النص المفهرس
صفحات 801-820
٨٠١ ) (٣٠) كتاب المناقب وما نعرفه، فقال عمر: بلى إنه رجل كذا وكذا، كأنه يضع من شأنه، قال: فينا يا أمير المؤمنين! رجل يقال له: أويس نسخر به، قال: أدرك ولا أراك تدرك، فأقبل ذلك الرجل حتى دخل عليه قبل أن يأتي أهله، فقال له أويس: ما هذه بعادتك! فما بدا لك؟ قال: سمعت عمر يقول فيك كذا وكذا، فاستغفر لي يا أويس! قال: لا أفعل حتى تجعل لي عليك أن لا تسخر بي فيما بعد، ولا تذكر الذي سمعته من عمر إلى أحد فاستغفر له، قال أسير: فما لبثت أن فشا أمره في الكوفة فأتيته فدخلت عليه فقلت له: يا أخي ألا أراك العجب ونحن لا نشعر؟ قال: ما كان في هذا ما أتبلغ به في الناس وما يجزى كل عبد إلا بعمله، ثم املس منهم فذهب، رواه ابن سعد في (الطبقات)، ورواه أبو نعيم في (الحلية) والبيهقي وابن عساكر في (تاريخه). وعن صعصعة بن معاوية(١) قال: كان أويس بن عامر من التابعين، رجل من قرن، وإن عمر بن الخطاب قال: أخبرنا رسول الله وَّ﴾ (أنه سيكون في التابعين رجل من قرن يقال له: أويس بن عامر، يخرج به وضح فيدعو الله أن يذهبه. فيقول: اللهم دع لي في جسدي منه ما أذكر به نعمتك علي، فيدع له في جسده ما يذكر به نعمته عليه، فمن أدرك منكم فاستطاع أن يستغفر له فليستغفر له)، رواه الحسن بن سفيان وأبو نعيم في (المعرفة) والبيهقي في (الدلائل)، وابن عساكر في (تاريخه). وعن يحيى بن سعيد(٢) عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب قال: قال لي رسول الله ﴾ ذات يوم: (يا عمر!)، فقلت: لبيك وسعديك يا رسول الله! فظننت (١) انظر: ((جامع الأحاديث)) (٣٠٦٨٨)، و((كنز العمال)) (٣٧٨٢٦). (٢) انظر: ((جامع الأحاديث)) (٣٠٥٣٨)، و(«كنز العمال)) (٣٧٨٢٧). ٨٠٢ (١٣) باب ذكر اليمن والشام وذكر أويس القرني أنه يبعثني في حاجة، قال: (يا عمر! يكون في أمتي في آخر الزمان رجل يقال له أويس القرني، يصيبه بلاء في جسده، فيدعو الله فيذهب به إلا لمعة في جنبه إذا رآها ذكر الله رشّت، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام وأمره أن يدعو لك، فإنه كريم على ربه، بار بوالدته، لو يقسم على الله لأبره، يشفع لمثل ربيعة ومضر)، فطلبته حياة رسول الله صلي فلم أقدر عليه، وطلبته خلافة أبي بكر فلم أقدر عليه، وطلبته شطراً من إمارتي فبينا أنا أستقرئ* الرفاق وأقول: فيكم أحد من مراد؟ فيكم أحد من قرن؟ فيكم أويس القرني؟ فقال شيخ من القوم: هو ابن أخي، إنك تسأل عن رجل وضيع الشأن، ليس مثلك يسأل عنه يا أمير المؤمنين! قلت: أراك فيه من الهالكين، فرد الكلام الأول، فبينا أنا كذلك إذ رفعت لي راحلة رثة الحال عليها رجل رث الحال، فوقع في خلدي أنه أويس، قلت: يا عبدالله أنت أويس القرني؟ قال: نعم، قلت: فإن رسول الله وَلم يقرأ عليك السلام، فقال: على رسول الله السلام وعليك يا أمير المؤمنين! قلت: ويأمرك أن تدعو لي، فكنت ألقاه في كل عام فأخبره بذات نفسي ويخبرني بذات نفسه، رواه أبو القاسم عبد العزيز بن جعفر الخرقي في (فوائده) والخطيب وابن عساكر، وقال: هذا حديث غريب جداً. وعن الحسن(١) قال: قال رسول الله وَل: (يدخل بشفاعة رجل من أمتي الجنة أكثر من ربيعة ومضر، أما أسمي لكم ذلك الرجل؟) قالوا: بلى، قال: (ذاك أويس القرني)، ثم قال: (يا عمر إن أدركته فاقرئه مني السلام وقل له حتى يدعو لك، وأعلم أنه كان به وضح فدعا الله فرفع عنه، ثم دعاه فرد عليه بعضه)، فلما كان في خلافة (١) انظر: ((جامع الأحاديث)) (٣١٦٣٨)، و((كنز العمال)) (٣٧٨٢٨). ٨٠٣ (٣٠) كتاب المناقب عمر قال عمر وهو بالموسم: ليجلس كل رجل منكم إلا من كان من قرن، فجلسوا إلا رجلاً، فدعاه فقال له: هل تعرف فيكم رجلاً اسمه أويس؟ قال: وما تريد منه؟ فإنه رجل لا يعرف يأوي الخربات لا يخالط الناس، فقال: اقرئه مني السلام، وقل له حتى يلقاني، فأبلغه الرجل رسالة عمر، فقدم عليه، فقال له عمر: أنت أويس؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين! فقال: صدق الله ورسوله، هل كان بك وضح فدعوت الله فرفعه عنك ثم دعوته فرد عليك بعضه؟ فقال: نعم، من أخبرك به؟ فوالله ما اطلع عليه غير الله، قال: أخبرني به رسول الله وَيهِ، وأمرني أن أسألك حتى تدعو لي، وقال: يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من ربيعة ومضر، ثم سماك، فدعا لعمر، ثم قال له: حاجتي إليك يا أمير المؤمنين أن تكتمها علي وتأذن لي في الانصراف، ففعل، فلم يزل مستخفیاً من الناس حتى قتل یوم نهاوند فیمن استشهد، رواه ابن عساكر. وعن سعيد بن المسيب(١) قال: نادى عمر بن الخطاب وهو على المنبر بمنى يا أهل قرن! فقام مشايخ فقالوا: نحن يا أمير المؤمنين! قال: أفي قرن من اسمه أويس؟ فقال شيخ: يا أمير المؤمنين! ليس فينا من اسمه أويس إلا مجنون يسكن القفار والرمال ولا يألف ولا يؤلف، فقال: ذاك الذي أعنيه، إذا عدتم إلى قرن فاطلبوه وبلغوه سلامي، وقولوا له: إن رسول الله وَّل بشرني بك وأمرني أن أقرأ عليك سلامه، فعادوا إلى قرن فطلبوه فوجدوه في الرمال، فأبلغوه سلام عمر وسلام رسول الله وَّهِ، فقال: أعرفني أمير المؤمنين وشهر باسمي؟ السلام على رسول الله، اللهم صل عليه وعلى آله، وهام على وجهه، فلم يوقف له بعد ذلك على أثر دهراً، ثم عاد في أيام علي فقاتل (١) انظر: ((جامع الأحاديث)) (٣١٥٤١)، و((كنز العمال)) (٣٧٨٢٩). ٨٠٤ (١٣) باب ذكر اليمن والشام وذكر أويس القرني بين يديه، فاستشهد في صفين، رواه ابن عساكر. وعن صعصعة بن معاوية (١) قال: كان عمر بن الخطاب يسأل وفد أهل الكوفة إذا قدموا عليه: تعرفون أويس بن عامر القرني؟ فيقولون: لا، وكان أويس رجلاً يلزم المسجد بالكوفة فلا يكاد يفارقه، وله ابن عم يغشى السلطان ويؤذي أويساً، فوفد ابن عمه إلى عمر فيمن وفد من أهل الكوفة، فقال عمر: أتعرفون أويس بن عامر القرني؟ فقال ابن عمه: يا أمير المؤمنين! إن أويساً لم يبلغ أن تعرفه أنت، إنما هو إنسان دون وهو ابن عمي، فقال له عمر: ويلك هلكت، إن رسول الله و لم حدثنا أنه سيكون في التابعين رجل يقال له: أويس بن عامر القرني، فمن أدركه منكم فاستطاع أن يستغفر له فليفعل، فإذا رأيته فأقرئه مني السلام، ومره أن يفد إلي، فوفد إليه، فلما دخل عليه قال: أنت أويس بن عامر القرني؟ أنت الذي خرج بك وضح من برص فدعوت الله أن يذهبه؟ ... الحديث، وفي آخره: فقال الناس: استغفر لنا يا أويس فراغ، فما رئي حتى الساعة، رواه ابن يعلى وابن منده وابن عساكر. وعن نهشل بن سعيد(٢) عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس قال: مكث عمر يسأل عن أويس القرني عشر سنين، فذكر أنه قال: يا أهل اليمن! من كان من مراد فليقم، فقام من كان من مراد وقعد آخرون، فقال: أفيكم أويس؟ فقال رجل: يا أمير المؤمنين لا نعرف أويساً، ولكن ابن أخ لي يقال له: أويس، هو أضعف وأَمْهَنُ من أن يسأل مثلك عن مثله، قال له: أبحر منا هو؟ قال: نعم هو بالأراك بعرفة يرعى إبل (١) انظر: ((جامع الأحاديث)) (٣٠٧٨٩)، و(«كنز العمال)) (٣٧٨٣٠). (٢) انظر: ((جامع الأحاديث)) (٣١٤٦١)، و(«كنز العمال)) (٣٧٨٣١). ٨٠٥ (٣٠) كتاب المناقب ٦٢٦٧ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ قَالَ: «أَتَكُمْ أَهلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَنْتِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوباً. القوم، فركب عمر وعلي # حمارين، ثم انطلقا حتى أتيا الأراك، فإذا هو قائم يصلي يضرب ببصره نحو مسجده، وقد دخل بعضه في بعض، فلما رأياه قال أحدهما لصاحبه : إن يك أحد الذي نطلبه فهذا هو، فلما سمع حسهما خفف وانصرف فسلما عليه فرد عليهما: وعليكما السلام ورحمة الله وبركاته، فقالا له: ما اسمك رحمك الله؟ قال: أنا راعي هذه الإبل، قالا: أخبرنا باسمك؟ قال: أنا أجير القوم، قالا: ما اسمك؟ قال: أنا عبدالله، فقال له علي: قد علمنا أن من في السماوات والأرض عبدالله، فأنشدك برب هذه الكعبة ورب هذا الحرم ما اسمك الذي سمتك به أمك؟ قال: وما تريدان من ذلك؟ أنا أويس بن عامر، فقالا له: اكشف لنا عن شقك الأيسر، فكشف لهما؛ فإذا لمعة بيضاء قدر الدرهم من غير سوء، فابتدرا يقبلان الموضع ثم قالا له: إن رسول الله ◌َ﴿ أمرنا أن نقرئك السلام، وأن نسألك أن تدعو لنا، فقال: إن دعائي في شرق الأرض وغربها لجميع المؤمنين والمؤمنات، فقالا: ادع لنا فدعا لهما وللمؤمنين والمؤمنات، فقال له عمر: أعطيك شيئاً من رزقي أو من عطائي تستعين به، فقال: ثوباي جديدان، ونعلاي مخصوفتان، ومعي أربعة دراهم، ولي فضلة عند القوم، فمتى أفني هذا، إنه من أمل جمعة أمل شهراً، ومن أمل شهراً أمل سنة، ثم رد على القوم إبلهم، ثم فارقهم، فلم ير بعد ذلك، رواه ابن عساكر في (تاريخه)(١)، والله أعلم. ٦٢٦٧ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (هم أرق أفئدة وألين قلوباً) الأفئدة جمع فؤاد بضم الفاء وبالهمزة، والفؤاد بفتح الفاء والواو غريب، وقد قرئ به. وفي (١) ((تاريخ دمشق)) (٩ / ٤٢٢). ٨٠٦ (١٣) باب ذكر اليمن والشام وذكر أويس القرني (القاموس)(١): فأد الخبز كمنع: جعله في الْمَلَّةِ، واللحم في النار: شَوَاهُ، وافتأدوا: أوقدوا ناراً، والتفؤد: التحرق، ومنه الفؤاد للقلب، وقال في باب الباء: قلبه يقلبه : حوله عن وجهه كأقلبه، والقلب: الفؤاد، أو أخص منه، والعقل، ومحض كل شيء، انتهى. ولعل أخصية القلب من الفؤاد يأخذ معنى القلب واعتباره فيه، فالقلب هو الفؤاد باعتبار كونه متقلباً حالاً فحالاً بسبب ما تعتريه من الأحوال، كما في الحديث: (مثل القلب كريشة في فلاة تقلبها الرياح)(٢)، ويشعر به قوله تَّيّة: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على الإيمان). قال في (المشارق)(٣): أضعف قلوباً، ويروى: ألين قلوباً، وأرق أفئدة، وقال: الفؤاد والقلب لفظان بمعنى كرر لفظهما لاختلافه تأكيداً، وقيل: الفؤاد عبارة عن باطن القلب، وقيل: الفؤاد عين القلب، وقيل: غشاء القلب، والقلب جثته، ومعنى الضعف والرقة واللين هنا كناية عن سرعة الإجابة وضد القسوة التي وصف بها غيرهم، انتهى كلام المشارق. ويشير إلى اتحادهما في المعنى، وهو صحيح باعتبار ما أريد هنا، ولهذا قال في حديث: (أفئدتهم مثل أفئدة الطير) حيث قال: يريد في الرقة واللين، وفي اللغة الرقة ضد الغلظة، واللين ضد الصلابة، فالزجاج مثلاً رقيق وليس بلين، فالقلب إذا لم يتأثر عن الآيات والنذر يوصف بالغلظة والصلابة، وإذا كان بعكس ذلك يوصف بالرقة واللين، وقيل: بناء على القول بأن الفؤاد غشاء القلب أنه إذا رق (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٧٦، ١١٧). (٢) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (١٩٧٥٧). (٣) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ١٤٤). ٨٠٧ (٣٠) كتاب المناقب الإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ، الفؤاد نفذ القول فيه، ووصل إلى ما وراء القلب، وإذا غلظ تعذر وصوله إلى داخله، وقال الطيبي(١): يحتمل أن يكون المراد بالرقة جودة الفهم، وباللين قبول الحق، فتدبر . وقوله: (الإيمان يمان) أصله يمني حذف إحدى اليائين وعوض عنها الألف، وقيل: قدم إحداها وقلبت ألفاً فصار كقاضٍ، وبالجملة كانت صيغة النسبة بمعنى يمني. وقوله: (والحكمة يمانية) بخفة الياء على الأصح المشهور، وحكي تشديدها، وفيه جمع بين العوض والمعوض عنه، قال في (المشارق)(٢): قوله: يمانية خفف الياء ولم يشددها لأن الألف عوض من ياء النسبة، فلا تجتمعان عند أكثر النحاة، وحكي عن سیبویه جواز تشديد الياء. ثم اختلفوا في أن نسبة الإيمان والحكمة إلى اليمن، فقيل: لأن الدين بدأ من مكة وهي تهامة، وتهامة من أرض اليمن، ولذا يقال: الكعبة يمانية، وقيل: قال رَلآم هذا القول وهو بتبوك، ومكة والمدينة بينه وبين اليمن فأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد الحرمين، وابتداء الإيمان من مكة وظهوره من المدينة، وقيل: أراد به الأنصار وهم من عرب اليمن في الأصل وهم نصروا الإيمان والمؤمنين، وآووهم، فنسب الإيمان إليهم، وعليه حمل بعضهم قوله ◌َّه: (إني لأجد نَفَسَ الرحمن من جانب اليمن)، يريد تنفيسه وتفريجه من الكرب الذي لحقه في تتميم الإيمان وتبليغ الأحكام. (١) ((شرح الطيبي)) (١٢ / ٣٦١). (٢) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٣٠٤). ٨٠٨ (١٣) باب ذكر اليمن والشام وذكر أويس القرني وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاَءُ فِي أَصْحَابِ الإِبِلِ، وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٣٨٨، م: ٨٥]. ونقل عن النووي: أنه قال: لا مانع من حمله على الحقيقة لأن من قوي في شيء نسب إليه، وهكذا كان حال الوافدين منهم لقوله: (جاءكم أهل اليمن وهم أرق أفئدة ... إلخ)، مع أنه لا ينفي الإيمان عن غيرهم، ولا ينبغي كونه حجازيًّا، وإنما ينبئ عن استعداد اليمن لقبول ذلك واستقرار أمرهم عليه، ثم المراد الموجودون منهم حينئذ، لا كلهم في كل زمان، ثم في قوله وَلّ: (والإيمان يمان والحكمة يمانية) إشارة إلى ما جاء في الأحاديث الصحيحة أنه لما جاء أهل اليمن، ووفد منهم أبو موسى الأشعري في جماعة من رفقاء، فقالوا: يا رسول الله وَله أتيناك للتفقه في الدين ونسألك عن أول هذا الأمر كيف كان؟ قال رسول الله وَليه: (كان الله ولم يكن معه شيء، وكان عرشه على الماء، ثم كتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السماوات والأرض)، فسألوا عن أصول الدين الذي عليه مدار الإيمان، وهو يشمل على معرفة حقائق الأشياء التي هي معنى الحكمة، وسبق شرح الحديث في (باب بدء الخلق)، والتفصيل هناك أكثر، ولقد تكرر بعض المعاني والفوائد في مواضع متفرقة من هذا الشرح، ولا بأس، فإن الحوالة بالرجوع إلى ما ذكر ووجدانه بالفحص عن تلك المواضع عسير جدًّا، ولقد فعل بعض الشارحين كذلك خصوصاً الكرماني فاتبعناهم، وهو أسهل وأقرب. وقوله: (والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل ... إلخ) الفخر: المباهاة والمنافسة، قال في (القاموس)(١): الفخر والفخار بفتحهما: التمدح بالخصال، والخيلاء بضم المعجمة وفتح التحتانية ممدوداً: الكبر الناشئ عن تخيل الإنسان (١) ((القاموس)) (ص: ٢٤٢). ٨٠٩ (٣٠) كتاب المناقب ٦٢٦٨ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((رَأَسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرقِ. فضيلة من نفسه والعجب به، فإذا أظهره على الغير واستحقره سمي تكبراً، ومنه سمي الفرس خيلاً لأن أكثر من ركبه يقع في هذا الخيال، ووجد في نفسه شيئاً من ذلك، والحديث دل على أن مخالطة الحيوانات مما تؤثر في نفس الآدمي وتُعَدِّي إليها هيئاتٍ تناسب طباعها، فالراعي خلقه يناسب ما يرعاه، فلما كان في طبيعة الإبل قساوة وفظاظة، وفي الغنم لين وسكينة تعديا إلى راعيها، كذا قالوا، وقيل: لا بد لأصحاب الغنم من مقاربة العمرانات والاختلاط بأهلها، فإن الغنم لا تصبر عن الماء، ولا تحتمل البرد، فذلك يؤدي إلى عدم خروجهم عن طاعة الإمام، وأما أصحاب الإبل فإن بعدهم عن العمرانات، وكونهم في البوادي والصحاري، وقلة اختلاطهم بالخلق يحملهم على الطغيان والخروج عن الطاعة، هذا والظاهر أن المالية في الإبل كثيرة فيفضي إلى الفخر والتكبر بخلاف الغنم، وإن لفظ الأصحاب ليس أظهر في الرعاة منها في ملاكها، بل لا يبعد أن يكون في ملاكهم أظهر من الرعاة، والله أعلم. ٦٢٦٨ - [٣] (وعنه) قوله: (رأس الكفر نحو المشرق) أي: منه يظهر الكفر والفتن كالدجال ويأجوج ومأجوج وكفرة الترك، قال السيوطي: قال الباجي: يحتمل أن يريد فارس وأن يريد أهل نجد، وقال في (المشارق)(١): هذا كناية عن معظمه أو إشارة إلى معين مخصوص كالدجال ويأجوج ومأجوج أو غيره من رؤساء الضلال، أو يكون إشارة إلى إبليس لأن الشمس تطلع بين قرني الشيطان على أحد التأويلات، انتهى. أقول: وإليه ينظر الحديث الآتي في آخر الفصل، لكن على هذا ينبغي أن يحمل (١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٢٧٦). ٨١٠ (١٣) باب ذكر اليمن والشام وذكر أويس القرني وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاَءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ وَالْفَدَّادِينَ. على المجموع. وقوله: (في أهل الخيل) كون الفخر والخيلاء في أهل الخيل ظاهر كما عرفت في شرح الحديث السابق، ولا حاجة إلى القول باكتساب الإنسان الأخلاق من الحيوانات، ويقرب الذهاب إلى الوجه الذي ذكرنا في كون الفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، وإلى حمل الأصحاب على الملاك دون الرعاة، فليتأمل. وقوله: (والفدادين) في (القاموس)(١): الفديد الصوت أو شدته، والفداد: الصَّيِّتُ الجافي الكلام، والمتكبر، وقال في (المشارق)(٢): (فدد) الجفاء والقسوة [في الفدادين]، الرواية في هذا الحرف بتشديد الدال الأولى عند أهل الحديث وجمهور أهل اللغة والمعرفة، وكذا قاله الأصمعي مشدداً، وقال: هم الذين تعلو أصواتهم في حروثهم ومواشيهم وأموالهم، يقال منه: فد الرجل يفد بكسر الفاء فديداً: إذا اشتد صوته، وقال أبو عبيد: هم المكثرون من الإبل، وهم جفاة أهل خيلاء، وقال المبرد: هم الرعيان والجمالون والبقارون، وقال مالك: الفدادون أهل الجفاء، وقيل: الأعراب، وقال أبو عمرو بن العلاء: هم الفدادون مخففة واحدها فدان مشدداً، وهي البقرة التي تحرث بها، وأهلها أهل جفاء لبعدهم عن الأمصار، قال أبو بكر: أراد أصحاب الفدادين فحذف مضاف، وقال: ولا يحتاج في هذا إلى حذف مضاف، وإنما يكون على هذا الفدادون بالشد صاحب الفدادين بالتخفيف، كما يقال: بغال لصاحب البغال، وجمال لصاحب الجمال، انتهى كلام القاضي في (المشارق). (١) ((القاموس)) (ص: ٢٧٦). (٢) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ١٤٨). ٨١١ (٣٠) كتاب المناقب أَهْلِ الْوَبَرِ وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٠١، م: ٨٥]. ٦٢٦٩ - [٤] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودِ الأَنْصَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّنَ﴿ قَالَ: ((مِنْ هَهُنَا جَاءَتِ الْفِتَنُ - نَحْوَ الْمَشْرِقِ -، وَالْجَفَاءُ وَغِلَظُ الْقُلُوبِ فِي الْفَذَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَبِ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ . وقال التُّورِبِشْتِي(١): الفدادون يروى من وجهين بالتشديد، وهم الذين تعلو أصواتهم في أموالهم ومواشيهم، وبالتخفيف وهي البقر التي تحرث بها، واحدها فدان بالتشديد، تقديره: في أهل الفدادين، وأرى أصوب الروايتين بالتشديد، لما في حديث أبي مسعود الذي يتلو هذا الحديث، والتخفيف في هذه الرواية غير مستقيم، وتقدير الحذف مستبعد، فرددنا المختلف فيه إلى المتفق عليه، وقد صح عن النبي ◌َّر أنه رأى سكة أو شيئاً من آلة الحرث، فقال: ((ما دخل هذا دار قوم إلا دخل عليهم الذل))، وأن إيقاع الفخر والجفاء في موقع الذل، انتهى، فتدبر. وقوله: (أهل الوبر) بيان للفدادين، وهم سكان البوادي يسكنونها في الخيام، وربما يؤيد هذا أن لا يكون المراد أهل الحراثة بل أهل المواشي وسكان البادية، كما اختاره التُّورِبِشْتِي. ٦٢٦٩ - [٤] (أبو مسعود) قوله: (نحو المشرق) بالنصب، أي: حال كونه مشيراً نحوه. وقوله: (والجفاء وغلظ القلوب) وفي رواية: (والجفاء والقسوة). وقوله: (عند أصول أذناب الإبل) ظرف للفدادين، أي: لهم صياح عند سوقهم لها، ويجوز أن يكون ظرفاً مستقراً، أي: كانتين عندها. (١) ((كتاب الميسر)) (٤ / ١٣٥٦). ٨١٢ (١٣) باب ذكر اليمن والشام وذكر أويس القرني فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٩٨، م: ٨١]. ٦٢٧٠ - [٥] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((غِلَظُ الْقُلُوب وَالْجَفَاءُ فِي الْمَشْرِقِ، وَالإِيمَانُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٢]. ٦٢٧١ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: «اللهُمَّ بَارِْ لَنَا فِي شَامِنَا، اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَ)). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: (اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا، اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَ)). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَفِي نَجْدِنَا؟ فَأَظُنُّهُ قَالَ فِي الَّالِثَةِ: ((هُنَاكَ الزَّلاَزِلُ وَالْفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٠٩٤]. وقوله: (في ربيعة ومضر) بدل من الفدادين. ٦٢٧٠ - [٥] (جابر) قوله: (غلظ القلوب والجفاء في المشرق) لكونه محل الكفر والفتن. ٦٢٧١ - [٦] (ابن عمر) قوله: (اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا) قيل: إنما خص الشام واليمن بالدعاء، لأن مكة مولده، وهي من اليمن، والمدينة مسکنه ومدفنه، وهي من الشام(١)، والنجد: اسم لما ارتفع من الأرض، وهو اسم خاص لما دون الحجاز مما يلي العراق: ضد الغور، وهي تهامة . وقوله: (وبها يطلع قرن الشيطان) أي: حزبه وأعوانه. (١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٩ / ٤٠٣٨). ٨١٣ (٣٠) كتاب المناقب * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٦٢٧٢ - [٧] عَنْ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ نَظَرَ قِبَلَ الْيَمَنِ فَقَالَ: («اللهُمَّ أَقْبِلْ بِقُلُوبِهِمْ، وَبَارِْ لَنَا فِي صَاعِنَاَ ومُّدِّنَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٩٣٤]. ٦٢٧٣ - [٨] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِن ◌َِّ: ((طُوبَى لِلشَّامِ»، قُلْنَا: لِأَبِيِّ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((لِأَنَّ مَلائِكَةَ الرَّحْمَنِ بَاسِطَةٌ أَجْنِحَتَهَا عَلَيْهَا)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ١٨٤/٥، ت: ٣٩٥٤]. الفصل الثاني ٦٢٧٢ - [٧] (أنس) قوله: (اللهم أقبل بقلوبهم) أي: اجعل قلوبهم مقبلة إلينا، ووجه مناسبة الدعاء بالبركة في الصاع والمد لأن أهل المدينة كانوا في ضيق عيش لا يقوم [بهم]، فلما دعا بإقبال قلوب اليمن إليها، وهم جم غفير فقراء دعا بالبركة في طعام أهلها ليتسع على المقيمين والقادمين. ٦٢٧٣ - [٨] (زيد بن ثابت) قوله: (طوبى) فعلى من الطيب أصله طيبي، أبدلت ياؤه واواً لسكونها وانضمام ما قبلها. وقوله: (لأي ذلك) بالتنوين بدلاً عن المضاف إليه المحذوف، أي: لأي سبب ذلك، قال الطيبي(١): وقد أثبت في بعض نسخ (المصابيح) لفظ (شيء). وقوله: (لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها) قد أثبت الأجنحة للملائكة في الكتاب والسنة، قالوا: ليس ذلك كما يتوهم من أجنحة الطير، ولكنها عبارة عن (١) ((شرح الطيبي)) (١٢ / ٣٦٣). ٨١٤ (١٣) باب ذكر اليمن والشام وذكر أويس القرني ٦٢٧٤ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِِّ: (سَتَخْرُجُ نَاَرٌ مِنْ نَحْوٍ حَضْرَمَوْتَ أَوْ مِنْ حَضْرَمَوْتَ تَحْشُرُ النَّاسَ))، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ فَمَا تَأْمُرنَا؟ قَالَ: ((عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٢١٧]. صفات الملائكة وقواهم، ولا يعرف إلا بالمعاينة، وليس طائر له ثلاثة أجنحة ولا أربعة، فكيف بست مئة مثلاً، وبالجملة لا بد من إثبات الأجنحة للملائكة والكف عن کیفیتها، وإضافة الملائكة إلى الرحمن إشارة إلى شمول الرحمة والرأفة على أهل الشام، ولعل المراد بهم الأبدال الذين يكونون بالشام أو يعم الكل، والله أعلم. ٦٢٧٤ - [٩] (عبدالله بن عمر) قوله: (من نحو حضرموت) بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء والميم، غير منصرف، من بلاد اليمن مشهورة، وقد يضم الميم، وجاء بالتصغير حضيرموت، كذا في (القاموس)(١)، وقال في (المشارق)(٢): وهذيل تقول: حضرموت بضم الميم، وقال التُّوربِشْتِي(٣): يحتمل أن يكون رأى عين وهو الأصل، ويحتمل أنها فتنة عبر عنها بالنار، وقد مر ذكر نار تطرد الناس إلى محشرهم في أمارات الساعة، ويظهر أن تلك النار تسوقهم إلى الشام بلا اختيارهم، وهذا الحديث يدل على أمرهم باختيار السفر إلى الشام، فلعل الظاهر أن المراد فتنة عبر عنها بالنار. (١) ((القاموس)) (ص: ٣٤٠). (٢) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٢٢١). (٣) ((كتاب الميسر)) (٤/ ١٣٥٧). ٨١٥ (٣٠) كتاب المناقب ٦٢٧٥ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((إِنَّهَا سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ، فَخِيَارُ النَّاسِ إِلَى مُهَاجَرٍ إِبْرَاهِيم)). وَفِي رِوَايَةٍ: ((فَخِيَارُ أَهْلِ الأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ، وَيَبْقَى فِي الأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا، تَلْفِظُهُمْ أَرَضُوهُمْ، تَقْذِرُهُمْ نَفْسُ اللهِ، ... ٦٢٧٥ - [١٠] (عبدالله بن عمرو) قوله: (إنها ستكون هجرة بعد هجرة) قيل: أي ستكون هجرة إلى الشام بعد هجرةٍ كانت إلى المدينة، وعلى هذا المعنى كان الظاهر أن يقال: هجرة بعد الهجرة، لكن روعي المناسبة مع الأولى في التنكير، وقيل: المراد التكرير، وهو الأظهر من سياق الحديث، وذلك حين تكثر الفتن في البلاد ويستولي الكفرة، ويقل فيها القائمون بأمر الله في دار الإسلام، وتبقى البلاد الشامية محروسة تسوسها العساكر الإسلامية ظاهرين على الحق حتى يقاتلوا الدجال، فمن أراد المحافظة على دينه هاجر إليها، قال التُّوربِشْتِي: إنما أتى بها منكرة لتساوي الأولى في الصيغة. وقوله: (فخيار الناس) تفصيل للمجمل المذكور، أي: هجرتهم، أو يهاجرون (إلى مُهَاجَر إبراهيم) بضم الميم وفتح الجيم موضع المهاجرة وهو الشام. وقوله: (فخيار أهل الأرض) مبتدأ، و(ألزمهم) بصيغة اسم التفضيل خبر، و(مهاجر) نصب على الظرف لألزمهم لا مفعول به؛ لأن اسم التفضيل لا يعمل في الظاهر إلا في الفاعل في مسألة الكحل. وقوله: (تلفظهم) أي: ترميهم وتقذفهم (أرضوهم) بفتح الراء جمع أرض بالواو والنون کأنها تستنکف عنهم. وقوله: (تقذرهم) بكسر الذال، أي: تكرههم (نفس الله) أي: ذاته تعالى من باب التمثيل المركب، أي: تبعدهم من مظان رحمته ومحل كرامته، وقد جاء إطلاق النفس ٨١٦ (١٣) باب ذكر اليمن والشام وذكر أويس القرني تَحْشُرُهُمْ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، تَبِيتُ مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا وَتَقِيلُ مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٤٨٢]. ٦٢٧٦ - [١١] وَعَنِ ابْنِ حَوَالَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((سَيَصِيرُ الأَمْرُ إِلَى أَنْ تَكُونُوا جُنُوداً مُجَنَّدَةً: جُنْدٌ بِالشَّامِ، وَجُنْدٌ بِالْيَمَنِ، وَجُنْدٌ بالْعِرَاقِ)). فَقَالَ ابْنُ حَوَالَةَ: خِرْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ! إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ، . ج على ذات الله كقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، وقالوا فيه : إنه من باب المشاكلة، وليس في الحديث المشاكلة. وقوله: (تحشرهم) أي: تجمعهم (النار) أي: نار الفتنة التي هي نتيجة أفعالهم القبيحة (مع القردة والخنازير)، والمراد إما حقيقتها أو معنى كونهم معهم كونهم متخلقين بأخلاقهم، أو المراد ناس سوء والكفرة الذين هم كالقردة والخنازير. وقوله: (تبيت) أي: نار الفتنة (معهم إذا باتوا، وتقيل) من القيلولة وهو النوم في نصف النهار، والمراد ملازمة الفتنة إياهم ليلاً ونهاراً، يعني أنهم وإن انتقلوا من أرض إلى أرض خوفاً من الفتنة، لكن الفتنة لا تفارقهم لشمولها البلاد سوى البلاد الشامية، فمن هاجر إليها أسلم منها وحفظ دينه، فقوله: (تلفظهم) (تقذرهم) (تحشرهم) ثلاث جمل مستأنفة جاءت بغير عطف، قال الطيبي(١): ولعل الحديث إشارة إلى العصر الذي نحن فيه، أقول: فما حال عصرنا! نسأل السلامة والعافية . ٦٢٧٦ - [١١] (ابن حوالة) قوله: (وعن ابن حوالة) بفتح الحاء المهملة مخففاً. وقوله: (جنوداً مجندة) بضم الميم وفتح الجيم وتشديد النون، أي: مختلفة، (١) ((شرح الطيبي)) (١٢ / ٣٦٥). ٨١٧ (٣٠) كتاب المناقب فَقَالَ: ((عَلَيْك بِالشَّامِ فَإِنَّهَا خِيَرَةُ اللهِ مِنْ أَرْضِهِ، يَجْتَبِي إِلَيْهَا خِيَرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَأَمَّا إِنْ أَيْتُمْ فَعَلَيْكُمْ بِيَمَنِكُمْ، وَاسْقُوا مِنْ غُدَرِكُمْ، فَإِنَّ اللهَكُ تَوَكَّلَ لِي بِالشَّام وَأَهْلِهِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤ /١١٠، د: ٢٤٨٣]. وقيل: مجتمعة، كما في حديث: (الأرواح جنود مجندة)، و(الخيرة) بكسر الخاء وفتح الياء وقد تسكن، في (القاموس) (١): خار الشيء: انتقاه كتخيره، والاسم الخيرة بالكسر وكعنبة، وخار الله في الأمر: جعل لك فيه الخير، وإذا أردت التفضيل، قلت: فلان خيرة الناس بالهاء. وقوله: (فأما إن أبيتم) أي: امتنعتم ما اختاره الله لكم من القصد إلى الشام، واخترتم بلادكم مسقط رأسكم، وأضاف اليمن إليهم لأن المخاطبين عرب واليمن من أرضهم، وهذا وقع معترضاً بين (عليك بالشام) وقوله: (واسقوا من غدركم) لأنه راجع إلى قوله: (عليك بالشام)، أي: لِيَسْبق كل من غديره الذي اختص به، فلا يزاحم غيره لا سيما أهل الثغور، لئلا يكون ذلك سبباً للاختلاف وتهيج الفتن، كذا قالوا، وأقول: أي دليل على تخصيص تعلقه بالشام؟ وظاهر العبارة أن يتعلق لقوله: (فعليكم بيمنكم) أو بالكل، وهذا حكم يشترك فيه الكل لاشتراك العلة، والله أعلم. و(الغدر) بضمتين جمع غدير، وهو ما اجتمع من الماء يغادره السيل. وقوله: (فإن الله ي توكل لي بالشام) قيل: هكذا في سائر نسخ (المصابيح)، والصواب: قد تكفل لي، وهذا إن كان من حيث الرواية فلا كلام، وإلا فالتوكل قد يراد به التكفل، فإن من توكل في شيء فقد تكفل القيام به، والمعنى أنه تعالى ضمن لي حفظها وحفظ أهلها من بأس الكفرة واستيلائهم. (١) ((القاموس)) (ص: ٣٥١). ٨١٨ (١٣) باب ذكر اليمن والشام وذكر أويس القرني * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٦٢٧ - [١٢] عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: ذُكِرَ أَهْلُ الشَّامِ عِنْدِ عَلِيٍّ، وَقِيلَ: الْعَنْهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: لاَ، أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((الأَبْدَالُ يَكُونُونَ بِالشَّامِ، وَهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلاً، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللهُ مَكَانَهُ رَجُلاً، يُسْقَى بِهِمُ الْغَيْثُ، وَيُنْتَصَرُ بِهِمْ عَلَى الأَعْدَاءِ، وَيُصْرَفُ عَنِ أَهْلِ الشَّامِ بِهِمُ الْعَذَابُ)). الفصل الثالث ٦٢٧٧ - [١٢] (شريح بن عبيد) قوله: (ذكر أهل الشام) المراد به معاوية ومن معه من مخالفي علي ويكونون بالشام. وقوله: (الأبدال يكونون بالشام) يعني فلا يجوز لعن أهلها لئلا يتناولهم، وهذا رد ودفع منه به للعن أهل الشام بالفعل دفعاً للمشاغبة، ولا يلزم منه جواز لعن الباقین من سواهم، كما قد يتبادر إلى الفهم، كيف وقد روي عن علي ه: إخواننا بغوا علينا، وغير ذلك مما يدل على إسلامهم، ولهذا الحديث طرق من الأحاديث والآثار. وعن صفوان(١) بن عبدالله بن صفوان قال: قال رجل يوم صفين: اللهم العن أهل الشام، فقال علي ظه: لا تسبوا أهل الشام جمًّا غفيراً، فإن بها الأبدال، فإن بها الأبدال، فإن بها الأبدال ثلاثاً، رواه ابن راهوية والذهبي والبيهقي في (الدلائل)، قال ابن حجر: وله شاهد من حديث ابن أبي زرير الغافقي عن علي موقوفاً، وأيضاً رواه ابن يونس في (تاريخ مصر). (١) انظر: ((جامع الأحاديث)) (٣٣٨٩١)، و((كنز العمال)) (٣٧٩١٧). ٨١٩ (٣٠) كتاب المناقب ٦٢٧٨ - [١٣] وَعَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ لِ قَالَ: ((سَتُفْتَحُ الشَّامُ فِإِذا خُيِّرْتم المنازلَ فِيهَا فَعَلَيْكُم بِمَدِينَةً يُقَال لَهُ دِمَشْقُ، فَإِنَّهَا مَعْقِلُ الْمُسْلِمِينَ. وعن ابن عمر(١) عن النبي ◌َّر قال: خيار أمتي خمس مئة والأبدال أربعون فلا الخمس مئة ينقصون، ولا الأربعون ينقصون، كلما مات بدل أبدل الله من الخمس مئة مكانه، وأدخل في الأربعين مكانهم، فلا الخمس مئة ينقصون ولا الأربعون ينقصون، فقالوا: يا رسول الله! دلنا على أعمال هؤلاء، فقال: هؤلاء يعفون عمن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويواسون مما آتاهم الله، وتصديق ذلك في كتاب الله : ﴿وَاَلْكَظِمِينَ الْغَيْطَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ وَاَللّهُ يُحِبُّ الْسُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. وعن رجاء بن حيوة(٢) عن علي أنه قال: يا أهل العراق لا تسبوا أهل الشام، فإن فيهم الأبدال، لا يموت رجل منهم إلا أبدل الله مكانه آخر، وجاء عن الحارث ابن حرمل مثله، ذكر ذلك كله السيوطي في (جمع الجوامع). ٦٢٧٨ - [١٣] (رجل من الصحابة) قوله: (فإذا خيرتم) بلفظ المجهول، و(دمشق) بكسر الدال وفتح الميم على الأشهر الأفصح. وقوله: (فإنها معقل المسلمين) أي: ملجؤهم يلتجئون إليها، ويتحصنون بها، والعقل: الحصن والملجأ، والمعقل كمنزل: الملجأ، كذا في (القاموس) (٣)، ويطلق على معقل الأروية بالجبل، كما في حديث: (ليعقلن الدين من الحجاز معقلَ الأُرْوِيَّةِ (١) انظر: ((جامع الأحاديث)) (٣٩٦٥١)، و((كنز العمال)) (٣٧٩١٨). (٢) انظر: ((جامع الأحاديث)) (٣٢٨٥٩)، و((كنز العمال)) (٣٧٩١٩، ٣٧٩٢٠). (٣) ((القاموس)) (ص: ٩٣١). ٨٢٠ (١٣) باب ذكر اليمن والشام وذكر أويس القرني مِنَ الْمَلَاحِمِ، وَفُسْطَاطُهَا مِنْهَا أَرْضٌ يُقَالُ لَهَا: الْغُوطَةُ)). رَوَاهُمَا أَحْمَدُ. [حم: ٨٩٦، ١٧٤٧٠]. ٦٢٧٩ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ مَاءِ: ((الْخِلاَفَةُ بِالْمَدِينَةِ وَالْمُلْكُ بِالشَّام)». من رأس الجبل)(١)، وليس مفهوم المعقل مخصوصاً بذلك حتى يعتبر في هذا الحديث مجاز في قوله: (معقل المسلمين) لتحصنهم والتجائهم مثل التجاء الوعل إلى رأس الجبل، كما ذكره الشارحون، فافهم. و(الملاحم) جمع الملحمة وهي الحرب، من التحمت الحرب: إذا اشتدت، والتحم الجرح: اشتد، والمادة للقوة والاشتداد، و(الفسطاط) مجتمع أهل الكورة، وعلم مصر العتيقة التي بناها عمرو بن العاص، والسرادق من الأبنية، والمراد هنا البلدة الجامعة، و(الغوطة) بضم الغين المعجمة: مدينة دمشق أو كورتها، وقال الطيبي(٢): الغوطة اسم بساتين ومياه حول دمشق، وهي غوطتها، كذا في (النهاية)(٣)، وقيل: الغوطة بالضم: بلد قريب من دمشق. ٦٢٧٩ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (الخلافة بالمدينة والملك) لعله إشارة إلى خلافة علي وملك معاوية كما يدل عليه حديث: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم يصير ملكاً عضوضاً)، وأما الملك الواقع في حديث صفة النبي وتدمير (وملكه بالشام) فالمراد به النبوة والدين، فإن ذلك يكون بالشام أغلب وإلا فملكه بجميع الآفاق، وقيل: معناه الغزو والجهاد ثمة، فإنه لا ينقطع الجهاد في بلاد الشام أصلاً، وأمر (١) أخرجه الترمذي في ((سننه)) (٢٦٣٠). (٢) ((شرح الطيبي)) (١٢ / ٣٦٨). (٣) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (٣/ ٣٩٦).