النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١ (٣٠) كتاب المناقب * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٦٠٠٧ - [١] عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِّ ◌َّهِ: ((لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنَفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً. قول سالم. قال أبو عمر: فهذه الأحاديث تقتضي مع تواتر طرقها وحسنها التسوية بين أول هذه الأمة وآخرها في فضل العمل إلا أهل بدر والحديبية . وأجابوا عن هذه الأحاديث بما ذكر في محله، وقالوا: إن المفضول قد يكون فيه مزية لا توجد في الفاضل، وأيضاً مجرد زيادة الأجر لا تستلزم الأفضلية المطلقة، وأيضاً الخيرية إنما تكون باعتبار ما يمكن أن يجتمعا فيه وهو عموم الطاعات المشتركة بين سائر المؤمنين، فلا يبعد حينئذ تفضيل بعض من يأتي على بعض من الصحابة في ذلك، وأما ما اختص به الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وفازوا من مشاهدة طلعته * ورؤية ذاته المشرفة المكرمة فأمر من وراء العقل، إذ لا يسع أحد أن يأتي من الأعمال وإن جلت بما يقارب ذلك فضلاً عن أن يماثله، وعلم من قول أبي عمر بن عبد البر: إلا أهل بدر والحديبية أن الكلام في غير أكابر الصحابة ممن لم يفز إلا بمجرد رؤيته *، وقد ظهر أنه فاز بما لم يَقْرَبْه مَن بعده، والله أعلم. الفصل الأول ٦٠٠٧ - [١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم) الظاهر أن الخطاب لمن بعد الصحابة نزلوا منزلة الموجودين الحاضرين، وقيل: للموجودين من العوام في ذلك الزمان الذين لم يصاحبوه ◌َّ، ويفهم خطابُ مَن بعدهم بدلالة النص، وقال السيوطي: الخطاب بذلك للصحابة، لِمَا ورد أن سبب الحديث أنه ٥٨٢ (٢) باب مناقب الصحابة مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَاَ نَصِيفِهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٧٣، م: ٢٥٤١]. ٦٠٠٨ - [٢] وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِهِ قَالَ: رَفَعَ - يَعْنِي النَّبِيَّ ◌َ﴾ . رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَانَ كَثِيراً مِمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ. فَقَالَ: ((النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فالمراد بـ (أصحابي) أصحاب مخصوصون وهم السابقون على المخاطبين في الإسلام، وقيل: نزّل الساب منهم لتعاطيه ما لا يليق به من السب منزلة غيرهم، فخاطبه خطاب غير الصحابة، ولا يخفى ما فيه من التكلف، والوجه هو الأول. و(المد) بالضم المكيال وهو رطلان أو رطل وثلث، والجمع أمداد، و(النصيف) لغة في النصف، وقيل: مكيال دون المُد، وعلى الأول ضمير (نصيفه) للمُد وعلى الثاني لـ (أحدهم). ٦٠٠٨ - [٢] (أبو بردة) قوله: (وعن أبي بردة) اسمه عامر، وقيل: الحارث (عن أبيه) وهو أبو موسى الأشعري. وقوله: (وكان كثيراً مما يرفع رأسه) والظاهر أن (كثيراً) صفة زمان محذوف، و(مما) خبر كان، وكلمة (ما) يعم العقلاء، أي: كان ◌َلّ ممن يرفع رأسه كثيراً، أو (من) زائدة، وما ذكره الطيبي في توجيهه حيث قال: من بيان لـ (كثيراً) وهو خبر (كان) أي: كان كثيراً رَفْعُ رأسِهِ، و(ما) مصدرية، لا يخلو عن شيء. وقوله: (النجوم أمنة) بفتحات بمعنى الأمن، أي: سبب أمن، أمن كفرح أمناً وأماناً وأمنة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً ﴾ [الأنفال: ١١]، ويروى: (أمنة) بسكون الميم مرة من الأمن، أو جمع أمين بمعنى الحافظ كسفير وسَفَرة، أو ٥٨٣ (٣٠) كتاب المناقب فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومَ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَنَا أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٣١]. ٦٠٠٩ - [٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيَقُولُونَ(١): هَلْ فِيكُمْ مِنْ صَاحِبٍ رَسُولِ اللهِ ◌َ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: هَلْ فِيَكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِوَّهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ لَهُمْ، جمع آمن كبارٍّ وبررة، ولعل هذا يجعله صيغة النسبة، وعلى كل تقدير لفظ الجمع بالنسبة إلى النبي ◌َّهِ يكون من قبيل ﴿إِنَّ إِبْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةٌ ﴾ [النحل: ١٢٠]. وقوله: (فإذا ذهبت النجوم) ذهاب النجوم تكديرها وانكدارها وإعدامها، وقد جعله الله سبحانه سبب إتيان السماء ما توعد - وهو انفطارها وانشقاقها - وأمارةً عليه . ويحتمل أن يكون ذلك من قِبَل أن النجوم نورانية وزينة للسماء، وواسطة في حدوث بعض الحوادث في الأرض مثل الحر والبرد، ونضج الأثمار ونزول الأمطار، يجعل الله إياها أسباباً عادية، والله أعلم. والمراد بما توعد الأصحاب: الفتنُ والحروبُ وارتدادُ الأعراب، وبما توعد الأمة: البدع والحوادث والفتن وذهاب الخير ومجيء الشر. ٦٠٠٩ - [٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فيغزو فئام) بكسر الفاء والهمزة: (١) في نسخة: ((فيقال)). ٥٨٤ (٢) باب مناقب الصحابة ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ لَهُمْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُبْعَثُ مِنْهُمُ الْبَعْثُ، فَيَقُولُونَ: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ فِيكُمْ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ فِيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ، ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثّاني، الجماعة من الناس لا واحد له من لفظه، والجمع: فُؤُم ككتب، كذا في (القاموس)(١)، وفي (المشارق)(٢): قال بعضهم: هو بفتح الفاء، حكاه الخليل وهو رواية القابسي، وأدخله صاحب (العين) في حرف الياء بغير همزة وغيره بهمزة، وكذا قاله القابسي، وحكى الخطابي أن بعضهم رواه (فيّام) بالفتح مشدد الياء وهو غلط، وفي المهموز ذكره الهروي، وكذا قيد عن أبي ذر بالهمزة. وقوله: (يبعث) أي: يرسل فيهم (البعث) أي: الجيش، قال في (القاموس) (٣): البعث ويحرك: الجيش، والجمع البعوث . وقوله: (هل تجدون فيكم) بكاف الخطاب، وفي قرائنه: (فيهم) بلفظ الغائب . وقوله: (البعث الثاني) بالتوصيف وكذا في البعث الثالث، وفي الرابع بالإضافة، كذا وجدنا في نسخ (المشكاة) و(المصابيح)، وتأويله: بعث القوم الرابع، ففي هذه (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٣٢). - (٢) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ١٤٤). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٥٢). ٥٨٥ (٣٠) كتاب المناقب فيَقُولونَ: هَلْ فِيْهِمْ مَن رَأَى أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ(١) بِ؟ فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ، ثُمَّ و ◌ُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّالِثُ، فَيَقَالُ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ بَه؟ ثُمَّ يَكُونُ بَعْثُ الرَّابِعِ، فَيَّقَالُ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ أَحَداً رَأَى مَنْ رَأَى أَحَداً رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ وََّ؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ فَيُفْتَحُ لَه))(٢). [خ: ٣٦٤٩، م: ٢٥٣٢]. ٦٠١٠ - [٤] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((خَيْرُ أُمَتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، الرواية وقع إلى أربعة مراتب، وهكذا وقع في رواية للبخاري حديث (خير القرون) إلى أربعة . ٦٠١٠، ٦٠١١ - [٤، ٥] (عمران بن حصين) قوله: (خير أمتي قرني) القرن أهل زمان واحد متقارب أشركوا في أمر من الأمور المقصودة، وقد يطلق على طائفة من الزمان، واختلفوا في تحديده، وقد ذكرناه من قبل مع الإشارة إلى ما هو الأصح، وقيل: الأصح أنه لا يضبط بمدة، فقرنه بَّر هم الصحابة، وكانت مدتهم من البعث إلى آخر من مات منهم مئةً وعشرين سنة، وقرن التابعين من سنة مئة إلى نحو سبعين، وقرن أتباع [التابعين] من ثم إلى حدود العشرين ومئتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهوراً فاشياً، وأطلقت المعتزلة ألسنتهم، ورفعت الفلاسفة رؤوسهم، وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيرت الأحوال تغيراً شديداً، ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن، وظهر مصداق قوله رسله: (يفشو الكذب)، كذا ذكر السيوطي. (١) في نسخة: ((النبي)). (٢) في نسخة: ((لهم)). ٥٨٦ (٢) باب مناقب الصحابة ثُمَّ إِنَّ بَعْدَهُمْ قَوْماً يَشْهَدُونَ وَلاَ يُسْتَشْهَدُونَ، . وقوله: (يشهدون ولا يستشهدون) ذم على الشهادة قبل الاستشهاد، وقد ورد: (خير الشهود من يأتي بالشهادة قبل أن يسأل)، فقيل في الجمع بينهما: إن الذم في حق من يعلم كونه شاهداً، فيشهد قبل أن يسألها صاحبها، والمدح فيمن لا يعلم شهادته، فيخبر بها حتى يستشهد عند القاضي، وقيل: هي الأمانة والوديعة وما لا يعلمه غيره، وقيل: هو مثلٌ في سرعة إجابته إذا استشهد عند القاضي، وحديث المدح مخصوص، وحديث الذم عام فيمن يؤدي الشهادة قبل أن يسألها صاحب الحق فلا يقبل، أو معناه: يتحملون الشهادة بدون التحميل. وقيل: المدح محمول على شهادة الحسبة كالطلاق والعتاق، أو على مبالغة في أدائها بعد طلبها نحو: الجواد يعطي قبل سؤاله، والذم محمول على من ليس بأهل لها أو على شهادة الزور، وقيل: الذم في حقوق الناس، والمدح في حقوق الله تعالى إذا لم ير المصلحة في الستر، وقيل: أراد بالشهادة المذمومة التألي على الله نحو: فلان في الجنة وفلان في النار. وقال القاضي عياض(١): وقيل: معناه ههنا: يحلفون كذباً ولا يُستحلفون كما قال في الرواية الأخرى، وجاء في رواية: (تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته)(٢)، والحلف يسمى شهادة، قال الله تعالى: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ﴾ الآية [النور: ٦]، انتهى. قال الكرماني(٣): فإن قلت: تقديم الشهادة على اليمين وعكسه ورد؟ قلت: أراد حرصهم عليها وقلة مبالاة بالدين بحيث تارة يكون هذا وتارة عكسه. (١) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٢٥٩). (٢) أخرجه البخاري في «صحيحه» (٢٦٥٢). (٣) انظر: ((شرح الكرماني)) (١١ / ١٧٣). ٥٨٧ (٣٠) كتاب المناقب وَيَخُونُونَ وَلاَ يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُّرُونَ وَلاَ يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ)). وَفِي رِوَايَةٍ: ((وَيَحْلِفُونَ وَلاَ يُسْتَحْلَفُونَ)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٥٠، م: ٢٥٣٥]. ٦٠١١ - [٥] وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((ثُمَّ يَخْلُفُ قَوْمٌ يُحِبُّونَ السِّمَانَةَ)). [م: ٢٥٣٥]. * الْفَصْلُ الثَّانِ: ٦٠١٢ - [٦] عَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((أَكْرِمُوا أَصْحَابِي فَإِنَّهُمْ خِيَارُكُمْ، ثُمَّالَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يُلُونَهُمْ، ثُمَّ يَظْهَرُ الْكَذِبُ، .. وقوله: (ويخونون ولا يؤتمنون) أي: يعتادون الخيانة بحيث يكون ظاهره لا يبقى معها ثقة بخلاف من صدر عنه الخيانة مرة واحدة في أمر حقير . وقوله: (ولا يفون) من الوفاء. وقوله: (ويظهر فيهم السمن) بكسر السين وفتح الميم، في (القاموس)(١): سمن كسمع سمانة بالفتح، وسِمَنًا كعنب، فهو سامن وسمين، وقيل: يجيء من باب كرم أيضاً، قيل: كأنه استعار السمن في الأحوال من السمن في الأبدان، فالمراد: يتكبرون بما ليس فيهم، ويدَّعون ما ليس لهم من الشرف والكمال، وقيل: أراد جمعهم المال والغفلة عن الدين، وقيل: يحبون التوسع في المآكل والمشارب، وقيل: محمول على ظاهره وهو كثرة اللحم، والمذموم منه ما يَسْتكسبُه بالتوسع في الأكل لا من فيه ذلك خلقة، وقد ورد: إن الله لا يحب الحبر السمين. الفصل الثاني ٦٠١٢ - [٦] (عمر) قوله: (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٨٧). ٥٨٨ (٢) باب مناقب الصحابة حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَحْلِفُ وَلاَ يُسْتَحْلَفُ، وَيَشْهَدُ وَلاَ يُسْتَشْهَدُ، أَلاَ مَنْ سَرَّهُ يُخْبُوحَةُ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْفَذِّ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَنْعَدُ، وَلاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانِ ثَالِثُهُمْ، وَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَّتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيْثَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ)). رواه. [حم: ١/ ٢٦، ت: ٢١٦٥]. ٦٠١٣ - [٧] وَعَنْ جَابِرِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ لَ قَالَ: ((لاَ تَمَسُّ النَّارُ مُسْلِماً رَآنِي أَوْ رَأَى مَنْ رَآنِي)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٥٧]. (بحبوحة الجنة) بضم الموحدتين وسكون المهملة الأولى وفتح الثانية، أي: وسطها، وبحبوحة الدار وسطها وخيارها، بحبح يبحبح: تمكَّن في المقام، والدار: توسَّطَها. وقوله: (فليلزم الجماعة) أي: ما عليه جماعة الصحابة والتابعين وأتباعهم الذين هم خير القرون، لما ورد: (عليكم بالسواد الأعظم)، و(الفذ) بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة: الفرد، والمراد: المستبد برأيه دون رأي الجماعة، و(الأبعد) بمعنى أصل الفعل . وقوله: (بامرأة) أي: أجنبية . وقوله: (ثالثهم) الظاهر أن يكون الثالث هنا بمعنى التصغير(١) لكن الإضافة إلى ضمير الجمع تقتضي أن يكون لبيان الحال، فالمراد: ثالث الثلاثة الذين هم الرجل والمرأة والشيطان، فافهم. وقوله: (رواه) في الأصل هنا بياض، وكتب في الهامش: النسائي، وإسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح إلا إبراهيم بن الحسن الخثعمي فإنه لم يخرج له الشيخان، وهو ثقة ثبت . ٦٠١٣ - [٧] (جابر) قوله: (لا تمس النار مسلماً رآني أو رأى من رآني) يعني: (١) كذا في الأصول. ٥٨٩ (٣٠) كتاب المناقب ٦٠١٤ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((اللّهَ اللهَ فِي أَصْحَابِي، اللهَاللهَفِي أَصْحَابِي، لاَ تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضاً مِنْ بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَيِبُغْضِ أَنْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللهَ، وَمَنْ آذَى اللهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٨٦٢]. ٦٠١٥ - [٩] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَثَلُ أَصْحَابِي فِي أُمَّتِي كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ لاَ يَصْلُحُ الطَّعَامُ إِلَّ بِالْمِلْحِ). قَالَ الْحَسَنُ: فَقَدْ ذَهَبَ مِلْحُنَا فَكَيْفَ نَصْلَحُ؟. رَوَاهُ فِي ((شرح السّنة)). [شرح السنة: ٣٨٦٣]. ومات على إسلامه، فعلى هذا وجب أن يقال: كل صحابي وتابعي بل كل مسلم في الجنة، لكن الصحابي والتابعي والمسلم في الحقيقة هو الذي مات على الإيمان، وهو إنما يعلم بإخبار المخبر الصادق بموته على الإيمان وبتبشيره بذلك، وبهذا خصَّص جماعة ببشارة الجنة، ويمكن أن يجعل هذا بشارة بالموت على الإيمان لمن رآه أو رأى من رآه كما قيل في قوله وسلّ: (من زار قبري وجبت له الجنة)، وفي رواية: (وجبت له شفاعتي)، لكن دل هذا الحديث على أن هذه الخصوصية تكون للقرنين لا للقرن الثالث وإن شاركوا في الخيرية ممن بعدهم، فتدبر. ٦٠١٤ - [٨] (عبدالله بن مغفل) قوله: (الله الله في أصحابي) بالنصب بتقدير: اتقوا الله في حق أصحابي، أي: لا تذكُروهم إلا بالخير، أو: أنشدكم الله في حقهم، و(الغرض) محركة: الهدف يرمى فيه، والإضافة في (حبي) و(بغضي) إلى المفعول، يعني حبهم يستلزم حبي، وبغضهم بغضي، أعاذنا الله من ذلك. ٦٠١٥ - [٩] (أنس) قوله: (لا يصلح الطعام إلا بالملح ... إلخ)، صرح بوجه ٥٩٠ (٢) باب مناقب الصحابة ٦٠١٦ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ : (مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِي يَمُوتُ بِأَرْضٍ إِلاَّ بُعِثَ قَائِداً وَنُوراً لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٨٦٥]. وَذُكِرَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ (لاَ يُبَلِغُنِي أَحَدٌ)) فِي («بَابٍ حِفْظِ اللِّسَانِ)). الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٦٠١٧ - [١١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَسُبُّونَ أَصْحَابِي فَقُولُوا: لَعْنَةُ اللهِ عَلَى شَرَّكُمْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٦٦]. ٦٠١٨ - [١٢] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَل يَقُولُ: ((سَأَلْتُ رَبِّي عَنِ اخْتِلاَفِ أَصْحَابِي مِنْ بَعْدِي، فَأَوْحَى إِلَيَّ :... التشبيه لئلا يتوهم شيء آخر، كما قيل في القول المشهور بين الناس: النحو في الكلام كالملح في الطعام، من كون القليل منه مصلحاً والكثير مفسداً، فمن هذا الحديث أيضاً علم أن وجه التشبيه هنالك هو الصلاح باستعماله والفساد بإهماله. ٦٠١٦ - [١٠] (عبدالله بن بريدة) قوله: (يموت بأرض) الظاهر أن المراد دفنه فيها، والله أعلم. الفصل الثالث ٦٠١٧ - [١١] (ابن عمر) قوله: (لعنة الله على شركم) أي: لعنة الله عليكم بناء على شركم، أو هو احتياط باللعن على فعله دون ذاته رعاية للإنصاف وإن كان في الحقيقة راجعاً إلى الفاعل، فافهم. ٦٠١٨ - [١٢] (عمر بن الخطاب) قوله : ٥٩١ (٣٠) كتاب المناقب يَا مُحَمَّدُ إِنَّ أَصْحَابَكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ بَعْضُهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ، وَلِكُلِّ نُورٌ، فَمَنْ أَخَذَ بِشَيْءٍ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنِ اخْتِلاَفِهِمْ فَهُوَ عِنْدِي عَلَى هُدَّى)) قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ فَبِأَيِّهِمُ اقْتَدَتْتُمْ اهْتَدَیْتُمْ)). رَوَاهُ رَزِينٌ. ٣-باب منا قب أبي بكر (فهو عندي على هدى) وهذا كقوله بَّر: (اختلاف أمتي رحمة)، ويدل على أن المراد اختلاف العلماء المجتهدين وإن أجمعوا فذلك أعلى وأتم. ٣ - باب مناقب أبي بكر الصديق قد وردت أحاديث كثيرة في فضائله ظه من الصحاح والحسان والضعاف، وقد يروى حكم بعض المحدثين بوضع بعضٍ، منها حديث: إن الله يتجلى يوم القيامة للناس عامة ولأبي بكر خاصة، وحديث: ما صب الله في صدري شيئاً إلا وصببته في صدر أبي بكر، وحديث: كان ﴿ إذا اشتاق إلى الجنة قبل شيبته، وحديث: أنا وأبو بكر كفرسي رهان، وحديث: إن الله لما اختار الأرواح اختار روح أبي بكر، كذا ذكر الشيخ مجد الدين الشيرازي في (سفر السعادة)(١)، وقال: بطلانها معلوم بديهية العقل، انتهى. ولعل ذلك لأنه يلزم منها فضل أبي بكر على سائر الخلق من الأنبياء وغيرهم، ويلزم مساواته لسيد المرسلين ولية، ويلزم ما هو خارج عن دائرة العقل والعادة، ولا يذهب أنه إن بُيِّنَ بطلانها بالتكلم في أسانيدها ورجالها فمسلّم، وإلا (١) (سفر السعادة)) (ص: ١٤٧). ٥٩٢ (٣) باب مناقب أبي بكر * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٦٠١٩ - [١] عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ - وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ: ◌َبًا بَكْرٍ - يمكن تأويلها بما يطابق الحق والعقل والعادة، وباب التأويل غير مسدود بعد أن صح الحديث، وحديث: إن الله يتجلى للناس، أورده في (تنزيه الشريعة)(١) عن أنس وقال: رواه الخطيب وأبو نعيم وابن حبان في (الضعفاء) وحكم الذهبي بوضعه، وأثبته أبو نعيم وحسنه بعضهم، وأورده الحاكم في (المستدرك) وذكره الغزالي في (الإحياء)، والله أعلم. الفصل الأول ٦٠١٩ - [١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (إن من أمن الناس عليّ) من المن بمعنى العطاء لا من المنة، أي: من أبذلهم وأسمحهم علي، وليس لأحد أن يمن على رسول الله ◌َّ، فلله المنة ولرسوله على كل أحد، وقيل بعد حمله على معنى العطاء أيضاً: على بمعنى أجل، أي: أكثر الناس بذلاً لنفسه وماله لأجلي. وقوله: (أبو بكر) هكذا بالرفع في (صحيح مسلم)، وعند البخاري: (أبا بكر) بالنصب وهو الظاهر، ووجِّه الرفع بأن يكون (من) زائدة على مذهب الأخفش، وقيل: (إنَّ) بمعنى نعم فيكون (أبو بكر) مبتدأ و(من أمن الناس) خبره، وقيل: اسم (إن) ضمير الشأن وهو نادر مع إنَّ المكسورة كما عرف في النحو، والأوجه ما ذكره بعضهم أنه محكي على ما هو عليه، وقد ثبت من قول أمير المؤمنين علي فيما أقطعه رسول الله ◌َ﴿ تميماً الداري: شهد به أبو بكر بن أبو قحافة وعلي بن أبو طالب ومعاوية (١) ((تنزيه الشريعة)) (ص: ٣٧٢). ٥٩٣ (٣٠) كتاب المناقب وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَاً خَلِيلاً لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلاَمِ وَمَوَذَّتُهُ، لاَ تُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّ خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ)). وَفِي رِوَايَةٍ : (لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَاً خَلِيلاً غَيْرَ رَبِّي لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرِ خَلِيلاً)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٩٠٤، م: ٢٣٨٢]. ابن أبو سفيان، على ما ذكر في توجيه قول أبي حنيفة ظله: لا ولو رماه بأبا قبيس. وقوله: (ولو كنت متخذاً خليلاً) الظاهر أنه من الخلة بضم الخاء بمعنى الصداقة والمحبة المتخللة في باطن قلب المحب الداعية إلى اطلاع المحبوب على سره، أي: لو جاز لي أن أتخذ صديقاً من الخلق تتخلل محبته في باطن قلبي يكون مطلعاً على سري لاتخذت أبا بكر، ولكن ليس لي محبوب بهذه الصفة إلا الله، وإنما محبتي للخلق على ظاهر قلبي، ولا يطلع على سري إلا هو سبحانه، ويجوز أن يكون من الخلة بالفتح بمعنى الحاجة، أي: لو اتخذت صديقاً أراجع إليه حاجاتي وأعتمد عليه في مهماتي لاتخذت أبا بكر، ولكن اعتمادي في جميع أموري إلى الله وهو ملجئي وملاذي، وهذا المعنى أقرب وأنسب بسياق الحديث، ولكنهم حكموا بأن الأول أوجه، فافهم. وقيل: الخلة بالفتح بمعنى الخصلة، وهي إشارة بالتخلق بأخلاق الله سبحانه . وقوله: (ولكن أخوة الإسلام ومودته) خبره محذوف، أي: ثابت، وقيل : الأحسن أن يقدر مثل قولنا: أتم وأكمل من غيره، و(الخوخة) بالفتح: كوة تؤدي الضوء إلى البيت، ومخترَقُ ما بين كل دارين، وكان في البيوت اللاصقة بالمسجد مخترقاً يمرون منه إلى المسجد وينظرون منها إليه، فأمر بسد جملتها سوى خوخة أبي بكر تكريماً له وتفضيلاً على سائر أصحابه. ٥٩٤ (٣) باب مناقب أبي بكر وقيل: كان فيه تعريض باستخلافه، ومنع من أن يتمناها غيره، وسدّ باب مقالته، إذ كان ذلك في آخر خطبة خطبها، وقيل: هذا هو المعنى المتعيِّن إذ لم يصح أن الصديق كان له منزل بجنب مسجده وقوّة، وإنما كان منزله بالسُّنح من عوالي المدينة، ولهذا مهّد هذا المعنى بقوله: (ولو كنت متخذاً خليلاً) أي: صاحباً يعتمد عليه في الأمور. والتحقيق أنه كان له ظُه في جوار المسجد الشريف منزل ومنزل آخر في عوالي المدينة فيه مسكنه، وكان له منازل متعددة بتعدد الزوجات، وجاء في بعض الروايات أنه لما أمر ◌َلّه بسدّ الأبواب والخوخات إلا خوخة أبي بكر تكلم الناس في ذلك، قالوا: أمر بفتح باب صديق وسد أبواب سائر الصحابة، فقال ◌َلجر: (إني ما فعلت ذلك من عند نفسي وإنما فعلت بأمر الله تعالى)، وروي: أن عمر ظُه سأل أن يترك في جدار بيته كوة ينظر إلى رسول الله صل# حين يخرج للصلاة إلى المسجد فقال رسول الله وَّة: (لا ولو كان روزنةً مثل سُمِّ الخِيَاط). ثم اعلم أن الحافظ ابن حجر العسقلاني قال في شرح (صحيح البخاري)(١): إنه قد جاء في هذا الباب أحاديث بطرق متعددة تخالف بظاهرها الحديث المذكور في باب أبي بكر، منها حديث سعد بن أبي وقاص قال: أمر رسول الله وَّ بسد الأبواب التي كانت إلى المسجد إلا باب علي، أخرجه أحمد والنسائي وإسناده قوي، وأخرج الطبراني في (الأوسط) بنقل الثقات: أن الصحابة اجتمعوا وقالوا: يا رسول الله! أمرت بسدّ أبواب الأصحاب وفتحت باب علي؟ قال: (لا سددت أنا ولا فتحت بل الله تعالى سدّ (١) ((فتح الباري)) (٧ / ١٤). ٥٩٥ (٣٠) كتاب المناقب وفتح، وإني أمرت بسدّ الأبواب إلا باب علي)، وكذا أخرج أحمد والنسائي عن ابن عباس وابن عمر نحوه. قال الشيخ: وكل من هذه الأحاديث يصلح حجة لاسيما وقد تعاضد بعضها ببعض وقويت، وقال: حكم ابن الجوزي على هذا الحديث الذي ورد في شأن علي غه بالوضع وتكلم على بعض طرقه لمخالفته الأحاديث الصحيحة التي وردت في شأن أبي بكر، وقال: وضعته الروافض في معارضتها. ورد الشيخ ابن حجر على ابن الجوزي في حكمه بوضع هذا الحديث بمجرد توهم معارضته بحديث أبي بكر، قال: لحديث علي طرق كثيرة بلغ بعضها حد الصحة وبعضها مرتبة الحسن، ولا معارضة بينه وبين الحديث الوارد في شأن أبي بكر، ووجه التوفيق: أن الأمر بسد الأبواب وفتح باب علي كان في أول الأمر عند بناء المسجد، وكان لعلي ظله باب في جانب المسجد يدخل ويخرج منه، وقد صح أن رسول الله وله قال لعلي ظه: لا يدخل هذا المسجد جنباً إلا أنا وأنت، والأمر بسد الخوخات إلا خوخة أبي بكر كان في آخر الأمر في مرضه حين بقي من عمره ثلاثة أيام أو أقل، والدليل على ذلك ما أورده ابن زبالة: أنه لما أمر رسول الله وَّر بسد الأبواب إلا باب علي جاء حمزة بن عبد المطلب بعد ما توقف في امتثال هذا الأمر أدنى وقفة وعيناه ترمدان ويسيل الماء منهما، وقال: يا رسول الله! أخرجت عمك وأدخلت ابن عمك؟ قال رسول الله وَيه: (يا عماه! إني أمرت بهذا ولا اختيار لي في ذلك)، فبذكر حمزة في هذه القصة علم أنه كان مقدماً لأن حمزة ظله استشهد بأحد، وجاء في رواية: أنه خطب رسول الله وَ﴿ وقال: (أوحى الله تعالى إلى موسى أن يبني مسجداً مطهراً لا يسكن إلا أنت وهارون وابناه شبر وشبير، كذلك أوحى الله إلي أن أبني مسجداً مطهراً لا يسكن ٥٩٦ (٣) باب مناقب أبي بكر ٦٠٢٠ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّنَّهِ قَالَ: ((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذاً خَلِيلاً لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً، وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِيٍ، وَقَدِ اتَّخَذَ اللهُ صَاحِبَكُمْ خَلِيلاً)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٨٣]. ٦٠٢١ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّهُ فِي مَرَضِهِ: ((دْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَاباً، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَّنَّى مُتَمَنٍّ، وَيَقُولَ قَائِلٌ: أَنَا وَلاَ، وَيَأْبَى اللهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّ أَبَا بَكْرٍ)). فيه إلا أنا وعلي وابناه الحسن والحسين)، والكلام في هذا الباب مبسوط ذكرناه في (تاريخ المدينة) والله أعلم. ٦٠٢٠ - [٢] (عبدالله بن مسعود) قوله: (ولكنه أخي) وزاد أحمد: (في الدين)، و(صاحبي) زاد: (في الغار)، كذا ذكر السيوطي. وقوله: (وقد اتخذ الله صاحبكم خليلاً) دل على وجود المخالَّة من الطرفين، وهكذا الشأن لأن المحبة نسبة مشتركة بين المحب والمحبوب، ففعيل ههنا يحتمل كونه بمعنى الفاعل وبمعنى المفعول، ولو جوِّز استعمال المشترك في معنييه لكان محمولاً على كلا المعنيين وهو الأنسب الأوفق بالحال، ومنه يعلم أن الخلة حاصلة لنبينا ◌َ﴿ بل كانت فيه أتم وأكمل وليست مخصوصة بإبراهيم ◌ّ، ولهذا قال الإمام الغزالي: الخلة أكمل من المحبة، وهو ◌َّ جامع بين مرتبتي الخلة والمحبة، فافهم وبالله التوفيق. ٦٠٢١ - [٣] (عائشة) قوله: (وأخاك) عطف على (أبا بكر)، قال النووي: وأما طلبه لأخيها فالمراد أنه يكتب الكتاب، والمراد بـ (أكتب): آمر بالكتابة . وقوله: (أنا ولا) أي: أنا أستحق الخلافة ولا يستحقها غيري. ٥٩٧ (٣٠) كتاب المناقب رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي ((كِتَابِ الْحميدِي)): (أَنَا أولى)) بدل ((أَنَا وَلاَ)). [م: ٢٣٨٧]. ٠٢٢ ٦ - [٤] وَعَنْ جُبِّرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَتَتِ النَّبِيَّ وَِّ امْرَأَةٌ فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَنْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ؟ كَأَنَّهَا تُرِيدُ الْمَوْتَ. قَالَ: ((فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَّ بَكْرٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٥٩، م: ٢٣٨٦]. ٦٠٢٣ - [٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّ بَعَثَهُ عَلَى جَيْشٍ ذَاتِ السَّلاَسِلِ قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، وقوله: (وفي كتاب الحميدي: أنا أولى)، ونقل الطيبي عن عياض أنه قال: هذه الرواية أجود. ٦٠٢٢ - [٤] (جبير بن مطعم) قوله: (فأتي أبا بكر) قيل: هو نص في استخلاف أبي بكر بعده ◌ّ، وليس بنص في الاستخلاف، وقد اتفق أهل السنة والجماعة أن لا نص في باب الخلافة في أحد من الجانبين، وقد ادعى بعضهم النص على خلافة أبي بكر، وقد ضبط الكلام فيه الشيخ ابن الهمام في كتاب (المسايرة)، ويدعي الشيعة نصَّ عَنْه . النص على استخلاف علي ٦٠٢٣ - [٥] (عمرو بن العاص) قوله: (على جيش ذات السلاسل) السلاسل رمل ينعقد بعضه ببعض، ولما بعث ذلك الجيش إلى تلك الأرض أضيف إليها كذا قال الطيبي(١). وقال صاحب (المواهب)(٢): سميت بذلك لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا، وقيل: لأن بها ماء يقال له: السلسل، وراء ذات القرى، من (١) ((شرح الطيبي)) (١٢ / ٣٨٤٩). (٢) ((المواهب اللدنية)) (١ / ٣٦٥). ٥٩٨ (٣) باب مناقب أبي بكر فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: ((عَائِشَةُ)). قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: (َبُوهَا)). قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((عُمَرُ)). فَعَدَّ رِجَالاً فَسَكَثُ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٣٥٨، م: ٢٣٨٤]. ٦٠٢٤ - [٦] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي: أَيُّ النَّاس خَيْرٌ بَعْدَ النَّبِيِّ بَهَ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُمَرُ. وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ: عُثْمَانُ. قُلْتُ: ثُمَّ أَنْتَ؟ قَالَ: ((مَا أَنَا إِلَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٦١٧]. المدينة على عشرة أيام، بعثه ◌َ له إليها، فعقد له لواء أبيض، وجعل معه راية سوداء في ثلاث مئة من سراة المهاجرين والأنصار، فلما قرب منهم [بلغه أن لهم جمعاً كبيراً، فبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول الله وَّما يستمده، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح، وعقد له لواء، وبعث معه مئتين من سراة المهاجرين والأنصار وفيهم أبو بكر وعمر، فأمره أن يلحق بعمرو ولا يختلفا، فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس، فقال عمرو: إنما قَدِمتَ عليَّ مدداً وأنا الأمير، فأطاع له بذلك أبو عبيدة، فكان عمرو يصلي بالناس، وسار حتى وصل إلى العدو فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد فتفرقوا، كذا في (المواهب اللدنية)، فكان سبب سؤال عمرو (أيّ الناس أحب إليك؟) أنه لما أمَّره النبي ◌َّ﴿ وفيهم أبو بكر وعمر وقع في نفسه أنه مقدم عنده في المنزلة عليهم فأجاب بما قطع طمعه . ٦٠٢٤ - [٦] (محمد بن الحنفية) قوله: (ما أنا إلا رجل من المسلمين) هذا تواضع منه به وكرم وجهه مع العلم بأنه حين المسألة خير الناس لأنه بعد قتل عثمان، ٥٩٩ (٣٠) كتاب المناقب ٦٠٢٥ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِّ ◌َ لاَ نَعْدِلُ بِأَبِي بَكْرٍ أَحَداً، ثُمَّ عُمَرَ، ثُمَّ عُثْمَانَ، ثُمَّ نَثْرُكُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ◌َِّ لاَ نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٦٩٧]. وَفِي رِوَايَةٍ لأَّبِيٍ دَاوُدَ قَالَ: كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللهِّهِ حَيٍّ: أَفْضَلُ أُمَّةِ النَّبِيِّ ◌َّهِ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانٌ ﴾. فَ . [د: ٤٦٢٨]. كذا قال الشيخ ابن حجر(١). ٦٠٢٥ - [٧] (ابن عمر) قوله: (لا نفاضل بينهم) قالوا: أراد الشيوخ وذوي الأسنان الذين إذا حزب النبيَّ وَّر أمرٌ شاورهم، وعليُّ رَلَّه كان في زمنه ◌َِّ حديث السن، وإلا فأفضليته من ورائهم لا ينكرها أحد، وأيضاً التفاضل ثابت بين الصحابة بلا شبهة كأهل بدر وأهل بيعة الرضوان وعلماء الصحابة. وأخرج أحمد (٢) عن ابن عمر أنه قال: كنا في زمن رسول الله وَّه نرى خير الناس بعد رسول الله ◌َ﴿ أبا بكر ثم عمر، وقال: وأما علي بن أبي طالب فقد أوتي ثلاث خصال لو كان لي واحدةٌ منها كان خيراً من الدنيا وما فيها، زوجَّه رسول الله ◌َ ◌ّ بنته فكان له منه ولد، وسد أبواب الناس إلا بابه، وأعطاه راية يوم خيبر. وروى النسائي أنه سئل ابن عمر: ما تقول في عثمان وعلي؟ فحدث بهذا الحديث ثم قال: لا تسألوا عن علي ولا تقيسوا أحداً عليه، [فإنه] سد أبوابنا كلها إلا بابه . (١) ((فتح الباري)) (٧/ ٣٣). (٢) ((مسند أحمد)) (٤٧٩٧). ٦٠٠ (٣) باب مناقب أبي بكر * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٦٠٢٦ - [٨] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((مَا لَأَحَدٍ عِنْدَنَاَ يَدٌ إِلَّ وَقَدْ كَافَيْنَاهُ مَا خَلاَ أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا يَداً يُكَافِيهِ اللهُ بِهَا يومَ الْقِيَامَةِ، وَمَا نَفَعَنِي مَالُ أَحَدٍ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَاً خَلِيلاً لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً، أَلاَ وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٦١]. ٦٠٢٧ - [٩] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: أَبُو بَكْرِ سَيِّدُنَا وَخَيْرُنَا وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِـ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٥٦]. ٦٠٢٨ - [١٠] وَعَن ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ ◌ّهِ قَالَ لِأَبِي بَكْرِ: ((أَنْتَ صَاحِبِي فِي الْغَارِ وَصَاحِبِيٍ عَلَى الْخَوْضِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٧٠]. الفصل الثاني ٦٠٢٦ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (إلا وقد كافيناه) في أكثر النسخ هكذا: (كافيناه) بالياء من الكفاية، وفي بعضها: (كافأناه) بالهمزة من كأفاه مكأفاة وكِفاءٍ: جازاه، وهذا المعنى أنسب ويرجع الأول أيضاً إليه، وكذا قوله: (يكافيه)، و(ما) في قوله: (وما نفعني مال أحد) نافية، وفي (ما نفعني مال أبي بكر) مصدرية، أي: مثل نفع مال أبي بكر. ٦٠٢٧ - [٩] (عمر) قوله: (أبو بكر سيدنا) باعتبار الفضل والرياسة (وخيرنا) من جهة العمل وفعل الخيرات (وأحبنا إلى رسول الله (شي﴾) وهذا نتيجةُ سيادته وخیریته، بل هو أكمل وجوه السيادة والخيرية . ٦٠٢٨ - [١٠] (عمر) قوله: (أنت صاحبي في الغار وصاحبي في الحوض)