النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
(٣٠) كتاب المناقب
٦٠٢٥ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((لاَ يَنْبَغِي لِقَوْمٍ
فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
[ت: ٣٦٧٣].
٦٠٣٠ - [١٢] وَعَن عُمَرَ قَالَ: أَمَرَنَاَ رَسُولُ اللهِنَّهِ أَنْ نَتَصَدَّقَ وَوَافَقَ
ذَلِكَ عِنْدِي مَالاً، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَّ بَكْرٍ إِنْ سَبَقْنُهُ يَوْماً. قَالَ: فَجِئْتُ
بِنِصْفِ مَالِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َِّ: ((مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟)) فَقُلْتُ: مِثْلَهُ. وَأَتَى
أَبَّو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ. فَقَالَ: ((يَا أَبَا بَكْرٍ؟ مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟». فَقَالَ: أَبْقَيْتُ
لَهُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ. قُلْتُ: لاَ أَسْبِقُهُ إِلَى شَيْءٍ أَبَداً. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
[ت: ٣٦٧٥، د: ١٦٧٨].
يعني: صاحبي في الدنيا والآخرة، وكونه صاحباً في الغار فضيلة تفرد بها أبو بكر لم
يشاركه فیه أحد.
٦٠٢٩ - [١١] (عائشة) قوله: (لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره) فيه
دليل على فضيلته في الدين على جميع الصحابة، فكان تقديمه في الخلافة أيضاً أولى
وأفضل، ولهذا قال سيدنا علي المرتضى ظُه: قدمك رسول الله وَّر في أمر ديننا فمن
الذي يؤخرك في دنيانا؟ .
٦٠٣٠ - [١٢] (عمر) قوله: (ووافق ذلك) أي: أمره بالتصدق (عندي مالاً)
أي: حصول مال عندي.
وقوله: (إن سبقته يوماً) (إن) نافية، ويجوز أن تكون شرطية، أي: إن أمكن
سبقي إياه يوماً فذاك يكون اليوم لوجود سببه .
وقوله: (وأتى أبو بكر بكل ما عنده) ربما يلوح هذا: أنه وإن كان نصف مالي

٦٠٢
(٣) باب مناقب أبي بكر
٦٠٣١ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرِ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِوَلِ فَقَالَ:
((أَنْت عتيقُ اللهِ مِنَ النَّارِ)). فَيَوْمِئِذٍ سُمِّيَ عَتِيقاً. رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ. [ت: ٣٦٧٩].
٦٠٣٢ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((أَنَا أَوَّلُ مَنْ
تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ آتِي أَهْلَ الْتَقِيعِ فَيُحْشَرُونَ
مَعِي، ثُمَّ أَنْتُظِرُ أَهْلَ مَكَّةَ حَتَّى أُحْشَرَ بَيْن الْحَرَمَيْنِ)). رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ. [ت:
٣٦٩٢].
٦٠٣٣ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: («أَتَانِى
جِبْرِيلُ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَأَرَانِي بَابَ الْجَنَّةِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنْهُ أُنَّتِي))، .
أكثر من كل ماله ولكن فضله باق إذ أتى بكل ما عنده ولم يبق شيئا لأهله، فقد ورد :
(أفضل الصدقة جهد المُقِل)، والله أعلم.
٦٠٣١ - [١٣] (عائشة) قوله: (فيومئذٍ سمي عتيقاً) فعتيق بمعنى المعتق، كحكيم
بمعنى المحكم، وقد يقال: سمي عتيقاً لحسنه وجماله ونجابته، والعتق بالكسر: الكرم
والجمال والنجابة والحرية.
٦٠٣٢ - [١٤] (ابن عمر) قوله: (ثم أبو بكر ثم عمر) لكونهما معه في
حجرته .
وقوله: (فيحشرون معي) أي: يجمعون، والحشر في الأصل بمعنى الجمع،
ومنه: يوم الحشر، ليوم القيامة، والمحشر مكانُه.
وقوله: (حتى أحشر بين الحرمين) أي: لي ولهم اجتماع بين الحرمين، ويحتمل
أن يكون معناه: أُجمع بين أهل الحرمين.
٦٠٣٣ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (فأراني باب الجنة) وذلك إما في ليلة المعراج

٦٠٣
(٣٠) كتاب المناقب
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مَعَكَ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ. فَقَالَ
رَسُولُ اللهِهِ: ((أَمَا إِنَّكَ بَا أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي)). رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٦٥٢].
الفَصْلُ الثَّالِثُ:
*
٦٠٣٤ - [١٦] عَنْ عُمَرَ ذُكِرَ عِنْدَهُ أَبُو بَكْرِ فَبَكَى، وَقَالَ: وَدِدْتُ أَنَّ
عَمَلِي كُلَّهُ مِثْلُ عَمَلِهِ يَوْماً وَاحِداً مِنْ أَيَّامِهِ وَلَيْلَةً وَاحِدَةً مِنْ لَيَالِهِ، أَمَّا لَيْلَتُّهُ
فَلَيْلَةٌ سَارَ مَعَ رَسُولِ اللهِنَّهِ إِلَى الْغَارِ، فَلَمَّا انْهَيَا إِلَيْهِ قَالَ: وَاللهِ لاَ تَدْخُلُهُ
حَتَّى أَدْخُلَ قَبْلَكَ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ أَصَابَتِي دُونَكَ، فَدَخَلَ فَكَسَحَهُ،
وَوَجَدَ فِي جَانِبِهِ ثُقْباً فَشَقَّ إِزَارَهُ وَسَذَّهَا بِهِ وَبَقِي مِنْهَا اثْنَانِ فَأَلْقَمَهُمَا رِجْلَيْهِ،
ثُمَّ قَالَ لِرَسُولِ اللهِوَّهِ: ادْخُلْ، فَدَخَلَ رَسُولُ الهِنَّهَ وَوَضَعَ رَأْسَهُ فِي
حَجْرِهِ وَنَامَ،
أو في وقت آخر .
الفصل الثالث
٦٠٣٤ - [١٦] (عمر) قوله: (فليلة سار) بالفتح مبنياً، وبالرفع بغير تنوين
للإضافة، وقد ینون على الوصف .
وقوله: (فكسحه) أي: كنسه، والريحُ الأرض: قَشَرت عنها التراب، والمكسحة:
المكنسة، والكساحة: الكناسة، (ثقباً) بضم المثلثة وفتح القاف كغرفة وغرف، وثُقْب
كقفل وثَقْب کفَلْس لغة فيه .
وقوله: (فألقمهما رجليه) أي: أدخل رجليه في الثقبين كاللقمة في الفم.
وقوله: (في حجره) أي: حجر أبي بكر بفتح الحاء وكسرها قبل الجيم.

٦٠٤
(٣) باب مناقب أبي بكر
فَلَدِغَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِجْلِهِ مِنَ الْجُحْرِ وَلَمْ يَتَحَرَّكْ مَخَافَةَ أَنْ يَنْتُبِهِ (١)
رَسُولُ اللهِّهِ، فَسَقَطَتْ دُمُوعُهُ عَلَى وَجْهِ رَسُولِ اللهِنَّمْ فَقَالَ: ((مَا لَكَ
يَا أَبَا بَكْرٍ؟)) قَالَ: لُدِغْتُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمّي، فَتَفَلَ رَسُولُ اللهِوَِّ، فَذَهَبَ
مَا يَجِدُهُ، ثُمَّ انْتُقَضَ عَلَيْهِ وَكَانَ سَبَبَ مَوْتِهِ، وَأَمَّا يَوْمُهُ فَلَمَّا قُبِضَ
رَسُولُ اللهِِّ ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ وَقَالُوا: لاَ نُؤَدِّي زَكَاةً. فَقَالَ: لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً
لَجَاهَدْتُهُمْ عَلَيْهِ. فَقُلْتُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِوَ﴾(٢)، تَأَلَّفِ النَّاسَ وَارْفُقْ
بِهِمْ. فَقَالَ لِي:
وقوله: (من الجحر) بتقديم الجيم المضمومة على الحاء.
وقوله: (ثم انتقض عليه) بالقاف والضاد المعجمة من انتقضت الجراحة، أي:
نكست بعد أن اندملت، يعني: رجع أثر السم إليه، قال في (أساس اللغة)(٣): انتقضت:
نكست، كذا نقله الطيبي (٤)، ولم نجده في (الصحاح) و(القاموس) و(النهاية) و(مجمع
البحار)، والله أعلم.
وقوله: (لو منعوني عقالاً) بالكسر: الحبل الذي يشد به الإبل من الصدقات،
والمراد قيمتها، وفي (القاموس)(٥): العقال ككتاب: زكاة عام من الإبل والغنم، ومنه
قول أبي بكر ظله: لو منعوني عقالاً، انتهى. وفي رواية: (عناقا) بالفتح وهي الأنثى
من أولاد المعز ما لم يتم له سنة كما مرّ.
(١) في نسخة: ((أَن يَتَنْبَّهَ)).
(٢) سقطت التصلية في نسخة .
(٣) ((أساس البلاغة)) (٢/ ٢٩٩).
(٤) ((شرح الطيبي)) (١٢ / ٣٨٥٣).
(٥) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٣١).

٦٠٥
(٣٠) كتاب المناقب
أَجَبَّارٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَخَوَّارٌ فِي الإِسْلاَمِ؟ إِنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ الْوَحْيُ وَتَمَّ الدِّينُ،
أَيْقُصُ وَأَنَا حَيٍّ؟ . رَوَاهُ رَزِينٌ.
٤- باب منا قب عمر
وقوله: (وخوار) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الواو بمعنى الضعيف بصيغة
المبالغة، والخور بالتحريك: الضعف، أنكر عليه ضعفه ووهنه في أمر الدين في هذه
القضية مبالغة، وفي هذا كمال الشجاعة والقوة في الدين للصديق الأكبر ظلته .
٤ - باب مناقب عمر
مناقبه كثيرة، ويكفي في ذلك أن الله تعالى أيد به الدين إجابة الدعوة نبيه وَلات،
وأعلى من ذلك كله أنه كان يلهم الصواب، ويُلقى في رُوعِهِ الحق، وكان يطابق رأيه
الوحي والكتاب، وهو الشيخ المحدَّث المجاب الناطق بالصدق والصواب، ورأيه دلیل
حقِّيةٍ خلافةِ الصديق كما أن قتل عمار بن ياسر دليل حقانية عليٍّ المرتضى رضي الله
تعالى عنهم أجمعين .
وأخرج ابن مردويه عن مجاهد قال: كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن. وأخرج
ابن عساكر عن علي ظّ قال: إن في القرآن لرأياً من رأي عمر. وأخرج عن ابن عمر
مرفوعاً: ما قال الناس في شيء قال فيه عمر إلا جاء القرآن بنحو ما يقول عمر، كذا
ذكر السيوطي في (تاريخ الخلفاء)(١).
وذكر أن موافقات عمر قد أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرين، فمنها اتخاذ مقام
(١) ((تاريخ الخلفاء)) (ص: ٩٩ - ١٠١).

٦٠٦
(٤) باب مناقب عمر
إبراهيم مصلَّى، واحتجاب نساء النبي ◌َّر.
وقوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَجَا خَيْرًا مِّنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]، وسيجيء ذكره
في أول الفصل الثالث، وإشارته بقتل أسارى بدر، وقصته مذكورة في تفسير قوله تعالى:
مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِ الْأَرْضِّ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وفي تحريم الخمر
حيث قال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، ولما نزل قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا
اَلْإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ الآية [المؤمنون: ١٢]، قال رَظُّه: فتبارك الله أحسن الخالقين،
فنزلت: ﴿فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلّ عَ أَحَدٍ
مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا نَعُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾﴾ [التوبة: ٨٤] في قصة موت عبدالله بن أبيٍّ وصلاته بَّ، وقوله
تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَاءِ الزَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، روي أنهم كانوا قبل
نزول هذه الآية إذا صلوا العشاء حرم عليهم الطعام والشراب والجماع، وكان عمر يتمنى
أن تحل لهم هذه الأشياء إلى طلوع الفجر، ووقع ليلة على أهله فجاء إلى رسول الله وَله
يترخص في ذلك، فنزلت، ولما استشار رسول الله وسير الصحابة في الخروج إلى
بدر أشار عمر بالخروج فنزلت: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقٌ﴾ الآية [الأنفال: ٥]،
واستشارهم ◌َّ﴾ في قصة الإفك قال عمر: من زوجكها يا رسول الله؟ قال: الله، قال:
أفتظن أن ربك دَّس عليك فيها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، فنزلت كذلك. وجاء أن
يهوديًّا لقي عمر فقال: إن جبريل الذي يذكره صاحبكم عدو لنا، لو نزل ميكائيل لآمنا
به، فقال عمر: من کان عدواً لله وملائكته ورسله وجبریل ومیکال فإن الله عدو له
فنزلت، ولما نزل قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ -١٤] بکی
عمر وقال: يا رسول الله! آمنا بالله وبرسوله وصدقنا كلامه وينجو منا قليل؟ فنزل قوله

٦٠٧
(٣٠) كتاب المناقب
٠٠
تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ﴿ وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩ -٤٠]، فأرسل رسول الله وَه
إلى عمر وقال: قد أنزل الله تعالى فيما قلت، وقوله تعالى: ﴿ فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
يُحَكِّمُوكَ﴾ الآية [النساء: ٦٥]، وقصته أنه اختصم رجلان إلى النبي ◌َّ فقضى بينهما،
فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فأتيا إليه، فقال الرجل: قضى
رسول الله ◌َ﴿ على هذا، فقال: ردنا إلى عمر، فقال: أكذلك؟ قال: نعم، فقال عمر:
مكانكما حتى أخرج إليكما، فخرج إليهما مستلاً عليه سيفه فضرب الذي قال: ردنا إلى
عمر، فقتله، فأنزل الله تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ
بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، فأهدر دم الرجل وبرئ عمر من قتله، وكذلك آية الاستئذان في
الدخول، وذلك أنه دخل عليه غلامه وكان نائماً، فقال: اللهم حرم الدخول، فنزلت
آية الاستئذان، وقوله في اليهود: إنهم قوم بهت، وتلاوة: الشيخ والشيخة إذا زنيا،
الآية، وقوله يوم أحد لما قال أبو سفيان: أفي القوم فلان؟: ألا نجيبه؟ فوافقه رسول الله وَلآل
فقال: كلهم حاضرون فمن تطلبهم؟ فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال
عمر: الله مولانا ولا مولى لكم، فنزل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ الْكَفِرِينَ
لَ مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١].
وروي أن كعب الأحبار قال: ويل لملك الأرض من ملك السماء، فقال عمر:
إلا ما حاسب نفسه، فقال كعب: والذي نفسي بيده إنها في التوراة تابِعَتها، فخرّ عمر
ساجداً.
وقال السيوطي: رأيت في (الكامل) لابن عدي من طريق عبدالله بن نافع وهو
ضعيف عن أبيه عن ابن عمر: أن بلالاً كان يقول إذا أذَّن: أشهد أن لا إله إلا الله،

٦٠٨
(٤) باب مناقب عمر
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٦٠٣٥ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّةِ: ((لَقَدْ كَانَ فِيمَا
قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُ فِي أُمَتِي أَحَدٌّ فإِنَّهُ عُمَرُ)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ.
[خ: ٣٦٨٩، م: ٢٣٩٨].
فقال عمر ريه: قل في أثرها: أشهد أن محمدا رسول الله، فقال رسول الله وَله: قل كما
قال عمر، وروي: أنه أكثر رسول الله وَلّ الاستغفار لقوم فقال عمر ظله: سواء عليهم
استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم، فنزلت كذلك.
فهذه عشرون خصلة، ولو اعتبر آيات الخمر متعددة كما في القرآن يزيد عشرين،
والله أعلم.
الفصل الأول
٦٠٣٥ _ [١] (أبو هريرة) قوله: (لقد كان فيما قبلكم محدَّثون) في (القاموس)(١):
المحدَّث كمعظم: الصادق، وفي (النهاية) (٢): المحدث: الملهم، كأنه حدث بشيء
فقاله، وفي (مجمع البحار)(٣): أي: من لقي في نفسه شيئاً فيخبر به حدساً وفراسة
يخص بها الله من يشاء، وقيل: مصيبٌ إذا ظن فكأنه حدِّث به، وقيل: تكلمهم الملائكة،
وروي: (مکلمون).
وقوله: (فإن يك في أمتي أحد) لم يرد به التردُّد فإن أمته أفضل الأمم، بل التأكيد
نحو : إن كنتُ عملتُ لك فوفني حقي، وکقولك: إن يك لي صدیق فإنه فلان، ترید
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٥٣).
(٢) ((النهاية)) (١/ ٣٥٠).
(٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٤٦٤).

٦٠٩
(٣٠) كتاب المناقب
٦٠٣٦ - [٢] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ
عَلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ عَالِيَّةً أَصْوَاتُهُنَّ،
فَلَمَا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ قُمْنَ فَبَادَرْنَ الْحِجَابَ، فَدَخَلَ عُمَرُ وَرَسُولُ اللهِ يَضْحَكُ
فَقَالَ: أَضْحَكَ اللهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلاَءِ
اللَّتِي كُنَّ عِنْدِي فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ)) قَالَ عُمَرُ: يَا عَدُوَّاتٍ
أَنْفُسِهِنَّ! أَتَهَبْنَنِي وَلاَ تَهَبْنَ رَسُولَ اللهِ؟
اختصاصه بكمال الصداقة.
هذا وقيل: يحتمل أن يكون هو على ظاهره؛ لأن الحكمة في وجودهم في بني
إسرائيل احتياجهم إلى ذلك حيث لا يكون بينهم نبي، ويطرأ على كتبهم التبديل،
فاحتمل عنده ◌ّر أن لا تحتاج هذه الأمة إلى ذلك لاستغنائها بالقرآن المأمون تبدیله،
كذا قال السيوطي(١)، والوجه هو الأول، والله أعلم.
٦٠٣٦ - [٢] (سعد بن أبي وقاس) قوله: (وعنده نسوة من قريش) يريد
أزواجه . *، ولعل التعبير عنهن بهذا العنوان لعزتهن وغلبتهن.
وقوله: (ويستكثرنه) أي: يطلبن منه أكثر مما يعطيهن من النفقة وغيرها .
وقوله: (عالية) بالرفع على الوصف، وبالنصب على الحال.
وقوله: (أضحك الله سنك) كناية عن السرور.
وقوله: (أتهبنني) بلفظ المخاطب من هاب يهاب هيبة ومهابة: خافه، والهيبة:
المخافة، كذا قال في (القاموس) (٢)، وقيل: الهيبة: الإجلال والتوقير.
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٩/ ٣٨٩٣).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٣٣).

٦١٠
(٤) باب مناقب عمر
فَقُلْنَ: نَعَمْ أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((إِيدٍ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ!
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكاً فَجَّا قَطُّ إِلَّ سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ)).
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٨٣، م: ٢٣٩٦].
وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ: زَادَ الْبَرْقَانِيُّ بَعْدَ قَوْلِهِ :
وقوله: (أنت أفظ وأغلظ) منه، أراد المبالغة والزيادة في فظاظة عمر وغِلَظِه
بالنسبة إلى بعضٍ مَن عداه لا بالنسبة إلى رسول الله ◌َّ، فإنه لم يكن فيه فظاظة وغلظة
أصلاً؛ لقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكٌ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقد يراد باسم
التفضيل مطلق الزيادة والمبالغة في الفعل، والفظ: الغليظ الجانب، الخشن الكلام،
والغلظة مثلثة، والغلاظة بالكسر [و]كعنب ضد الرقة.
وقوله: (إيه) بكسر الهمزة وهاء، أي: هات، استزاد منه الحديث توقيراً لجانبه،
ولذا عقبه بالمدح، وفي (القاموس)(١): بكسر الهمزة والهاء، وفتحها (٢)، وتنون
المكسورة: كلمة استزادة واستنطاق، وفي (المشارق)(٣): (إيهٍ) مكسورة منونة كلمة
استزادة من حديث لا يعرفه، وإيهِ غير منونة استزادة من حديث يعرفه، وقال يعقوب:
يقال للرجل إذا استزدته من عمل أو حديث: إيهِ، فإن وصلت قلت: إيهٍ حدثنا،
فتنوِّن، قال ثابت: (إيهِ) كلمة استزادة واستنطاق وقد تنون، انتهى.
و(الفج) الطريق الواسع في الجبلين كالفجاج بالضم.
و(البرقاني) بكسر الموحدة وفتحها وسكون الراء، وبالقاف والنون، نسبة إلى
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١١٩).
(٢) أي: بكسر الهمزة مع فتح الهاء.
(٣) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٥٦).

٦١١
(٣٠) كتاب المناقب
يَا رَسُولَ اللهِ: ((مَا أَضْحَكَكَ)).
٦٠٣٧ - [٣] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ(١) ◌َِ: ((دَخَلْتُ الجَنَّةَ
فَإِذَا أَنَا بِالرُّمَيْصَاءِ امْرَأَةٍ أَبِي طَلْحَةَ، وَسَمِعْتُ خَشَفَةً فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟
فَقَالَ: هَذَا بِلاَلٌ، وَرَأَيْتُ قَصْراً بِفِنَائِهِ جاريةٌ فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ
ابْنِ الْخَطَّابِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَهُ فَأَنْظُرَ إِلَيْهِ فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ)).
برقان قرية من قرى خوارزم، وفي (المغني)(٢): ذكر من رآها أنها بكسر باء، وكثيراً
ما يقال بالفتح، وبرقانة بالكسر قرية بخوارزم وقرية بجرجان، كذا في (القاموس)(٣)،
والنسبة إليه برقاني بالكسر، وكثير ما يقال بالفتح، وقيل: بتثليث الموحدة.
٦٠٣٧ - [٣] (جابر) قوله: (فإذا أنا بالرميصاء) براء مضمومة وفتح ميم وإهمال
صاد: اسم أم سليم أم أنس، والرَّمص محركة: وسخ أبيض يجتمع في الموق، رَمِصت
عينه، كفرح، والنعت: أرمص ورمصاء. وكأمير، كذا في (القاموس) (٤)، والغمص
بالغين المعجمة: ما سال من الرَّمَص، كذا في (القاموس) (٥)، وفي (النهاية)(٦): الرمص:
الرطب منه، والغمص: اليابس .
و(الخشف) والخشفة بسكون الشين وفتحها: الصوت، والحركة، والحس
الخفي، و(فناء) الدار بالكسر: ما اتسع من أمامها .
(١) في نسخة: ((النبي)).
(٢) ((المغني في ضبط أسماء الرجال)) (ص: ٤٦).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٨٠).
(٤) المصد السابق (ص: ٥٥٨).
(٥) المصد السابق (٥٦١).
(٦) ((النهاية)) (٢ / ٢٦٣).

٦١٢
(٤) باب مناقب عمر
فَقَالَ عُمَرُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ! أَعَلَيْكَ أَغَارُ؟. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ:
٣٦٧٩، م: ٢٣٩٤].
٦٠٣٨ - [٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: (بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ
رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ النُّدِيَّ، وَمِنْهَا
مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ» قَالُوا:
فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((الدِّينَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٩١، م:
٢٣٩٠].
وقوله: (أعليك أغار؟) من باب القلب، والأصل: أعليها أغار منك؟ وزاد
عبد العزيز: وهل رفعني الله إلا بك، وهل هداني الله إلا بك، كذا ذكر السيوطي(١).
٦٠٣٨ - [٤] (ابن عمر) قوله: (وعليهم قمص) بضمتين: جمع قميص ويؤنث،
ولا يكون إلا من القطن، وأما من الصوف فلا، كذا في (القاموس)(٢).
وقوله: (ما يبلغ الثدي) بضم الثاء وکسر الدال وتشديد الياء جمع ثدي کحلي،
وروي بالإفراد، وفي (القاموس)(٣): الثدي بالفتح ويكسر وكالثرى، خاص بالمرأة أو
عام.
وقوله: (ومنها ما دون ذلك) أي: لم يبلغ الثدي لقصره، هكذا فسروه.
وقوله: (الدين) بالنصب، أي: أولته الدين، ويروى بالرفع، أي: المؤوّل هو
الدينُ، ولعل قميص أبي بكر يكون أطول منه لكن المقام ذكر مناقب عمر فلم يذكره ولم
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٣٨٩٥/٩).
(٢) (القاموس المحيط)) (ص: ٥٦٥).
(٣) المصدر السابق (ص: ١١٤٠).

٦١٣
(٣٠) كتاب المناقب
٦٠٣٩ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُول: ((بَيْنَا
أَنَا نَائِمٌّ أُنِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِئْتُ حَتَّى إِنِّي لِأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي،
ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ)) قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ:
(الْعِلْمَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٨١، م: ٢٣٩١].
٦٠٤٠ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ:
(َيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ
أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ فَنَزَعَ مِنْهَا ذَنُوباً أَوْ ذَنُوبَيْنِ،
يكن في المعروضين أبو بكر.
٦٠٣٩ _ [٥] (ابن عمر) قوله: (أتيت) بلفظ المجهول، و(الري) بالكسر.
وقوله: (العلم) بالنصب والرفع كما عرفت، قالوا: حقيقة العلم في ذلك العالم
اللبن، والمناسبة بينهما ظاهرة من وجوه لا تَخفى .
٦٠٤٠ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (على قليب) القليب بفتح القاف وكسر اللام:
بئر قلب ترابها قبل الطي، ويذكَّر ويؤنث، شبه به الدِّين لما فيه من الماء وبه أمر حياتهم
الدنياويه، كذلك الدين يحصل به الحياة الأخروية، ونزعُ الماء منها كنايةٌ عن إشاعة
أمره وإجراء أحكامه .
وقوله: (فنزع منها ذنوباً أو ذنوبین) إشارة إلى قصر مدة خلافته، وهو سنتان
وثلاثة أشهر، وقيل: هذا شك من الراوي، والصحيح رواية ذنوبين، والذنوب بفتح
الذال المعجمة: الدلو العظيم الممتلئ من الماء، كذا نقل من شرح ابن الملك(١)،
وقال في (القاموس)(٢): الذنوب: الدلو، أو فيها ماء، أو الملأى، أو دون الملء.
(١) ((شرح مصابيح السنة)) (٦/ ٤١٣).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨١).

٦١٤
(٤) باب مناقب عمر
وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ ضَعْفَهُ، ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْباً فَأَخَذَهَا ابْنُ
الْخَطَّابِ فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيَّ مِنَ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ.
وقوله: (وفي نزعه ضعف) إشارة إلى ما كان في إمارته من الاضطراب وارتداد
بعض العرب وإن ظهر منه ظه كمال قوة وشدة في دفعهم والمحاربة معهم، أو إلى
ما كان له من الرفق ولين الجانب وقلة السياسة كما كان لعمر رزڅبه .
وفي الحقيقة إطلاق الضعف باعتبار قصر مدة الخلافة وقلة الفتوح، وليس في
هذا حط منزلته وإثبات فضيلة عمر عليه، وإنما هو إخبار عن مدة الانتهاء، وكثرة انتفاع
الناس في ولاية عمر وكثر الغنائم لطولها.
وقوله: (والله يغفر له) لا يدل على نسبة الذنب والتقصير إليه، بل هو كلمة جارية
على ألسنتهم في عرفهم، يقولون: فعل كذا والله غفر له، فافهم.
وقوله: (ثم استحالت) أي: صارت الدلو (غرباً) بفتح الغين المعجمة وسكون
الراء: الدلو العظيمة تتخذ من جلد ثور، وهو بفتح الراء بمعنى الماء السائل بين البئر
والحوض، يريد لما أخذ عمر ليسقي عظمت في يده، وانقلبت عن الصغر إلى الكبر،
إشارة إلى كثرة حصول الفتوح في زمنه واتساع بلاد الإسلام.
و(العبقري) بفتح العين وسكون الموحدة وفتح القاف: الكامل من كل شيء،
والسيد، والذي ليس فوقه شيء، والشديد، والعبقر: موضع كثير الجن، وقرية ثيابها
في غاية الحسن، كذا في (القاموس) (١)، وقال في (مختصر النهاية)(٢): عبقري القوم:
سيدهم وكبيرهم وقويهم، ويقال: جارية عبقرة، أي: ناصعة اللون، ويجوز أن تكون
واحدة العبقر، وهو النرجس تُشَبَّهُ به العينُ، انتهى.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٩٣).
(٢) انظر: ((النهاية)) (٣/ ١٧٣).

٦١٥
(٣٠) كتاب المناقب
حَتَّى ضرب النَّاسِ بِعَطَن)). [خ: ٣٦٦٤، م: ٢٣٩٢].
٦٠٤١ - [٧] وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ((ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ مِنْ
...
يَدِ أَبِي بَكْرٍ، فَاسْتَحَالَتْ فِ يَدِهِ غَرْباً، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرْيَهُ.
ونقل في (مجمع البحار)(١): أصله فيما قيل: أن عبقر قرية يسكنها الجن، فكلما
رأوا شيئاً فائقاً غريباً يصعُب عملُه أو يَدِق، أو شيئاً عظيماً في نفسه، نسبوه إليها فقالوا:
عبقري، ثم اتسع حتى سمي به السيد والكبير.
و(العطن) محركة: وطن الإبل ومبركها حول الحوض، ومربض الغنم حول
الماء.
٦٠٤١ - [٧] (ابن عمر) قوله: (يفري فريه) أي: يعمل عمله ويقطع قطعه،
و(فريه) بفتح الفاء، ويروى بسكون الراء وتخفيف الياء، وبكسر الراء وتشديد الياء،
وأنكره الخليل، وأصل الفري: القطع والاختلاق، ومنه الفرية للكذب المختلق، وفي
حديث حسان: (لأفرينهم فري الأديم)(٢) أي: أقطعهم بالهجاء كما يقطع الأديم، ويراد
به إجادة العمل، وفي (الصحاح)(٣): يقال: فلان يفري الفرِيّ: إذا [كان] يأتي بالعجب
في عمله، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [ مريم: ٢٧] أي: مصنوعاً مختلفاً، في
(القاموس)(٤): فراه يفريه: شقّه فاسداً أو صالحاً، كَفَرَّاه وأفراه، وفي (المشارق)(٥):
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٥٠٩).
(٢) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٢٤٩٠).
(٣) ((الصحاح)) (٦ / ٢٤٥٤).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٨٨).
(٥) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ١٥٤).

٦١٦
(٤) باب مناقب عمر
حَتَّى رَوِيَ النَّاسُ وَضَرَبُوا بِعَطَنِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠١٩، م: ٢٣٩٣].
٥/٥
الْفَصْلُ الثَّانِي:
٦٠٤٢ - [٨] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِنَّ اللهَ جَعَلَ
الْحَقَّ عَلَى لِسَانٍ عُمَرَ وَقَلْبِهِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٨٢].
٦٠٤٣ - [٩] وَفِي رِوَايَةٍ أَبِيٍ دَاوُدَ عَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: إِنَّ اللهَ وَضَعَ
ءُ
الْحَقَّ عَلَى لِسَان عمر يَقُول بِهِ. [د: ٢٩٦٢].
(يفري فريه) بكسر الراء وشدة الياء، ويقال بسكون الراء أيضاً، وبالوجهين ضبطناه
على شيوخنا أبي الحسين وغيره، وأنكر الخليل التثقيل وغلَّط قائله، ومعناه: يعمل
عمله ويقوي قوته، يقال: فلان يفري الفري، أي: يعمل العمل البالغ، ومنه: ﴿لَقَدْ
جِئْتِ شَيْئًا فَرِيبًا﴾ [ مريم: ٢٧] أي: عظيماً عجباً، يقال: فريت: إذا قطعت وشققت على
جهة الإصلاح، وأفريت: إذا فعلته على جهة الإفساد، ومنه قول حسان: (لأفرينهم
فري الأديم) يريد: لأقطّعن أعراضهم تقطيع الأدیم وتشقيقه.
وقوله: (حتى روي الناس) بكسر الواو من سمع، وأما بفتحها من ضرب فهو
من الرواية .
الفصل الثاني
٦٠٤٢، ٦٠٤٣ - [٨، ٩] (ابن عمر وأبو ذر) قوله: (إن الله جعل الحق على
لسان عمر) أي: أجراه على لسانه، وذلك أمر خَلْقي جِبِلِّي له، وفي رواية أخرى:
(وضع الحق على لسان عمر) أي: جعله مستقراً وموضعاً للحق.
وقوله: (وقلبه) أي: وفي قلبه، قريباً من: علفته تبناً وماءً، وباعتبار معنى الاستيلاء
والاستقرار محمول على ظاهره.

٦١٧
(٣٠) كتاب المناقب
٦٠٤٤ - [١٠] وَعَنْ عَلِيِّ قَالَ: مَا كُنَّا نُبُعِدُ أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ
عُمَرَ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي «دَلاَئِلِ النُُّوَّةِ». [٦ / ٣٦٩].
٦٠٤٥ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَنِ النَّبِيِّبَ هُ قَالَ: («اللهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ
بِأَبِ جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَصْبَحَ عُمَرُ فَغَدَا عَلَى النَّبِيِّ ◌َُّ
فَأَسْلَمَ، ثُمَّ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ظَاهِراً. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [فضائل الصحابة
لأحمد: ٣١١، ت: ٣٦٨٣].
٦٠٤٤ _ [١٠] (علي) قوله: (ما كنا نبعد) من الإبعاد.
وقوله: (أن السكينة تنطق على لسان عمر) قال التُّوربِشْتِي(١): أي ينطق بما
يستحق أن تسكن إليه النفوس، وتطمئن به القلوب، وأنه أمر غيبي ألقي على لسانه،
ويحتمل أنه أراد بالسكينة المَلَك الذي يلهمه ذلك القول، انتهى.
قيل: أراد بها السكينة التي ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز، ولا يخفى بُعْدُ هذا
المعنى لما عرف من تفسير تلك السكينة، وقد ذكرناه فيما سبق في (باب فضائل القرآن
و سور منه).
٦٠٤٥ - [١١] (ابن عباس) قوله: (اللهم أعز الإسلام) أي: قوِّه وانصره واجعله
غالباً على الكفر.
وقوله: (فغدا على النبي) وقال: اللات والعزى تعبد على رؤوس الجبال وفي
بطون الأودية، ودين الله ولم يعبد سرًّا، والله لا يعبد الله سرًّا بعد يومنا هذا، (فأسلم)،
و قصة إسلامه ه قصة عجيبة مشهورة، وقد ذكرناها في ترجمته.
وقوله: (ثم صلى في المسجد ظاهراً) يدل على أن قبل إسلام عمر [كانوا]
(١) ((كتاب الميسر)) (٤ / ١٣١٨).

٦١٨
(٤) باب مناقب عمر
٦٠٤٦ - [١٢] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرِ: يَا خَيْرَ النَّاس
بَعْدَ رَسُولِ اللهَِّهِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَا إِنَّكَ إِنْ قُلْتَ ذَلِكَ فَلَقَدْ سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِّهِ يَقُولُ: ((مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى رَجُلٍ خَيْرٍ مِنْ عُمَرَ). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٦٨٤]
٦٠٤٧ - [١٣] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((لَوْ كَانَ
بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ
غَرِيبٌ . [ت: ٣٦٨٦].
٦٠٤٨ - [١٤] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِوَل ◌ِ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ،
فَلَمَّا انْصَرَفَ جَاءَتْ(١) جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي كنتُ
نَذَرْتُ إِنْ رَذَّكَ اللهُ صَالِحاً أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى.
يصلون في خفية من الناس، نعم كذلك، وكان رسول الله و ﴿ مختفياً في دار أرقم.
٦٠٤٦ - [١٢] (جابر) قوله: (على رجل خير من عمر) وجوه الخيرية مختلفة
متعددة، فلا منافاة بين كون كل منهما خيراً مع كون أبي بكر أفضل من جهة كثرة الثواب،
فافهم .
٦٠٤٧ - [١٣] (عقبة بن عامر) قوله: (لو كان بعدي نبي) لو للفَرْض والتقدير
ويستعمل في المستحيل .
وقوله: (لكان عمر بن الخطاب) لعله وسي﴿ قاله ذلك لأجل كون عمر ملهماً
محدَّثاً يلقي المَلَك في رُوعه الحق، وله مناسبة بعالَم الوحي والنبوة، والله أعلم.
٦٠٤٨ - [١٤] (بريدة) قوله: (إن ردك الله صالحاً) أي: سالماً صحيحاً، و(الدف)
(١) في نسخة: ((جاءته)).

٦١٩
(٣٠) كتاب المناقب
فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ: ((إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي وَإِلاَّ فَلاَ)، فَجَعَلَتْ
تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٍّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ
دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَأَلْقَتِ الدُّفَّ تَحْتَ اسْتِهَا، ثُمّ
قَعَدَتْ عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُّ،
إِنِّي كُنْتُ جَالِساً وَهِيَ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ
وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، فَلَمَّا دَخَلْتَ أَنْتَ بَا عُمَرُ
أَلْقَتِ الدُّفَّ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
[ت: ٣٦٩٠].
بضم الدال وقد يفتح، واختلف فيه فأباحها قوم مطلقاً، وكرهه آخرون مطلقاً، وبعضهم
أباحوه في العرائس والأعياد ونحوها، وهو المذهب الصحيح المختار، وقد يفصل
بين ما فيه الجلاجل وما ليس فيه، ويقال: الأول مكروه بالاتفاق.
وقوله: (إن كنت نذرت فاضربي) أمرها ير بوفاء نذرها؛ لأن الوفاء به واجب،
وقد تقرر أن النذر لا يكون إلا ما هو من جنس الطاعة والقربة، وذلك مذهب الأئمة،
وعندنا يكفي كونه مباحاً، والنذر عندنا إيجاب المباح، وأما بالمعصية فلا يجوز بالاتفاق،
فدل الحديث على إباحة ضرب الدف بل على كونه مستحبًّا وهو هنا كذلك؛ لأن السرور
بمقدمه 8* وسلامته قربة، ودل أيضاً أن سماع أصوات النساء بالغناء مباح إذا خلا عن
فتنة، كذا قالوا.
لكن الإشكال في الحديث من جهة أنه كيف قررها رسول الله وسلم على فعلها
أولاً، بل أمرها بذلك، وكذلك عند دخول أبي بكر وعلي وعثمان، وسماها آخراً
شيطاناً؟

٦٢٠
(٤) باب مناقب عمر
٦٠٤٩ - [١٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ جَالِساً فَسَمِعْنَا
لَغَطَأَ وَصَوْتَ صِبْيَانٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِنَّهِ فَإِذَا حَبَشِيَّةٌ تَزْفِنُ وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهَا،
فَقَالَ: (يَا عَائِشَةُ تَعَالَيْ فَانْظُرِي)»، فَجِئْتُ فَوَضَعْتُ لَحْبَيَّ عَلَى مَنْكِبٍ
رَسُولِ اللهِوَّهِ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهَا مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِ إِلَى رَأْسِهِ. فَقَالَ لِي:
((أَمَا شَبِعْتٍ؟ أَمَا شَبِعْتِ؟)) فَجَعَلْتُ أَقُولُ: لاَ،
وقالوا في الجواب عن ذلك: إنها لما عدَّت انصراف رسول الله ﴿ ﴿ سالماً نعمةً
من الله موجباً للسرور وهو كذلك في نفس الأمر، أمرها بوفاء نذرها، وخرج من صفة
اللهو إلى صفة الحق ومن الكراهة إلى الاستحباب، ولكن ذلك كان يحصل بأدنى
الضرب، فلما ازداد عاد إلى حد المكروه وصادف ذلك مجيء عمر، فقال ما قال
إشارةً إلى منع الزيادة منه والإكثار، وفعله من غير ضرورة، ولم يمنعها صريحاً لئلا
يرجع إلى حد التحريم، وأما ترك الجاريتين اللتين كانتا تدفان أيام منى وعدم تحديدهما
إلى نهاية، وهو ظاهر في الاستمرار، فلكونها إيام عيد، فالحالات متفاوتة بعضها
يقتضي الاستمرار وبعضها لا يقتضيه، ذكر ذلك التُّوربِشْتِي ونقل عنه الطيبي(١)،
فتدبر .
٦٠٤٩ - [١٥] (عائشة) قوله: (فسمعنا لغطا) هو الصوت الذي لا يفهم،
و(تزفن) بالزاي، أي: ترقص من ضرب، و(لحيي) بفتح اللام وسكون الحاء المهملة
وتشديد الياء تثنية لَحْي، أضيف إلى ياء المتكلم، وهي منبت اللحية - بالكسر - من
الخدین والذقن.
وقوله: (ما بين المنكب) بتقديرٍ في ظرف لـ (أنظر) أو حال كون لحييَّ فيما بين
(١) ((كتاب الميسر)) (٤ /١٣١٨)، و((شرح الطيبي)) (١٢ / ٣٨٦٢).