النص المفهرس

صفحات 1-20

كِتاب
مجمع البحرين في زَوَائِ المُعجِّينِ
"المعجم الأوسط وَالمعجَمُ الصّغير للطّبراني"
تأليف
الحَافِظِ نُورُ الدِّين الهَيثي حمه الله
"٧٣٥ - ٥٨٠٧"
تحقيق ودراسة
عَبَد القدّوسُ بن محمد نذير
الجزء الأول
الناشرُ
كتَبة الرشد
الجنيه الرياض

كِتاب
مجتمع التحريف في زَوَائِد المعجمين
المعجم الأوسط وَالمعجم الصّغير للطّبراني"

حقوق الطبع محفوظة للناشر
O الطبعة الأولى 0
١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م
الناشر
مكتبة الرشد للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - الرياض - طريق الحجاز
ص.ب: ١٧٥٢٢ الرياض ١١٤٩٤ هاتف ٤٥٨٣٧١٢
تلكس ٤٠٥٧٩٨ فاكس علي ٤٥٧٣٣٨١

بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن
سيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾(١).
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها وبث
منها رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام. إن الله كان عليكم
رقيبا﴾(٢).
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله، وقولوا قولاً سديدا﴾(٣).
أما بعد! فيسعدني أن أقدم للقراء والباحثين كتابا من أهم كتب الحديث، ومرجعاً مهمًا
من مراجع الحديث، ألا وهو كتاب ((مجمع البحرين في زوائد المعجمين)) للحافظ
نور الدين الهيثمي رحمه الله، ولقد أعجبت به كثيراً، لما طالعته أول مرة - وأنا أبحث في
رسالة الماجيستير، وأجمع مواد الرسالة من الكتب المطبوعة والمخطوطة، فرأيت فيه أحاديث
نفيسة، وأسانيد غريبة قلما توجد في كتب أخرى، وكيف لا؟ وهو كتاب يجمع بين دفتيه
زوائد المعجم الصغير، والمعجم الأوسط للإمام الطبراني على الكتب الستة، وقال الإِمام
الطبراني في كتابه الأوسط: هذا الكتاب روحي.
(١) سورة آل عمران: آية ١٠٢.
(٢) سورة النساء: آية ١ .
(٣) سورة الأحزاب: آية ٧٠.
٥

فحينذاك عاهدت نفسي، وقطعت عليها بإخراج هذا الكتاب من حيز المخطوطات إلى
عالم المطبوعات كي تعم الفائدة للجميع:
وإني لأشكر الله كثيراً على ما وفقني وهداني لخدمة هذا السفر الجليل، وتقديمه للقراء
الكرام محققاً ومدروساً بعض جوانبه المهمة، وأرجو الله أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن
یعم بنفعه الجميع.
وكما أتوجه بالشكر الجزيل لشيخي الجليل العلامة صالح بن محمد اللحيدان رئیس
الهيئة الدائمة لمجلس القضاء الأعلى الذي قرأ جزءاً من هذا الكتاب، ووجهني إلى بعض
الملاحظات القيمة، وأفادني بمعلوماته الواسعة وآرائه السديدة، فجزاه الله خيراً وبارك في
حیاته، وعلمه.
وكما أود أن لا يفوتني أن أشكر لذي الفضل فضله الذي لبّى رغبتي في نشر هذا
الكتاب، وسارع إلى تذليل الصعاب في سبيل طباعته، صاحب مكتبة الرشد الشيخ
أحمد بن فهد الحمدان، ومعاونه وساعده الأيمن الشيخ فيصل بن محمد مريشد، فبارك الله
فيها ووفقهما لمزيد نشر العلم النافع وتراث سلفنا الصالح.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
٦

ترجمة الإِمام الطبراني
تَسَبه:
هو أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الطبراني الشامي(١).
نسبته :
ينسب الإِمام الطبراني من جهة القبيلة ((باللخمي)) - بفتح اللام وسكون الخاء
المعجمة، وبعدها ميم - وهذه النسبة إلى لخم - واسمه مالك بن عدي بن الحارث بن
مرة بن أدد بن زيد بن یشجب بن عریب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن یعرب بن
قحطان(٢).
وهو أخو جذام ـ واسمه عامر، ولخم وجذام قبيلتان كبيرتان من القحطانية في اليمن.
٢
وذكر الزبيدي وجه تسميتهما لخًا وجذاماً - نقلا عن ابن الكلبي وغيره - فقال: لخم
اسمه مالك، وجذام اسمه عامر - وهما أخوان، فجذم مالك إصبع عامر، فسمي جذاماً،
ولخم عامر مالكاً، فسمي لخًا، واللخم: اللطم(٣).
وأما من جهة المولد والوطن، فينسب بالطبراني - بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة
والراء، وبعد الألف نون(١) . - نسبه إلى طبرية - وهي مدينة بالشام مطلة على البحيرة
(١) وفيات الأعيان (١٤١/٢).
(٢) معجم قبائل العرب لعمر رضا كحالة (١٠١١/٣).
(٣) تاج العروس (٥٨/٩) مادة لخم.
٧
مے

المعروفة ببحيرة طبرية - وهي في طرف جبل، وجبل الطور مطل عليها، بينها وبين دمشق
ثلاثة أيام، وكذلك بينها وبين بيت المقدس وبينها وبين عكا يومان(١).
وقد اشتهر به أكثر من غيره، حتى يكاد لا يعرف إلا بالطبراني.
مولده:
ولد الإمام الطبراني في صفر سنة ستين ومئتين (٢٦٠) بعكا(٢) - وهي بلدة على
ساحل بحر الشام، ومن أحسن بلاد الساحل، وكانت أمه من أهلها(٣).
طلبه العلم:
بدأ الإمام الطبراني في طلب الحديث من صغره، وكتب وسمع الأحاديث من مشايخ
بلده - وعمره ثلاث عشرة سنة، وارتحل في طلب الحديث وطاف البلاد، ولما يبلغ سن
البلوغ.
قال الذهبي في العبر(٤): وأول سماعه في سنة ثلاث وسبعين ومئتين بطبرية، ورحل
أولاً إلى القدس سنة أربع وسبعين، ثم رحل إلى قيسارية سنة خمس وسبعين، فسمع من
أصحاب محمد بن يوسف الفريابي، ثم رحل إلى حمص، وجبلة ومدائن الشام، وحجّ
ودخل اليمن، وردّ إلى مصر، ثم رحل إلى العراق وأصبهان وفارس، روى عن أبي زرعة
الدمشقي، وإسحاق الدبري، وطبقتهما.
وفي سير أعلام النبلاء(٥): فأول ارتحاله كان في سنة خمس وسبعين، فبقي في
الارتحال، ولقي الرجال ستة عشر عاماً، وكتب عن من أقبل، وأدبر، وبرع في هذا الشأن.
وقال ابن خلكان: «رحل في طلب الحديث من الشام إلى العراق، والحجاز، واليمن،
ومصر، وبلاد الجزيرة الفراتية، وأقام في الرحلة ثلاثاً وثلاثين سنة، وسمع الكثير))(٦).
(١) معجم البلدان (١٧/٤).
(٢) طبقات المفسرين للداودي (١٩٨/١).
(٣) الأنساب للسمعاني (٣٤٣/٩)، ومعجم البلدان (١٤٣/٤).
(٤) (٣١٥/٢).
(٥) (١١٩/١٦).
(٦) وفيات الأعيان (١٤١/٢).
٨٠

فكانت نتيجة تلك الرحلات في الأمصار والبلدان أن جمع له من الأحاديث ما لم
يحصل لغيره من الأقران.
((سئل عن كثرة حديثه، فقال: كنت أنام على البواري ثلاثين سنة))(١).
شيوخه :
بدؤ الإمام الطبراني طلبه الحديث من الصغر، وترحاله في البلدان آتى أكله وثماره،
وظهرت آثاره في مشايخه، أن سمع كثيراً من المشايخ الكبار، ولقي أصحاب يزيد بن
هارون المتوفى سنة ٢٠٦هـ، وحجاج بن محمد المتوفى سنة ٢٠٦هـ، وروح بن عبادة المتوفى
سنة ٢٠٥هـ أو ٢٠٧هـ، وأبي عاصم المتوفى سنة ٢١٢هـ، وعبد الرزاق المتوفى سنة ٢١١هـ.
ولم يزل يكتب حتى كتب عن أقرانه(٢).
((وإلى الطبراني المنتهى في كثرة الحديث، وعلوه، فإنه عاش مئة سنة، وسمع - وهو
ابن ثلاث عشرة سنة))(٣).
وأما عدد شيوخه الذين كتب عنهم، فقال ابن خلكان: وعدد شيوخه ألف شيخ(٤).
وقال الذهبي، والسيوطي، والداودي: ((وحدث عن ألف شيخ أو يزيدون)(٥).
منزلته عند مشايخه :
قال أبو نعيم الحافظ: سمعت أحمد بن بندار يقول: دخلت العسكر سنة ثمان وثمانين
ومئتين، فحضرت مجلس عبدان، وخرج ليملي، فجعل المستملى يقول له: إن رأيت أن تملي؟
فيقول: حتى يحضر الطبراني.
قال: فأقبل أبو القاسم (الطبراني) بعد ساعة متزراً بإزار مرتدياً بآخر. ومعه أجزاء،
وقد تبعه نحو من عشرين نفساً من الغرباء من بلدان شتى، حتى يفيدهم الحديث(٦).
(١) سير أعلام النبلاء (١٢٢/١٦)، وطبقات الحفاظ للسيوطي (٣٧٢).
(٢)
سير أعلام النبلاء (١٢٠/١٦).
(٣) ميزان الاعتدال (١٩٥/٢).
(٤) وفيات الأعيان (١٤١/٢).
(٥) سير أعلام النبلاء (١٢٠/١٦)، وطبقات الحفاظ (٣٧٢) وطبقات المفسرين (١٩٨/١).
(٦) سير أعلام النبلاء (١٢٢/١٦).

تلامذته .
لما فرغ الإمام الطبراني من جمع وكتابة الحديث، قدم إلى أصبهان قدمته الثانية(١) سنة
عشر وثلاث مئة، فأقام بها محدثاً، وازدحم إليه المحدثون، ودخلوا عليه من الأقطار، وسمع
منه شيوخ أصبهان.
قال سليمان بن إبراهيم الحافظ: ((قال أبو أحمد العسال القاضي: أنا سمعت من
الطبراني عشرين ألف حديث، وسمع منه أبو إسحاق بن حمزة ثلاثين ألفاً، وسمع منه
أبو الشيخ أربعين ألفاً. قال الذهبي: هؤلاء كانوا شيوخ أصبهان مع الطبراني»(٢) وممن سمع
منه، وروی عنه:
* أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي الثقة محدث البصرة، المتوفى سنة
٣٠٥ هـ(٣).
والحافظ ابن عقدة أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي المتوفى سنة ٣٣٢هـ(٤).
وهما من شيوخه.
وابن مندة أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة محدث العصر،
المتوفى سنة ٣٩٥هـ (٥).
وأبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهاني صاحب التفسير والتاريخ المتوفى سنة
٤١٠ هـ (٦)
.
وأبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني الحافظ الكبير محدث العصر المتوفى
سنة ٤٣٠ هـ (٧).
(١) قال أبو نعيم في أخبار أصبهان (٣٣٥/١) قدم أصبهان سنة تسعين ومئتين، فخرج منها، ثم قدمها
ثانیاً، فأقام بها محدثاً ستين سنة.
(٢) سير أعلام النبلاء (١٢٢/١٦).
(٣) التذكرة (٦٧٠/٢).
(٤).
التذكرة (٨٣٩/٣).
(٥) التذكرة (١.٣١٠/٣).
(٦) التذكرة (١٠٥٠/٣).
(٧) التذكرة (١٠٩٧/٣).
١٠
١

وأبو سعيد بن محمد بن بن عمرو النقاش الحنبلي الأصبهاني المتوفى سنة ٤١٤هـ(١).
والإِمام الجوال أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد الشيرازي صاحب كتاب
الألقاب توفي سنة ٤٠٧هـ (٢)
وخلق كثير أخرهم موتاً
أبو بكر محمد بن عبد الله بن ربذة التاجر، ثم عاش بعده.
* أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي بكر الذكواني، يروي عن الطبراني بالإِجازة،
فمات سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين، وأربع مئة، ومات ابن ربذة عام أربعين(٣).
ثناء العلماء عليه :
اثنى عليه العلماء كثيراً، وشهدوا له بالفضل والإِمامة والحفظ، والإتقان، وبراعته في
علم الحديث.
قال أحمد بن منصور الشيرازي الحافظ: كتبت عن الطبراني ثلاث مئة ألف حديث -
وهو ثقة (٤).
وقال أبو بكر بن أبي علي: الطبراني أشهر من أن يدل على فضله، وعلمه، كان
واسع العلم كثير التصانيف(٥).
وقال أبو جعفر بن أبي السري: لقيت ابن عقدة بالكوفة، فسألته يوماً أن يعيد لي
فوتاً (أي ما فاته من مجلس سماع الحديث) فامتنع، فشددت عليه، فقال: من أي بلد أنت؟
قلت: من أصبهان، فقال: ناصبة؟ ينصبون العداوة لأهل البيت، فقلت: لا تقل هذا، فإن
فيهم متفقهة وفضلاء، ومتشيعة، فقال: شيعة معاوية؟ قلت: لا، والله بل شيعة علي،
وما فيهم أحد إلا وعلي أعز عليه من عينه وأهله، فأعاد علي ما فاتني، ثم قال لي: سمعت
(١) التذكرة (١٠٥٩/٣).
(٢) التذكرة (١٠٦٥/٣).
(٣) سير أعلام النبلاء (١٢١/١٦ - ١٢٢).
(٤) طبقات الحفاظ للسيوطي (ص٣٧٣)، ولسان الميزان (٧٤/٣).
(٥) سير أعلام النبلاء (١٢٧/١٦)، ولسان الميزان (٧٤/٣).
١١

سليمان بن أحمد اللخمي؟ فقلت: لا، لا أعرفه، فقال: يا سبحان الله! أبو القاسم
ببلدكم، وأنت لا تسمع منه، وتؤذيني هذا الأذى بالكوفة، ما أعرف لأبي القاسم نظيراً(١).
وقال الذهبي: ((الطبراني هو الإمام الحافظ الثقة الرحال الجوال محدث الإِسلام،
علم المعمرين(٢).
وقال - أيضاً - : كان ثقة صدوقاً واسع الحفظ بصيراً بالعلل، والرجال والأبواب
كثير التصانيف(٣).
وقال الداودي: الإِمام الحجة بقية الحفاظ ... مسند الدنيا(٤). وهو من فرسان هذا
الشأن مع الصدق والأمانة(٤).
حفظه وإتقانه :
قال أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوي: سمعت الأستاذ ابن العميد يقول: ما كنت
أظن أن في الدنيا حلاوة ألذ من الرئاسة، والوزارة التي أنا فيها، حتى شاهدت مذاكرة أبي
القاسم الطبراني. وأبي بكر الجعابي بحضرتي، فكان الطبراني يغلب أبا بكر بكثرة حفظه،
وكان أبو بکر یغلب بفطنته وذكائه، حتى ارتفعت أصواتهما، ولا یکاد أحدهما يغلب صاحبه،
فقال الجعابي: عندي حديث ليس في الدنيا إلا عندي، فقال: هات، فقال: حدثنا
ابو خلیفة الجمحي، حدثنا سليمان بن أيوب، وحدث بحديث.
فقال الطبراني: أخبرنا سليمان بن أيوب - ومني سمعه أبو خليفة فاسمعه مني حتى
يعلو فيه إسنادك، فخجل الجعابي، فوددت أن الوزارة لم تكن، وكنت أنا الطبراني،
وفرحت كفرحه، أو كما قال(٥).
(١) سير أعلام النبلاء (١٢٥/١٦)، وطبقات المفسرين (٢٠٠/١).
(٢) سير أعلام النبلاء (١١٩/١٦).
(٣) العبر (٣١٥/٢).
(٤) طبقات المفسرين (١٩٩،١٩٨/١).
(٥) سير أعلام النبلاء (١٢٤/١٦)، وطبقات الحنابلة (٥٠/٢)، وطبقات المفسرين (٢٠٠/١)، والمنهج
الأحمد (٤٩/٢).
١٢

أخلاقه:
قال أبو عمر بن عبد الوهاب السلمي: سمعت الطبراني يقول: لما قدم ابن رستم -
عامل أصبهان - من فارس أعطاني خمس مئة درهم فلما كان في آخر أمره تكلم في أبيبکر،
وعمر رضي الله عنهما ببعض الشيء، فخرجت ولم أعد إليه بعد(١).
وقال ابن مندة: وبلغني أن الطبراني كان حسن المشاهدة، طيب المحاضرة، قرأ عليه
يوماً أبو طاهر بن لوقا: حديثاً كان يغسل حصى جماره، فصحفه، وقال: خصي حماره، فقال:
ما أراد بذلك يا أبا طاهر؟ قال: التواضع - وكان هذا كالمغفل(٢).
وقيل: ((ذهبت عيناه في آخر أيامه، فكان يقول: الزنادقة سحرتني، فقال له يوماً
حسن العطار - تلميذه - يمتحن بصره: كم عدد الجذوع التي في السقف؟ فقال: لا أدري،
ولكن نقش خاتمي سليمان بن أحمد.
قال الذهبي: ((هذا قاله على سبيل الدعابة))(٣).
وقال له مرة: من هذا الآتي؟ - يعني ابنه - فقال: أبوذر، وليس بالغفاري(٣).
ما أُخذ عليه:
تكلم فيه بعض معاصريه، وأخذ عليه بما لا يقدح في جلالة علمه وحفظه، ولا يحط
من قدره ومنزلته، وقد تناول العلماء بهذه المآخذ بالبحث والإِجابة عنها:
١ - فمما أخذ عليه: وهمه في إسناد حديث.
قال أبو عبد الله الحاكم: وجدت أبا علي النيسابوري الحافظ سيء الرأي في
أبي القاسم اللخمي، فسألته عن السبب فيه، فقال: اجتمعنا على باب أبي خليفة،
فذكرت له طرق حديث ((أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء))، فقلت له: يحفظ شعبة عن
عبد الملك بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس.
قال: بلى، رواه غندر وابن أبي عدي.
(١) طبقات المفسرين (٢٠٠/١).
(٢) سير أعلام النبلاء (١٢٣/١٦).
(٣) سير أعلام النبلاء (١٢٧/١٦).
١٣

قلت: من عنهما؟.
قال: حدّثناه عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عنهما.
فاتهمته إذ ذاك، فإنه ما حدث به غير عثمان بن عمر عن شعبة(١).
وقد أجاب عنه الحافظ ضياء الدين المقدسي في الجزء الذي جمعه في الذب عن
الطبراني، فقال: ظن - أي الطبراني - أنه سئل عن رواية شعبة عن عمروبن دينار، عن
طاوس، فهي التي عند غندر. عن شعبة، وهي التي رواها ابن الصواف عن عبد الله بن
أحمد، والمسؤول عنها رواية شعبة عن عبد الملك بن ميسرة، عن طاوس، فهي التي انفرد بها
عثمان بن عمر.
قال: والدليل على أنه لم يسمعه، أنه ساق الطريقين في كتابه الذي جمع فيه حديث
شعبة، فأورد إحداهما في ترجمة شعبة عن عمرو بن دينار، عن طاوس من رواية غندر عن
شعبة، وأورد الأخرى في ترجمة شعبة عن عبد الملك بن ميسرة من رواية عثمان بن عمر عن
شعبة ..
ثم قال الضياء: لو كان كل من وهم في حديث أو حديثين اتهم لكان هذا لا يسلم
منه أحد(٢).
٢ - ومما أخذ عليه تكثيره عن إدريس بن جعفر العطار، وأهل بلده لم يرووا عنه
إلا قليلاً.
٠
قال الحافظ أبو بكر بن مردویه: دخلت بغداد، وتطلبت حديث إدريس بن جعفر
العطار، عن يزيد بن هارون، وروح، فلم أجد إلا أحاديث معدودة، وقد روى الطبراني
عن إدریس، عن یزید کثیراً(٣).
وأجاب الذهبي عن هذا، فقال: هذا لا يدل على شيء، فإن البغاددة كاثروا على
إدريس للينه، وظفر به الطبراني، فاغتنم علو إسناده، وأكثر عنه، واعتنى بأمره(٤).
(١) علوم الحديث للحاكم (ص ١٤٣)، وسير أعلام النبلاء (١٢٦/١٦).
(٢) لسان الميزان (٧٤/٣).
(٣) سير أعلام النبلاء (١٢٧/١٦)، ولسان الميزان (٧٤/٣).
(٤) سير أعلام النبلاء (١٢٧/١٦).
١٤

وقال سليمان بن إبراهيم الحافظ: كان ابن مردويه في قلبه شيء على الطبراني، فتلفظ
بكلام، فقال له أبو نعيم: كم كتبت يا أبا بكر عنه؟ فأشار إلى حزم، فقال: ومن رأيت
مثله؟ فلم يقل شيئاً(١).
وقال الحافظ الضياء: ذكر ابن مردويه في تاريخه الأصبهان جماعة، وضعفهم، وذكر
الطبراني فلم يضعفه، فلو كان عنده ضعيفاً لضعفه(١).
٣ - ومما أخذ عليه روايته عن أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، ولم
يحتمل سنه لقيه، توفي أحمد بمصر سنة ٢٦٦هـ، وقيل سنة ٢٧٠هـ. وعلى الحالين فما لقيه،
ولا قارب، فإنه مات قبل دخول الطبراني مصر بعشر سنين، أو أكثر.
وقد اعتذر عنه الذهبي، ومن قبله الحافظ أحمد بن منصور الشيرازي، بأنه أراد أخاه
عبد الرحيم بن عبد الله بن البرقي، فتوهم أن شيخه عبد الرحيم اسمه أحمد، واستمر على
هذا، يروي عنه ويسميه أحمد(٢).
:
قال أحمد بن منصور الشيرازي الحافظ: إنهما - أي أحمد وعبد الرحيم - كانا أخوين،
فسمع الطبراني من عبد الرحيم، فظن أنه أحمد، فروى عنه، واستمر يروي عنه ما سمعه
من عبد الرحيم(٣).
وقال ابن حجر: وقد ذكر الطبراني في مسند الشاميين له ما يدل على أنه كان يشك في
اسم عبد الرحيم، فقال في ترجمة محمد بن مهاجر، حدثنا ابن البرقي - وأظن اسمه عبد
الرحیم، فذکر حديثاً(٣).
٤ - وعاب عليه إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي جمعه الأحاديث بالأفراد مع
ما فيها من النكارة الشديدة، والموضوعات، وفي بعضها القدح في كثير من القدماء من
الصحابة وغيرهم(٤).
وردّ عليه ابن حجر بقوله: ((وهذا أمر لا يختص به الطبراني فلا معنى الإِفراده، بل
(١) سير أعلام النبلاء (١٢٧/١٦).
(٢) راجع سير أعلام النبلاء (١٢٥/١٦)، وميزان الاعتدال (١٩٥/٢).
(٣) لسان الميزان (٧٤/٣).
(٤) لسان الميزان (٧٥/٣).
١٥

أكثر المحدثين في الأعصار الماضية من سنة مئتي، وهلم جرا، إذا ساقوا الحديث بإسناده،
اعتقدوا أنهم برأوا من عهدته. والله أعلم(١).
آثاره العلمية:
لقد عاش الإمام الطبراني قرناً كاملاً، وصرف عمره في خدمة السنة المطهرة، فجمع
وألف، وترك عدة مؤلفات قيمة مفيدة، منها.
١ - المعجم الكبير - وهو معجم أسماء الصحابة وتراجمهم على غرار مسند الإمام.
أحمد/المعروف، فبدأ بمسانيد العشرة المبشرة بالجنة، ولم يسق فيه من مسند المكثرين إلا ابن
عباس، وابن عمر، وذكر شيئاً قليلاً من مسانيد أنس، وجابر، وأبي سعيد، وعائشة،
وغيرهم من المكثرين.
فأما أبو هريرة فلم يسق له مسنداً، ولا حديث جماعة من المتوسطين لأنه أفرد لكل
مسنداً، فاستغنى عن إعادته.
وقد طبع هذا الكتاب العظيم في العراق بتحقيق فضيلة الشيخ حمدي عبد المجيد
السلفي في ٢٥ جزءاً، ما عدا الجزء ١٣ - ١٦، والجزء ٢١. فلم يعثر المحقق الفاضل على
مخطوطة تلك الأجزاء.
٢ - المعجم الأوسط - وهو على معجم شيوخه، يأتي فيه عن كل شيخ بما له من
الغرائب والعجائب، فهو نظير كتاب ((الأفراد)) للدارقطني، بين فيه فضيلته وسعة روايته،
وكان يقول: ((هذا الكتاب روحي)) فإنه تعب عليه.
وفیہ کل نفیس وعزیز، ومنکر،
وتوجد له نسخة مخطوطة كاملة في جزءين، الجزء الأول يشتمل على ثلاث مئة ورقة وتسع
ورق خلا ورقة ٦٢، و٣٠٤، فإنهما مفقودتان والجزء الثاني - أيضاً - يشتمل على ثلاث مئة
وتسع ورق، وكل ورقة على صفحتين، وكل صفحة فيها ٣٣ سطراً،
وخطها جيد كتبت قبل عام ٩٢٢هـ.
وهي موجودة في ترکیا.
وعندي نسخة مصورة منها.
(١) لسان الميزان (٧٥/٣).
١٦

وقد طبع من هذا السفر الجلیل ثلاث مجلدات بتحقيق الدكتور محمود الطحان، نشرتها
مكتبة المعارف بالرياض، وفق الله محققه وناشره لتكميل تحقيق الكتاب وطبعه.
٣ - المعجم الصغير، وهو عن كل شيخ له حديث واحد، وقد طبع هذا الكتاب
مراراً.
٤ - كتاب الدعاء في مجلد كبير (٢٤٦ ورقة) مخطوط في مكتبة سليم آغا ٢٢٩،
وعندي منه نسخة مصورة(١). وقد طبع الآن بتحقیق در في ثلاث مجلدات.
٥ - مسند الشاميين في مجلدين مخطوط، واطلعت على نسخة مصورة منه عند
فضيلة الشيخ عبد القادر حبيب الله السندي أستاذ بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
٦ - مكارم الأخلاق، مخطوط بمكتبة الظاهرية مجموع ٨/٤٦، وبرلين ٥٣٩٠ (١).
٧ - فضل الرمي وتعليمه مخطوط كوبر يلي ٢/٣٨٤ (١).
٨ - كتاب الأوائل مخطوط المتحف البريطاني الملحق ٦٠٤ مخطوطات شرقية
١٥٣٠(١) .
٩ - الأحاديث الطوال مخطوط، السعیدیة بحيدر آباد حديث ٣٥٥.
وله مؤلفات أخرى ذكرها الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء، منها.
١٠ - دلائل النبوة.
١١ - النوادر.
١٢ - مسند شعبة.
١٣ - مسند سفيان.
١٤ - كتاب عشرة النساء.
١٥ - كتاب السنة.
١٦ - كتاب التفسير كبير جداً.
١٧ - كتاب المناسك.
١٨ - مسند عائشة.
١٩ - مسند أبي هريرة.
(١) تاريخ التراث العربي (٣٩٥/١) لفؤاد سيزكين.
١٧

٢٠ - مسند أبي ذر
٢١ - معرفة الصحابة.
٢٢ - العلم.
٢٣ - الرؤية.
٤٢ - فضل العرب.
٢٥ - الجود.
٢٦ - الفرائض.
٢٧ - مناقب أحمد.
٢٨ - كتاب الأشربة.
٢٩ - كتاب الأولوية في خلافة أبي بكر وعمر.
وغير ذلك.
ثم قال الذهبي : - بعد سرد أسماء كتبه - ولم يزل حديث الطبراني رائجاً نافقاً
مرغوباً فيه، لا سيما في زمان صاحبه ابن ربذة فقد سمع منه خلائق، وكتب السلفي عن
نحو مئة نفس منهم، ومن أصحاب ابن فاذشاه ... وأزدهم الخلق على خاتمتهم فاطمة
الجوزدانية الميتة في سنة أربع وعشرين وخمس مئة، وارتحل ابن خليل، والضياء، وأولاد
الحافظ عبد الغني، وعدة من المحدثين في طلب حديث الطبراني واستجازوا من بقايا المشيخة
لأقاربهم وصغارهم، وجلبوه إلى الشام، ورووه، ونشروه.(١).
وفاته :
عاش الطبراني رحمه الله مئة سنة وعشرة أشهر، وتوفي يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي
القعدة سنة ستين وثلاث مئة بأصبهان، ودفن يوم الأحد من غده إلى جنب قبر حممة
الدوسي(٢) صاحب رسول الله صلهر في تربة واحدة(٣).
(١) سير أعلام النبلاء (١٢٨/١٦).
(٢) حممة بن أبي حممة الدوسي صحب النبي *، وغزا أصبهان زمان عمر رضي الله عنه، فقال:
اللهم إن حممة يزعم أنه يجب لقاءك، اللهم إن كان صادقاً فاعزم له بصدقه، وإن كان كاذباً فاحمله
عليه، وإن كره، اللهم لا ترجع حممة من سفره هذا، فمات بأصبهان (أسد الغابة ٥٣/٢).
(٣) أخبار أصبهان (٣٣٥/١)، وسير أعلام النبلاء (١٢٩/١٦)، وطبقات الحنابلة (٤٩/٢)، وفيات
الأعيان (١٤١/٢).
١٨

ترجمة الحافظ الهيثمي رحمه الله(١)
اسمه ونسبه :
هو علي بن ابي بكر بن سليمان بن أبي بكربن عمر بن صالح المصري.
کنیته: أبو الحسن، ولقبه نور الدین.
نسبته: ينتسب بالهيثمي نسبة إلى محلة أبي الهيثم - قرية بمصر(٢) وهو يعرف به أكثر
من غيره.
مولده:
ولد في شهر رجب سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، ونشأ في بقعة منعزلة هادئة، فإن أباه
كان صاحب حانوت في صحراء الفسطاط التي بينها وبين المقطم، فنشأ في تلك البقعة
الهادئة. وقرأ القرآن.
طلبه العلم :
لما بلغ من العمر خمسة عشر عاماً مال إلى طلب العلم، فسافر إلى القاهرة بحثاً عن
العلم، فتتلمذ على العلماء والمشايخ وشاءت المقادير أن يلتقي الحافظ زين الدين العراقي،
فصحبه ولازمه أشد الملازمة، ولم يفارقه في الحضر، ولا في السفر حتى مات، فسمع معه من
(١) مصادر ترجمته: إنباء الغمر بأبناء العمر (٢٥٧/٥)، وذيل تذكرة الحفاظ (٣٧٢)، ولحظ الألحاظ
بذيل طبقات الحفاظ (٢٣٩)، والضوء اللامع (٢٠١/٥)، وشذرات الذهب (٧٠/٧)، والبدر
الطالع (٤٤١/١)، وطبقات الحفاظ للسيوطي (٥٤)، وحسن المحاضرة (٣٦٢/١).
(٢) لسان العرب (٩٨/٩).
١٩

ابتداء طلبه على أبي الفتح الميدومي(١)، وابن الملوك(٢) وابن القطرواني(٣) وغيرهم من
"المصريين. ومن ابن الخباز(٤) وابن الحموي (٥) وابن قيم الضيائية(٦) وغيرهم من الشاميين.
ثم رحل معه جميع رحلاته، وحج معه جميع حجاته، ورافقه في جميع مسموعة بمصر،
والقاهرة، والحرمين، وبيت المقدس، ودمشق، وبعلبك، وحلب، وحماة، وطرابلس
وغيرها. وربما سمع الزين بقراءته.
ولم ينفرد أحدهما عن الآخر بسماع أو شيخ إلا في أشياء قليلة.
اعتناء الحافظ العراقي بالهيثمي:
رأى الحافظ العراقي فيه حسن الخلق، والجد في الطلب، وحدة الذهن، وفهمًا ثاقباً،
وذاكرة قوية، فاهتم به كثيراً، واعتنى به عناية فائقة، فزوجه بنته خديجة، وأفاده بكتبه
وتصانيفه، بل قرأ عليه الهيثمي أكثرها. وتخرج به في الحديث، ودربه في إفراد زوائد كتب
المعاجم الثلاثة للطبراني. ومسانيد أحمد، والبزار، وأبي يعلى - على الكتب الستة، ثم مر
عليها الحافظ العراقي وحررها، وعمل خطبها.
خدمته لشيخه واحترامه له :
عرفاناً بالجميل لشيخه، وتقديراً لجهوده المخلصة، وتوجيهه السليم. خدمه الحافظ
الهيثمي في الحضر والسفر خدمة منقطعة النظير.
(١) هو محمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي القاسم الميدومي صدر الدين، ولد في شعبان سنة ٦٤،
ومات في شهر رمضان سنة ٧٥٤ (الدرر الكامنة ٢٧٤/٤)
(٢) هو محمد بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عيسى المعروف بابن الملوك ولد سنة ٦٧٤، ومات بالقاهرة
في جمادي الأولى سنة ٧٥٦ (الدرر الكامنة).
(٣) هو محمد بن علي بن عبد العزيز بن مصطفى قطب الدين القُطرواني المصري، ولد بعد السبعين،
ومات في سابع عشر ذي الحجة سنة ٧٦٠ (الدرر الكامنة ١٨٧/٤).
(٤) هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن الخباز ولد في رجب سنة ٦٦٧ وتوفي سنة ٧٥٦ (الدرر
الكامنة ٤/٤، وشذرات الذهب ١٨١/٦).
(٥) هو محمد بن إسماعيل بن عمر بن المسلم بن حسن بن نصر بن يحيى الدمشقي، عز الدين بن
ضياء الدين بن الحموي ولد سنة ٦٨٠ (الدرر الكامنة ٩/٤).
(٦) هو تقي الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن نصير المقدسي، الصالحي الزوري العطار مسند
الوقت ولد في أواخر سنة ٦٦٩، وتوفي سنة ٧٦١ (الدرر الكامنة ٣٨٨/٢، والشذرات ١٩١/٦).
٢