى)) ... الحديث(٢). وعند البخاري عنه: ((بعثنا رسول الله - رَّليزر - مع الثقل من جمع بليل، فصلينا ورمينا قبل أن يأتي الناس))(٣). وروى الشافعي عن سعيد بن سالم عن مالك بن مِغْوَل عن أبي السفر قال: قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: ((أيها الناس أسمعوني ما تقولون، وافهموا ما أقول لكم: أيما مملوك حج به أهله فمات قبل أن يعتق فقد قضى حجه، وإن عتق قبل أن يموت فليحجج، وأيما غلام حج به أهله فمات قبل أن يدرك فقد قضى عنه حجه، وإن بلغ فلیحجج))(٤). وقد روي مرفوعاً في حديث محمد بن المنهال(٥) / عن يزيد بن [نهاية ١٠٥/ب] (١) البخاري ك/ الحج، ب/ حج الصبيان ٤٦/٣، رقم ٤٣٠. (٢) البخاري ك/ الحج، ب/ حج الصبيان ٤٦/٣، رقم ٤٢٩، ومسلم ك/ الصلاة، ب/ سترة المصلي ٣٦١/١، رقم ٢٥٤ - (٥٠٤). (٣) البخاري ك/ الحج، ب/ حج الصبيان ٤٦/٣، رقم ٤٢٨، (ط. المنيرية)، و٦٥٧/٢، رقم ١٧٥٧ (تحقيق البغا)، والأرقام: ٧٦، و٤٧١، و٨٢٣، و ١٤٥٠، و١٧٥٨، وليس فيها: ((فصلينا)). (٤) مسند الشافعي ص ١٠٧، ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٥٧/٢، واحتج به على صحة مذهب الأحناف، والبيهقي في معرفة السنن والآثار ٧/ ٣٤٠، و٣٤١، رقم ١٠٢٦٣. (٥) محمد بن المنهال العطار البصري، أخو الحجاج، ثقة، من العاشرة، مات سنة إحدی وثلاثین ومائتين. سير أعلام النبلاء ٦٤٥/١٠، وتقريب التهذيب ٢١٠/٢، وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٧٦. ٢٢٣ زريع عن شعبة عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - وَ ل18 -: ((إذا حج الصبي فهي له حجة حتى يعقل، وإذا عقل فعليه حجة أخرى)) قال أبو عبد الله الحاكم: ((هذا حديث صحيح))(١). قال البيهقي - رحمه الله -: وأظن أن شيخنا حمل حديث عفان وغيره على حديث يزيد، فهذا الحديث إنما رواه أصحاب شعبة عنه موقوفاً، سوى ابن زريع، فإن محمد بن المنهال ينفرد برفعه عنه. والله أعلم. مسألة (٥٩): وإذا جامع المحرم قبل الحل الأول، فسد حجه، وعليه بدنة (٢). وقال أبو حنيفة - رحمه الله - إذا كان قبل الوقوف بعرفة، فسد حجه، وعليه شاة، وإن كان بعد الوقوف لم يفسد حجه، وعليه بدنة(٣). قال الله تعالى: ﴿الْحَجُ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتُ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَ الْحَجَّ فَلَاَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَجُّ﴾ (٤). عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: ((الرفث: الجماع، والفسوق: السباب، والجدال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه))(٥). وعن ابن عمر - رضي الله عنهما -: ((الرفث: الجماع، والفسوق: ما أصيب من معاصي الله تعالى، والجدال: السباب والمنازعة))(٦). (١) رواه الحاكم ١/ ٤٨١، وقال: إنه حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. ورواه البيهقي في السنن الكبرى ١٧٩/٥، وقال: الصواب وقفه. وينظر: الأم للشافعي ١٣٠/٢. (٢) الأم للشافعي ٢١٨/٢، و١٦٤، والمهذب ٢٢٢/١، ومغني المحتاج ٥٢٢/١. (٣) فتح القدير ٤٤٠/٢، وحاشية ابن عابدين ٢/ ٥٥٨ - ٥٥٩، واللباب ٢٠٦/١. (٤) سورة البقرة: الآية ١٩٧. (٥) تفسير ابن كثير ١/ ٣٤٤ - ٣٤٥، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٤٠٧/٢/١. (٦) ينظر: المصدرين السابقين. ٢٢٤ حديث يزيد بن نعيم الأسلمي(١) أن رجلاً من جذام(٢) جامع امرأته وهما محرمان، فقال رسول الله - مَ لقوله -: ((اقضيا نسككما، واهديا هدياً))، في هذا الحديث ((وعليكما حجة أخرى))(٣). وهذا يتأكذ بآثار الصحابةرضي الله عنهم - كما سنذكرها عقيب هذا المرسل (٤). روى الثقات عن عمرو بن شعيب عن أبيه أن رجلاً أتى عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - يسأله عن محرم وقع بامرأته، فأشار إلى عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - فقال: ((اذهب إلى ذلك، فاسأله))، قال شعيب: ((فلم يعرفه الرجل، فذهبت معه، فسأل ابن عمر»، فقال: ((بطل حجك))، فقال الرجل: فما أصنع؟ ((اخرج مع الناس، واصنع ما يصنعون، فإذا أدركت قابل، فحج، وأهد»، فرجع إلى عبد الله بن عمرو وأنا معه، فأخبره، فقال: ((اذهب إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - فاسأله))، قال شعيب: ((فذهبت معه إلى ابن (١) هو يزيد بن نعيم بن هزال الأسلمي حجازي، روى عن أبيه، وجده، وجابر، وسعيد بن المسيب، وروى عنه زيد بن أسلم، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن كثير، وهشام بن سعد، وعكرمة بن عمار، ذكره ابن حبان في الثقات. ينظر: الثقات ٥٤٨/٥، وتهذيب التهذيب ٣٢٠/١١. (٢) هو جذام بن عدي، قبيلة، وهي بطن من كهلان القحطانية، وجذام أول من سكن مصر من العرب حين جاؤوا في الفتح الإسلامي لمصر مع عمرو بن العاص رضي الله عنه. ينظر: معجم القبائل العربية ١/ ١٧٤. (٣) رواه أبو داود في المراسيل ص ١٤٧، رقم ١٤٠، ((تحقيق الأرناؤوط))، وقال المحقق في ص ١٤٨: ((رجاله ثقات إن كان الراوي يزيد من غير شك)) وينظر: نيل الأوطار ٩٧/٦ حيث قال: ((قال الحافظ: رواته ثقات مع إرساله، ورواه ابن وهب في موطئه من طريق سعيد بن المسيب مرسلاً))، ورواه البيهقي في السنن الكبرى ١٦٧/٥. ومال ابن التركماني في الجوهر النقي بذيل السنن الكبرى للبيهقي ١٦٧/٥ إلى ضعفه. (٤) يشير إلى تصحيح الحديث. ٢٢٥ عباس، فسأله، فقال له كما قال ابن عمر، فرجع إلى عبد الله بن عمرو، وأنا معه، فأخبره بما قال ابن عباس))، ثم قال: ما تقول أنت؟ فقال: ((قولي مثل ما قالا)(١). وفيه دليل على صحة سماع شعيب بن محمد من جده عبد الله بن عمرو. وقال مالك - رحمه الله - إنه بلغه أن عمر بن الخطاب، (وعلي بن أبي طالب، وأبا هريرة)(٢) - رضي الله عنهم - سئلوا عن رجل أصاب أهله وهو محرم، فقالوا: ((ينفذان لوجههما حتى يقضيا حجهما، وعليهما الحج من قابل والهدي))(٣). وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: ((وإذا أهلا بالحج عام قابل، تفرقا حتى يقضيا حجهما))(٤) . وروي نحو ذلك في التفرق عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أيضاً، وقيل عنه: ((من حيث واقعها))(٥). والله أعلم. مسألة (٦٠): ومن فاته الحج في سنة عقده، لزمه دم(٦). وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: ((لا دم بالفوت))(٧). (١) رواه الحاكم في المستدرك ٦٥/٢، وقال: ((هذا حديثُ ثقاتٍ رواتُه حفاظ))، ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي في السنن الكبرى ١٦٧/٥، وقال: ((إسناده صحيح))، ومعرفة السنن والآثار ٣٦٢/٧، رقم ١٠٣٤٢. (٢) هامش الأصل. (٣) موطأ مالك مع تنوير الحوالك ٣٤٤/١، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٥٪ ١٦٧، ومعرفة السنن والآثار ٧/ ٣٦١ - ٣٦٢، رقم ١٠٣٤١. (٤) المرجع السابق ٣٤٤/١. (٥) المحلى لابن حزم ٧/ ١٩٠، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١٦٧/٥، ومعرفة السنن والآثار للبيهقي ٧ / ٣٦٣ - ٣٦٤. (٦) مختصر المزني ص ٧٠، ومغني المحتاج ٥٣٧/١، ونهاية المحتاج ٣٧٠/٣. (٧) تحفة الفقهاء ٦٥٦/١، وبدائع الصنائع ١٣٠٩/٣، واللباب ٢٢١/١. ٢٢٦ دليلنا من طريق الخبر ما روي عن ابن أبي ليلى عن عطاء أن نبي الله - رَ﴾ - قال: ((من لم يدرك الحج، فعليه دم، ويجعلها عمرة، وعليه الحج من قابل». وعنه عن نافع عن ابن عمر مثله (١). وروى الشافعي - رحمه الله - عن مالك عن يحيى بن سعيد، أخبرني سليمان بن يسار أن أبا أيوب خرج حاجاً، حتى إذا كان بالنازية(٢) من طريق مكة أضل رواحله، وأنه قدم على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يوم النحر، فذكر ذلك، فقال: ((اصنع كما يصنع المعتمر، ثم قد حللت، فإذا أدركت الحج، قابل حج، وأهد ما استيسر من الهدي))(٣). وروى الشافعي، وابن بكير(٤)، واللفظ له - عن مالك عن نافع (١) رواه الدارقطني ٢٤١/٢، رقم ٢١، وقال - رحمه الله -: ((مصعب ضعيف، ولم يأت به غيره))، وأورده القاضي في كتابه التعليق (مخطوط) ق/ ١٣٧، وقال ابن تيمية: ((رواه النجاد))، ينظر: شرح العمدة ٦٥٩/٢، وضعفه ابن الجوزي في كتابه التحقيق لأحاديث التعليق (مخطوط) ص ١٢٤. (٢) النازية: عين ثرة على طريق الآخذ من مكة إلى المدينة قرب الصفراء، وهي إلى المدينة أقرب، وإليها مضافة. ينظر: معجم البلدان ٢٥١/٥. (٣) مسند الشافعي ٣٨٤/١، ورواه مالك في الموطأ ٣٤٥/١، وقال محققا جامع الأصول ٣٩٨/٣، رقم ١٧٢٠: ((وإسناده صحيح))، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١٧٤/٥، قال الألباني في إرواء الغليل ٣٤٤/٤: ((إسناده صحيح)). (٤) وهو الإمام المحدث الحافظ الصدوق، أبو زكريا، القرشي المخزومي مولاهم المصري، سمع من الإمام مالك (الموطأ) مرات، ومن الليث كثيراً، وبكر بن مضر، وابن لهيعة، ويعقوب بن عبد الرحمن القارىء، والمغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، وحماد بن زيد، وبن وهب، وعدة، وروى عنه البخاري، وحرملة، ويحيى بن معين، وأبو زرعة الرازي، وخلق سواهم، احتج به الشيخان، وذكره ابن حبان في (الثقات)، قال أبو حاتم: ((لا يحتج به))، وقال النسائي: ضعيف، توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين. = ٢٢٧ عن سليمان بن يسار أن هبار بن الأسود جاء يوم النحر وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينحر هديه، فقال: يا (أمير) (١) المؤمنين، أخطأنا العدد، كنا نظن هذا اليوم يوم عرفة، فقال له عمر - رضي الله عنه -: ((اذهب إلى مكة، فطف أنت ومن معك، وانحر، وأهد إن كان معك، ثم احلقوا أو اقصروا، فإذا كان عام قابل، فحجوا وأهدوا، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع»(٢). ورواه إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة عن نافع عن سليمان عن هبار أنه حدثه أنه فاته الحج، فذكره موصولاً بمعناه. وعن نافع ابن عمر عن عمر - رضي الله عنهما - مثل ذلك، فصار حديثهما موصولاً من هذين الوجهين(٣). وروى الشافعي - رحمه الله -: أخبرنا أنس بن عياض عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: ((من أدرك ليلة النحر من الحاج، فوقف بجبل(٤) عرفة قبل أن يطلع الفجر، فقد أدرك الحج، ومن لم يدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر، ينظر: الجرح والتعديل ١٦٥/٩، سير أعلام النبلاء ١٦٢/١٠، وتهذيب = التهذيب ١٥٨/٤، والأعلام ٥٤/٨. (١) في الأصل ((يا أمير)). (٢) رواه مالك في الموطأ ٣٤٥/١، والشافعي في مسنده ٣٨٤/١، والبيهقي في السنن الكبرى ١٧٤/٥، وقال الألباني في إرواء الغليل ٢٦٠/٤: ((وهذا سند صحيح))، وقال محقق جامع الأصول ٣٩٩/٣: ((إسناده صحيح)). (٣) ينظر: السنن الكبرى للبيهقي ١٧٤/٥، ومعرفة السنن والآثار للبيهقي ٣٨٦/٧، وشرح العمدة لابن تيمية ٦٦٠ - ٦٦١. وينظر إرواء الغليل ٤ / ٢٦٠ - ٣٤٤ - ولأن الألباني يجمع الطرق وليس صاحب إسناد إلى رسول الله - 4*1 - كالبخاري فلم أمض على ذكره. (٤) في (أ): ((بجبال)). ٢٢٨ فقد فاته الحج، فليأت البيت، فليطف به(١) سبعاً، ويطوف بين الصفا والمروة سبعاً، ثم ليحلق، أو / يقصر إن شاء، وإن كان معه هدي [نهاية ١٠٦/أ] فلينحره قبل أن يحلق، فإذا فرغ من طوافه وسعيه، فليحلق أو يقصر، ثم ليرجع إلى أهله، فإن أدرك الحج قابل، فليحج إن استطاع، وليهد، فإن لم يجد هدياً، فليصم عنه ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله))(٢). وروي عن إبراهيم عن الأسود، قال: سألت عمر - رضي الله عنه - عن رجل فاته الحج، قال: ((يهل بعمرة، وعليه الحج من قابل، ثم خرجت العام المقبل، فلقيت زيد بن ثابت - رضي الله عنه - فسألته عن رجل فاته الحج، قال: ((يهل بعمرة، وعليه الحج من عام قابل)). وزاد فيه بعض الرواة ((وليس عليه هدي))، (وقال: ((فلقيت زيد بن ثابت - رضي الله عنه - بعد عشرين سنة، فقال مثل قول عمر رضي الله عنهما))(٣). فيحتمل أن يكون قوله: ((وليس عليه هدي)) (٤) زيادة من بعض الرواة ظناً منه. فقد روينا عن عمر - رضي الله عنه - أنه أمر بالهدي(٥)، وهو الزائد وهو أولى. (١) ساقطة من الأصل. (٢) مسند الشافعي ٣٥٣/١، ورواه مالك في الموطأ ٣٩٠/١، رقم ١٦٩، والسنن الكبرى للبيهقي ١٦٧/٥، ومعرفة السنن والآثار للبيهقي ٣٨٥/٧. (٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١٧٥/٥، ومعرفة السنن والآثار ٣٨٧/٧، وأورده القاضي في التعليق (مخطوط) ق/ ١٣٨، وقال: ((رواه أبو بكر النجاد بإسناده عن عمر وزيد)»، وذكر ابن تيمية أنه رواه النجاد، ينظر: شرح العمدة ٦٦١/٢. (٤) هامش الأصل. (٥) السنن الكبرى ٥/ ١٧٤ - ١٧٥، ومعرفة السنن والآثار ٧/ ٣٨٥ - ٣٨٩، وينظر الصفحة السابقة من هذه الرسالة. ٢٢٩ ويحتمل قوله: ((وليس عليه هدي)) - إن كان ثابتاً - أن يكون المراد به أن لا يتضيق عليه وقت إراقته، وكأنه أراد به - والله أعلم - سنة الفوات. فقد روينا عن عمر - رضي الله عنه - ((وأهد ما استيسر من الهدي))(١). والله أعلم. مسألة (٦١)(*): (١) السنن الكبرى ٥/ ١٧٤ - ١٧٥. (*) اختلف العلماء - رحمهم الله تعالى - في حكم دخول مكة بلا إحرام، ولذلك ست حالات: الأولى: أن يدخلها غير المكلف، والثانية: أن يدخلها من يتردد، ومكانه قريب، كأهل الطائف، والثالثة: أن يدخلها مكلف للحرم، والرابعة: أن يدخلها لقتال مباح، والخامسة: أن يدخلها، وهو لا يريد الحرم، وإنما يريد ما دونه من الحل. والسادسة أن يدخلها للحج والعمرة أو أحدهما. ومحل الخلاف هو الحالة الثالثة: أي من أراد دخول الحرم، وهو مكلف، ليس قريباً من مكة، ومن المترددين عليها. وقد اختلف العلماء في هذا على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجوز دخول الحرم بغير إحرام، وبه قال الشافعي، ورواية عن أحمد، وقول ابن حزم. والقول الثاني: يجب الإحرام على من دخل الحرم، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وهو مذهبه. والقول الثالث: يسن الإحرام لمريد الحرم، ولا يأثم بتركه، وهو قول مالك، ورواية عن أحمد. الأدلة: ذكر المؤلف أدلة الفريقين. ومن أدلة القول الأول: ١- أن رسول الله - رَليو - إنما جعل المواقيت لمن أراد النسك. ٢- أنه إذا ألزم بالنسك فقد ألزم بحج أو عمرة قد يكونان غير واجبين عليه بأصل الشرع، وبدون دليل. ومن أدلة الفريق الثاني: ١- أن دخولها بإحرام هو تعظيم للحرم. ٢- روى ابن حزم عن ابن عباس قوله: ((لا يدخل أحد مكة إلا محرماً». = ٢٣٠ والإحرام لمورد الحرم غير واجب، على أحد القولين(١). وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: ((يجب احرام بحج أو عمرة))(٢). في الصحيحين عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - بَّر - دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه مغفر)) (٣). وعند مسلم عن جابر - رضي الله عنه - أن رسول الله - الهرم - دخل يوم فتح مكة، وعليه عمامة سوداء بغير إحرام))(٤). وروى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أدلة القول الثالث: = آثار الصحابة المروية، وقد ذكرها المؤلف، ولأنها بقعة معظمة، ولأنه لم يرد عن الصحابة - رضوان الله عليهم - أنهم ألزموا من يجاوز الميقات بأن يعود ويحرم بالعمرة ونحو ذلك. وورد أن عثمان - رضي الله عنه - عام الحديبية دخل مكة بلا إحرام. الترجيح: الراجح القول الثالث: لأنه يأخذ بجميع الأدلة، ولأنه ليس فيه إيجاب، ولعظمة البيت الحرام، ولأنه لم يرد عن النبي - وَ ل و - أنه دخل مكة بغير إحرام إلا في حالة القتال، ولم يرد أنه ألزم بالإحرام كل من دخل مكة. وبالله التوفيق. ينظر: الأم ٢/ ١٤١، والمدونة ٣٧٧/١، والمحلى ٢٦٦/٧، والتمهيد لابن عبد البر ١٥٧/٦، والمبسوط ٥/ ١٧١ - ١٧٤، وشرح السنة للبغوي ٣٠٤/٧، والمجموع شرح المهذب ١٢/٧، وشرح العمدة لابن تيمية ٣٣٨/١، وفتح الباري ٥٨/٤، والإنصاف ٤٢٧/٣. (١) الأم للشافعي ٢/ ١٤٠- ١٤٢، ومغني المحتاج ٤٨٤/١، وحواشي الشرواني وابن قاسم العبادي على تحفة المحتاج ٤/ ٧٠ - ٧١. (٢) المبسوط ٤/ ١٦٧ - ١٧١، وبدائع الصنائع ١١٨١/٣، وحاشية ابن عابدين ٢/ ٤٩٢. (٣) البخاري ك/ الحج، أبواب العمرة، ب/ دخول الحرم ومكة بغير إحرام ٣/ ٤٣، رقم ٤٢١، ومسلم ك/ الحج، ب/ جواز دخول مكة بغير إحرام ٢/ ٩٨٩، رقم ١٣٥٧. (٤) مسلم ك/ الحج، ب/ جواز دخول مكة بغير إحرام ٢/ ٩٩٠، رقم ١٣٥٨. ٢٣١ أقبل من مكة، حتى إذا كان(١) بقديد(٢) جاءه خبر(٣) من المدينة، فرجع فدخل مكة بغير إحرام (٤) . (وعن ابن شهاب أنه سئل عن الرجل يدخل مكة بغير إحرام)(٥)، فقال: ((لا أرى بذلك بأساً))(٦). وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - بخلافه(٧). روى الشافعي عن ابن عيينة عن عمرو عن أبي الشعثاء أنه رأى ابن عباس - رضي الله عنهما - يرد من جاوز المواقيت غير محرم(٨). وثبت عنه أنه قال: ((ما يدخل مكة أحد من أهلها، ولا من غير أهلها إلا بإحرام)»(٩). (١) ساقطة من (أ). (٢) قديد: بضم القاف، وفتح الدال: واد بين مكة والمدينة، فيه قرى صغيرة، بينه وبين الجحفة أربعة وعشرون ميلاً. معجم البلدان ٤/ ٣١٣ - ٣١٤. (٣) قيل إنه خبر جيش، وقال ابن عبد البر في التمهيد ١٦٥/٦: ((إنه الفتنة)). وينظر تنوير الحوالك ٣٧٠/١. (٤) رواه مالك في الموطأ ١/ ٣٧٠، والبيهقي في السنن الكبرى ١٧٨/٥، وقال محقق جامع الأصول ٤١٧/٣، رقم ١٧٤٥: ((إسناده صحيح)). (٥) ساقط من (أ). (٦) رواه البيهقي في السنن الكبرى ١٧٨/٥، ورواه مالك مختصراً، ونصه: ((عن مالك عن ابن شهاب بمثل ذلك))، أي مثل حديث ابن عمر السابق: تنوير الحوالك ١/ ٣٧٠ - ٣٧١. وينظر: المحلى ٧٤/٧. (٧) رواه عن ابن عباس ابن أبي شيبة ٤/أ ٢١٠ - ٢١١، وقال ابن تيمية: رواه حرب، ينظر: شرح العمدة لابن تيمية ٣٥٢/١، وقال الشوكاني في نيل الأوطار: أخرجه ابن أبي تيمية عنه، وفي إسناده طلحة بن عمرو، وفيه ضعف. وأضاف أن نحوه عند البيهقي بسند جيد. ينظر: نيل الأوطار ٣٣/٦. والتلخيص الحبیر ٢٦٠/٢. (٨) مسند الشافعي ١١٦/٢، ورواه ابن أبي شيبة ١/٤ ٣١٥ - ٣١٦، رقم ٢٠٥٨، ٢٠٥٦. (٩) رواه ابن حزم في المحلى ٧/ ٧٣، والبيهقي في السنن الكبرى ١٧٧/٥ ، وينظر: نيل الأوطار ٣٣/٦. ٢٣٢ وروى خصيف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - وَ ل98 - قال: ((لا تجوز المواقيت إلا بإحرام)) (١) .. خصیف ليس بالقوي. وروى إسماعيل بن مسلم عن عطاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: ((فوالله ما دخلها رسول الله - وَ ل﴿ - إلا حاجاً أو معتمراً)(٢). وإسماعيل بن مسلم هذا ليس بالقوي: كيف وقد صح عن جابر - رضي الله عنه - أنه - وَلجر - دخلها بغير إحرام(٣). والله أعلم. مسألة (٦٢): وإذا قلنا: ((إنه يلزمه دخولها بنسك))، فلم يفعل فلا قضاء عليه(٤). وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: ((عليه القضاء))(٥)، فيحتاج أن يدخلها بحج أو عمرة، إلا أن يحج من سنته، فيدخل القضاء في حجة الإسلام. (لنا)(٦) حديث الأقرع بن حابس(٧). والله أعلم(٨). (١) رواه ابن أبي شيبة ٥٢/٤، وابن حزم في المحلى ٧/ ٧٠، وذكره القاضي أبو يعلى في التعليق (مخطوط) ق/ ١٢١. (٢) رواه البيهقي في السنن الكبرى، ك/ الحج، ب/ دخول مكة بغير إرادة حج أو عمرة ١٧٧/٥. (٣) سبق ذكره. (٤) الأم للشافعي ١٤١/٢، والمهذب ٢١٠/١، و٢١١، وحاشيتا قليوبي وعميرة ١٠٣/٢. (٥) المبسوط ١٧٤/٤، وبدائع الصنائع ١١٨١/٣. (٦) زيادة يقتضيها السياق. (٧) رواه أبو داود ٣٤٤/٢، رقم ١٧٢١، والنسائي ١١١/٥، رقم ٢٦١٩، وابن ماجه ٩٦٣/٢، رقم ٢٨٨٦، وأحمد ١٩٠/٢، والحاكم ٤٤١/١، وصححه، ووافقه الذهبي. ورواه البيهقي في السنن الكبرى ١٧٨/٥، ونصه عنده: ((أن الأقرع بن حابس قال: يا رسول الله، الحج كل عام؟ قال: لا، بل حجة، فمن حج بعد ذلك فهو تطوع، ولو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لم تسمعوا ولم تطيعوا)). (٨) ومما يستدل به لقول الشافعي قول ابن تيمية في شرح العمدة ٣٤٦/١: ١. = .. ٢٣٣ مسألة (٦٣): إذا بلغ الصبي قبل الوقوف بعرفة، أو في حال وقوفه بها انقلب حجه فرضاً، ويجزئه عن حجة الإسلام(١). وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: ((إحرامه لا يصح، فيحتاج إلى أن يستأنف الإحرام، وإلا فلا يدرك به حج الفرض))(٢). روى عبد الرحمن بن يعمر (٣): شهدت رسول الله - وَالله - يقول: ((الحج عرفة، من أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج، وتم حجه))(٤). والله أعلم. مسألة (٦٤): وما له مثل من النعم من الصيد، يجزى بمثله(٥). وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: ((بقيمته)) (٦). لأنها قربة مفعولة لحرمة المكان، فوجب ألا تقضى، كتحية المسجد، ولأن = الإحرام يراد للدخول، فإذا حصل الدخول بدونه لم تشرع إعادته، كالوضوء لصلاة النافة، ولأنها عبادة مشروعة بسبب، فتسقط عند فوات السبب، كصلاة الكسوف». (١) الأم للشافعي ١٣٠/٢، ومختصر المزني ص ٧٠، ونهاية المحتاج ٢٩٨/٣. (٢) المبسوط ١٣٠/٤، وتحفة الفقهاء ٥٨٣/١، وبدائع الصنائع ٣/ ١٠٨٢ - ١٠٨٤. (٣) هو عبد الرحمن بن يعمر الدئلي، له صحبة. عداده في أهل الكوفة. روى عن النبي - *. وعنه بكير بن عطاء الليثي. ذكره ابن حبان في الصحابة. ويقال: مات بخراسان. وقال مسلم والأزدي وغيرهما: لم يرو عنه غير بكير بن عطاء. ينظر: الثقات ٣٥٠/٣، وتهذيب التهذيب ٦/ ٢٧٠. (٤) رواه أبو داود ١٩٦/٢، رقم ١٩٤٩، والنسائي ١١٦/٥، رقم ٣٠٤٤، و٥/ ٢٦٤، وابن ماجه ١٠٠٣/٢، رقم ٣٠١٥، والدارمي ٥٩/٢، والبيهقي في السنن الكبرى ١٧٣/٥. وقال محقق جامع الأصول ٢٤٢/٣: ((إسناده صحيح)). ورواه الترمذي بلفظ آخر ٢٢٨/٣، رقم ٢٢٨، رقم ٨٨٩، ورواه الحميدي في مسنده ٣٩٩/٢، رقم ٨٩٩. وقال الألباني في إرواء الغليل ٢٥٦/٤: ((صحيح)). (٥) الأم للشافعي ٢/ ١٨٧ - ١٨٨، ومغني المحتاج ٥٢٩/١، وحواشي الشرواني وابن قاسم ١٨٦/٤. (٦) المبسوط ٧٩/٤، وبدائع الصنائع ١٢٥٩/٣، وحاشية ابن عابدين ٢ /٥٦٤. ٢٣٤ دليلنا قوله تعالى: ﴿فَجَزَآءُ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾(١). روي عن جابر - رضي الله عنه -، قال: ((جعل رسول الله - رَّير - في الضبع يصيبه المحرم كبشاً نجدياً، وجعله من الصيد»(٢). قال الشافعي - رحمه الله -: أخبرنا مالك، وسفيان عن أبي الزبير عن جابر أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ((قضى في الأرنب بعناق، وقضى في الغزال بعنز، وفي اليربوع بجفرة))(٣). وروى الأجلح ذلك مسنداً عن جابر مرفوعاً، وليس بالقوي عند أهل الحديث. والصواب: أنه من قول عمر موقوفاً(٤). وقال الشافعي - رحمه الله -: أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن (١) سورة المائدة: الآية ٩٥، قرأها بالرفع حمزة، والكسائي، وعاصم، وخلف، ويعقوب. وقرأها بالإضافة نافع، وابن عامر، وابن كثير، وأبو عمرو، وبهذه القراءة تأثير في دلالة الآية الكريمة: النشر في القراءات العشر ٢٥٥/٢. (٢) رواه أبو داود ٣٥٥/٣، رقم ٣٨٠١، والدارمي ٢ / ٧٤ - ٧٥، والحاكم ١/ ٤٥٢ - ٤٥٣، وقال: ((لخصه جرير بن حازم))، ثم رواه بإسنادين عن جابر، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه))، ووافقه الذهبي، ورواه جماعة من المحدثين بأسانيد مختلفة، قال الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢٤٢: ((صحيح)). (٣) الموطأ ٣٦٣/١ ومسند الشافعي ص ١٣٤، وغريب الحديث لأبي عبيد ٣/ ٢٩٢، ومصنف عبد الرزاق رقم ٨٢١٦، والطحاوي في مشكل الآثار ٣٧٢/٤، والبيهقي في السنن الكبرى ١٨٤/٥. (٤) ينظر أبو داود ٣٥٥/٣، رقم ٣٨٠١، وابن ماجه ١٠١٦/٢، رقم ٣٠٨٥، والأم ٧٧/٢، وابن أبي شيبة ٧٧/٤، والمنتقى لابن الجارود ص ٤٣٩، وابن خزيمة ١٨٢/٤، رقم ٢٦٤٥، و٢٦٤٧، والدارقطني ٢٤٧/٢، والبيهقي في السنن الكبرى ١٨٣/٥، فقد أخرجوه، وتكلموا عنه، قال الألباني في إرواء الغليل ٢٤٥/٤: ((إنه صحيح موقوفاً)) يعني على عمر. ٢٣٥ جريج عن عطاء، أن عثمان بن عبد الله بن حميد، قتل ابن له حمامة، فجاء ابن عباس - رضي الله عنهما -، فقال ذلك له، فقال ابن عباس: ((يذبح شاة؛ فيتصدق بها)). قال ابن جريج فقلت لعطاء: ((أمن حمام مكة؟)) قال: ((نعم))(١). وقال الشافعي - رحمه الله - أخبرنا سفيان، أخبرنا مخارق(٢) عن طارق بن شهاب، قال: ((خرجنا حجاجاً (فأوطأ)(٣) رجل منا - يقال له أريد (٤) - ضباً (ففزر) ظهره، فقدمنا على عمر - رضي الله عنه - فسأله أربد، فقال له عمر: ((احكم يا أربد فيه))، فقال: أنت خير مني يا أمير المؤمنين (وأعلم)، فقال عمر: إنما أمرتك أن تحكم فيه، ولم آمرك أن تزكيني)»، فقال أربد: أرى فيه جدياً قد جمع الماء والشجر، فقال عمر - رضي الله عنه -: فذاك فيه))(٥). قال مالك - رحمه الله - عن عبد الملك بن قرير(٦) عن (١) مسند الشافعي ١٣٥/٤. (٢) هو مخارق بن عبد الله بن جابر الأحمس، وقال وكيع: ((مخارق بن خليفة، ويقال: ابن عبد الرحمن))، كوفي، سمع طارق بن شهاب، روى عنه الثوري، وشعبة . ينظر: التاريخ الكبير ٤٣١/٧، رقم ١٨٩٢. (٣) وفي النسخ الأصل ((وطىء))، وفي الأخريين ((ووجأ))، والتصويب من البيهقي في السنن. (٤) هو أربد بن عبد الله البجلي، أدرك الجاهلية، وحكمه عمر في القصة التي أوردها المؤلف، وذكر الحافظ ابن حجر الحديث بإسناد الدارقطني، وقال: (إسناده صحيح))، ورواه الأعمش عن سليمان بن عيسى عن طارق ولم يسم الرجل. الإصابة ١٠٤/١. (٥) مسند الشافعي ص ١٣٥، ورواه الدارقطني في المصنف ٤٠٢/٤، رقم ٨٢٢٠- ٨٢٢١، والبيهقي في السنن الكبرى ١٨٢/٥. (٦) اختلف العلماء في ((عبد الملك بن قرير))، فذهب ابن معين، والبخاري إلى أنه (عبد الملك بن قريب الأصمعي))، وأن مالكاً غلط في ذكر اسمه، وقد نقل عن = ٢٣٦ محمد بن سيرين أن رجلاً جاء إلى عمر، فقال / : ((إني أجريت أنا [نهاية ١٠٦/ب] وصاحبي فرسين لنا إلى ثغرة ثنية، فأصبنا ظبياً ونحن محرمان فما ترى؟ فقال عمر لرجل إلى جنبه: ((تعال، حتى أحكم أنا وأنت))، قال: فحكما عليه بعنز(١). والرجل عبد الرحمن بن عوف(٢). وروي عن علي بن أبي طلحة(٣) عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ((إذا قتل المحرم شيئاً من الصيد، حكم عليه))، وذكر في الظبي شاة، وفي الإبل بقرة، وفي النعامة وحمار الوحش بدنة (٤). وفي هذا إرسال بين ابن أبي طلحة، وابن عباس - رضي الله عنهما، الأصمعي أنه قال: ((سمع مني مالك بن أنس))، وذهب آخرون منهم يحيى بن = بكير وابن أبي حاتم إلى أنه غير الأصمعي، وإنما هو عبد الملك بن قرير، بصري، أخو عبد العزيز بن قرير. ولعله هو الصواب، فإن عبد الملك بن قرير هنا يروي عن ابن سيرين المتوفى ١١٠هـ، والأصمعي توفي ٢١٦هـ، عن ٩١ سنة، وولد سنة بضع وعشرين ومائة فلا يروي عن ابن سيرين، كما أن مالكاً توفي قبله بقرابة ٤٠ سنة التاريخ الكبير ٤٢٨/٥، والجرح والتعديل ٣٦٣/٥، وطبقات النحويين واللغويين للزبيدي ص ١٧٤، وسير أعلام النبلاء ١٠/ ١٧٥ - ١٨١، وتهذيب التهذيب ٦/ ٣٥٢، و٤١٦، و٤١٧. (١) رواه مالك في الموطأ ١/ ٣٦٣ - ٣٦٤. (٢) تكملة الحديث عند مالك « ..... فولى الرجل وهو يقول هذا أمير المؤمنين، لا يستطيع أن يحكم في ظبي، حتى دعا رجلاً يحكم معه، فسمع عمر قول الرجل، فدعاه، فسأله: ((هل تقرأ سورة المائدة؟)) قال: ((لا))، قال: ((فهل تعرف هذا الرجل الذي حكم معي))، فقال: ((لا))، فقال: ((لو أخبرتني أنك تقرأ سورة المائدة لأوجعناك ضرباً)، ثم قال: ((إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم هدياً بالغ الكعبة﴾، وهذا عبد الرحمن بن عوف)). ورواه الدارقطني في مصنفه ٤٠٨/٤، رقم ٨٢٤١، وابن أبي شيبة في مصنفه ٢/٤، و٨٦، والبيهقي ١٨٣/٥. (٣) هو علي بن أبي طلحة، سالم مولى بني العباس من حمص، أرسل عن ابن عباس، ولم يره، من السادسة، صدوق قد يخطىء، مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، وروى له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. ينظر: تهذيب التهذيب ٧/ ٣٣٩ - ٣٤١، وتقريب التهذيب ٣٩/٢. (٤) رواه البيهقي في السنن الكبرى ١٨٣/٥، وابن حزم في المحلى ٢٢٦/٧. ٢٣٧ فإن ثبت فنقول بقوله بوجوب المثل، ونخالفه في كيفية التعديل بظاهر الکتاب وقول غيره(١). وروي عنه أن في الأرنب عناقاً(٢). وروي عن عطاء عن عمر، وعثمان، وابن عباس - رضي الله عنهما - في حمام مكة شاة(٣). وروي عنه بإسناد مجهول عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في الطير، والعصفور: يهريق دماً، والدم شاة (٤). وروي عن ابن عوف، وابن أبي وقاص - رضي الله عنهما - أنهما(٥) حكما في ظبي بتيس المعز (٦). وروي عن عمرو بن حبشي (٧) قال: ((مررت بالمسجد، فدعاني عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما -، فقال: ما تقول في ولد أرنب أصابه المحرم؟ فقلت: أنت أعلم بذلك، فقال: إنه ليس بي عناء، ولكن قول الله - عز وجل -: ﴿يَحْكُمُ بِهِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ (٨)، (١) ينظر: المحلى لابن حزم ٢٢٦/٧، و٢٢٩، والسنن الكبرى للبيهقي ٥/ ١٨٣ - ١٨٤. (٢) روى عبد الرزاق عن عمر - رضي الله عنه - في الأرنب عناقاً، ينظر: المصنف ٤٠٣/٤، وروى في مصنفه ٤٠٤/٤ عن ابن عباس - رضي الله عنه - في الأرنب جذعاً أو فطيمة، ورواه البيهقي في السنن الكبرى ١٨٤/٥. (٣) رواه عبد الرزاق في المصنف ٤١٤/٤، وينظر: السنن الكبرى ٢٠٥/٥. (٤) وجدت عند عبد الرزاق بسنده عن عطاء مثل هذا، ينظر: المصنف ٤/ ٤١٧، رقم ٨٢٨٠- ٨٢٨١. (٥) ساقط في الأخريين. (٦) رواه ابن حزم في المحلى ٧/ ٢٢٨ .. والبيهقي في السنن الكبرى ٥/ ١٨١ -١٨٢. (٧) هو عمرو بن حبشي الزبيدي الكوفي، روى عن علي، وابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهم، وروى عنه إسحاق السبيعي، وعبد الله بن المعدام، وابن الورد الطائفي، ذكره ابن حبان في الثقات: الثقات ١٧٣/٥، وتهذيب التهذيب ١٥/٨. (٨) سورة المائدة: الآية ٩٥. ٢٣٨ قلت: ولد شاة، قال: صدقت))(١). وروي عن مجاهد عن علي - رضي الله عنه - في الضبع: ((إذا عدا على المحرم، فليقتله، فإن قتله من قبل أن يعدو عليه فعليه شاة مسنة(٢)(٣). وروي عن عكرمة أن مروان سأل ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: أرأيت ما أصبنا من الصيد، لم نجد له فداء من النعم؟ قال: ((قيمة ذلك طعاماً لأهل مكة)) (٤). وروى محمد بن أشرس - وكان يضع الحديث - عن جابر حديثاً مرفوعاً: ((من أشار إلى حرام بصيد فعليه صيام، أو إطعام وإن كان المشير حلالاً))(٥). والله أعلم. مسألة (٦٥): ولا يحل للمحرم لحم ما يصطاد له(٦). وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: ((يحل))(٧). دليلنا ما روي عن جابر - رحمه الله - أن رسول الله - رَله - قال: ((لحم صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه، أو يصاد لكم))(٨). (١) رواه البيهقي - مختصراً - في معرفة والآثار ٤١٩/٧، رقم ١٠٥٥. (٢) مسنة: كبيرة، وأدناه في الشاة والبقر الثني، وأقصاه فيها الصلوع. الصلوع الكبيرة جداً التي انسلخ شعرها. ينظر: المغرب للمطرزي ص ٢٣٧. (٣) الأم للشافعي ١٩٣/٢، وابن أبي شيبة في المصنف ٤/ ٧٦٢. (٤) رواه عبد الرزاق في المصنف ٤٣٨/٤، رقم ٨٣٥٨، ولكن ذكر أن ابن عباس - رضي الله عنهما - هو الذي سأل مروان بلفظ يختلف عن هذا، والمعنى واحد، إن شاء الله، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١٨٧/٥. (٥) لم أجده. (٦) المهذب ٢١٨/١، ونهاية المحتاج ٣٥٣/٣. (٧) بدائع الصنائع ١٢٧٢/٣، و١٢٧٣، و١٢٧٤، وفتح القدير لابن الهمام ٣٤٦/٣. (٨) في الترمذي زيادة ((وأنتم حرم)). ٢٣٩ قال لنا أبو عبد الله: ((هذا حديث صحيح))(١). وفي حديث أبي قتادة (٢) - رضي الله عنه - قال: خرجت زمن الحديبية، فأحرم أصحابي، ولم أحرم، فرأيت حماراً، فحملت عليه فاصطدته، فذكرت شأنه لرسول الله - وَ اللهـ، وذكرت(٣) أني لم أكن أحرمت، وأني إنما اصطدته لك، فأمر النبي - بَطار - أصحابه، فأكلوا، ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته له))(٤). قال أبو بكر النيسابوري، قوله: ((اصطدته لك))، وقوله: ((ولم يأكل منه)) لا أعلم أحداً ذكر في هذا الحديث غير معمر(٥)، وهو (١) رواه أبو داود ١٧١/٢، رقم ١٨٥١، والترمذي ٣/ ١٩٤ - ١٩٥، رقم ٨٤٦، والنسائي ١٨٧/٥، رقم ٢٨٢٧، ورواه أحمد ٣٨٩/٣، والحكام ٤٥٢/١، وصححه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن الكبرى ١٩٠/٥، وينظر: التلخيص الحبير ٢٩٦/٢، وابن خزيمة ٤ /١٨٠. وقال السيوطي في حاشيته على النسائي ١٨٧/٥: ((قال الشيخ ولي الدين: هكذا رواية ((يصاد)) بالإلف، وهي جائزة على لغة، وللحديث طرق متعددة)). (٢) هو الحارث بن ربعي ـ على الصحيح -، أبو قتادة، فارس رسول الله - ﴿ * -، شهد أحداً، والخندق، والحديبية، وله عدة أحاديث، حدث عنه أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن يسار، وآخرون، توفي - رضي الله عنه - بالمدينة سنة أربع وخمسين. ينظر: طبقات ابن سعد ١٥/٦، والتاريخ الكبير ٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩، والجرح والتعديل ٧٤/٣، وأسد الغابة ٦/ ٢٥٠، وسير أعلام النبلاء ٢ / ٤٤٩ - ٤٥٦. (٣) في الأخريين ((وذكر). (٤) رواه ابن ماجه ١٠٣٣/٢، رقم ٣٠٩٣، وأحمد ٣٠٤/٥، والدارقطني ١٩١/٢، رقم ٢٤٨، والبيهقي في السنن الكبرى ١٩٠/٥ وصححه، وأخرجه ابن خزيمة ١٧٧/٤، رقم ٢٦٣٦، وينظر: الفتح الرباني ٢٤٥/١١، رقم ١٩٦، ونيل الأوطار ٢٦/٥، وإرواء الغليل ٢١٣/٤، رقم ١٠٢٨. (٥) هو معمر بن سليمان بن راشد الرقي، عالم اليمن، أو عبد الله النخعي، من أصحاب الزهري، توفي سنة ١٥٣ هـ، سمع الحجاج بن أرطاة، قال أحمد: حسن الهيئة، قال الدارمي: سألت يحيى بن معين عن أصحاب الزهري قلت: ابن عيينة أحب إليك أو معمر؟ قال: معمر، قلت: فمعمر أحب إليك أو يونس؟ قال: معمر. = ٢٤٠