النص المفهرس

صفحات 121-140

قال البيهقي: ((وهو إسناد صحيح، ليس في الباب أصح
منه))(١).
و(٢) رواه جماعة مثل ابن معين، وابن نمير(٣)، وهارون بن
إسحاق، وغيرهم عن عبدة هكذا مرفوعاً، وعبدة بن سليمان حجة،
اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بروايته.
كيف؟ وقد روي عن الأنصاري، ومحمد بن بشر، وأبي يوسف
عن سعيد هكذا، وعروة هذا هو ابن يحيى(٤). أخبرنا أبو عبد الله
الحافظ قال: سمعت أبا علي الحافظ يقول ذلك.
قال: ((وقد روى قتادة أيضاً عن عروة بن تميم، وعن عروة بن عبد
الرحمن. وقصرته جماعة، فأوقفوه على ابن عباس، رضي الله عنهما)).
(١) ينظر: معرفة السنن والآثار ٧ / ٢٨ - ٣٠.
(٢) ساقطة في الأخريين.
(٣) هو محمد بن عبدالله بن نمير، الحافظ الحجة، أبو عبد الرحمن الهمداني، ثم
الخارفي، مولاهم، الكوفي. ولد سنة نيف وستين ومائة، فهو من أقران
أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني. حدث عن أبيه الحافظ عبد الله بن نمير،
والمطلب بن زياد، وعمر بن عبيد الطنافسي، وسفيان بن عيينة، وغيرهم.
وحدث عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقة يحتج بحديثه. وقال أبو داود: هو أثبت من أبيه. وقال
النسائي: ثقة مأمون. وقال أحمد بن عبد الله العجلي: كوفي ثقة يعد من
أصحاب الحديث. قال أبو إسماعيل الترمذي: كان أحمد بن حنبل يعظم
محمد بن عبد الله بن نمير تعظيماً عجيباً، ويقول: أي فتى هذا! وقال
البخاري: مات في شعبان، أو رمضان سنة أربع وثلاثين ومائتين. وقال ابن
حبان: في شعبان.
ينظر: طبقات ابن سعد ٤١٣/٦، والجرح والتعديل ١/ ٣٢٠ - ٣٢٨، وتذكرة
الحفاظ ٤٣٩، وسير أعلام النبلاء ٤٥٥/١١، وتهذيب التهذيب ٩/ ٢٨٢-
٢٨٣، وطبقات الحفاظ ١٩٢ - ١٩٣.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي ٣٣٦/٤، والسنن الصغير ١٣٦/٢، ومعرفة السنن والآثار
٣٠/٧.
١٢١

وروي عن عائشة، وعن جابر أيضاً، والإسناد الأول أصح ما في
هذا الباب(١) .
وروي أن امرأة سألت ابن عمر - رضي الله عنهما -، قالت:
إني نذرت أن أحج، فلم أحج(٢)، فقال: ((ابدئي بحجة
الإسلام»(٣).
وعن أنس - رضي الله عنه - فيمن نذر أن يحج فلم يحج قط،
قال: ((ليبدأ بالفريضة» (٤).
وربما استدلوا بما روى الحسن بن عمارة عن عبد الملك(٥)
عن طاووس عن ابن عباس قال: ((سمع النبي - وَلّ - رجلاً يلبي عن
نبيشة، فقال: أيها الملبي، هذه عن (٦) نبيشة، واحجج عن
نفسك)»(٧) .
قال علي بن عمر: ((تفرد الحسن (بن عمارة، وهو متروك
الحديث، والمحفوظ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - حديث
شبرمة، ويقال: إن الحسن)(٨) رجع عنه إلى الصواب، فحدث
[نهاية ٩٧/ أ] به (٩) موافقاً لرواية غيره عن ابن عباس / - رضي الله عنهما -،
(١) سنن الدارقطني ٢/ ٢٦٧ - ٢٦٩، والسنن الكبرى للبيهقي ٣٣٦/٤.
(٢) ساقطة من (أ).
(٣) السنن الكبرى للبيهقي ٣٣٩/٤.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي ٣٣٩/٤.
(٥) عبد الملك بن ميسرة، المكي، يروي عن الحجازيين، روى عنه أبو داود
الطيالسي وغيره.
ينظر: التاريخ الكبير ٤٣١/٥، والثقات لابن حبان ٧/ ١٠٨.
(٦) ساقطة من (أ).
(٧) رواه الدارقطني ٢٦٩/٢، رقم ١٥٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٣٣٧.
(٨) هامش ص ٩٧/أ.
(٩) في الأصل: ((عنه)).
١٢٢

وهو متروك على كل حال))(١). والله أعلم (٢).
مسألة (٢٥)(*):
(١) الدارقطني ٢/ ٢٦٩ - ٢٧٠، وبهامشه التعليق المغني، والسنن الكبرى للبيهقي
٣٣٧/٤، وقال البيهقي في معرفة السنن والآثار ٣٠/٧: ((وحديث نُبيشة
باطل».
(٢) وقد ذكر ابن تيمية في شرح العمدة ١/ ٢٩٠ ما يصلح أن يكون استدلالاً لقول
أبي حنيفة، فقال - رحمه الله -: ((ووجه ذلك أن النبي - * - أذن للخثعمية أن
تحج عن أبيها، ولم يستفصل هل حجت عن نفسها أو لم تحج، وكذلك
الجهنية أذن لها أن تحج عن أمها نذرها، وللمرأة الأخرى، ولأبي رُزين
وغيرهم، ولم يستفصل واحداً منهم، ولا أمره أن يبدأ بالحج عن نفسه. وأيضاً
فإنه عمل تدخله النيابة فجاز أن ينوب عن غيره قبل أن يؤديه عن نفسه كقضاء
الديون وأداء الزكاة والكفارات ... )) ا. هـ. مختصراً. وينظر: الفروع ٢٦٨/٣،
والمبدع ١٠٣/٣، والإنصاف ٤١٦/٣.
قلت: يمكن أن يجاب عن هذا بأنها أدلة عامة مطلقة عن الاستفصال يمكن
تقييدها بقصة شبرمة، ونبيشة، والراجح قول الإمام الشافعي، رحمه الله تعالى.
ينظر: المجموع شرح المهذب للنووي ٧ / ٩٠.
(*) اختلف العلماء - رحمهم الله تعالى - في وجوب الحج على المرأة إذا لم يكن
معها أو لها محرم على قولين ذكرهما المؤلف:
الأول: يلزمها الخروج إلى الحج بصحبة النساء الثقات، وهو قول الشافعي،
ورواية عن الإمام أحمد، وبه قال ابن سيرين، وعطاء، وقتادة، والحكم بن
عتبة، والأوزاعي، ومالك، وأبي سليمان، وغيرهم، رحمهم الله.
الثاني: ليس لها أن تحج إلا بمحرم، فإن لم تجد سقط عنها الفرض، وهو
قول أبي حنيفة وأحمد، وبه قال الحسن والنخعي، وإسحاق، وابن المنذر،
واختاره ابن تيمية، رحمهم الله أجمعين.
الأدلة: ذكر المؤلف جملة من أدلة الفريقين. ومن أدلة أصحاب القول الأول
أيضاً:
١- انقطاع الإطماع بإحداهن إذا اجتمعن، وأمن الفتنة، ينظر: نهاية المحتاج
للرملي ٢٥١/٣.
٢- روى ابن حزم في المحلى من طريق سعيد بن منصور بسنده عن نافع مولى
ابن عمر قال: ((كان يسافر مع عبد الله بن عمر موليات له ليس معهن محرم))
المحلى ٤٨/٧.
١٢٣
=

يلزم المرأة الخروج إلى الحج صحبة النساء الثقات، كما يلزمها
صحبة المحرم(١). وقال أبو حنيفة: ((إذا لم يكن معها محرم يخرج
معها لم يلزمها الحج))(٢).
قال الله - عز وجل -: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ أَسْتَطَاعَ
إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾(٣).
وروي عن قتادة عن أنس - رضي الله عنه - أن
رسول الله - وَلّ ـ سئل عن قول الله تعالى: ﴿مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
سَبِيلاً﴾(٣)، فقيل: وما السبيل؟ قال: ((الزاد والراحلة)).
قال الحاكم أبو عبد الله: ((هذا حديث صحيح))(٤).
ومن أدلة أصحاب القول الثاني :
=
١- إن الزوج والمحرم من السبيل المشار إليه في الآية الكريمة، المغني ٣٠/٥.
إجماع العلماء على أن المرأة لا يجوز لها السفر إلا على وجه يؤمن فيه البلاء،
واشتراط ما اشترطه الله ورسوله أحق وأوثق ا. هـ. شرح العمدة لابن تيمية ١/
١٧٥ - ١٧٦.
الترجيح :
الراجح هو قول أبي حنيفة ومن وافقه. ويجاب عن أدلة الفريق الأول بأن الفتنة
لا تؤمن باجتماع النساء؛ لأن القوامة من خصائص الرجل، وموليات ابن عمر
هو محرمهن. وحديث ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)) ليس في شأن الحج،
وإنما هو في الصلاة في المساجد مع أمن الفتنة منهن وعليهن. وقول
النبي - وَّ ـ لعدي إنما هو خبر عن واقعة ستكون، وليس حكماً شرعياً بجواز
ذلك، لما سبق منه مَ# - من بيان. وقول عائشة قول صحابي، وليس معارضاً
الأحاديث الصحيحة، وبالله التوفيق.
ينظر: المدونة الكبرى ٤٤٢/١، والكافي لابن عبد البر ٣٥٦/١، والمغني ٥٪
٣٠، وشرح العمدة لابن تيمية ١٧٦/١، والإنصاف ٤١٠/٣، و٤١١.
(١) الأم ١١٧/٢، ونهاية المحتاج ٢٥٠/٣، وحواشي الشرواني وابن قاسم ٢٥/٤.
(٢) تحفة الفقهاء ٥٨٩/١، وفتح القدير ٣٣٠/٢، وحاشية ابن عابدين ٤٦٤/٢.
(٣) سورة آل عمران: الآية ٩٧.
(٤) المستدرك للحاكم ٤٤٢/١، ووافقه الذهبي على التصحيح. ورواه الدارقطني
٢١٦/٢، رقم ٧٠٦، وينظر إرواء الغليل ٤ /١٦٠، رقم ٩٨٨.
١٢٤

هكذا روي بهذا الإسناد، والمحفوظ عن قتادة، وغيره عن
الحسن عن النبي - 983 - مرسلاً (١).
وفي الصحيحين عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن
(رسول الله) (٢) - رَ﴿ - قال: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله))(٣).
وعند البخاري عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - قال: ((كنت
عند (رسول الله) (٤) - ◌َ﴿ - فجاءه رجلان أحدهما يشكو العيلة،
والآخر يشكو قطع السبيل، قال: فقال: لا يأتي عليك إلا قليل حتى
تخرج المرأة من الحيرة إلى مكة بغير خفير ... )) وذكر باقي
الحديث(٥) .
وروى إسرائيل عن سعد الطائي(٦) في هذا الحديث: ((فإن طالت
بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف الكعبة لا تخاف
أحداً إلا الله))(٧).
(١) السنن الكبرى للبيهقي ٢٣٠/٤.
(٢) من (ب)، وفي (أ): ((النبي)).
(٣) البخاري ك/ الجمعة، ب/ هل على من تشهد الجمعة غسل، رقم ٢٣،
ومسلم ك/ الصلاة، ب/ خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة،
وأنها لا تخرج مطيبة، ٣٢٧/١، رقم ١٣٦/٤٤٢، وينظر: البخاري مع فتح
الباري ٢/ ٣٨٣.
(٤) في (ب): ((النبي)).
(٥) البخاري ك/ المحصر، ب/ حج النساء ٢٤/٣، وينظر: البخاري ك/ الجهاد،
ب/ من اكتتب في جيش فخرجت امرأته حاجة ٧٢/٤، وك/ النكاح، ب/ لا
يخلون رجل بامرأة ٤٨/٧.
(٦) هو سعد بن الأخرم الطائي الكوفي، مختلف في صحبته. روى عن ابن
مسعود. وعنه روى ابنه المغيرة. ذكره مسلم في الطبقة الأولى من أهل الكوفة.
وذكره ابن حبان في الصحابة، ثم أعاد ذكره في التابعين من الثقات.
ينظر: الثقات ٣/ ١٥٠، والتهذيب ٤٠٤/٣.
(٧) البخاري ك/ المحصر، ب/ حج النساء ٢٤/٣، وينظر: البخاري ٤/ ٧٢، و٧/
٤٨.
١٢٥

قال عدي - رضي الله عنه - في آخره: ((قد رأيت الظعينة ترتحل
من الكوفة حتى تطوف بالبيت».
ورواه أبو عبيدة بن حذيفة(١) عن عدي - رضي الله عنه - عن
النبي - لر -: ((يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة إلى مكة بلا
مجوزه))(٢)، قال: ((وقد كان ذلك - والله - عزيزاً في الجاهلية))(٣).
واستدلوا بما في الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما -
قال: ((سمعت رسول الله - وَله - يقول: لا يخلون رجل بامرأة، ولا
يحل لامرأة أن تسافر إلا ومعها ذو محرم، فقام رجل فقال: يا
رسول الله: إني اكْتُتِبْتُ في غزوة كذا وكذا، وإن امرأتي انطلقت
حاجة، فقال: انطلق فاحجج بامرأتك))(٤) .
وروي عن الزهري عن عمرة أنها كانت عند عائشة -
رضي الله عنها - زوج النبي - 14 - فأخبرت أن أبا سعيد(٥) يخبر
عن رسول الله - وَلو - قال: لا يحل للمرأة أن تسافر ثلاثة أيام
إلا ومعها ذو محرم، فالتفتت إليها (٦) عائشة - رضي الله عنها -
(١) هو أبو عبيدة بن حذيفة بن الخيار العبسي، روى عن أبيه حذيفة، وعن أبي
موسى الأشعري، وروى عنه يوسف بن ميمون القرشي، ومحمد بن سيرين،
ويزيد بن خالد الواسطي، مقبول، من الثانية.
ينظر: الاستغناء ١٣٩١/٣، وتقريب التهذيب ٤٤٨/٢، وتعجيل المنفعة ٥٥٢.
(٢) رواه الدارقطني بأسانيد متعددة ٢/ ٢٢١ - ٢٢٢.
(٣) هذا الحديث خبر عن النبي - 8 * - على سبيل الإخبار، والأخبار لا يستفاد منها
تحليل أو تحريم، كعلامات الساعة.
(٤) البخاري ك/ الحج، ب/ ما جاء في حج النساء ٤٧/٣، رقم ٤٣٣، ومسلم
ك/ الحج، ب/ سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره ٩٧٨/٢، رقم ١٣٤١.
واللفظ لمسلم.
(٥) وعن الزهري رواه مسلم في صحيحه ٢/ ٩٧٥ - ٩٧٧ بأسانيد عديدة، وينظر:
المعجم الصغير للطبراني ٣١١/٢، رقم ٨٣٧.
(٦) في الأخريين: ((إلينا)).
١٢٦

فقالت: ما كلهن لها (ذو) (١) محرم)) رواته ثقات(٢).
وفي قولها - رضي الله عنها - دلالة على أن الخبر ورد في غير
السفر الواجب، وأن المقصود من الخبر الحياطة عليها. ألا ترى أنه
في حديث (أبي هريرة)(٣) ذكر يوماً، وفي حديث أبي سعيد ثلاثة أيام،
والكل في صحيح مسلم، وليس في حديث ابن عباس ذكر المدة،
فدل على أن المراد بهذه الأخبار صيانتها عما يخشى عليها، سواء كان
السفر ثلاثة أيام، أو أقل أو أكثر. ونحن إنما نوجب عليها الخروج في
موضع تكون فيه آمنة.
وما روي عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: ((سمعت
رسول الله - * - يقول: لا تسافر المرأة (سفراً)(٤) ثلاثة أيام، أو
تحجج إلا ومعها زوجها)»(٥) .
وهذا اللفظ: ((أو تحجج)) ليس بمحفوظ، وراويه جابر الجعفي،
وهو كذاب كما سبق ذكره. والله أعلم.
مسألة (٢٦):
والحج موسع الوقت، يجوز تأخيره بعد وجوبه(٦). وقال
العراقيون: ((إنه مضيق الوقت، يكون مؤخره عن سنة وجوبه
مفرطاً»(٧) .
(١) هامش ٩٧ /أ.
(٢) رواه الشافعي في الأم ١١٧/١، والبيهقي في السنن الصغير ١٣٩/٢، وابن
حزم في المحلى ٧/ ٤٧، رقم ٨١٣.
(٣) ساقطة في الأصل.
(٤) من نص الحديث في الدارقطني ٢٢٣/٢.
(٥) رواه الدارقطني ٢٢٣/٢، والبيهقي في معرفة السنن والآثار ٥٠٨/٧، والسنن
الکبری له ٢٢٧/٥.
(٦) مختصر المزني ص ٦٢، والمهذب ٢٠٤/١، ونهاية المحتاج ٢٣٥/٣.
(٧) بل المسألة عندهم على قولين: أحدهما كالقول الأول، والثاني هذا. ينظر : =
١٢٧

قال الشافعي - رحمه الله -: ((أنزلت فريضة الحج بعد الهجرة،
وأمَّر رسول الله - بَليـ ــ على الحج، وتخلف - عليه السلام - بالمدينة
بعد منصرفه من تبوك (١)، لا محارباً، ولا مشغولاً بشيء، وتخلف أكثر
المسلمين قادرين على الحج، وأزواج رسول الله - صل * -، ولو كان
كمن ترك الصلاة حتى يخرج وقتها ما ترك رسول الله - رومي - الفرض،
ولا ترك المتخلفين عنه، ولم يحج - عليه السلام - بعد فرض الحج
إلا حجة الإسلام، وهي حجة الوداع))(٢).
وفي الصحيحين من(٣) حديث كعب بن عجرة أن
رسول الله - * - رآه - والقمل يسقط على وجهه - فقال: ((أيؤذيك
هوامُّك؟)) قال: ((نعم))، فأمره أن يحلق(٤). وهم بالحديبية، لم يتبين
[نهاية ٩٧/ب] أنهم يحلون بها وهم على طمع من دخول / مكة، فأنزل الله - عز
وجل - الفدية، فأمره رسول الله - وَ ل د - أن يطعم فرقاً بين ستة
مساكين، أو يصوم ثلاثة أيام، أو ينسك شاة(٥).
تحفة الفقهاء ٥٧٨/١، وقال فيها: ((وذكر الزجاجي مسألة الحج على
=
الاختلاف، فقال: على قول أبي يوسف يجب على الفور، وعلى قول محمد
يجب على التراخي. وفائدة الخلاف أن من أخر الحج عن أول أحوال الإمكان
هل يأثم أم لا؟ لا خلاف أنه إذا أخر، ثم أدى في سنة أخرى فإنه يكون
مؤدياً، ولا يكون قاضياً، بخلاف العبادات المؤقتة إذا فاتت عن أوقاتها ثم
أديت يكون قضاء بالإجماع. وهذا حجة محمد في المسألة)): فتح القدير ٢/
٣٢٣ - ٣٢٥، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٤٥٦ - ٤٥٧.
(١) غزوة تبوك كانت في شهر رجب سنة تسع من الهجرة، ينظر: سيرة ابن هشام ٤/
٢٤٨، والسنن الكبرى للبيهقي ٣٤١/٤، وعيون الأثر لابن سيد الناس ٢٥٣/٢.
(٢) ينظر: زاد المعاد لابن القيم ١٠١/٢.
(٣) ساقطة في الأخريين.
(٤) البخاري ك/ الحج، ب/ قول الله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً ... ﴾ ٣/
٣٠، رقم ٣٩٠ - ٣٩١، ومسلم ك/ الحج، ب/ جواز حلق الرأس للمحرم إذا
كان به أذى ٢/ ٨٥٩ - ٨٦٢، رقم ١٢٠١ (٨٠- ٨٦).
(٥) السنن الكبرى للبيهقي، ك/ الحج، ب/ من احتاج إلى حلق رأسه للأذى حلقه
وافتدى ٥٥/٥.
١٢٨

وفيه دليل على أن(١) قوله: (٢) ﴿وَيِّقُواْ الْمَجَّ وَالْعُبْرَةَ لِلَّهِّ﴾ .... إلى
قوله: ﴿فَفِدْيَّةٌ مِّنِ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ نٍُّ﴾(٣) ... إلى آخره نزل زمن
الحديبية، والحديبية كانت في ذي القعدة سنة ست من الهجرة بلا
خلاف أعرفه بين أهل النقل فيه(٤)، فثبت بما ذكرنا أن نزول وجوب
الحج كان سنة ست أو قبلها.
ثم خرج رسول الله - وَل ـ سنة سبع معتمراً عمرة القضاء(٥)،
فأقام بمكة ثلاثة أيام ثم انصرف، ولو أراد الحج لأمكنه ذلك إن
شاء الله. ثم خرج في شهر رمضان سائراً إلى مكة عام الفتح، وذلك
في سنة ثمان، فأقام بها سبع عشرة، ثم خرج منها، واستعمل عليها(٦)
عتاب بن أسيد(٧). ولو أراد الحج أمكنه ذلك، إن شاء الله تعالى.
وفي صحيح البخاري عن الزهري قال: ((ارتحل
رسول الله - لا - من العمرة بعد ثلاث، ثم غزا الفتح فتح مكة))(٨).
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) في الأصل بياض.
(٣) سورة البقرة: الآية ١٩٦.
(٤) السيرة لابن هشام ٣/ ٣٢١ - ٣٣٥، وتاريخ الأمم والملوك لابن جرير الطبري
٧١/٣، وعيون الأثر لابن سيد الناس ٢/ ١٣٣ - ١٣٦، والبداية والنهاية لابن
کثیر ٤/ ١٨٥- ٢٠٠.
(٥) عيون الأثر ١٥٨/٢.
(٦) تاريخ الأمم والملوك لابن جرير الطبري ١٣٩/٣، وعيون الأثر لابن سيد الناس
١٨١/٢.
(٧) هو عتاب بن أسيد بن أبي العيص القرشي الأموي المكي، أبو عبد الرحمن،
كان شجاعاً عاقلاً من أشراف العرب، أسلم يوم فتح مكة، واستعمله
النبي - 9 - عليها عند مخرجه إلى حنين وهو ابن ٢١ سنة، وأقره أبو بكر
فاستمر إلى أن مات في حدود سنة ١٣هـ، وقيل: بعدها. ينظر: تاريخ الإسلام
الذهبي ٣٨٠/١، والإصابة ت ٥٣٩٣، وشذرات الذهب ٢٦/١، والأعلام
للزركلي ٤/ ٢٠٠.
(٨) لم أعثر عليه في النسخ المطبوعة للبخاري، ولا في تغليق لابن حجر، ولا في
الفارغ والله أعلم.
١٢٩

قال الزهري: ((وأخبرني عبيد الله بن عبد الله(١) عن ابن عباس -
رضي الله عنه - أن رسول الله - رَو - خرج في رمضان، فصام، وصام
الناس معه، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدم
رسول الله - ◌َجر - من المدينة، ثم سار ومن معه من الناس حتى إذا
كان بالكديد(٢) أفطر، وأفطر من معه من المسلمين، ثم لم يصم بقية
رمضان)» .
قال الزهري: ((فصبح رسول الله - رَ﴾ - مكة لبضع عشرة خلت
من شهر رمضان»(٣)
وعنده أيضاً في الصحيح عن أبي هريرة أن أبا بكر الصديق -
رضي الله عنهما - بعثه في الحجة التي أمَّره رسول الله - رَّهو - قبل
حجة الوداع يوم النحر في رهط يؤذن في الناس أن لا يحج بعد العام
مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان))(٤). قال الشافعي رحمه الله وروى
(١) هو الإمام الفقيه، مفتي المدينة وعالمها، وأحد الفقهاء السبعة، عبيدالله بن
عبدالله بن عتبة بن مسعود. ولد في خلافة عمر، أو بُعيدها. حدث عن
عائشة، وأبي هريرة، وفاطمة بنت قيس، وابن عباس - ولازمه طويلاً - وابن
عمر، وأبي سعيد، والنعمان بن بشير، وميمونة، وأم سلمة وغيرهم. وعنه
أخوه المحدث عون بن عبد الله، والزهري، وضمرة بن سعيد المازني، وأبو
الزناد، وخصيف الجزري، وآخرون. وثقه أئمة الحديث من أمثال أحمد بن
عبد الله العجلي، وأبي زرعة، وغيرهما.
مات سنة ثمان وتسعين.
ينظر: طبقات ابن سعد ٢٥٠/٥، وطبقات خليفة ت ٢٠٨٧، ووفيات الأعيان
١١٥/٣، وسير أعلام النبلاء ٤/ ٤٧٥، وتهذيب التهذيب ٢٣/٧، وطبقات
الحفاظ ٣٢.
(٢) الكديد موضع بالحجاز، يبعد عن مكة اثنين وأربعين ميلاً، ينظر: معجم البلدان
٤/ ٤٤٢.
(٣) البخاري ك/ الجهاد، ب/ ما جاء في غزوات النبي - زير، ٥/ ٢٩٨ - ٢٩٩،
رقم ٢٨٤، و٢٨٧، ومسلم، ك/ الصيام، ب/ جواز الصوم والفطر في شهر
رمضان للمسافر .... ٢ / ٧٨٤ - ٧٨٥، رقم ٨٨ (١١١٣).
(٤) البخاري ك/ ما جاء في تفسير القرآن، ب/ قوله: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة =
١٣٠

عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله - وَل ـ ـ أقام بالمدينة تسع سنين
لم یحج، ثم حج))(١).
وهو في صحيح مسلم في الحديث الطويل في صفة الحج(٢).
والله أعلم.
مسألة (٢٧):
والإحرام بالحج في غير أشهر الحج لا يصح(٣). وقال أبو
حنيفة - رحمه الله -: ((أساء، وتجزئه))(٤).
روى أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة: حدثنا محمد بن
العلاء أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر(٥)، عن شعبة عن الحكم
أشهر﴾ ١٢٣/٦، رقم ١٧٦، وب/ قوله تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله .. ﴾،
=
رقم ١٧٧، وب/ ﴿إلا الذين عاهدتم﴾، رقم ١٧٨.
(١) مسند الشافعي ٣٧١/١.
(٢) صحيح مسلم ك/ الحج، ب/ حجة النبي - وَل ـ - ٨٨٦/٢، رقم ١٢١٨.
ورواه أبو داود وسيأتي تخريجه مفصلاً في موضعه.
(٣) الأم للشافعي ٢/ ١٥٤، و١٥٥، ومغني المحتاج ٤٧١/١، ونهاية المحتاج ٣/
٢٥٦، وحواشي تحفة المحتاج ٣٤/٤.
(٤) تحفة الفقهاء ١/ ٥٩٣، وذكر دليلاً لهذا بقوله: ((وعندنا لما كان شرطاً يجوز
وجوده قبل وقت الفعل كالطهارة، وستر العورة)). وأشار إلى أن من كرهها إنما
ذلك لما يلحقه من حرج عظيم في الامتناع عن محظورات الإحرام، وينظر:
فتح القدير ٢/ ٣٢٠، وحاشية ابن عابدين ٢/ ٤٧١ - ٤٧٢.
(٥) هو أبو خالد سليمان بن حيان الأحمر، الأزدي الكوفي، كان مولده بجرجان
في سنة أربع عشرة ومائة، حدث عن حميد الطويل، وسليمان التيمي،
وهشام بن عروة، وليث بن أبي سليم، وأبي مالك الأشجعي، وإسماعيل بن
أبي خالد، وغيرهم. وحدث عنه أحمد بن حنبل، ومحمد بن عبدالله بن نمير،
وأبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو سعيد الأشج، وخلق.
قال العجلي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق، ووثقه جماعة. وقال ابن معين:
صدوق وليس بحجة، وتابعه على هذا ابن عدي. وقال معاوية بن صالح عن
ابن معين: هو ثقة، وليس بثبت. توفي سنة تسع وثمانين ومائة.
=
١٣١

عن مقسم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ((لا يحرم بالحج
إلا في أشهر الحج، فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر
الحج))(١) .
قال أبو عبد الله الحاكم: ((هذا حديث صحيح، وقد جرت فيه
مناظرة بيني وبين أبي محمد السبيعي، فإنه أنكره، وقال: إنما رواه
الناس عن أبي خالد عن الحجاج بن أرطأة عن الحكم، فمن أين جابه
شيخكم - يعني ابن خزيمة - عن شعبة؟ فقلت: تأمل ما تقول، فإن
شيخنا أتى بالإسنادين جميعاً، فكأنما ألقمته حجراً))(٢).
قال الحاكم(٣) أبو عبد الله: ((رأيت في يوم(٤) الأحد الثالث
والعشرين من المحرم سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة في منامي، كأني
أرى جماعة من أصحابنا يبشّروني بورود أبي كريب محمد بن العلاء
الهمداني نيسابور، فقصدته، فدخلت داراً لم أذكر لمن هي، وإذا شيخ
كوسج هرم فسلمت عليه فرد الجواب، فقلت: يأذن الشيخ في
أحاديث أعرضها عليه؟ قال: نعم، قلت: إن إمامنا وشيخ بلدنا أبا بكر
محمد بن إسحاق بن خزيمة حدث عنك عن أبي خالد الأحمر عن
ينظر: طبقات ابن سعد ٣٩١/٦، والتاريخ لابن معين ٢٢٩، الجرح والتعديل
=
١٠٦/٤، وميزان الاعتدال ٢/ ٢٠٠، وسير أعلام النبلاء ١٩/٩، وشذرات
الذهب ٣٢٥/١.
(١) صحيح ابن خزيمة ٤/ ١٦١ - ١٦٢، رقم ٢٥٩٦. وذكره البخاري معلقاً في ك/
الحج، ب/ التمتع والإقران ٢/ ٢٧٧ - ٢٨٠، ط المنيرية، ورواه الدارقطني ٢/
٢٣٣، رقم ٧٦، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٤٣/٤، والسنن الصغير ١٤٨/٢.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢١٨/٣: ((رواه الطبراني في الكبير، وفيه
الحجاج بن أرطأة، وفيه كلام، وقد وثق).
(٢) المستدرك ٤٤٨/١. وينظر: الأم ١٣٦/٢، والسنن الكبرى للبيهقي ٣٤٣/٤،
ومعرفة السنن والآثار ٧ / ٤٢- ٤٤.
(٣) ساقطة من الأخريين.
(٤) هامش ٩٨/أ.
١٣٢

شعبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال:
لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج(١). وهذا عند غيره عنك عن أبي
خالد عن الحجاج عن الحكم؟ فقال أبو كريب: حدثناه أبو خالد
الأحمر مرتين، مرة قال: شعبة، ومرة قال: عن الحجاج. ثم
انتبهت».
وقد روى عن حمزة الزيات(٢) (عن الحكم)(٣) مثل رواية شعبة
والحجاج عنه، قال: ((عن مقسم عن ابن عباس - رضي الله عنهما -
في الرجل الذي يحرم بالحج في غير أشهر الحج قال: ليس ذلك من
السنة»(٤).
وروي عن سفيان عن أبي(6) إسحاق عن عمرو بن ميمون (٦) أنه
(١) سبق تخريجه.
(٢) هو حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات القاري، أبو عمارة الكوفي التيمي،
مولاهم. روى عن أبي إسحاق السبيعي، وأبي إسحاق الشيباني، والأعمش،
وعدي بن ثابت، والحكم بن عتيبة، وحبيب بن أبي ثابت، ومنصور بن
المعتمر، وأبي المختار الطائي، وجماعة. وعنه ابن المبارك، وحسن بن علي
الجعفي، وعبد الله بن صالح البجلي، وسليم بن عيسى، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال محمد بن عبد الله
الحضرمي: مات بحلوان سنة ثمان وخمسين، ويقال: ست وخمسين ومائة.
ينظر: سير أعلام النبلاء ٧/ ٩٠، وتهذيب التهذيب ٢٤/٣، وغاية النهاية في
طبقات القراء ١/ ٢٦١ - ٢٦٣.
(٣) هامش ص ٩٨/أ.
(٤) رواه البخاري عن ابن عباس معلقاً ٢٧٧/٢، وابن أبي شيبة ١/٤ ص ٣٨١،
رقم ٢٤٩١، وابن خزيمة ١٦٢/٤، رقم ٢٥٩٦، والدارقطني ٢٣٤/٢، رقم
٧٧، والحاكم ٤٤٨/١، والبيهقي في السنن الكبرى ٤٤٣/٤. وقال ابن حجر
في الفتح ٤٢٠/٣: ((وصله ابن خزيمة والحاكم والدارقطني)).
(٥) ساقطة من (أ).
(٦) هو الإمام الحجة عمرو بن ميمون الأودي المذحجي الكوفي، أبو عبد الله،
ويقال: أبو يحيى، مخضرم مشهور أدرك الجاهلية، وأسلم في الأيام النبوية،
وقدم الشام مع معاذ بن جبل، ثم سكن الكوفة، ثقة عابد. حدث عن عمه، =
١٣٣

رأى ابن أبي نعيم يحرم بالحج في غير أشهر الحج فقال: ((لو أدرك
هذا أصحاب محمد - مَلٌ - لرجموه))(١).
وروى الشافعي: ((أخبرنا مسلم وسعيد بن سالم عن ابن جريج
[نهاية ٩٨/أ] عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - / سئل
عن الرجل، أيهل بالحج قبل أشهر الحج؟ فقال: لا))(٢).
وروي عن عطاء قال: ((إنما قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ
مَعْلُومَنٌ﴾(٣) لئلا نفرض الحج في غيرهم)(٤).
وعنه قال: ((من أحرم في غير أشهر الحج جعلها عمرة))(٥). والله
أعلم.
مسألة (٢٨):
ولا يكره فعل العمرة في وقت(٦). و(حكي عن أبي حنيفة)(٧) .
وعلي، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة، وأبي أيوب الأنصاري،
=
وطائفة. وحدث عنه الشعبي، وأبو إسحاق، وسعيد بن جبير، وآخرون.
مات سنة أربع وسبعين، وقيل بعدها بسنة أو سنتين.
ينظر: طبقات ابن سعد ١١٧/٦، وسير أعلام النبلاء ١٥٨/٤، وتقريب
التهذيب ٨٠/٢، وتهذيب التهذيب ١٠٩/٨.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/أ ص ٣٨٢، رقم ٢٤٩٨، وابن حزم في المحلى ٧/
٦٥ مسألة ٨١٩.
(٢) رواه الشافعي في مسنده ص ١٢١، ط. الأولى ١٤٠٠ هـ. وابن حزم في
المحلى ٦٥/٧، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٤٣/٤، والسنن الصغير ١٤٨/٢.
(٣) سورة البقرة: الآية ١٩٧.
(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٣٤٣/٤، والسنن الصغير ١٤٨/٢، وينظر:
القرى لقاصد أم القرى للمحب الطبري ص ٩٠.
(٥) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٣٤٣/٤، والسنن الصغير ١٤٨/٢، وابن أبي
شيبة ١/٤ ص ٢٢٩ - ٢٣٢، و١/٤ ص ٣٨١ - ٣٨٢.
(٦) الأم للشافعي ٢/ ١٣٤-١٣٥ ومغني المحتاج ٤٧١/١، ونهاية المحتاج ٢٥٦/٣.
(٧) في الأخريين: ((قال أبو حنيفة)).
١٣٤

رحمه الله - أنه قال: ((نكره فعلها يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام
التشريق))(١).
ودليلنا ما ذكرنا من حديث أبي الأسود عن عائشة - رضي الله
عنها - قالت: ((خرجنا مع رسول الله - رَليو - عام حجة الوداع، فمنا
من أهل بعمرة، ومنا من أهل (بحجة وعمرة)(٢)، ومنا من أهل
بالحج ... الحديث))(٣).
فالقارن معتمر في هذه الأيام، وأي فرق بين إفراده (عمرة) (٤)،
وبين قرانه بينها وبين حجة؟
وما روي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ((حلت العمرة
في السنة كلها، إلا في(٥) أربعة أيام: يوم عرفة، ويوم النحر،
ويومان بعد ذلك))(٦)، فموقوف، وهو عندنا محمول على من كان
مشتغلاً بالحج، فلا تدخل العمرة عليه، ولا يعتمر حتى يكمل
عمل الحج كله. فقد أمر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أبا
أيوب الأنصاري، وهبار بن الأسود (٧) حين فات كل واحد منهما
(١) تحفة الفقهاء ٥٩٧/١، ومراقي الفلاح ص ١٤٩، وحاشية ابن عابدين ٢/
٤٧٣- ٤٧٤.
(٢) في (أ): ((بعمرة وحجة)).
(٣) البخاري ك/ الحج، ب/ التمتع والقران والإفراد ٢٧٩/٢، رقم ١٥٥، ومسلم
ك/ الحج، ب/ بيان وجوه الإحرام ٢/ ٨٧٣، رقم ١١٨.
(٤) زيادة من الأخريين.
(٥) ساقطة من (أ).
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٤/أ رقم ٥٨٠، وينظر: القسم الأول من الجزء الرابع
بتحقيق عمر العمروي ص ٨٦، وابن حزم في المحلى ٧/ ٦٧، والبيهقي في
السنن الكبرى ٣٤٦/٤، والقاضي أبو يعلى في التعليق (مخطوط) ق ٢٧،
وقال: ((رواه الأثرم بإسناده عن عائشة)).
(٧) هو هبَّار بن الأسود القرشي الأسدي، له صحبة، روى عنه ابناه عبد الملك، وأبو
عبدالله، وعروة، وسليمان بن يسار، واستشهد بأجنادين سنة ١٣ هـ، من الطلقاء.
سير أعلام النبلاء ٣١٥/١، والإصابة ٢٧٩/٦.
١٣٥

الحج أن يتحلل بعمل عمرة (١).
وقال الشافعي - رحمه الله -: ((وأعظم(٢) الأيام حرمة لأولاها أن
ينسك فيها لله عز وجل))(٣). والله أعلم.
مسألة (٢٩):
العمرة واجبة(٤). وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: ((إنها سنة))(٥).
قال تعالى: ﴿وَأَنِقُوْ اَلَّْ وَالْعُبْرَةَ لِلَّهِ﴾(٦).
قال علي - رضي الله عنه -: ((إتمامها أن تحرم من دويرة أهلك))(٧) .
وعن ابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهم -: ((وأقيموا (٨)
الحج والعمرة لله))(٩).
وقال ابن عباس(١٠) - رضي الله عنهما -: ((إنها لقرينتها في
كتاب الله، عز وجل: ﴿وَأَنِقُوْ لٌلَّْ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾))(١١).
وفي حديث الصبي بن معبد (١٢) أنه قال لعمر بن الخطاب -
(١) رواه مالك في الموطأ المطبوع مع تنوير الحوالك ٣٤٥/١، ورواه البيهقي في
السنن الكبرى ٥/ ١٧٤ - ١٧٥، وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٣٤٤.
(٢) في الأخريين: ((أعظم)).
(٣) الأم للشافعي ١٣٤/٢.
(٤) الأم للشافعي ٦٣/٢، و١٣٢، والمهذب ٢٠٢/١، ونهاية المحتاج ٢٣٤/٣.
(٥) تحفة الفقهاء ٥٩٥/١، ومراقي الفلاح ص ١٤٩.
(٦) سورة البقرة: الآية ١٩٦.
(٧) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٣٤١/٤.
(٨) في (ب): ((وأتموا)).
(٩) السنن الصغير للبيهقى ٢/ ١٤١ - ١٤٢، ومعرفة السنن والآثار ٣٩/٧، والجامع
لأحكام القرآن للقرطبي ٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦، وشرح العمدة لابن تيمية ٢٨٨/١،
وتفسير ابن كثير ١/ ٣٣٣ - ٣٣٤.
(١٠) في (أ): ((ابن مسعود)).
(١١) السنن الكبرى للبيهقي ٣٥١/٤، والسنن الصغير ١٤٢/٢، رقم ١٤٨٦.
(١٢) هو الصبي بن معبد التغلبي الكوفي، روى عن عمر، وسليمان بن ربيعة =
١٣٦
الجزء الثالث

رضي الله عنه -: ((إني وجدت الحج والعمرة مكتوبتين علي، وإني
أهللت بهما)»، فقال: ((هديت لسنة (نبيك محمد)(١)، وَِّ))(٢).
وفيه دلالة ظاهرة، فإنه أخبر عن وجوبها، وصوبه عمر، وبين
أنه مهتد بما يراه من وجوبها لسنة النبي - وَالهول.
وفي صحيح مسلم عن جابر - رضي الله عنه - قال: ((خرجنا مع
رسول الله - * - مهلين بالحج ... ))، فذكر الحديث، وفيه: ((فجاء
سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله، أرأيت عمرتنا هذه
لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: لا، بل للأبد)) (٣).
وحكى مسلم بن الحجاج عن أحمد بن حنبل أنه لا يعلم في
إيجاب العمرة حديثاً أجود، ولا أصح من حديث أبي رزين
العقيلي(٤)، قال: ((سألت النبي - وَّ ـ فقلت: إن أبي شيخ كبير، لا
يستطيع الحج والعمرة، ولا الظعن، قال: حج عن أبيك واعتمر))(٥).
قال: ((ولم يجوده أحد كما جوده شعبة)).
وغيرهما. وروى عنه أبو وائل. ومسروق، وأبو إسحاق السبيعي، وزيد بن
=
حبيش، والشعبي، وإبراهيم النخعي. ذكره ابن حبان في الثقات. وقال
مسلمة بن قاسم: تابعي ثقة.
الثقات ٣٨٤/٤، وتهذيب التهذيب ٣٥٩/٤.
(١) (نبيك)) ساقطة من (أ)، و((محمد)) ساقطة في الأصل و(أ).
(٢) رواه أبو داود ١٥٨/٢، رقم ١٧٩٩، والنسائي ٢/ ١٣- ١٤، وابن ماجه ٢/
٩٨٩، رقم ٢٩٧٠، وأحمد ١٤/١، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٥٢/٤،
والسنن الصغير ١٤٢/٢، رقم ١٤٩١، وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤/
١٥٤.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) ينظر: التعليق لأبي يعلى، (مخطوط) ق ٢٨ - ٣٠، والسنن الكبرى للبيهقي ٤/
٣٥٠، والإنصاف للمرداوي ٣٨٧/٣.
(٥) سبق تخريجه في ص ٩٩ من هذه الرسالة.
١٣٧

وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: ((الحج والعمرة
فریضتان))(١) .
وعنه: ((ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان،
من استطاع إلى ذلك سبيلا))(٢).
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: ((العمرة واجبة
كوجوب الحج)»(٣).
أسانيد ذلك كله صحيحة (٤).
وروي عن طاووس، وعطاء، وابن سيرين - رحمه الله - قالوا:
((العمرة واجبة))، وكذلك روي عن سعيد بن جبير، ومسروق، وأبي
بردة(٥) .
واستدلوا بما روى الحجاج بن أرطأة عن ابن المنكدر عن جابر -
رضي الله عنه - أن رجلاً جاء إلى النبي - وَ ليو - فقال: ((يا رسول الله،
العمرة واجبة؟)) قال: ((لا، وأن تعتمر خير لك))(٦).
(١) رواه الجصاص في أحكام القرآن ٢٦٤/١، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/
٣٥١، وفي السنن الصغير ١٤٢/٢، رقم ١٤٨٧.
(٢) أخرجه أحمد ٢٢٥/١، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٤٠/٤.
(٣) رواه أحمد ٢٢٥/١، والدارمي ٢٨/٢، والدارقطني ٢٨٥/٢، والحاكم ١/
٤٤٨، وقال: ((صحيح))، ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي في السنن الكبرى ٤/
٣٤٠.
(٤) ينظر: المحلى ٧/ ٣- ١٥، مسألة ٨١١، وفتح الباري ٣/ ٥٩٧.
(٥) سنن الدارقطني ٢٨٤/٢، رقم ٢٢٣ - ٢٢٦، والسنن الكبرى ٣٥١/٤، ومجمع
الزوائد ٢٠٥/٣.
(٦) رواه الترمذي ٢٦١/٣، رقم ٩٣١، وقال: ((هذا حديث حسن صحيح))،
وأخرجه أحمد ٣١٦/٣، والدارقطني ٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦، رقم ٢٢٣ - ٢٢٦، وقال
في التعليق المغني عليه: ((وقال النووي: ينبغي أن لا يغتر بكلام الترمذي في
تصحيحه، فقد اتفق الحفاظ على تضعيفه))، وينظر: المجموع للنووي ٧/ ٦.
وأفرط ابن حزم، فقال: ((إنه مكذوب باطل))، المحلى ٣٧/٧، وأخرجه البيهقي
في السنن الكبرى ٣٤٩/٤.
١٣٨

وليس هذا الحديث بثابت، وحجاج بن أرطأة ينفرد بسنده،
ورفعه إلى النبي - 98 - من هذا الوجه، وخالفه عبد الملك بن
جريج، وغيره، فرووه عن ابن المنكدر عن جابر - رضي الله عنه - من
قوله، وهو الصواب(١).
وحجاج ليس ممن(٢) يقبل منه ما ينفرد به من الروايات؛ لسوء
حفظه، وقلة مراعاته لما يحدث به، وكثرة تدليسه، فكيف إذا خالف
الثقات؟ ورفع الموقوفات والمعضلات؟
ثم يعارضه ما روي عن ابن لهيعة (٣) عن ابن المنكدر عن جابر -
رضي الله عنه - قال: ((قال رسول الله - وَلقره -: الحج والعمرة فريضتان
واجبتان» (٤).
وقد روي من وجه آخر عن جابر مرفوعاً - ولا يصح -:
(١) ينظر: سنن الدارقطني ٢٨٥/٢، رقم ٢٢٣، والمحلى ٣٧/٧.
(٢) ساقطة من الأخريين.
(٣) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة بن عقبة المصري، ولد سنة ٩٥ هـ،
سمع من عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن
شعيب، وعمرو بن دينار، وعكرمة مولى ابن عباس، وخلق كثير.
وعنه الأوزاعي، وشعبة، وعمرو بن الحارث، والليث ابن سعد، ومالك، وابن
المبارك، وابن وهب، وغيرهم. كان محدث الديار المصرية مع الليث، وكان
من بحور العلم، على لين في حديثه.
أعرض أصحاب الصحاح عن أحاديثه، وأخرج له أبو داود، والترمذي. وخلط
بعد احتراق كتبه سنة ١٦٩ هـ. ولي قضاء مصر بأمر من الخليفة المنصور
العباسي سنة ١٥٤ هـ. قال النسائي: ليس بثقة، وقال عبد الرحمن بن خراش:
لا يكتب حديثه. وقال أحمد بن حنبل: من كتب عن ابن لهيعة قديماً فسماعه
صحيح.
توفي سنة ١٧٤ هـ.
ينظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٥١٦ - ٥١٧، والتاريخ الكبير ١/٣/ ١٨٢ - ١٨٣،
والاستغناء ٣٥٣/١، وسير أعلام النبلاء ١١/٨، وميزان الاعتدال ٤٧٥/٢.
(٤) رواه ابن حزم في المحلى ٧/٧، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٣٥٠.
١٣٩

((العمرة واجبة؟ قال: لا، وأن تعتمر خير لك))(١).
وعلى الأحوال كلها رفعه وهم، والصواب موقوف. وقد
روي من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - مرفوعاً، يرويه
نوح بن أبي مريم عن ثابت البناني عنه. ونوح: أبو عصمة متروك
الحدیث.
[نهاية ٩٨/ب]
كذا رواه عنه حماد بن قيراط / النيسابوري، وإنما يرويه نوح
عن ابن المنكدر عن جابر، رضي الله عنه.
واستدلوا بما روي عن أبي صالح الحنفي(٢) أن رسول الله - وَله -
قال: ((الحج جهاد، والعمرة تطوع))(٣).
ولا تقوم به الحجة؛ لأن أبا صالح: ماهان، وقيل: عبد
الرحمن بن قيس، ليس له ذكر في الصحيح، وهو مرسل، ونحن لا
نحتج بالمراسيل إذا لم تخالف المسانيد، فكيف إذا خالفتها؟!
وقد وهم بعضهم فرفعه، والصحيح أنه مرسل.
ورواه محمد بن الفضل بن عطية من حديث ابن عباس مرفوعاً،
وهو متروك.
(١) رواه الدارقطني ٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦، رقم ٢٢٣، و٢٢٤، و٢٢٦.
(٢) أبو صالح الحنفي، عبد الرحمن بن قيس الكوفي، له عن علي، وابن مسعود،
وأبي هريرة. وعنه بيان بن بشر، وابن أبي خالد، وسعدي والد الثوري،
وطائفة. وثقه ابن معين، وما هو بالمكثر.
ينظر: طبقات ابن سعد ٦١٥/٢، والتاريخ الكبير ٣٣٨/٥، وسير أعلام النبلاء
٣٨/٥، وتهذيب التهذيب ٢٥٦/٦.
(٣) رواه ابن ماجه ٩٩٥/٢، رقم ٢٩٨٩، والشافعي في مسنده ص ١١٢، ط.
الأولى، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٤٨/٤. والقرى لقاصد أم القرى ص
٦٠٤، وقال: ((أخرجه سعيد بن منصور)). وضعفه ابن حزم، وابن حجر،
والشوكاني، ينظر: المحلى ٣٧/٧، والتلخيص الحبير ٢٤١/٢، ونيل الأوطار
٦ /٥، ٠٦
١٤٠