النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
=
فنون العجائب
= مجموعة أجزاء حديثية
إبراهيم بن عبدالله بن موسى البصري، حدثنا علي بن محمد بن
جميل الرافقي، حدثنا سعد بن عبيدالله الحلبي، عن عبدالصمد بن
معقل، عن وهب بن منبه قال:
رأيتُ أُسْقُفَ(١) قيسارية(٢) في الطواف، فسألته عن إسلامه،
فقال :
ركبتُ سفينةً أقصد بعض المدن في جماعة من الناس،
فانكسرتْ السَّفينة وبقيت على خشبة تضربني الأمواج ثلاثة أيام
بلياليها، ثم قذف بي الموج إلى غيضة فيها أشجار لها ثمر مثل النَّبق،
ونهر مطرد، فشربتُ الماء، وأكلت من ذلك الثمر، فلما جنَّ الليلُ
صعد من الماء شخصٌ عظيمٌ، وحوله جماعةٌ لم أرَ على صورتهم
أحداً، فصاح بأعلا صوته:
لا إله إلا الله الملك الجبّارُ، محمد رسول الله النبي المختار، أبو
بكر الصديق صاحب الغار، وعمر بن الخطاب مفتاح الأمصار،
وعثمان بن عفان حسن الجوار، وعلي بن أبي طالب قاصم الكفار
[أصحاب محمد المنتخبون الأخيار، وقاهم الله عذاب النار] على
باغضیهم لعنة الله ومأواهم جهنم وبئس الدار.
ثم غاب، فلما كان بعد مضي أكثر الليل صعد ثانياً في أصحابه
ونادی :
(١) رئيس النصارى في الدين، وهو اسم سرياني تكلّمت به العرب، اللسان
(سقف).
(٢) بلد على ساحل بحر الشام، تعد في أعمال فلسطين، انظر ((معجم البلدان))(٤ /
٤٢١).

=فنون العجائب =
٢٢٢
مجموعة أجزاء حديثية =
لا إله إلا الله القريب المجيب، محمد رسول الله النبي الحبيب،
أبو بكر الصِّديق الشفيق الرَّفيق [السديد]، عمر بن الخطاب ركن من
حديد، عثمان بن عفان الحيي الحليم، علي بن أبي طاب الكريم
المستقيم .
ثم بصرني أحدهم، فدنا مني، فقال:
جني أم إنسي؟
قلت: إنسي
قال: ما دينك؟
قلت: النصرانية.
قال: أسلم تسلم، أما علمتَ أنَّ الدِّين عند الله الإسلام؟
فقلت له: مَنْ هذا الشخص العظيم الذي نادى؟
فقال: هو التّيَّار، ملك البحار، هذا دأبه كل ليلة في بحر من
البحور.
ثم قال: غداً يمرُّ بك مركب، فَصِحْ بهم أو أشر إليهم يحملوك
إلى بلاد الإسلام، فلما كان من الغد مر مركب، فأشرت إليهم،
وكانوا نصارى فحملوني وقصصتُ عليهم قصَّتي، فأسلموا كما
أسلمت، وضمنتُ الله عزَّ وجلَّ أن لا أكتم هذا الحديث.

٢٢٣
فنون العجائب =
= مجموعة أجزاء حديثية
حديث فَرَّاض (١)
[٩٤] - أخبرنا أبو محمد بن عبدالله بن حامد الوزان، حدثنا
أبو الحسين عبيدالله بن محمد بن جعفر، حدثنا عبيدالله بن الفضل بن
هلال، حدثنا عبدالله بن محمد البلوي، حدثني عمار بن يزيد،
حدثني كرز بن خارقة، حدثني أبي، عن عاصم بن عمر بن قتادة،
عن عبدالله بن أبي ذُبَاب، عن أبيه قال: قلت:
امرؤ مولع بالصيد أرميه
وأخرج الصيد بالجوارح والحامد
وغير ذلك. وكان لناصنم يقال له فَراض (١) ، كنت كثير التعبد
له، والتبرك به، والقيام عليه، وكان قلَّ يوم إلا وأنا أذبح له ذبيحة
أنيسة أو نافرة، وكنتُ لا آخذ جاريةً لصيد الأحداث عليها، فهلك،
وكنت قلَّ ما أدخل الحي صيداً حياً؛ لأني كنت لا أدركه إلا وهو قد
(١) في المطبوع بالقاف !! وضبطه محمد بن يوسف الصالحي في ((سبل الهدى
والرَّشَّاد)) (٦ / ٣٣٨): بقوله: ((فرَّاض: بناء فراء مشدّدة، فألف، فضاد معجمة)).
(٩٤) إسناده هالك، عبدالله بن محمد البلوي كان يضع الحديث، كما قال الدارقطني،
انظر: ((الميزان)) (١٩٤/٢) و((الضعفاء والمتروكين)) (٦٢/٢) والخبر مصنوع . وليس عليه نور
النبوة .
وأخرجه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (٣٤٢/١) وابن منده في ((دلائل النبوة)) وابن
شاهين وأبو موسى المديني في ((الصحابة)) كما في ((أسد الغابة؛)) (١٣٦/٢) و((الإصابة)»
(٤٠٢/٢-٤٠٣ - ط البجاوي) - من طريق أُخرى مختصراً.
وأخرجه المعافى النهرواني في ((الجليس الصالح)) (٥٢٧/١_٥٢٨) حدثنا محمد بن
الحسن بن دريد، أخبرني عمي، عن أبيه، عن ابن الكلبي، عن أبيه به مختصراً، وسنده
هالك.
وذكره ابن قتيبة في ((عيون الأخبار» (٩٥/٣).
وذکر نحوه الدميري في ((حیاة الحیوان»(٢/ ٢٨٣-٢٨٤)

٢٢٤ - فنون العجائب
مجموعة أجزاء حديثية =
أشقى، فلما طال بي أتيت فراضاً فذبحت له، وطفتُ به، وأنشأتُ
أقول :
من طائر ذي مخلب ونابح
فراض أشكو هلك الجوارح
فافتح، فقد أسهلت المفاتح
وأنت للأمر الشديد الفادح
فأجابني من الصَّنمِ مُجيبٌ:
من طائر ذي مخلب ونابح
دونك كلباً سَدِكاً مباركاً
فافتح، فقد أسهلت المفاتح
تراه في آثارهن سالكاً
من فوقه وللجراح باركا
قال: فانصرفت من عنده حتى أتيتُ خباءي، وأصبتُ كلباً
خلاسياً عظيماً بهيماً أسود، عظيم الكف والشَّعر، هائل الخلق،
فدعوتُه، وبصبص لي، وألفني، فعمدتُ، وجعلت مربطه بإزاء
فراشي، فأحسنتُ إليه. وأطعمتُه، فإذا هو أحذق مني بالصيد،
فكنت لا أرمي به شيئاً إلا أدركه، وقنصه، ولا يعنَّ له شي من
الصَّد كبيراً أو صغيراً إلا ابتدره، وكنتُ قلَّ يومٌ أرجع إلا بعشرة
أعيار وبعشرمن النعام، أو بعشرة من البقر، أو بعشرة من الأروى،
أو من الظِّباء، وكنت إذا أتيتُ الصَّيدَ فيه حياةٌ عقرته للصَّنْم وذبحتُه
على اسمه، ثم لم يأكل من لحمه إلا ضيفٌ أو أسيرٌ. فكنت أقول:
حياض إنك مأمول منافعه وقد جعلتُك موقوفاً بفراض
قال: فلم أزل على ذلك وحياض عندي، وأنا من أوسع العرب
رجلاً، وأكثر العرب نزيلاً، حتى إذا ظهر أمر النبي وَجالو، نزل رجل
ممن قدم عليه، فسمع قوله، فحدَّث عنه ما رأى وأنا أسمع ما يقول،
وحياض معي، فرأيتُه يصغي إلى حديث الرجل إصغاء من يسمع ما

= ٢٢٥
= فنون العجائب
= مجموعة أجزاء حديثية
يقول، فلم أحفل بذلك منه وانصرفتُ، وقد رسخ في قلبي ما
سمعت .
فلما كان من غدٍ خرجتُ للقنصِ، إذ إني لبفلاةِ أقودُ حياضاً
وهو يأبى أن يتبعني، وأنا أكرهه وأجره، فإني كذلك إذ رأيت تولباً،
وهو حمار وحش صغير، فأرسلته، فصحتُ به كما كنتُ أفعل،
فقصده حتى إذا قلت: قد أخذه حاد عنه وفاته التولب، فأدركته،
فأخذته ومسحته، ثم مضيت غير بعيد فرأيت غزالاً صغيراً فأرسلته،
وجاءه حتى إذا ظننت قد أخذه حاد عنه، فأتيتُهُ فأخذتُه، ومسحته
ببردي، وأعذْتُه بفراض، وأرسلتُه على ظبية معها خشف ألا
يأخذها، يأخذ خشفها فأهوى نحوها، ثم حاد، فعجبت مما رأيت.
ثم أنشأ يقول:
الصَّيدَ ممنوعاً بشَوكِ الأَسَاوِ
ما بال حیاض یحید کأنما یری
قال: وأخذتُ الكلبَ وإنَّه لمعي، وأنا أريد الرجوع، إذ رأيت
رجلاً عظيم الخلق راكباً على عير وحش، وقد تربع على ظهره،
وإلى جانبه رجل آخر راكب على ثور وحشي، وهما يتسايران
ويتجاذبان، وخلفهما عبد أسود، يقود كلباً عظيماً في عنقه ساجور،
فلما كانا بإزائي صاح أحدهما بالكلب الذي معي:
ويلك يا حیاض لا تصيد
عنزاً وارماً حرمها السيد
الله أعلى وله التوحيد
وعبده محمد السديد
فكل لا يبدي ولا يعيد

=فنون العجائب
٢٢٦
مجموعة أجزاء حديثية =
يا ويل فراض له التوكيد
أنى له التذكير والوعيد
قال: فانصرفتُ، وقد ذلَّ الكلبُ معي حتى ما يرفع رأسه
انكساراً أو ذلاً، وأتيت أهلي مهموماً كاسفاً، فأقمتُ نهاري لا
أنبسط لكلام أحد من أهلي، وجاءني الليلة، فألقيت نفسي على
فراشي والكلبُ رابض بإزائي، وإني لأتململ مفكراً فيما رأيت إذ
حسست حسّاً ففتحت عيني، فإذا الكلب الذي رأيت العبد يقوده قد
دخل، ووثب إلی حیاض.
فقال له: أخفٍ ذكْرَك حتى أنظر: أنائم أم لا، ثم أقبل نحوي،
فأغمضت عيني، وجعلت أتنفس بتنفس النائم وتطاول، فتأملني، ثم
نکص عني.
فقال: قد نام، فلا عين ولا سمع.
فقال: ويحك! ما هذا الأمر الذي وقعنا فيه؟.
قال له الكلب: رأيت الرجلين على الثور والعين؟ قال: نعم،
ولقد ملئت منهما رعباً!
فقال: فإنهما عظيما الزواجر، وقد أتيا هذا الرجل، وصارا
على دينه، وسلطا على شياطين الأوثان فما يتركان لوثن شيطاناً،
فإما أن تخرج عنه أو تهرب عنه، وإلا قتلاك عذاباً وتنكيلاً. وقد
نظرا إليك بالأمس، وإنما تركاك لأنهما استضعفاك، وعلما أنك
ستهرب إذا بلغك خبرهما، وقد علقاني، وأنا صاحب وثن، فبسطا
عليَّ عذابهما حتى حلفت لهما أني أهرب عن الوثن، ثم لا أقربه
أبداً، فتركاني، وأنا أرى لك أن تهرب من وثنك قبل أن يقعا

٢٢٧
فنون العجائب
= مجموعة أجزاء حديثية
عليك، فإنهما إنْ علقاك قتلاك، وأنا ناصحٌ لك.
فقال له حياض: ويحك! فأين ترى لي؟
قال: حيث هوى نفسي نحو عين البحر لنقع بأرض الهند.
قال: فمن ساعتنا؟.
قال: إذا شئت، وخرجا، وقمت في أثرهما، فإذا لا أثر ولا
خبر، فرجعت من ساعتي إلى أهلي، فأخبرتهم بخبر حياض.
قالوا: فما ترى؟
قلت: أرى أن آتي محمداً عليه السلام، فأتبعه.
قال: فحلفوا عليّ. وقالوا: بينما رأيت لنفسك ترغب عن دين
آبائك.
فقلت لهم: إنما أستشيركم وما الرأي إلا فيما رأيتم وأشرتم،
فلست بفاعل على غيره، وغفلوا عني، وآتي الصنم فأفضه حتى.
جعلته حطباً، ثم وفدت على النبي وَطّ فأتيت يوم جمعة، فكنت
أسفل منبره، فصعد يخطب، فقال -بعد أن حمد الله، وأثنى عليه - :
إنِّي لرسولُ الله إليكم، نبيُّ الآيات والبيِّنات، وإنَّ أسفل منبري
هذا الرجل من سعد العشيرة، قدم يريد الإسلام، ولم أره قط، ولم
يرني إلا في ساعتي هذه، ولم أكلِّمه ولم يكلِّمني، وسيخبركم بعد
أن أصلي عجباً!
قال: وصلى النبي وَّجله، وقد ملئت منه عجباً! فلما صلَّى.
قال لي: أدنه يا أخا العشيرة! حدِّثنا خبرك وخبر حيّاض

٢٢٨ = فنون العجائب
مجموعة أجزاء حديثية =
وفراض، ما رأيت وسمعت؟
قال: فقمتُ على قدمي، ثم حدَّثته والمسلمين حتى أتيتُ على
آخر حديثي.
قال: فرأيت وجهَ رسول الله وَ خُلّ للسرور مذهباً، فدعاني إلى
الإسلام وتلا عليّ القرآن، فأسلمتُ وأقمت عنده حيناً، ثم استأذنتُه
في القدوم على قومي، فأذن لي فخرجت حتى أتيتهم، ورغبتهم في
الإسلام، فأسلموا وأتيت بهم رسول الله وَ له، فوافقوه على
الإسلام، وأنا الذي أقول:
بالھدی وخلّفت فراضاً بدار هوانٍ
تَبِعتُ رسولَ الله إذْ جاءَ
كأن لم يكن والدهر ذو حدثانٍ
شَدَدتُ عليه شَدَّةً فتركتُهُ
يهدد بالتنكيل والرجفان
رأيتُ له كلباً يقومُ بأمرِهِ
أجبتُ رسول الله حين دعاني
فلمّا رأيتُ الله أظهرَ دينَهُ
ناصراً وألقيت فيه كلكلي(١) وجراني(٢)
وأصبحتُ للإِسلامِ ما عِشْتُ
فَمَنْ مُبْلِغٌ سَعْدَ العَشِيرةِ
إنني شريت الذي يبقى بما هو فانٍ
(١) الكَلْكَل- بكافين مفتوحتين، بينهما لام ساكنة، فلام أُخرى -: الصَّدْر، أو ما بين
التَّرْقوتين.
(٢) الجِرَان- بجيم مكسورة، فراء، فنون -: باطن العُنُق، أفاده الصَّالحي في ((سُبُل
الهدى والرشاد))(٦ / ٣٣٨).

= ٢٢٩
فنون العجائب
= مجموعة أجزاء حديثية
حدیث رؤيا بخت نصر
[٩٥] - أخبرنا أبو الفيض أحمد بن محمد بن إبراهيم، أخبرنا
إبراهيم بن خزيم الشاشي، حدثنا عبد بن حميد، حدثنا إسماعيل بن
عبد الكريم، حدثني عبدالصمد بن معقل أنه سمع وهباً يقول:
إن بخت نصر رأى في آخر زمانه صنماً رأسه من ذهب،
وصدره من فضةٍ، وبطنه من نحاس، وفخذه من حديد، وساقاه من
فخار، ثم إن حجراً من السماء وقع عليه، فدقه، ثم رمي الحجر
حتى ملأ ما بين: المشرق والمغرب، ورأى شجرة؟ أصلها في الأرض
وفروعها في السماء، ثم رأى عليها رجلاً بيده فأسٌّ، وسمع منادياً
(٩٥) الخبر من الإسرائيليات، ونحوه في الإصحاح الثاني من ((سفر دانيال)) (العهد
القديم) (٩٨٣)، وهو عند ابن جرير في ((التاريخ)) (٥٥٤/١) ونحوه في ((مرآة الزمان))
(٥٤٩/١، ٥٥٠).
وأسندها ابن جرير في ((التفسير)) (٣٦/١٥ - ٤٠) عن وهب ضمن قصة طويلة جداً،
وأشار فيها إلى المذكور هنا.
وكذا وقعت عنده مطولة (٣٥/١٥ - ٣٦) عن سعيد بن جبير قوله وأخرجها كذلك
ابن أبي حاتم في ((التفسير)) (٢٣١٥/٧ - ٢٣١٧ رقم ١٣١٨٥) عن ابن عباس قوله.
وأسندها ابن الجوزي في ((المنتظم)) (٤١٧/١-٤٢٠) مطولاً من طريق أبي حذيفة
القرشي في ((المبتدأ)) - وهو قصاص، ضعيف، تالف، وكتابه ينقل منه ابن جرير وأمثاله، مِنه
جزءان في الظاهرية، حدث فيه ببلايا وموضوعات، كما في ((السير)) (٩/ ٤٧٧) - عن قتادة
عن كعب الأحبار.
وأشار إليها: الدّميري في ((حياة الحيوان الكبرى)) (١ / ٥ - ٦) والسخاوي في
((الأجوبة المرضية)) (٨٥٨/٢) وقال: ((وهذا ما يلقى عن الاسرائيليات، ورواية ما يكون من
هذا القبيل جائزة إلا أن يحقق أنه كذب، كأن يخالف شيئاً من قواعد الشريعة المحمدية)).
وذكرها ابن كثير في («البداية والنهاية)) (٣٢٣/٢ - ٣٢٥) ونقلها أبونعيم في ((الدلائل))
(٨٣/١ - ٨٥ رقم ٤٤) عن ابن إسحاق قوله. وانظر - غير مأمور- ((الدر المنثور)) (٢٤٢/٥).

= ٢٣٠
=فنون العجائب
مجموعة أجزاء حديثية =
ینادي .
فقال: أضرب جذعها، فتفرق الطير من فرعها، وتفرق السباع
والدواب من تحتها، واترك أصلها قائماً، فعبّره له دانيال، قال:
أما الصَّنْمُ الذي رأيت،[ فأمم مختلفة، في أول الزمان وفي
أوسطه وفي آخره] فأنت الرأس من الذهب وأنت أفضل من فضة،
فابنك يملك من بعدك، وأما البطن الذي رأيت من نحاس فملك
يكون بعد ابنك، وأما ما رأيت من الفخذ من الحديد فمتفرق فريقين
في فارس يكون أشد الملك، وأما الفخار فآخر ملكهم يكون دون
الحدید .
وأما الحجر الذي رأيتَ دقَّه، وربوه حتى ملأ ما بين المشرق
والمغرب، [فحذف الله به هذه الأمم في آخر الزمان، فيظهر عليها
حتى يبعث نبي أمي من العرب فيدق به الأمم كما رأيت الحجر دقّ
أصناف الصنم، ويظهره على الأديان والأمم كما رأيت الحجر ظهر
على الأرض وانتشر فيها حتى ملأها، فيحقّ الله به الحق، ويزهق به
الباطل، ويعزّ به الأذلّة، وينصر به المستضعفين].
وأما الشجرة التي رأيت، والطير التي عليها، والسباع والدواب
التي تحتها، وما أمر بقطعها؛ فيذهب ملكك، فيردك الله طائراً يكون
نسراً ملك الطائر، ثم يردك الله ثوراً ملك الدواب، ثم يردك الله
أسداً ملك السباع، والوحش كان مسخه كل سبع سنين في ذلك
قلبك قلب إنسان حتى تعلم أن الله له ملك السموات والأرض،
وهو يقدر على الأرض ومن عليها، وكما رأيت أصلها قائماً، فإن
ملكك قائم، فمسخ بخت نصر نسراً في الطير وثوراً في الدواب،

٢٣١
فنون العجائب
= مجموعة أجزاء حديثية
وأسداً في السباع، ثم رد الله إليه ملكه، فآمن، ودعا الناس إلى الله
عز وجل.
فسئل وهب: أكان مؤمناً؟.
فقال: وجدت أهل الكتاب قد اختلفوا؛ فمنهم من قال:
مؤمناً، ومنهم من قال: أحرق بيت الله وكتبه، وقتل الأنبياء،
وغضب الله عليه غضباً، فلم يقبل منه حينئذ توبةً.
حديث
[٩٦] - أخبرنا أبو بكر الشافعي، حدثنا أبو شعيب الحراني،
(٩٦) أخرجه أبو الشيخ في ((العظمة)) (١٥٢١/٥ - ١٥٢٢) رقم (٩٩١) من طريق
علي بن الجعد وأبي النضر، كلاهما عن أبي خيثمة زهير به.
وأخرجه ابن جرير في «تفسيره)) (٦/ ١٨٥) من طريق سفيان، عن أبي إسحاق به.
وورد في عوج أحاديث موضوعة لا أصل لها، وخبرُ نوفٍ هذا - وإن صح عنه -
فمردود، قال ابن كثير في تفسيره)) (٣٨/٢): ((في وجود رجل يقال له ((عوج بن عنق)) نظر)).
وقال ابن القيم في ((الفوائد الحديثية)) (ص٨٨ - بتحقيقي) ما نصُّه:
وأما حديث عوج ابن عنق؛ فإنه وإن كان جماعة من المفسرين والإخباريين ذكروه في
كتبهم؛ فهو كذب مختلق، سمعت شيخنا أبا العباس بن تيمية يقول ذلك مراراً، وهو مِنْ
وَضْع أهل الكتاب، ولا يخفى على العاقل إذا تدبّر الحديث وتأمله أنه من أبين الكذب، وأن
الكذب يناديٍ عليه في سوق من يزيد، وأظنه من وضع زنادقة اليهود الذين غرضهم السُّخرية
من أتباع الرّسل؛ فإن في حديثه: ((إنه كان يأخذ السَّمكة من قرار البحر ويشويها في عين
الشمس))، وهذا يكون طوله على هذا الحساب مسيرة ألفي عام أو أكثر ولا تضبط القوى
البشرية طول مثل هذا بالذرعان وفيه: ((أنه خاض البحر فما وصل إلى حجزته))، وهذا من
المحال، وفيه ((أنه قلع صخرة على قدر عسكر موسى فرسخاً في فرسخ وحملها على رأسه
فتقورت وصارت في رقبته كالطوق))، وفيه: ((أنه لم يركب مع نوح في السفينة وقال له لما =

دفنون العجائب
٢٣٢ =
مجموعة أجزاء حديثية =
حدثنا أحمد بن عبدالملك بن واقد، حدثنا زهير، عن أبي إسحاق،
عن نوف قال :
رآها: هذه قَصْعَتُكَ، وأن الطُّوفان لم يغرقه))، ومن له أدنى معرفة يقطع بكذب هذا؛
فإن الله سبحانه أغرق أهل الأرض كلهم زمن الطوفان؛ فلم ينج منه إلا أصحابُ السفينة،
وأخبر النبي وَلّ إن خلق آدم وطوله ستون ذراعاً في السماوات، وأن الخلق لم يزل ينقص
حتى الآن [كما ثبت في ((صحيح البخاري)) (رقم ٣٣٢٦، ٣٣٢٧، ٦٢٢٧) و((صحيح مسلم))
(رقم ٢٨٣٤)]، يرويه ويذكره في تفسير أصدق الكلام، حتى قال الثعلبي: أجمع العلماء على
أن عوجاً قتله موسى؛ فياعجباً من أين هذا الإجماع الذي لم يصح منه !! والعجب ممن يخفى.
عليه كذب هذا الحديث وبطلانه كيف نقل واحد عن موسى، وبين الثعلبي وبين موسى ما
يمكنه تصحيح نقل واحد عنه؛ إلا ما قاله الله ورسوله، والنبي ◌َّ وإنْ أَذِنَ في الحديث عن
بني إسرائيل؛ فلم يأذن في تصديقهم في كل ما يحدثون به، بل [قد] قال: ((إذاحدثكم أهل
الكتاب؛ فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم))، وهذا إنما هو فيما يحتمل الصدق والكذب، فأما ما
هو معلوم الصدق؛ فلا يجوز تكذيبهم فيه، وما هو معلوم الكذب لا يجوز تصديقهم فيه؛
فالأقسام ثلاثة، وهذا من المتيقن كذبه ولا يتناوله إذنُ النبي وَّ في التحديث به ونهيه عن
تصدیقه وتكذیبه، والله أعلم)).
وقال أيضاً في ((المنار المنيف)) (ص٧٦) عند ذكره القواعد الكلية التي يعرف بها أن
الحديث موضوع :
((ومنها أن يكون الحديث مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه كحديث عوج ابن
عنق الذي قصد واضعه الطعن في أخبار الأنبياء، فإنهم يجترءون على هذه الأخبار))، ثم أشار
إلى بعض ما ذكر له من أوصاف، وقال: ((وليس العجب من جرأة مثل هذا الكذاب على
الله، إنما العجب ممن يدخل هذا الحديث في كتب العلم من التفسير وغيره! ولا يبين أمره !!
وهذا عندهم ليس من ذرية نوح، وقد قال الله تعالى:
﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ [الصافات: ٣٧].
فأخبر أن كل من بقي على وجه الأرض فهو من ذرية نوح، فلو كان لعوج - هذا -
وجود لم يبق بعد نوح)) أهـ.
وكذا اشتد إنكار الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (((١٠٧/١) على أخباره ؛ حيث
وصفها بأنها من الهذیانات، وقال:
((لولا أنها مسطرة في كثير من كتب التفاسير وغيرها من التواريخ وأيام الناس لما تعرضنا
لحكايتها لسقاطتها وركاكتها، ثم إنها مخالفة للمعقول والمنقول، أما المعقول فكيف يسوغ فيه أن
يهلك الله ولد نوح لكفره، وأبوه نبي وزعيم أهل الإيمان، ولا يهلك عوج ابن عنق ! - ويقال:

٢٣٣
فنون العجائب
: مجموعة أجزاء حديثية
=
كان طول سرير عوج الذي قتله موسى ثمان مئة ذراع، وعرضه
أربع مئة ذراع، وكان موسى طوله عشرة أذرع، وطول عصاه عشرة
ووثْبَتُه حين يثب عشرة أذرع، فضربه، فأصاب كعبه، فجذله على
نيل مصر، فحسره للناس عاماً يمرون على صلبه وأضلاعه.
حديث (ذي) الكفّ
[٩٧] - أخبرنا أبوالحسن المروزي محمد بن محمود، حدثنا
عبدالله بن محمود، حدثنا أحمد بن سيار، حدثنا يحيى بن بكير
عناق - وهو أظلم وأطغى على ما ذكروا، ...
=
وأما المنقول: فقد قال الله تعالى: ﴿ثم أغرقنا الآخرين﴾. [الشعراء: ٦٦] وقال: ﴿رب
لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً﴾ [نوح: ٢٦] ثم هذا الطول الذي ذكروه له مخالف
لما في (الصحيحين)) عن النبي وَ له أنه قال: ((إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعاً، ثم لم يزل
الخلق ينقص حتى الآن))، وهذا يقتضي أنه لم يوجد من ذرية آدم من كان أطول منه. فكيف
يترك هذا ويذهل عنه ويصار إلى أقوال الكذبة الكفرة من أهل الكتاب !!!... وما أظن أن
هذا الخبر عن عوج ابن عناق إلا اختلافاً من بعض زنادقتهم وفجارهم الذين كانوا أعداء
الأنبياء. والله أعلم)).
(تنبيه)
ذهب صاحب ((القاموس)) إلى أن الصواب في اسم أبيه: ((عوق))، وقد غلّط من قال:
((عنق))، وجوّزهُ الزبيدي في «التاج)) (٧/ ٣٠)؛ فقال معلقاً على مقولة الفيروز آبادي: ((ومن
قال عوج بن عنق؛ فقد أخطأ)، قال: ((هذا الذي خطّأه هو المشهور على الألسنة، قال
شيخنا: وزعم قوم من حفاظ التواريخ أن عنق هي أم عوج، وعوق أبوه؛ فلا خطأ ولا
غلط)».
(٩٧) الخبر من الإسرائيليات، وإسناده ضعيف جداً، عبدالرحمن بن زيد بن أسلم،
ضعّفه علي بن المديني جداً، وضعفه أحمد و يحيى، انظر ((الميزان)) (٢/ ٥٦٤).
وأخرج ابن الجوزي نحوه في ((المنتظم)) (٢/ ١٨٢-١٨٣) عن ابن المرزبان، عن أحمد بن
حرب، عن عبدالله بن محمد، عن أبي عبدالله البلخي .... وذكره.

٢٣٤ = فنون العجائب
مجموعة أجزاء حديثية =
قال: سمعت عبدالرحمن بن زيد بن أسلم يقول:
كان عابد في بني إسرائيل، وكانت له امرأةٌ سخَّابةً سليطةً بذيئة
اللسان، وكان يبيع القفاف، قال:
فخرج يوماً بقفافهِ، فمرّ بقصر، فلحظته ابنةُ الملك.
فقالت لجاريتها: لا صبر لي عنه، عليّ به، فخرجت إليه
الجارية .
فقالت له: تبيع قفافك؟
قال: نعم.
قالت: فذهبت به حتى أدخلته القصر، فأغلقت عليه باباً دون
باب، حتى انتهى إلى المرأة، فأرادته على نفسه، فجهدت به، فأبى
أن يقع عليها حتى قالت له: فإن لم تفعل صِحْنا بك.
قال: فلا بد منه.
قال: فضعوا لي طهوراً على السطح حتى استنظف، وأتطهر
به .
قال: ففعلوا، فتوضأ، وصلى ركعتين، ثم دار حول القصر،
من أيها يلقي نفسه.
قال: فجاء إلى أقصرها في نفسه.
فقال: بسم الله، فألقى نفسه، فأوحى الله عز وجل إلى جبريل
عليه السلام أن يتلقاه بجناحه كما يتلقى الوالد الرحيم ولده فلا

٢٣٥
فنون العجائب
= مجموعة أجزاء حديثية
يخدش له لحماً، ولا يكسر له عظماً، فتلقاه جبريل بجناحه حتى
وضعه على الأرض.
قال: فانصرف به إلى أهله(١) .
فقالت له امرأته: ما لك! أرتجي بثمن القفاف.
قال: فصاحت به، وضجت.
قال: وكانت امرأةً سخَّابةً، فسخبت معه ساعة، وآذته بلسانها.
قال: فلما رأى ذلك قال لها آخر شيء: قومي إلى تنورك،
فاسْجريها، فقامت فسجَّرت التنور حتى أحمته، وجاءت تحدث
زوجها، فجاء بعض الجيران.
فقال: عندكم وقود؟
قالت: نعم، خذيه من التنور.
قال: فذهبت لتأخذ النار، فإذا التنور ملأ خبزاً نضيجاً أطيب
خبز یکون، فرجعت إليها.
فقالت: أشغلك الحديث مع زوجك عن الخبز، وقد احترق في
التنور، فقامت، فإذا التنور ملأ خبزاً أطيب ما يكون.
فقالت لزوجها: ما هذا؟ فأخبرها الأمر.
قال: فقالت: لك هذه المنزلة عند ربك، ولم أعلم! ادع الله أن
يوسع علينا إلى أن نموت.
(١) كذا في الأصل: وفيه نقص.

دفنون العجائب
٢٣٦
مجموعة أجزاء حديثية =
قال: فقال: دعي الله يأتي بالرِّزق.
قال: فلم تزل حتى قال: فدعى الآن، فلما كان الليل قام،
فصلَی رکعتین.
ثم قال: يارَبِّ! إنَّ فلانةَ امرأتي سألتني أن أسألك شيئاً نتوسَّع
به إلى أن نموت، وقد علمتُ أنَّ ذلك ينقصني من مجالس الأبرار
يوم القيامة .
قال: فانفرج سقف البيت، فإذا كفَّ فيها لؤلؤتان لم ينظر إلى
مثلهما، حتى وقعتا بین یدیه.
قال: فقال لها: قومي، فخذي هذا، وقد نقصتني ذلك من
مجالس الأبرار يوم القيامة .
قال: فقالت: إني رأيت كأن منابر وضعت مكللة بالياقوت
واللؤلؤ.
فقلت: ما لهذا المنبر قد ذهب منها هاتان اللؤلؤتان؟ .
قالوا: هذا عملك، سألت زوجك أن يسأل أن يعجل لهم
اللؤلؤتان في الدنيا، فجعل لهم ذلك.
قال: فقلت: فهذا الذي سألته أن يسأل ربك، فلا حاجة لي
فيها ،ادع الله أن يردهما.
قال: فدعا الله، فجاءت الكفّ حتى أخذتهما، فهو مكتوب في
بعض الحدیث حديث ذي الكف.

٢٣٧
=
فنون العجائب
= مجموعة أجزاء حديثية
حدیث آخر
[٩٨] - أخبرنا أبو القاسم الطبراني، حدثنا محمد بن العباس
المؤدب إملاء، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا
ثابت البناني وحميد الطويل، عن بكر بن عبدالله المزني:
إن ملكاً من الملوك كان متمرِّداً على ربه، فغزاه المسلمون،
فأخذوه سليماً.
فقالوا: بأيِّ نقتله، فاجتمع رأيهم على أن يجعلوه في قُمقم (١)
عظيم، ويؤججوا النَّار تحته حشاً حتى يذيقوه طعم العذاب ولا
يقتلوه، فجعل يدعوا آلهته يا فلان أنا كنت أمسح وجهك، وأفعل
وأفعل، إلهاً إلهاً؛ لما خلصتني مما أنا فيه، فلما رآهم لا يغنون عنه
شيئاً، رفع رأسه إلى السماء، فدعا مخلصاً.
وقال: لا إله إلا الله، فصبَّ عليه غيثاً من السَّماء، فأطفأ
النار، وهبت ريح، فحملت القمقم، فجعلت يجلجل بين السماء
والأرض، وهو يقول:
(١) القمقم: الجرَّة، وضرب من الأواني، وما يسخّن فيه الماء من نحاس وغيره،
ويكون ضيق الرأس.
(٩٨) إسناده صحيح إلى بكر بن عبدالله المزني، وهو من الإسرائيليات.
وأخرجه عبدالله بن أحمد في ((زوائد الزّهد)) (٣١٤، ٣١٥) - ومن طريقه ابن قدامة
في ((التوابين)) (ص ٧٢ - ٧٣) - والبيهقي في ((الشعب)) (٥/ رقم ٧١١٣) من طريق هدية بن
خالد عن حماد بن سلمة به.
وأخرجه البيهقي في ((الشعب)) أيضاً (٥/ رقم ٧١١٢) مطولاً عن ابن عباس، وذكر
يوسف بن عبدالهادي هذه القصة في كتابه ((التمهيد في الكلام على التوحيد)) (ص ٢٢٥ -
٢٢٦).

٢٣٨ - فنون العجائب :
مجموعة أجزاء حديثية =
لا إله إلا الله، فسقط على قوم، فاستخرجوه.
فقالوا: ما أنت؟ وما أمرك؟
فقال: أنا ملك بني فلان، فقص عليهم القصة، فآمنوا.
حدیث آخر
[٩٩] - أخبرنا أبو زكريا عبدالله بن أحمد بن محمد بن هاشم
البلاذري، حدثنامحمد بن إسحاق الشافعي، حدثنا علي بن سهل،
حدثنا عفَّان بن مسلم، حدثنا حماد، عن حميد، عن بكر بن عبدالله
المزني :
إِنَّ رجلاً كان يغشى بعضَ الملوك، فيقوم بحذاء الملك، فيقول:
أحسن إلى المحسن بإحسانه، والمسيء سيكفيه مسآته.
قال: فحسده رجل على ذلك المقام، فوشى به إلى الملك.
فقال: إن فلاناً الذي يقوم بحذائك فيقول ما يقول، زعم أن
الملك أبخر.
قال له الملك: وكيف يصح هذا عندي؟
قال: إذا وقف بين يديك، فادعُ به إليك؟ فإنه إذا دنا منك
وضع يده على فمه كي لا يشتمّ ریحَ البَخَرِ .
(٩٩) علي بن سهل هو أبوالحسن البزّاز، وثقه الدارقطني وقال أبوحاتم: ((هو صدوق))
انظر «تاريخ بغداد)» (٤٣٠/١١)، وشيخ المصنف وشيخه لم أظفر بهما.

٢٣٠
=
فنون العجائب
مجموعة أجزاء حديثية :
قال له: انصرف حتى أنظر.
قال: فخرج، فدعا الرجل إلى منزله، فأطعمه طعاماً فيه ثوم،
ثم خرج من عنده، فجاء إلى الملك، فقام بحذائه.
فقال: أحسن إلى المحسن بإحسانه، والمسيء سيكفيه مساوئه.
فقال الملك في نفسه: ما أرى فلاناً إلا قد صدقني، وكان
معروفاً أنه لا يكتب بخطه لأحد إلا بجائزة أو صلة أو معروف،
فكتب له بخطّه إلى عامل من عمَّاله: إذا أتاك صاحب كتابي هذا،
فاذبحه، واسلخه، واحش جلده تبناً، وابعث به إليّ.
قال: فخرج والكتاب معه، فلقيه الذي سعى به.
فقال: ما هذا الكتاب؟
قال: كتابٌ كتبه لي الملك بخطه .
فقال : احبُوني به، هِبْهُ لي.
قال: فدفع الكتاب إليه، فمضى الرجل إلى العامل، فلما قرأ
الکتاب، قال:
أتدري ما فيه؟
قال: كتابُ خطِّ الملك بالحباير والصلة.
قال: إنَّ في كتابك يأمرني أن أذبحك، وأسلخك، وأحشوا
جلدك تبناً، وأبعث بك إليه.
قال: الله، الله، ليس هذا الكتاب لي؛ إنما كتبه لغيري، راجع

مجموعة أجزاء حديثية =
٢٤٠ = فنون العجائب
إلى الملك فيّ.
قال: ليس لكتاب الملك مراجعة .
قال: فذبحه، وسلخه وَحَشاه تبناً، وبعث به إلى الملك، وجاء
الرجل، فقام بحذاء الملك.
فقال: أحسن إلى المحسن بإحسانه، والمسيء سيكفيك مساوئه.
قال له الملك: ما فعلت بالكتاب الذي كتبته لك؟
قال: لقيني فلان، فاستوهبني، فوهبته له.
قال: إن فلاناً ذكر أنك تزعم أنّي أبخر .
قال: معاذ اللّه، ما قلتُ هذا أيها الملك!
قال: فَلِمَ وضعتَ يدَك على فيك حين قربتَ منِّي؟
قال: أطعمني طعاماً فيه ثوم، فوضعتُ يدي على فيَّ؛ كي لا
تشمّ مني ريح الثّوم.
قال: صَدقتَ، قُمْ ذلك المكان، وقل كما كنت تقول.