النص المفهرس

صفحات 1-20

مَكْتَبَةُ نِظَامْ يَغَقُوبِيْ الخَاصَّةِ الْبَحْبْن
سِلْسِلَةُ دَفَائِن الخَزَانِنِ
(٦، ٧، ٨)
7
د
جَوَابُ بَغَض ◌ِلِخَدَمِ لِأَهْلِ النَّعَمِ
عَنْ تَصْحِيْفٍ حَدَيْثِ(أَحْتَجَمْ))
وَيَلِيْهِ
العَشَرَةُ مِنْ مَزْوِيَّاتِ صَالِحِبْنِ الإِمَامِ أَحْمَ وَزِيَادَاتِها
كلَاهُمَا
للإِمَامِ القَلَامَة يُوسف بن عبد الهادي الصّالحي (ت ٩٠٩هـ)
وَيَليْهِ جُزْءٌفِهِ
إِسْلَامُ زَيْدِيْنِحَارِثَة
وَغَيْرُهُ مِنْ أَحَادِيْثِ الشَّيُوْخِ
للإِقَام الحافِظِ تمام بن محمّ الرازي (ت ٤١٤هـ)
تحقيق وتخريج
محمَّصباح منصور
دَارُ الشَِّ الإسْلامِيَّة

3
6

مَجَفُورٌ فِيَةُ
جَوَابُ بَغَض ◌ِلخَدَم ◌ِأهْلِ النَّعَمِ
عَنْ تَصْحِيْفِ حَدَيْثِ(أَحْتَجَمْ»
ويليْهِ
العَشَرَةُ مِنْ مَزْوِيَّاتِ صَالِح ◌ِبْنِ الإِمامِ أخَْوَزِيَادَاتِها
ويليْهِ
جُزْءٌ فِيهِ إِسْلَامُ زَيْدِيْنِ حَارِثَة وَغَيْرُهُ مِنْ أَحَادِيْثِ الشُّيُوخِ

مـ
جَيْعُ الْحُقُوقِ مَخَفُوظَةٌ
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
شركة دار البشائر الإسْلاميّة
لِلطَّبَاعَةِ وَالنَّشْرِ وَالتّوزيْعِ ش. م.م
أنّتها الشيخ رمزي ومشقية رحمه اللّه تعالى سنة ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م
بَيروتُ - لبنانُ صَبْ: ١٤/٥٩٥٥ هَاتفُ: ٧٠٢٨٥٧
e-mail: bashaer@cyberia.net.lb
فاكس : ٧٠٤٩٦٣ / ٠٠٩٦١١

-
مَكْتَبَةُ نِظَامْ يَعَقُوبِ الخَاصَّةِ اَلْبَحْرِبْن
سِلْسِلَةُ دَفَائِن الخَزَائِنِ
(٦)
جَوَابُ بَغَضِ الخَدَم ◌ِأَهْلِلنَّعَمِ
عَنْ تَصْحِيْفٍ حَدَيْثِ(أَحْتَجَمْ))
تصنیف
الإِمَام العلاَّمة يُوسُفَ بْن عَبْد الهَادِي الصَّالحيّ الحنبليّ
المَعْروف بابن المِبْرَد، المتوفى سنة (٩٠٩هـ)
تحقيق وتخريج
محمَّصباح منصورْ
-

-
-
-

مقدّمة في
التصحيف في الحديث الشريف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي لا يُغلِّطهُ اختلافُ المسائل، ولا يُتْبِّطُه عَن الجُوْدِ
الدِّائِمِ إلحَافُ السَّائِلِ، ولا يُسْخِطُه كَثْرَةُ الذنوبِ إذَا كانَ الاستغفارُ لها مِنَ
الوَسَائِلِ، نَحْمَدُه عَلَى نِعَمِه التي وَسَّعَ الحَمْدُ مَجَالسَها، وَوَشَّعَ الشُّكْرُ
مَلابِسَهَا، وَضَوَّعَ الاعترافُ بها مَغَارِسَها.
ونَشْهدُ أن لا إله إلاَّ اللَّه وَحْدَهُ لا شَريكَ له، شهادةً لا يَدْخُلُ
تَحرِيرَها تَحرِيفٌ، ولا يُخِلُّ بتصحيحها تَصحيفٌ، ولا يَدْفَعُ تَسْوِيغَ أَدِلَّتِهَا
تَسْويف، ونَشْهَدُ أنَّ سَيِّدَنَا محمداً عَبْدُهُ ورَسُولُه أفصحُ مَنْ نَطَقَ، وأبلغُ مَنْ
قَرَعَ الأسماعَ لفظه وَطَرَق، وأعرفُ مَنْ أُوتِيَ جَوامعَ الكَلِمِ فاندفع سَيْلُ
بَلاغتِهِ في البطحاءِ واندفقَ.
صلَّى اللَّهُ عليه وعلى آلهِ الذينَ كانوا للهُدَى مَصَابِيحٍ، وللنَّدَى
إِذَا أغلقتْ أبوابُه مَفَاتِيح، صلاةَ تَتَوثَّقُ أمراسُ رِضْوَانِها، وتَعْبَقُ أنفاسُ
غُفْرانِها، ما دَعَا الحقُ لبيباً فلبَّاه، ورَعَى الصدقَ أريبٌ فَرَبَّاه،
٧

وشرَّفَ ومجَّدَ وكرَّمَ وسلَّم تسليماً كثيراً إلى يومِ الدِّين(١).
أما بعد :
فإن معرفة التصحيف في الحديث من أجلِّ المباحث وأفضلها،
وأرفعها وأعظمها، وهو فنٌّ جليل، ومطلبٌ نبيل، إنما ينهض بأعبائه
الخُذَّاق من المحدثين، ويتداركه الجهابذة من المحققين.
وقد صنَّف فيه كثير من أهل العلم كالدار قطني والخطّابي
والعسكري وأبي حفص عمر بن خلف الصِّقِلِّي وابن الجوزي والسيوطي
وغيرهم(٢).
وذلك أن التصحيف آفة، وكان الإِمام وكيع رحمه الله كثيراً ما يتمثَّل
بهذا البيت(٣):
خلق الله للحديثِ رجالاً
ورجالاً لآفة التَّصْحيف
ومع ذلك فإنه لم يسلم من الخطأ والتصحيف أحد من البشر كما قال
الإِمام أحمد رحمه الله :
((ومن يعرى من الخطأ والتصحيف؟)).
ولكنَّ ذلكَ يختلفُ باختلاف القِلّة والكثرة، والفُحش والخفّة.
(١) من كتاب: ((تصحيح التصحيف وتحرير التحريف)) (ص ٣)، لصلاح الدين
الصفدي المتوفى سنة (٧٦٤هـ).
(٢) انظر كتاب: ((التصحيف وأثره في الحديث والفقه، وجهود المحدثين في مكافحته))
(ص ٤٥٣ وما بعدها).
(٣) انظر: ((عجالة الإملاء المتيسرة من التذنيب)) (١٣٧/١)، للحافظ الناجي
رحمه الله .
٨

وقد صحَّف جماعة هم أئمة هذه الأمة، وحرَّف كبار بيدهم تصريف
الأَزِمَّة، وفشا ذلك في المحدثين والفقهاء، وفي النحاة وأهل اللغة، وفي
رواة الأخبار ونقلة الأشعار ...
وقد ذكر الإِمام صلاح الدين الصفدي في كتابه ((تصحيح التصحيف))
جملة من أسمائهم ثم قال (ص ٦ - ٧):
((وحسبك هؤلاء السادة الأعلام، والقادة لأرباب المحابر والأقلام،
وكل منهم:
مِنْ عِلْمِهِ غَرِقَتْ فِيهِ أَوَاخِرُهُ
إِذَا تَغَلْغَلَ فِكْرُ المَرْءِ فِي طَرَفٍ
وإذا كان مثل هؤلاء قد صحَّ أنهم صحَّفوا، وحرَّرَ النَّقل أنهم
حرَّفوا، فما عسى أن تكونَ الحُثالة من بعدهم، والرذالة الذين يتبهرجون
في نقدهم؟
ولكن الأوائل صحَّفوا ما قلَّ، وحرَّفوا ما هو معدود في الرذاذ
والطَّل، فأمَّا من تأخّر، فإنهم يُصحَّفون أضعاف ما يُصَحِّحون، ويُحرِّفون
زياداتٍ على ما يُحرِّرون.
ولقد كان غلطُ الأوائل قليلاً معدوداً، وسبيلاً بابُ اقتحامه لا يزال
مردوماً مردوداً، تجيءُ منه الواحدةُ النَّادِرةُ الفَذَّة، وقلَّ أن تَتْلُوَها أُخْتٌ لها
في اللَّحَاق بها مُغِذَّة، فأمَّا بعد أولئك الفُحول، والسُّحب الهَوَامِع التي
أقلعت، وعمَّت رياض الأدب بعدهم نوازل المحول، فقد أتى الوادي فَطَمَّ
على القَرِيّ، وتَقَدَّم السقيمُ على البَرِي:
فَلَيْتَ أنَّ زماناً مَرَّ دَامَ لَنَا
ولَيْتَ أنَّ زماناً دَامَ لم يَدُم
1
٩

((وإنَّ من أهم خصائص هذه الأُمة أن قَيَّضَ اللَّهُ تعالى لها رجالاً
يحفظون دينَ الله تعالى بدقة وإتقان، أكَدُوا من أَجْلِهِ أَبدانَهم، وأَجْهَدُوا
قُواهم، وسَهِروا له لَيلَهم، وساروا نهارَهم، ولم يَرَوْا من الأمانة في تَحمُّل
دين الله وأَدائه أن يتحمّلوه ويُؤَدوه كما اتَّفَق، بل رَأَوْا أنه لا يَتِمّ ذلك
ولا يكون حِفظاً وحِفاظاً بحقِّ وصِدقٍ إلَّ إذا كان آيَةً في الضَّبطِ والإِتقان.
ولذلك حَرَصوا على ضبطِ أَلفاظِهِ ونصوصه، وأَعْلامِهِ وأسمائه،
وكل حرفٍ يَتَّصل به، وجاءُوا بقواعدَ وضوابطَ وأُصولِ في هذا الباب،
وكَتَبُوا أَبحاثاً ضمنَ كتبٍ عُلومِ الحديث، وأَفْردَ بعضُهم كتباً خاصَّةً ببيان
المنهج العلميِّ الذي رسموه لضبط التلقي والأداءِ، من جملة هذه الكتب
((الإِلماعُ في ضبطِ الرواية وتقييدِ السَّماع))، لمَفْخَرَةِ المغرِبِ القاضي
عِیَاضٍ رحمه الله تعالى.
وكتابُه هذا هو الذي دفع بحماسةٍ وحرارةٍ إِنصافَ أَسد رستم
- وهو من غير المُسلمين - لتأليف كتابِهِ ((مصطلح التاريخ)) إعجاباً بهذا
الكتاب.
ولم يَكْتَفُوا بهذه القواعدِ والمناهِج، بل أَلَّفوا كُتُباً كثيرةً طَبّقوا فيها
الإِتقانَ والدقةَ التي ترسَّموها في حياتِهِمُ العلميةِ، فكتبوا في المُشتَبِهِ
والمُؤْتَلِفِ والمُخْتَلِفِ.
وَرَأَوْا أَنَّ الإِنسان - مهما سما قَدْرُهُ وتمكنتْ معارِفُه - فإنه لا بُدَّ
واقع في الخطٍ ولو كان من ذوي التَنَبِّهِ والتنبيهِ، بل يقعُ له الخطأُ وهو في
تنبيهاته إلى الصواب، وعلى أهل العلم أَن يُنَبِّهوا إلى أَوهامِه وسَقَطاتِهِ
بلسان عفِّ نزيه، وقلم مُتَرَفِّع أَديب، حتى لا يَسْري خطؤه إلى مَن بَعْدَه،
١٠
٠

ويُتَلَقَّى بالتواردِ والتسليم، فيكون الخطأُ في المتقدمين صواباً عند
المتأخِّرين، وحينئذٍ تنقلبُ الحقائقُ وتعظُمُ المصيبةُ.
إلاَّ أنَّ شيئاً من ذلك لم يكن، فقد نهض الجَهابِذةُ من أئمةٍ
العلم لبيان الزَّيْفِ من الخالص، وردِّ الحقِّ إلى نِصابِهِ، ولم يُقْعِدْهُمْ عن
ذلك الخُلُودُ إلى الراحة، ولا التَّلَذُذُ بالدَّعَةِ، ولم يَثْنِ عَزْمَهم أنَّ
ذلك الواهمَ إِمامٌ من أَئمةِ المسلمين لا يُمَسُّ جنابُه بتصحيح
وَهَمِهِ، أَو سُلطانٍ حاكم تُخْشى سطوتُه إذا ذكِّر لتصويبِ خطئِهِ، بل كان
شِعارُهم: ((أُحِبُّ الحقَّ وأُحبُّ فُلَاناً ما اجتمعا، فإذا افترقا كان الحقُّ أَحبَّ
إليَّ من فُلان)».
ولهذه النتائج الخطيرةِ الأَثَرِ، اهتمَّ العلماءُ بالضَّبطِ والإِتقان لما
يَتَحمَّلُونه، حتى إذَا رَوَوْهُ على الناس أَو كتبوهُ في تصانيفهم جاءَ على
الوجهِ الصحيح)) (١)، ((وأشدُّ ما يكون التصحيف في الأعلام: أسماءً،
وكنىّ، وأنساباً، وألقاباً وأثرُهُ كبيرٌ وخطيرٌ، حيثُ يؤدِّي في بعض الأحيان
إلى الخلط بينَ الثقات والضعفاء، وأحياناً أخرى إلى إيهام تعددِ رواةٍ
الحديثِ، بينما هو من رواية واحدٍ فقط .
وقد يقع تصحيفٌ من قِبل بعض الرواة في متنٍ حديثٍ،
فيقلبُ معناهُ، وربَّما أَدَّى ذلكَ إلى إدخالِ الحديثِ في بابٍ فقهيٍّ
غير بابه، ثم يأتي من يغترُّ بذلكَ، فيجعلُهُ شاهداً لأ حاديثِ البابِ
الآخر، والصوابُ أنه لا علاقةَ له بهذا الباب من قريب أو بعيدٍ، وإنما نشأً
(١) ما بين القوسين من كلام فضيلة الشيخ محمود الميرة في مقدمة تحقيقه
لـ ((تصحيفات المحدثين)) (٢١/١-٢٢).
١١

ذلك بسببٍ ما وقع في متنه من تصحيف أفسد معناه))(١).
وأشهر الأمثلة في ذلك(٢) ما بنى عليه مصنِّنا ابن عبد الهادي رسالته
عليه وهو حديث ابن لهيعة: ((أن النبي ( ﴿ ﴿ احتجم في المسجد))،
وصوابه: ((احتجر في المسجد))، أي انَّخذ حجرة. وقد أورده جماعة من
الفقهاء للاحتجاج به على جواز الاحتجام في المسجد كما ذكره الإِمام
ابن عبد الهادي في رسالته، وقد أطال في نقض رواية ابن لهيعة بما
لا تجده عند غيره.
((وللسلامة من الآثار السيئة للتصحيف، ولِيَبْقَ شرع الله تعالى
محفوظاً، سلك الأئمة طرقاً متعددة في التعلم والتعليم، منها هذه
المسالك الثلاث، أتحدَّث عنها بالاختصار الشديد(٣):
١ - ضرورة أخذ العلم عن أهله المُتَقِنِين له تَلَقِّياً ومُشَافهةً
ومُزَاحِمَةً لهم بالرُّكَب مع الصُّحبة الطَّوِيلَة، ومنعوا من أَخذِه عن الصُّحُفِ،
لأَن مَنْ تلقاه عن أُستاذ رشيد خبير إِنما يَتلقَّى عنه عُصَارةَ جُهده، وعُمُرَه
المَدِيد، مضافاً إلى ما تلقاه هذا الأُستاذُ عن شيوخِه السابقين، وهم عَمَّنْ
قَبْلَهم كذلك.
ومَنْ تلقَّى علمه عن الشيوخ المُتقنين ولازمهم لن تَصِلَ به الغَفْلَةُ
(١) انظر كتاب: ((الإِرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات)) (ص ١٧٧
وص ٢١١)، للشيخ الفاضل طارق بن عوض الله.
(٢) والأمثلة كثيرة، انظرها في المصدر السابق (ص ٢١١ - ٢١٨).
(٣) مقتبس من كلام الشيخ محمود الميرة في مقدمته لـ ((تصحيفات المحدثين))
(٢٣/١ - ٢٨)، مع تصرف يسير.
١٢
٠
٢

- مهما كان مُغَفَّلاً - إلى حد أَن يَروي حديثاً ((عن جبريلَ عن اللَّهِ عن
رَجُلٍ)) فقيل له:
((مَنْ هذا الذي يصلُحُ أَنْ يكونَ شيخاً لله تعالى ... ؟)) فإذا هو
صَخَّفَ، فإذا هو (عن الله عَزَّ وجَلَّ).
وقد حَذَّر سلفُنا رضي الله عنهم من الأَخذِ عَنِ الصُّحُفِ وَأَهْلِها،
فقالَ سَعيدُ بنُ عبدِ العزيز التّنُوخِي أحدُ الثقاتِ الأثباتِ، وقد سَوَّاه الإِمامُ
أَحمدُ بالأَّوزاعِيِّ، وقدَّمه غيرُه عليه قال: (لا تَحْمِلُوا العِلمَ عن صَحَفِيٍّ،
ولا تأُخذوا القُرآنَ عن مُصْحَفِيٍّ).
وَقَالَ قَائِلُهُم :
يَكُنْ عن الزَّيْفِ والتَّصحيفِ فِي حَرَمِ
مَنْ يَأْخُذُ العِلمَ عن شيخِ مُشَافَهَةً
فَعِلْمُهُ عند أَهلِ العِلْمِ كالعَدَمِ
ومَنْ يَكُن آخِذاً للعِلْم عن صُحُفٍ
٢ - تقييد ما يكتبه الراوي عن شيخه، وضبطه بالشكل والنَّقلِ
وبعلاماتِ الإِعجام والإِهمال، ويقواعدِ الكتابة والمقابلةِ والإِلحاق
والتضبيبٍ ونحو ذلك مما رَسَمَهُ علماؤنا وقَعَّدُوهُ وَدَوَّنُوه في كُتِبٍ علوم
الحدیث.
ولا يَنْقَضي عجبُ الناظر من كثرةِ التقييدِ التي يَجِدُها في شرح
القاضي عياضٍ رحمه الله على صحيح مسلم، وفي كتابه ((مشارق الأنوار))
- وكان قد استفاد ذلك من أَبي عَلِيٍّ الغَسّاني صاحب الكتاب الأصيل
الحَفيل ((تَقَييدِ المُهْمَل)) - وكذلك في ((مطالع الأنوار)) لابن قُرْقُول، الذي
يُكثِرِ النوَويُّ من النقل عنه في شرح صحيح مسلم)) (١).
(١) شرح ما يقع فيه التصحيف (ص ٥).
١٣
:

وهذا نص طويل عن أَبي أَحمدَ العسكري يبين أَهَمِّيَّةَ الضبطِ والنقط
والشكل في نظرٍ علمائنا الأَقدَمِين، قال رحمه الله في ((شرح ما يقع فيه
التصحيف والتحريف))(١):
((وأَخبرني أبي، أخبرني عَسَل بن ذَكْوانَ، أَخبرنا الحسنُ بن يحيى
الأَسدي قال: قال عَليُّ بن المديني: مر بنا الجَمَّاز، ونحن في مجلس
للحديث، فقال: يا صِبيانُ، أَنْتُم لا تُحسِنونَ أَن تكتبوا الحديثَ، كيف
تكتبون: أُسَيْداً وأَسِيداً وأُسَيِّداً؟ قال: فكان ذلك أَوَّل ما عرفتُ التقييدَ
وأخذتُ فيه.
قال: وكان الأوزاعي يقول: إِعجامُ الكتابِ نُورُه.
ومما قيل من الشعر في ذَمِّ إِغفالِ الشكلِ والنقطِ، ومدحِ ما قُيِّدَ منه:
أخبرني محمد بن يحيى بن العباس قال: أَهدى أحمدُ بن إسماعيل الكاتب
إلى صديق له دفتراً فيه حُدودُ الفرّاءِ وكتب على ظهره:
بالرَّوض أَو بالبُرْد في تَفْوِيفِهِ
خذه فقد سُوِّغتَ منه مشبَّهاً
وتَأَنَّقَ الفرَّاءُ في تأليفهِ
نُظِمتْ، كما نُظمَ السحابُ سُطورُه
تَصحيفه ونجوتَ منْ تَحريفه
وشَكَلْتُه ونقطُه فأَمنت مِنْ
لا تُجْتَنى إلَّ بشكلِ حُرُوفه
بُستانُ خَطِّ غيرَ أَن ثماره
وقال أبو تَمَّام فأَحسن إِن كان أَراد هذا المعنى:
إِذا ما أُطْلقَتْ ذاتَ انطلاق
إذا ما قُيِّدتْ رَتِلَت وليست
وهذا معنّى مَليح لمن صرفه إليه، يقول: إِذا قيدت بالإِعجام
(١) شرح ما يقع فيه التصحيف (ص ١٤ - ١٦).
١٤
٠

والشكل مشت للقارىء وسهلت عليه، وإذا أُغفلت وأُطْلقَتْ لم تَسْتَبِنْ
ولم تنطلقْ للقارىءٍ.
وعندي أَن أبا تمام أَخَذَ هذا من قول رُؤْبَةَ، وهو أَولُ من اخترعَ هذا
المعنى في قوله:
أَخرَجَ أَسماءَ البيانِ مُعْجَمَه
إِذا تهجَّى قارِىءٌ بهَيْنَمَه
يُبْدي لعيني غابرٍ تَفَهُّمَه
وحلق التَّرقين أَو موشمه
يريد أن الإِعجام هو الذي بيَّنَه وأَخرج أسماءَه.
التَّرْقِينُ: النقطُ في الكتاب، وأَن تقرأَه على نفسِكَ، وتعتبِرَهُ وتَدَبَّرَ
بَعْضَهُ ببعضٍ .
وأنشدني أبو بكرٍ قال: أَنْشَدَني المُبَرّد لمحمد بن عبد الملك الزيَّات
كتبها إلى الحسن بن وهب يصف كتاباً منها:
شَكّا لِمُعْتَسفٍ وَلاَ لمُفَكِّرٍ
وإِذا وُشومٌ في كتابِكَ لم تَدَع
والنصبِ فيه بحالِهِ والمَصْدَر
تُنبيكَ عن رَفْع الكلام وخَفْضِهِ
خِلْوٌ فبئسَ لبائع أَو مُشْتَرِي
وإِذا كتابُ أَخيك مِنْ ذا كُلِّهِ
ومِمَّن مَدَحَ كَثْرَةَ الشكلِ أَحمدُ بن إسماعيل نَطَّاحَةُ الكاتبُ فقال:
كالرَّوضِ مَيَّزَ بينَهُ زَهَرُهْ
مستودِعُ قرطاسَه حِكَماً
والشَّكْلُ في أَضعافِها ثَمَرُهْ
وَكَأَنَّ أَحْرُفَ خَطِّهِ شَجَرٌ
ومما يُسْتَحْسَنُ في هذا المعنى ونَدَرَ لابن المُعْتَرِّ:
بِشَكْلٍ يُؤْمَنُ الإِشكالُ فيهِ
كَأَنَّ سُطُورَهُ أَغصانُ شَوْكِ
٠
١٥

يُقَالُ: شَكَلْتُه: فهو مَشْكُولٌ، ولا يُقَالُ أَشْكَلْتُه، وكذلك شكلتُ
الدَّابَة، وأَشكلَ عليَّ: إذا التبس عليكَ، ويُقال: أَعجمَه فهو معجم،
ولا يُقَالُ: عجمته ولا مَعْجوم، ولا عَجّمتُه بالتشديد، وأَعجمتُ الكلام:
ذهبتُ إلى العُجْمَة)).
٣ - أَمَّا الأَمرُ الثالثُ الذي سلكه علماؤنا للحِفَاظِ على العِلم
وليَبْقى سليماً وَلِيُتَدَاوَلَ سَلِيماً: فهو إِفرادُهم بالتأليف كُتُباً خاصّة بذلك،
وجاءَت مؤلَّفَاتُهم على قِسْمَين :
الأول: في التقييدِ والضبطِ، يذكرون فيها ضبطَ الأَسماءِ والألفاظ
وكيف نَطَقَ بها أصحابها، فإذا قرأَها طالب العلم أَمِنَ من الغلط
والتحريف، ومن كُتُبِ هذا القسم: (تقييد المُهْمَل) لَأَبي عليٍّ الغَسّاني
الجَيَّاني، و (مشارق الأنوار) للقاضي عياضٍ، و (مطالع الأنوار)
لابن قُرْقُول، و (تقييد) ابن نقطة و (التقييدات) له أيضاً، ونجد هذا كثيراً
في كتب شروح السنَّة بالنسبة لنصوص الأحاديث الشريفة.
والثاني: في التصحيفات والأوهام، وقد نشطت حركة التأليف في
هذا الجانب بالقرن الرابع، فكتب حمزةُ بن الحسن الأصفهاني (٢٨٠ -
٣٦٠) كتابه: ((التنبيه على حدوث التصحيف))(١)، وكذلك كتب العسكري
والدارقطني والخطابي وغيرهم ممن سبق ذكرهم في هذا الباب وأفردوه
في مصنفات خاصة.
وأخيراً، فإني أحيل القارىء الكريم إلى كتاب الأخ أسطيري جمال:
(١) طبعة مجمع اللُّغة العربية بدمشق سنة ١٣٨٨هـ، بتحقيق محمد أسعد طلس،
ومراجعة أسماء الحمصي، وعبد المعين الملوحي.
١٦

((التصحيف وأثره في الحديث والفقه))، لمعرفة التصحيف وأحكامه،
وأقسامه وأسبابه، وآثاره والمصنَّفات فيه، وجهود العلماء في مكافحته،
فإنه أجاد وأفاد.
وأسأل الله عز وجل أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم،
إنه على كل شيء قدير.
و کتب
محمّصباح منصورْ
يوم الجمعة ١٥ رمضان ١٤٢٢ هـ
الموافق ٣٠ تشرين الثاني ٢٠٠١ م
الكويت - الجهراء
١٧

ترجمة المصنف(١)
الإِمام يوسف ابن عبد الهادي
أولاً : اسمه ونسبه :
هو يوسف بن حسن بن أحمد بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي بن
عبد الحميد بن يوسف بن محمد بن قدامة بن مِقْدام بن نصر بن فَتْح بن
حذيفة بن محمد بن يعقوب بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى
بن محمد بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، القرشي(٢).
ثانياً : كنيته:
أبو المحاسن، ولقبه: جمال الدين، ويعرف بابن المِبْرد، والمٍبرد
لقب جده أحمد، لقب بذلك لقوته، وقيل: لخشونة يده(٣).
ثالثاً : مولده :
ولد الإِمام ابن عبد الهادي سنة أربعين وثمانمائة، كما قال تلميذه
(١) استفدت معظم هذه الترجمة من الشيخ محمد بن ناصر العجمي في مقدمته
لـ ((سير الحاث))، فجزاه الله خيراً.
(٢) انظر: ((شذرات الذهب)) (٦٢/١٠)، والنعت الأكمل (ص ٦٧).
(٣) انظر: ((النعت الأكمل)) (ص ٦٧).
٠
١٨
٠

ابن طولون، وصاحب شذرات الذهب، والغزي في الكواكب السائرة،
وابن الملا في: ((متعة الأذهان))، ومؤرخ دمشق القاضي محيي الدين
النعيمي في تاريخه ((العنوان))(١).
رابعاً : شيوخه :
أخذ ابن عبد الهادي عن جمع كبير من العلماء.
يقول نجم الدِّين الغزي: ((قرأ القرآن على الشيخ أحمد المصري
الحنبلي وجماعة، ثُمَّ على الشيخ محمد والشيخ عمر العسكريين، والشيخ
زين الدِّين الحبَّال، وصلَّى بالقرآن ثلاث مرات، وقرأ ((المقنع)) على الشيخ
تقي الدِّين الجُراعي، والشيخ تقي الدِّين ابن قُنْدُس، والقاضي علاء الدِّين
المرداوي، وحَضَرَ دروس خلائق، منهم: القاضي برهان الدِّين ابن مفلح،
والشيخ برهان الدِّين الزُّرَعي.
وأخذ الحديث عن خلائق من أصحاب ابن حجر، وابن العراقي
وابن البالسي ... ))(٢).
وقال ابن طولون: (( ... وحفظ القرآن، و((المُقْنع)) و((الطَّوفي)) في
الأصول، و((ألفية ابن مالك))، ... )).
وقال أيضاً: ((وتَفْقَّهَ بالشيخ تقي الدين ابن قُنْدُس، ثُمَّ صَرَفَ همتَهُ
إلى علم الحديث، فأخذ عن غالب مشايخ الشَّاميين، وأجاز له خَلْقٌ))(٣).
(١) انظر: ((السحب الوابلة)) (١١٦٦/٣)، و((شذرات الذهب)) (٦٢/١٠)،
و((الكواكب السائرة)) (٣١٦/١)، و((متعة الأذهان)) (١٠٨).
(٢) ((الكواكب السائرة)) (٣١٦/١).
(٣) ((سكردان الأخبار)) بواسطة ((السحب الوابلة)) (١١٦٨/٣).
١٩

وقال الكمال الغزي: ((وأخذ العلم عن مشايخ كثيرة جداً، وقد
جمعهم في معجمین: كبير، وصغير ... ))(١).
خامساً: تلاميذه:
لقد تتلمذ على الإِمام يوسف بن عبد الهادي مجموعة من العلماء،
ومن أبرز تلاميذه:
١ - محمد بن علي بن أحمد بن طولون الدمشقي، الصالحي،
يكنَّى بأبي عبد الله، ويعرف بـ ((ابن طولون))، المتوفى سنة ٩٥٣هـ،
مؤرّخ مرموق، وعالم بالتراجم والفقه، ألَّف كتاباً خاصاً في ترجمة
شيخه ابن عبد الهادي سمَّاه: ((الهادي إلى ترجمة يوسف بن
عبد الهادي))(٢).
٢ - أحمد بن محمد المرداوي، ثم الصالحي، المعروف
بـ ((ابن الدِّيوان)) شهاب الدين، إمام الجامع المظفري، المتوفى
سنة ٩٤٠ هـ، وقد أخذ عن ابن عبد الهادي الحديث والفقه(٣).
٣ - فضل بن عيسى النجدي، المتوفى سنة ٨٨٢هـ، وقد قرأ على
ابن عبد الهادي ((المقنع)) وغيره(٤) .
(١) ((النعت الأكمل)) (ص ٦٨).
(٢) انظر: ((شذرات الذهب)) (٢٩٨/٨)، و((الكواكب السائرة)) (٥٢/٢)، و((معجم
المؤلفين)) (٥١/١١ - ٥٢).
(٣) انظر: ((شذرات الذهب)) (٢٣٩/٨ - ٢٤٠)، و((الكواكب السائرة» (٩٧/٢)،
و ((النعت الأكمل)) (ص ١٠٦).
(٤) انظر: ((الجوهر المنضد)) (ص ١١٢).
٢٠