النص المفهرس
صفحات 641-660
٦٤١ (٣٠) كتاب المناقب فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبٍ مَالِي، وَأَنْتُمُ الْيَوْمَ تَمْتَعُونَي أَنْ أَشْرَبَ مِنْهَا حَتَّى أَشْرَبَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالُوا: اللهُمَّنَعَمْ. فَقَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللهَ وَالإِسْلاَمَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَسْجِدَ ضَاقَ بِأَهْلِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ آلِ فُلاٍَ فَيَزِيدُهَا فِي الْمَسْجِدِ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟». فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبٍ مَالِي فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ تَمْنَعُونَنِي أَنْ أُصَلِّيَ فِيهَا رَكْعَتَيْنِ؟ فَقَالُوا: اللهُمَّنَعَمْ. قَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللهَ وَالإِسْلاَمَ. في الجنة . وقوله: (فاشتريتها من صلب مالي) أي: من خالصه، وأصله اشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، وروي (ثمانية آلاف درهم)، والمراد بـ (ماء البحر) الماء المالح كماء البحر . وقوله: (اللهم نعم) قد يذكر قبل لا أو نعم تأكيداً ومبالغة في التصديق والإنكار، وقيل: إشارة إلى شذوذه وندرته. وقوله: (هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله) وذلك في وقت بنائه، لا أنه بني المسجد ثم ضاق فزيد، وكان الزيادة بعد البناء أيضاً منه في وقت خلافته، وليس مراداً ههنا . وقوله: (من يشتري بقعة آل فلان) وكان لبعض الأنصار في جوار المسجد، قال له رسول الله وسير: هل تبيع هذه البقعة ببيت يكون له في الجنة؟ فقال الأنصاري: أنا فقير ولي عيال يا رسول الله، فاشترى منه عثمان بن عفان تلك البقعة بعشرة آلاف درهم، فزيد في المسجد. ٦٤٢ (٦) باب مناقب عثمان ﴾ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنِّي جَهَّزْتُ جَيْشَ الْعُسْرَةِ مِنْ مَالِي؟ قَالُوا: اللهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللهَ وَالإِسْلاَمَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ عَلَى ثَبِيرِ مَكَّةَ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَنَا فَتَحَرَّكَ الْجَبَلُ حَتَّى تَسَاقَطَتْ حِجَارَتُهُ بِالْحَضِيِضِ، فَرَكَضَهُ بِرِجْلِهِ قَالَ: ((اسْكُنْ ثَبِيرُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيُّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانٍ)). قَالُوا: اللهُمَّنَعَمْ. قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ شَهِدُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ أَنِّي شَهِيدٌ، ثَلَاثاً. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَقَطْنِيُّ. [ت: ٣٧٠٣، ن: ٣٦٠٨، قط: ٤/ ١٩٦]. ٦٠٧٦ - [٨] وَعَن مرّة بن كَعْب قَالَ: وقوله: (أني جهزت جيش العسرة من مالي) لم يقل هنا: من صلب مالي، اكتفاء. و(ثبير) على وزن خبير: جبل بمنى على يسار الذاهب إلى منى مشرف على جبل بمنى وبمكة، وقيل: بمزدلفة، والأول أصح. وقوله: (حتى تساقطت حجارته بالحضيض) أي: أسفل الجبل، والحضيض: القرار في الأرض عند منقطع الجبل، في (الصراح)(١): حضيض: پستي زمين دردامن کوه . وقوله: (فركضه برجله) أي: ضربه، والركض: تحريك الرجل، ومنه: ﴿أَرَّكُضْ بِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢]. وقوله: (الله أكبر) تعجب من إقرارهم بكونه على الحق وإصرارهم على خلاف مقتضاه . ٦٠٧٦ - [٨] (مرة بن كعب) قوله: (وعن مرة بن كعب) بضم الميم وتشديد الراء . (١) ((الصراح)) (ص: ٢٧٨). ٦٤٣ (٣٠) كتاب المناقب سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﴿ وَذَكَرَ الْفِتَنَ فَقَرَّبَهَا، فَمَزَّ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ فِي ثَوْبٍ فَقَالَ: ((هَذَا يَوْمَئِذٍ عَلَى الْهُدَى))، فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ. قَالَ: فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ. فَقُلْتُ: هَذَا؟ قَالَ: (نَعَمْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٣٧٠٤]. ٦٠٧٧ - [٩] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قَالَ: ((يَا عُثْمَانُ إِنَّهُ لَعَلَّ اللهَ يُقَمِّصُكَ قَمِيصاً، فَإِنْ أَرَادُوكَ عَلَى خَلْعِهِ فَلاَ تَخْلَعْهُ لَهُمْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: فِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ. [ت: ٧٠٥ وقوله: (سمعت من رسول الله ( 38) مفعوله محذوف مدلول عليه بقوله: (فقال: هذا يومئذ على الهدى). وقوله: (فقربها) من التقريب، أي: جعلها قريبة أي: ذكر أنها قريبة، و(مقنع) بضم الميم وفتح القاف وكسر النون المشددة، أي: لابس ثوبه على رأسه، وهو التطلس، وقد جاءت أخبار وأثار ذكرناها في (شرح سفر السعادة)، قال: في (القاموس)(١): المِقْنع والمِقْنعة بكسر ميمهما: ما تقنع به المرأة رأسها، والقناع بالكسر: أوسع منها. وقوله: (هذا يومئذ) أي: يوم وقوع الفتن. وقوله: (فأقبلت عليه) أي: على النبي ◌َّل بوجه عثمان، (فقلت) بطريق الاستفهام: (هذا؟) أي: هذا هو الرجل الذي يومئذ على الهدى. ٦٠٧٧ - [٩] (عائشة) قوله: (يقمصك) بالتشديد، استعار القميص للخلافة ، وذكر الخلع ترشيح، أي: سيجعلك الله خليفة، فالناس إن قصدوا عزلك عنها فلا تعزل (١) ((القاموس)) (ص: ٦٨١). ٦٤٤ (٦) باب مناقب عثمان ٦٠٧٨ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِنَّهِ فِتْنَةً فَقَالَ: (يُقْتَلُ هَذَا فِيهَا مَظْلُوماً)) لِعُثْمَانَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِسْنَاداً. [ت: ٣٧٠٨]. ٦٠٧٩ - [١١] وَعَنْ أَبِي سَهْلَةَ قَالَ: قَالَ لِي عُثْمَانُ يَوْمَ الدَّارِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِّهِ قَدْ عَهِدَ إِلَّ عَهْداً وَأَنَاَ صَابِرٌ عَلَيْهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٣٧١١] * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٦٠٨٠ - [١٢] عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ يُرِيدُ حَجَّ الْبَيْتِ، فَرَأَى قَوْماً جُلُوساً فَقَالَ: مَنْ هَؤُلاءِ الْقَوْمُ؟ قَالُوا: هَؤُلاءِ قُرَيْشٌ. قَالَ فَمَنِ الشَّيْخُ فِيهِمْ؟ نفسك عنها لأجلهم، فلذا کان عثمان ما عزل نفسه حین حاصروه یوم الدار. ٦٠٧٩ - [١١] (أبو سهلة) قوله: (وعن أبي سهلة) بفتح السين وسكون الهاء . وقوله: (قد عهد إلي عهداً وأنا صابر) معناه مضمون قوله: فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه، أو: أوصاني بأن أصبر ولا أقاتل، ويؤيده هذا الحديث الآخر الآتي عن أبي سهلة. الفصل الثالث ٦٠٨٠ - [١٢] (عثمان بن عبدالله) قوله: (ابن موهب) بفتح الهاء من الأعلام الشاذة، والقياس الكسر. ٦٤٥ (٣٠) كتاب المناقب قَالُوا: عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ. قَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ إِنِّي سَائِلَكَ عَنْ شَيْءٍ فَحَدِّثْنِي: هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ فَ يَوْمَ أُحُدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ؟ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ أُبَيِّنْ لَك، أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحَدٍ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللّهَ عَفَا عَنْهُ، وَأَمَّا تَغَيُّهُ عَنْ بَدْرٍ فَإنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِوَهُ وَكَانَتْ مَرِيضَةً فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْراً وَسَهْمَهُ)). وَأَمَّا تَغَيِّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ لَبَعَثَهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ لِ عُثْمَانَ، وَكَانَتْ بَيْعَةُ الرضْوَانِ بعدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: (هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ) فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ وَقَالَ: ((هَذِهِ لِعُثْمَان)). ثُمَّ قَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: اذْهَبْ بِهَا الآنَ مَعَكَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٦٩٨، ٣١٣٠]. وقوله: (تعال) بفتح اللام و(أبين لك) مجزوم جواباً للأمر. وقوله: (فأشهد أن الله عفا عنه) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْ مِنكُمْ يَوْمَ اُلْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا أُسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ◌َللّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]. وقوله: (وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة) فإنه رز به ذهب إلى أهل مكة، وشاع عندهم أن المشركين تعرضوا لحرب المسلمين، فاستعد المسلمون للقتال فبايعهم النبي ◌ّ تحت الشجرة على أن لا يفروا، وقيل: بل جاء الخبر بأن عثمان قُتِلَ. وقوله: (اذهب بها الآن معك) أي: اذهب بمقالتي وتمسك بها بعد ما يثبت لك الحق الصريح لا شك فيه، وانته عن اعتقادك الفاسد في حقه ظه. ٦٤٦ (٦) باب مناقب عثمان ٦٠٨١ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَهْلَةَ مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ ◌َّهُ يُسِرُّ إِلَى عُثْمَانَ وَلَوْنُ عُثْمَانَ يَتَغَيَّرُّ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الدَّارِ قُلْنَا: أَلَا تُقَاتِلُ؟ قَالَ: لاَ، إِنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ عَهِدَ إِلَيَّ أَمْراً، فَأَنَ صَابِرٌ نَفَسِي عَلَيْهِ. [حم: ٦ / ٥٨]. ٦٠٨١ - [١٤] وَعَنْ أَبِي حَبِيبَةَ: أَنَّهُ دَخَلَ الدَّارَ وَعُثْمَانُ مَخْصُورٌ فيهَا، وَأَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَسْتَأْذِنُ عُثْمَانَ فِي الْكَلَامِ فَأَذِنَ لَهُ، فَقَامَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثِّنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَِّ يَقُولُ: ((إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي فِتْنَةً وَاخْتِلافً) - أَوْ قَالَ: ((اخْتِلاَفاً وَفِتْنَةً)) - فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ مِنَ النَّاسِ: فَمَنْ لَنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ - أَوْ: مَا تَأْمُرُنَا بِهِ؟ - قَالَ: ((عَلَيْكُمْ بِالأَمِيرِ وَأَصْحَابِهِ»، وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى عُثْمَانَ بِذَلِكَ. رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي ((دَلاَئِل النبوَّةِ). [دلائل: ٦/ ٣٩٣]. ٦٠٨١ - [١٣] (أبو سهلة) قوله: (يسر إلى عثمان ولون عثمان يتغير) كأنه وَ ل أخبره بقضية فكان يتغير لونه بسماعه، ثم أظهر في وقته أنه عهد إليه. وقوله: (فأنا صابر) الصبر: حبس الرجل للقتل، يحبس على القتل حتى يقتل، ومنه القتل صبراً. ٦٠٨٢ - [١٤] (أبو حبيبة) قوله: (فمن لنا) أي: فمن نتبعه ويكون اتِّباعاً لنا لا علینا . وقوله: (وهو) أبو هريرة (يشير إلى عثمان بذلك) أي: بالأمر الذي أمرنا باتباعه. ٦٤٧ (٣٠) كتاب المناقب ٧ - باب مناقب هؤلاء الثلاثين * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٦٠٨٣ - [١] عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ صَعِدَ أُحُداً وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ بِهِمْ، فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ فَقَالَ: ((اثْبُتْ أُحُدُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانٍ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٦٨٦]. ٦٠٨٤ - [٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ بَلِّ فِي حَائِطِ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَحَ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهُ: ((اقْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ))، فَفَتَحْتُ لَهُ فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ، فَبَشَّرْتُهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ، فَحَمِدَ اللهَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَحَ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ»، فَفَتَحْتُ لَهُ فَإِذا هُوَ عُمَرُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ، فَحَمِدَ اللهَ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ فَقَالَ لِي: ((افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ)). ٧ - باب مناقب هؤلاء الثلاثة قد وردت أحاديث وقعت فيها مناقب أبي بكر وعمر وعثمان جميعاً، فعقد هذا الباب لذكرها. الفصل الأول ٦٠٨٣ - [١] (أنس) قوله: (فرجف بهم) أي: تحرك واضطرب شديداً. ٦٠٨٤ - [٢] (أبو موسى الأشعري) قوله: (فاستفتح) أي: طلب الفتح واستأذن للدخول . وقوله: (على بلوى تصيبه) على بمعنى مع. ٦٤٨ (٧) باب مناقب هؤلاء الثلاثة فَإِذَا عُثْمَانُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ، فَحَمِدَ اللهَ ثُمَّ قَالَ: اللهُ الْمُسْتَعَانُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْه. [خ: ٣٦٩٣، م: ٢٤٠٣]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٦٠٨٥ - [٣] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللهِّهِ حَيُّ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ ﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٠٧]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٦٠٨٦ - [٤] عَنْ جَابِرِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِقَالَ: ((أُرِيَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ صَالِحٌ. وقوله: (فحمد الله) على ما بشر، (ثم قال: الله المستعان) أي: على مرارة الصبر على تلك البلوى. الفصل الثاني ٦٠٨٥ - [٣] (ابن عمر) قوله: (أبو بكر وعمر وعثمان (#) أي: كنا نذكر هؤلاء الثلاثة بأن الله تعالى رضي عنهم، ويحتمل أن يكون # دعاء من الرواة كما هو المتعارف عند ذكر الصحابة، فيكون كما جاء في حديث آخر عن ابن عمر: كنا نقول على عهد رسول الله ◌َ: أبو بكر وعمر وعثمان، يعني هؤلاء الثلاثة كانوا مشهورين في الصحابة مذكورين فيهم ممتازين عن سائر الصحابة. الفصل الثالث ٦٠٨٦ - [٤] (جابر) قوله: (أري) بلفظ الماضي المجهول و(الليلة) ظرفه، و(رجل صالح) فاعله، وأراد به ذاته الكريمة، وأصل الكلام: أريت، يعني في المنام ٦٤٩ (٣٠) كتاب المناقب كَأَنَّ أَبَا بَكْرِ نِيطَ بِرَسُولِ اللهِوَّةِ، وَنِبِطَ عُمَرُ بِأَبِي بَكْرٍ، وَنِبِطَ عُثْمَانُ بِعُمَرَ» قَالَ جَابِرٌ: فَلَمَّا قُمْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِوَ﴿ قُلْنَا: أَمَّا الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَرَسُولُ اللهِ، وَأَمَّا نَوْطُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ فَهُمْ وُلَةُ الأَمْرِ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ نَبِيَّهُ نَّهِـ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٦٣٦]. ٨- باب منا قب علي بن أبي طالب (كأن أبا بكر نيط) أي: علق وضم بلفظ الماضي المجهول من ناطه نوطاً: عَلِقه، وانتاط: تعلَّق، ومنه: النياط ككتاب للفؤاد، ولِعْرقٍ غليظ نيط به القلب إلى الوتين، وعرقٍ مستبطنِ الصلب تحت المتن. ٨ - باب مناقب علي بن أبي طالب ظه وكرم الله وجهه مناقبه كثيرة لا تكاد تعد وتحصى، مذكورة في كتب الحديث أكثر مما ذكر لغيره من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وقد تطرق الوضع إلى بعضها كما في مناقب أبي بكر أيضاً، كذا ذكروا، والله أعلم. ونقل عن أحمد والنسائي وغيرهما أنهم قالوا: قد جاء في مناقبه أحاديث بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في غيره من الصحابة، وكان السبب في ذلك أنه متأخر، ووقع الاختلاف في زمانه، وكثر محاربوه. والخارجون عليه، وكان ذلك سبباً لانتشار مناقبه لكثرة من كان يرويها من الصحابة ردًّا على من خالفه، وإلا فالثلاثة قبله لهم من المناقب ما يوازيه ويزيد عليه، كذا ذكر السيوطي . ٦٥٠ (٨) باب مناقب علي بن أبي طالب * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٦٠٨٧ - [١] عَن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّه لِعَلِيِّ: (أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةٍ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٠٦، م: ٢٤٠٤]. الفصل الأول ٦٠٨٧ - [١] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) قاله حين استخلفه على المدينة في غزوة تبوك، فقال علي: أتخلِّفني في النساء والصبيان؟ كأنه استنقص تركه وراءه، فقال: (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى) يعني حين استخلفه عند توجهه إلى الطور إذ قال له : ﴿أَخْلُفْنِى فِ قَوْمِى وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: ١٤٢]، وهذا الحديث مما تعلقت به الشيعة في أن الخلافة كانت حقًّا لعلي څله، وأنه وصى بها له، وقال أصحابنا: لا حجة فيه، بل ظاهر الحديث أن عليًّا خليفة عن النبي و له مدة غيبته بتبوك كما كان هارون خليفة عن موسى في قومه مدة غيبته عنهم للمناجاة، ولم يكن هارون خليفة بعد موسى لأنه توفي قبل وفاة موسى بأربعين سنة، وقد استخلف رسول الله وَّار ابن أم مكتوم في هذه المدة على إمامة الناس، فكان علي ظُه يتفقد أهل النبي وَّر، وابن أم مكتوم يؤم الناس، فلو كان الخلافة مطلقة لكان استخلفه على الإمامة أيضاً، بل كان أهمَّ، مع أن خبر الواحد لا يقاوم الإجماع، وقد تكلم الآمدي في صحة الحديث، ولكن قال أئمة الحديث: إنه صحيح، والمعول على قولهم، كيف وهو في الصحيحين؟ لكنه من الآحاد. وقيل: ليس قوله: (إلا أنه لا نبي بعده) في بعض الطرق، ولو كان فلا يدل على حصر الخلافة فيه رقڅ ولا وجودها بعده بلا واسطة . ٦٥١ (٣٠) كتاب المناقب ٦٠٨٨ - [٢] وَعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَّأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُ لَعَهِدَ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ ◌َهَ إِلَيَّ: أَنْ لاَ يُحِيَّنِي إِلاَّ مؤمنٌ وَلاَ يُبْغِضَنِي إِلَّ مُنَافِقٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٨]. ٦٠٨٩ - [٣] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ ﴿ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: ((لأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَداً رَجُلاً يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ)). فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللهِكُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: ((أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟)) فَقَالُوا: ٦٠٨٨ - [٢] (زرّ بن حبيش) قوله: (عن زر) بفتح الزاي(١) متقدمة على الراء المشددة (ابن حبيش) بلفظ التصغير لحبش بلدة السودان . وقوله: (فلق الحبة) أي: شقها وأخرج منها النبات. وقوله: (إنه لعهد) من باب علم، والمراد أنه أكد هذا القول فكأنه عهد. ٦٠٨٩ - [٣] (سهل بن سعد) قوله: (يوم خيبر) هي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام، وكان في سنة سبع. قوله: (كلهم يرجون أن يعطاها) جَمَع نظراً إلى المعنى وأفرد نظراً إلى اللفظ، وإنما اعْتَبَرَ المعنى في الأول فجمع، واللفظ في الثاني فأفرد؛ لأن الرجاء شامل للكل والعطاء لواحد . وقوله: (فقال: أين علي بن أبي طالب؟) وكان قد تخلف عن النبي ◌َلي لكونه رمداً. (١) كذا في الأصل، والظاهر بكسر الزاي. ٦٥٢ (٨) باب مناقب علي بن أبي طالب هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ. قَالَ: ((فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ)) فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ رَسُولُ اللهِوَّهِ فِي عَيْنَّهِ فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌّ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَقَالَ عَلِيٍّ: يَا رَسُولَ الله أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: ((انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، وَأَخْبِرُهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللهِ فِيهِ، فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِي اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٢١٠، م: ٢٤٠٦]. وَذكرِ حَدِيث الْبَراء قَالَ لعَلي: ((أَنْت مني وَأَنَا مِنْك)) فِي «بَاب بُوغ الصَّغِير)). * الْفَصْلُ الثَّانِ : ٦٠٩٠ - [٤] عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: ((إِنَّ عَلِيًّا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ. وقوله: (أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟) أي: أحاربهم حتى يكونوا مسلمين. وقوله: (انفذ) على وزن انصر من النفاذ، أي: امض، (على رسلك) بكسر الراء وسكون السين، أي: على رفقك وتُؤَدتك، و(الساحة) الناحية وفضاءٌ بين دور الحي، والمراد أرضهم. وقوله: (حمر النعم) بسكون الميم: جمع أحمر، والإبل الحمر أنفس الأموال عند العرب، وقد صارت مثلاً في کل النفيس، وفيه أن تعلیم علم یهدی به خیر من بذل المال . الفصل الثاني ٦٠٩٠ - [٤] (عمران بن حصين) قوله: (إن عليًّا مني وأنا منه) أي: في النسب ٦٥٣ (٣٠) كتاب المناقب وَهُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧١٢] ٦٠٩١ - [٥] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِىٌّ مَوْلاَهُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْ مِذِيُّ. [حم: ٤ /٣٦٨، ت: ٣٧١٣]. ٦٠٩٢ - [٦] وَعَنْ حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: ((عَلِيٌّ مِنِّي وَأَنَا مِنْ عَلِيٍّ، وَلاَ يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّ أَنَا وَعَلِيٍّ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧١٩]. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي جُنَادَةَ. [حم: ٤ / ١٦٤]. والمصاهرة والمسابقة والمحبة وغير ذلك من المزايا والخصوصيات، لا في محض القرابة، وإلا فجعفر وعقيل شريكان. وقوله: (وهو ولي كل مؤمن) أي: حبيبه وناصره، وهذا إشارة إلى [أن] قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ, وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الآية [المائدة: ٥٥] نزل في علي ◌َُّ . ٦٠٩١ - [٥] (زيد بن أرقم) قوله: (من كنت مولاه فعلي مولاه) أي: ناصره، سيجيء هذا الحديث في (الفصل الثالث) مفصلاً، ونشرحه هناك إن شاء الله تعالى. ٦٠٩٢ - [٦] (حبشي بن جنادة) قوله: (وعن حبشي) بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة وشين معجمة في آخره ياءٌ مشددة، (ابن جنادة) بضم الجيم وخفة النون . وقوله: (ولا يؤدي عني إلا أنا وعلي) لما فرض الحج أمر رسول الله صَلّ أبا بكر ظه بأن يحج بالناس، ثم بعث بعد خروجه عليًّا لينبذ على المشركين والمنافقين عهدهم، ويقرأ عليهم سورة براءة، وكان من عادة العرب إذا كان بينهم مقاولة في صلح ٦٥٤ (٨) باب مناقب علي بن أبي طالب ٦٠٩٣ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: آخَى رَسُولُ اللهِ وَلِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَجَاءَ عَلِيٍّ تَدْمَعُ عَيْنَاهُ، فَقَالَ: آخَيْتَ بَيْنَ أَصْحَابِكَ وَلم تُؤَاخِ بَيْنِي وَبَيْنَ أَحَدٍ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َِّ: ((أَنْتَ أَخِي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧٢٠]. ٦٠٩٤ - [٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َهُ طَيْرٌ فَقَالَ: «اللهُمَّ اثْنِي بِأَحَبٌّ خَلْقِكَ إِلَيْكَ بَأْكُلُ مَعِي هَذَا الطَّيْرَ)) فَجَاءَهُ عَلِيٌّ فَأَكَلَ مَعَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧٢١] وعهد ونقض وإبرام لا يؤدي إلا سيد القوم أو من يليه من ذوي قرابته القريبة، ولا يقبلون ممن سواهم، وقال هکذا تكريماً له څ . ٦٠٩٣ - [٧] (ابن عمر) قوله: (آخى بين أصحابه) وفي رواية أخرى: (بين المهاجرين والأنصار)، وكانوا تسعين رجلاً من كل طائفة خمسة وأربعون، على الحق والمواساة والتوارث، وكان ذلك إلى أن نزل ببدر قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ الآية [الأنفال: ٧٥]، وكان ذلك بعد قدومه بخمسة أشهر. ٦٠٩٤ - [٨] (أنس) قوله: (كان عند النبي ◌َّ﴾ طير) أي: مشويٌّ يأكله. وقوله: (بأحب خلقك) أوله الشارحون بأن المراد: من أحب خلقك، أو أحب خلق الله من بني عمه، أو بأحب خلقك إليه من ذوي القرابة القريبة، أو من هو أولى وأقرب وأحق بإحسان إليه، وهذا الوجه الأخير أقرب وأوفق بالمقام، هكذا قالوا، ولقد أتى الشيخ ابن حجر في (كتاب الصواعق) في الاعتذار عن التأويل لهذا الحديث بكلام مليح فصيح طويل، وقال: نحن وإن كنا لا نجهل بحمد الله فضل علي ظه وقدمه وسوابقه في الإسلام، واختصاصه برسول الله وي لقرابته القريبة ومؤاخاته إياه في الدين، ٦٥٥ (٣٠) كتاب المناقب ونتمسك من حبه بأقوى وأولى مما يدعيه الغالون فيه، فلسنا نرى أن نضرب عن تقرير أمثال هذه الأحاديث في نصابها صفحاً لما يُخشى فيها من تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين، وهذا باب أمرنا بمحافظته وجيء أمرنا بالذب عنه، فحقيق علينا أن ننصر فيه الحق ونقدم فيه الصدق، وهذا حدیث یریش به المبتدع سهامه ويوصّل به المنتحل جناحه فيتخذه ذريعة إلى الطعن في خلافة أبي بكر ﴿ه التي هي أول حكم أجمع عليه المسلمون في هذه الأمة، وأقوم عماد أقيم به الدين بعد رسول الله وَچ، فنقول ـ وبالله التوفيق -: هذا الحديث لا يقاوم ما أوجب تقديم أبي بكر والقولَ بخيريته من الأخبار الصحاح منضمًا إليها إجماع الصحابة لمكان سنده، فإن فيه لأهل النقل مقالاً، ولا يجوز حمل أمثاله على ما يخالف الإجماع، لا سيما والصحابي الذي يرويه ممن دخل في هذا الإجماع، واستقام عليه مدة عمره، ولم ينقل عنه خلافه، فلو ثبت عنه هذا الحديث فالسبيل أن يؤول على وجه لا ينتقض عليه ما اعتقده، ولا يخالف ما هو أصح منه متناً وإسناداً، وهو أن يحمل على أحد الوجوه المذكورة. قال العبد الضعيف - عصمه الله عما يطمه وصانه عما شانه -: إن من الظاهر أن الحديث غير محمول على الظاهر؛ لأن النبي ◌َّ من جملة خلق الله، وهو أحب الخلق إلى الله من جميع الوجوه والحيثيات، فالمراد أهل زمان رسول الله وَلّر من الصحابة وغيرهم، إنما يكون من وجه واحد خاص أو وجوه متعددة مخصوصة، فلا حاجة إلى تخصيص الخلق بل إلى تخصيص الوجه أو الوجوه، فإنه ليس أحب وأفضل من جميع الوجوه سوى سيد المحبوبين وأفضل المخلوقين ، ثم الكلام في الصحابة إنما هو في الأفضلية من جهة كثرة الثواب والأحبية وغيرها، كما في القول المشهور من بعض ٦٥٦ (٨) باب مناقب علي بن أبي طالب ٦٠٩٥ - [٩] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ إِذَا سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِوَ﴿ أَعْطَانِي، وَإِذَا سَكَتُّ ابْتَدَأَنِي. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧٢٢]. ٦٠٩٦ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((أَنَا دَارُ الْحِكْمَةِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَقَالَ: رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شَرِيكٍ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، وَلاَ نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الثُّقَاتِ غَيْرَ شَرِيكٍ. [ت: ٣٧٢٣]. العلماء في الفرق بين الأفضلية والأحبية، والمخلِّص في هذه المسألة اعتبار الوجوه والحيثيات، والله أعلم. ٦٠٩٥ - [٩] (علي) قوله: (وإذا سكت) أي: لم أسأل (ابتدأني) أي: أعطاني من غير مسألة، يقال: ابتدأني الشيء: فعله ابتداء، وهذا مقام المحبوبية. ٦٠٩٦ - [١٠] (وعنه) قوله: (أنا دار الحكمة وعلي بابها) قيل: لا شك أن العلم قد جاء منه ◌َل* من قِبَل باقي الصحابة، وليس منحصراً في علي المرتضى ◌ُه، فلا بد أن يكونوا أبواب العلم، لكن لا بد للتخصيص من وجه بأن يكون متميزاً من سائر الأبواب بالسعة والفتح والعظمة ونحوها، والله أعلم . واعلم أن المشهور من لفظ الحديث في هذا المعنى (أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها)، وقد تكلم النقاد فيه، وأصله عن أبي الصلت عبد السلام وكان شيعياً، وقد تكلّم فيه، وصحح هذا الحديث الحاكم وحسنه الترمذي، وضعفه آخرون، ونسبه إلى الوضع طائفة، ونحن ننقل ما ذكره علماؤنا في ذلك بعباراتهم وإن كانت مشتملةً على التكرار، فنقول : ٦٥٧ (٣٠) كتاب المناقب قال الشيخ مجد الدين الشيرازي اللغوي صاحب (القاموس) في (نقد الصحيح): حديث: (أنا مدينة العلم وعلي بابها)، ذكره أبو الفرج ابن الجوزي في (الموضوعات) من عدة طرق وجزم ببطلان الكل، وقال مثل ذلك جماعة، وعندي في ذلك نظر كما سنبينه، والمشهور برواية أبي الصلت عبد السلام بن صلاح الهروي، عن أبي معاوية محمد بن حازم الضرير، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس ◌َيْئًا، وعبد السلام هذا ضعفوه جداً واتهم بالرفض، ومع ذلك فقد روى عباس بن محمد الزوزني في سؤالاته يحيى بنَ معين أنه سأله عن أبي الصلت هذا فوثقه، فقال: أليس قد حدث (أنا مدينة العلم وعلي بابها)، وكذلك روى صالح بن محمد الحافظ الملقب جزرة، وأبو الصلت محمد بن محرز عن يحيى بن معين أيضاً، وفي رواية أبي الصلت بن محرز قال يحيى في هذا الحديث: هو من حديث أبي معاوية أخبرني ابن نمير، قال: حدث به أبو معاوية قديماً ثم كف عنه، وكان أبو الصلت الهروي رجلاً موسراً يطلب هذه الأحاديث ويكرم المشايخ، يعني فخصه أبو معاوية بهذا الحديث، فقد برئ عبد السلام عن عهدة هذا الحديث، وأبو معاوية الضرير حافظ يحتج بأفراده كابن عيينه وغيره، ليس هذا الحديث من الألفاظ المنكرة التي تأباها العقول، بل هو مثل قوله وَسير في حديث: (أرأف أمتي أبو بكر) الحديث، وقد حسنه الترمذي وصححه غيره، ولم يأت من تكلم على حديث (أنا مدينة العلم) بجواب عن هذه الروايات الثابتة عن يحيى بن معين، والحكم عليه بالوضع باطل قطعاً، إنما سكت أبو معاوية عن روايته شائعاً لغرابته لا لبطلانه، إذ لو كان كذلك لم يحدث به أصلاً مع حفظه وإتقانه، وللحديث طريق أخرى رواها الترمذي في (جامعه)(١) عن إسماعيل بن موسى الفزاري، عن محمد بن عمر بن الرومي، (١) ((سنن الترمذي)) (٣٧٢٣). ٦٥٨ (٨) باب مناقب علي بن أبي طالب عن شريك بن عبدالله، عن سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة، عن أبي عبد الله بن الصنابحي، عن علي ظه: أن النبي ◌َّ* قال: (أنا دار الحكمة وعلي بابها)، وتابعه أبو مسلم الکجي وغيره علی روايته عن محمد بن عمر بن الرومي، ومحمد هذا روى عنه البخاري في غير الصحيح، ووثقه ابن حبان وضعفه أبو داود، وقال الترمذي بعد سياق الحديث: هذا حديث غريب، وقد روى بعضهم هذا عن شريك ولم يذكر فيه الصنابحي، ولا يعرف هذا عن أحد من الثقات غير شريك، قلت: فلم يبق الحديث من أفراد محمد الرومي، وشريكٌ احتج به مسلم وعلق له البخاري، ووثقه ابن معين والعجلي، وزاد: حسن الحديث، وقال عيسى بن يونس: ما رأيت أحداً قط أورع في علمه من شريك، فعلى هذا يكون تفرده حسناً، ولا يَرِدُ عليه رواية من أسقط الصنابحي منه؛ لأن سويد ابن غفلة تابعي مخضرم، روى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ته، وسمع، فيكون ذكر الصنابحي فيه من باب المزيد في متصل الأسانيد، والحاصل أن الحديث ينتهي بمجموع طريقي أبي معاوية وشريك إلى درجة الحسن المحتج به، ولا يكون ضعيفاً فضلاً عن أن يكون موضوعاً، ولم أجد لمن ذكره في الموضوعات طعناً مؤثراً في هذين السندين، وبالله التوفيق(١)، انتهى كلام الشيخ مجد الدين. وقال السخاوي في (المقاصد الحسنة)(٢): حديث: (أنا مدينة العلم وعلي بابها)، ذكره الحاكم في المناقب من (مستدركه)، والطبراني في (معجمه الكبير)، وأبو الشيخ ابن حبان في (السُّنة) له وغيرهم، كلهم من حديث أبي معاوية الضرير عن الأعمش عن (١) انظر: ((النقد الصحيح لما اعترض من أحاديث المصابيح)) (ص: ٥٣ - ٥٥). (٢) (المقاصد الحسنة)) (ص: ١٦٩). ٦٥٩ (٣٠) كتاب المناقب . مجاهد عن ابن عباس مرفوعاً به، بزيادة: (فمن أتى العلم فليأت الباب)، ورواه الترمذي في المناقب من (جامعه)، وأبو نعيم في (الحلية)، وغيرهما من حديث علي أن النبي وَّر قال: (أنا دار الحكمة وعلي بابها). قال الدار قطني في (العلل) عقب ثانيهما: إنه حديث مضطرب غير ثابت، وقال الترمذي: إنه منكر، وكذا قال شيخه البخاري، وقال: إنه ليس له وجه صحيح، وقال ابن معين فيما حكاه الخطيب في (تاريخ بغداد): إنه كذب لا أصل له، وقال الحاكم عقب أولهما: إنه صحيح الإسناد، وأورده ابن الجوزي من هذين الوجهين في (الموضوعات)، ووافقه الذهبي وغيره على ذلك، وأشار إلى هذا ابن دقيق العيد بقوله : هذا الحديث لم يثبتوه، وقيل: إنه باطل، وهو مشعر بتوقفه فيما ذهبوا إليه من الحكم بكذبه، بل صرح العلائي بالتوقف في الحكم عليه بذلك، فقال: وعندي فيه نظر، ثم بین ما یشهد لکون أبي معاوية راوي حديث ابن عباس حدث به، فزال المحذور ممن هو دونه، قال: وأبو معاوية ثقة حافظ يحتج بأفراده كابن عيينة وغيره، فمن حكم على الحديث مع ذلك بالكذب فقد أخطأ، وقد أخرج الديلمي في (مسنده) بسند ضعيف جداً عن ابن عمر مرفوعاً: (علي بن أبي طالب باب حطة فمن دخل فيه كان مؤمناً، ومن خرج منه كان كافراً)، ومن حديث أبي ذر رفعه: (علي باب علمي ومبينٌ لأمتي ما أرسلْتُ به من بعدي، حبه إيمان، وبغضه نفاق، والنظر إليه عبادة)، ومن حديث ابن عباس رفعه: (أنا ميزان العلم، وعلي كفَّتاه، والحسن والحسين خيوطه)، الحديث، وأورد صاحب (الفردوس) وتبعه ابنه المذكور بلا إسناد عن ابن مسعود رفعه: (أنا مدينة العلم، وأبو بكر أساسها، وعمر حيطانها، وعثمان سقفها، وعلي بابها)، انتهى كلام (المقاصد الحسنة). ٦٦٠ (٨) باب مناقب علي بن أبي طالب وفي (فصل الخطاب من كتاب الأنساب) للإمام عبد الكريم بن محمد السمعاني رحمه الله في ترجمة الهروي: أبو الصلت عبد السلام بن صالح بن سليمان الهروي، مولى عبد الرحمن بن سمرة، أدرك حماد بن زيد ومالك بن أنس وسفيان بن عيينه وغيرهم، وكان صاحب قشافة وزهد، قدم مرو أيام المأمون، فلما سمع كلامه جعله من الخاصة من إخوانه، وكان أبو الصلت يرد على أهل الأهواء من المرجئة، والجهمية، والزنادقة، والقدرية، وكان يعرف بالتشيع، وقال أحمد بن سيار المروزي: ناظرته فلم أره يُفْرِط، ورأيته يقدم أبا بكر وعمر وع له، وكان لا يذكر أصحاب النبي ◌َّ إلا بالجميل، وكان يقول: هذا مذهبي الذي أدين الله به. وقال يحيى بن معين: أبو الصلت ثقة صدوق إلا أنه يتشيع. وقال أبو عبد الرحمن النسائي: أبو الصلت ليس بثقة. توفي أبو الصلت في شوال سنة ست وثلاثين ومئتين. وأيضاً في (الأنساب)(١): قال أبو حاتم بن حبان: وهو الذي روى عن أبي معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس لها قال: قال رسول الله وٍَّ: (أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأت من قبل الباب)، وهذا شيءٌ لا أصل له، ليس من حديث ابن عباس ولا مجاهد ولا الأعمش ولا أبو معاوية حدث به، وكل من حدث بهذا المتن فإنه سرقه من أبي الصلت هذا، انتهى كلام (فصل الخطاب)، وفيه الطعن في الحديث فقط، لكن الكلام الجامع من مهرة الفن ما ذكرناه قبل، ولعل ذلك هو الصواب، ولکن لا يقتضي ذلك الحصر في هذا الباب، وهذا باب خاص ومخصوص بدخول العلم، فقد جاء: (أقضاكم علي) ولكل من الخيرات والمبرات والأنوار والأسرار (١) (١ / ٥٠٥).