النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل مسلم في حديث أبي إسحاق: يهجر، وفي رواية قبيصة: هجر، وأكثر الروايات فيه أهجر بألف الاستفهام على ما قررناه وهو الأظهر والأولى، وكذا وقع عند البخاري من رواية ابن عيينة، وجل الرواة في حديث الزهري، وفي حديث محمد بن سلام عن ابن عيينة، وكذا ضبطه الأصيلي بخطه في كتابه من هذه الطرق، وهذا أرفع للإشكال وأقرب لفظاً للصواب. وقد يتأول (هجر) على ما قدمناه، وقد يكون ذلك من قائله دهشاً لعظيم ما شاهد من حال النبي ◌َّ واشتداد الوجع به - كما جاء في الحديث - وعظيم الأمر الذي كانت فيه المخالفة حتى لم يضبط كلامه ولا ثقفه ولم يضبط لفظه، وأجرى الهجر مجرى شدة الوجع كما جاء في الرواية الأخرى: أن النبي ◌َّ قد غلبه الوجع، لا أنه اعتقد أنه يجوز عيه الهجر، كما حملهم الإشفاق على حراسته، والله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وكما اتفق لعمر ◌َظُه من أنه لم يمت، هذا كلامه في (المشارق). وقال في (الشفا)(١): قال أئمتنا في هذا الحديث: النبي ◌َّ غير معصوم من الأمراض وما يكون من عوارضها من شدة وجع وغشي ونحوه مما يطرأ على جسمه، ومعصوم أن يكون منه من القول أثناء ذلك ما يطعَن في معجزته ويؤدي إلى فساد في شريعته من هذیان أو اختلال في كلام، وعلى هذا لا يصح رواية من روى في الحديث: هجر، إذ معناه هذي، وإنما الأصح والأولى: أهجر، على طريق الإنكار على من قال: لا يكتب، وهكذا الروايات، وقد تحمل عليه رواية من روى: هجر على حذف ألف الاستفهام، أو أن يحمل قول القائل: هجر، دهشة من قائل ذلك لعظيم ما شاهد (١) ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى)) (٢ / ٤٣٢، ٤٣٤). ٥٤٢ (٩) باب فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ». فَأَمَرَهُمْ بِثَلاَثٍ: فَقَالَ: «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِزُهُمْ». وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ، أَوْ قَالَهَا فَسِيتُهَا، قَالَ سُفْيَانُ: هَذَا مِنْ قَولِ سُلَيْمَانَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٣٢، م: ١٦٣٧]. من حال الرسول 8﴿ وشدة وجعه، وهو المقام الذي اختلف فيه عليه، والأمر الذي هم بالکتاب فیه . وقوله: (فالذي أنا فيه خير) يعني: مراقبة الحق والتأهب للقائه خير مما أنتم فيه من النزاع والخلاف واللغط . وقوله: (من جزيرة العرب) عرف تحديد جزيرة العرب في أول الكتاب في (باب الوسوسة)، و(أجيزوا) من الإجازة بمعنى إعطاء الجائزة وهي العطية (الوفد) سواء كانوا مؤمنين أو كافرين. وقوله: (وسكت) أي: ابن عباس، وقائل هذا الكلام سعيد بن جبير الراوي عن ابن عباس، فيكون هو الناسي، ثم قيل: الثالثة تجهيز جيش أسامة بن زيد إلى أبنى بضم الهمزة ناحية بالبلقاء، وقال: سر إلى موضع مقتل أبيك بهذا الجيش فأوطئهم الخيل وحرق عليهم، وكان لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة، وهي آخر سرية جهزها النبي 18 فصدع وليّ وعقد بنفسه لواء، وقال: (اغز في سبيل الله)، فخرج وعسكر بالجرف، فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلا انتدب في تلك الغزاة حتى أبو بكر وعمر له، فتقاول الناس ... الحديث، فاشتد وجعه وَله ولم يتسر(١) فكانت وقعة وفاته وَّة، وقيل: المراد بالثالثة قوله: (لا تتخذوا قبري (١) كذا في الأصل. ٥٤٣ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل ٥٩٦٧ _ [١٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ بَعْدَ وَفَاةٍ رَسُولِ اللهِوَّهِ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمَّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتُهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ. فَقَالاَ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِ اللهِوَهِ؟ فَقَالَتْ: إِنِّي لاَ أَنْكِي أَنِّي لاَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ تَعَالَى خَيْرٌ لِرَسُولِ الهِنَّهِ، وَلَكِنْ أَنْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجْعلاَ يَبْكِيَانِ مَعَهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٥٤]. ٥٩٦٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِنَّهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ عَاصِباً رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ، حَتَّى أَهْوَى نَحْوَ الْمِنْبَرِ، فَاسْتَوَى عَلَيْهِ وَأَنْبَعْنَاهُ، قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي الأَنْظُرُ إِلَى الْحَوْضِ مِنْ مَقَامِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ عَبْدَاً عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا فَاخْتَارَ الآخِرَةَ)، قَالَ: فَلَمْ يَفْطِنْ لَهَا أَحَدٌ. وثناً يعبد). ٥٩٦٧ - [١٢] (أنس) قوله: (إلى أم أيمن) بفتح الهمزة والميم مولاة النبي وَمثله أم أسامة بن زيد، وكانت حاضنته لات . وقوله: (فلما انتهينا) هكذا في أكثر النسخ بلفظ التكلم مع الغير كأن أنساً كان معهما في الانطلاق، وفي بعضها: (انتهيا) بلفظ التثنية. وقوله: (أني) بالفتح بتقدير حرف الجر، أي: لأجل أني لا أعلم. وقوله: (فهيجتهما) أي: أم أيمن أو هذه الكلمة منها. ٥٩٦٨ - [١٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فلم يفطن) فطن به وله من سمع ونصر وكرم. ٥٤٤ (٩) باب غَيْرُ أَبِي بَكْرٍ، فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: بَلْ نَفْدِيكَ بِآبَائِنَا وأمَّهاتِنا وَأَنْفُسِنَا وَأَمْوَالِنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ثُمَّ هَبَطَ فَمَا قَامَ عَلَيْهِ حَتَّى السَّاعَةِ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١ / ٢١٥]. ٥٩٦٩ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اُللهِ وَالْفَتْحُ﴾ دَعَا رَسُولُ اللهِِّ فَاطِمَةَ قَالَ: (نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي))، فَبَكَتْ، قَالَ: ((لاَ تَبْكِي، فَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لاَحِقٌّ بِي))، فَضَحِكَتْ، فَرَآهَا بَعْضُ أَزْوَاجٍ النَّبِيِّ ◌َ فَقُلْنَ: يَا فَاطِمَةُ! رَأَيْنَاكِ بَكَيْتِ ثُمَّ ضَحِكْتٍ، قَالَتْ: إِنَّهُ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَدْ نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ فَكَيْتُ، فَقَالَ لِي: لاَ تَبْكِي فَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لاَحِقٌ . بِي فَضَحِكْتُ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِلآ وقوله: (حتى الساعة) أي: إلى القيامة. ٥٩٦٩ - [١٤] (ابن عباس) قوله: (نعيت إلي نفسي) أي: أَنْهِيَ إلي نعي نفسي، أي: خبر موتي . وقوله: (فإنك أول أهلي لاحق بي) الصحيح أنها عاشت بعده ستة أشهر، وقيل: ثمانية، وقيل: ثلاثة، وقيل: سبعين يوماً، وقيل: شهرين، والمراد بـ (بعض أزواج النبي (وَ) عائشة ية كما جاء صريحاً في رواية أخرى، وفي التعبير بالبعض تعظيم الشأنها كقوله: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقوله: (فقلن) أيضاً للتعظيم، لكن الجمع في غير التكلم للتعظيم نادر، بل غير واقع، ويحتمل أنه لم يتعين عند الراوي أنها كانت واحدة أو أكثر، والله أعلم. وقوله: (قالت: إنه أخبرني) وجاء في بعض الروايات: أن فاطمة ◌َّ لم تخبرها بذلك وقالت: إنه سر بيني وبين رسول الله وتي لا أخبر به أحداً، ثم أخبرت بعد وفاته. ٥٤٥ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ، وَجَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، وَالإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ)). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٢١٦]. وقوله: (وجاء أهل اليمن) لما كان نعيه وٍَّ في سورة ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ ﴾ ذكر مجيء أهل اليمن إشارة إلى ما هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْ خُلُونَ فِ دِينِ اللَّهِ﴾ [النصر: ٢]. وقوله: (هم أرق أفئدة) في (القاموس)(١): التفؤد: التحرق، والتوقد، ومنه: الفؤاد للقلب، وجمعه أفئدة، ذكره في المهموز، وقال: والفواد بالفتح والواو غريب، انتهى. وزاد في رواية: (وألين قلوباً)، وفي (مجمع البحار)(٢): فيه تفنن على اتحاد القلب والفؤاد، وقيل: الفؤاد: وسط القلب أو غشاؤه، أقوال، والقلب حبته وسويداؤه، وأريد بالرق واللين الخشية وسرعة الإجابة، والتأثر بقوارع التذكير، والسلامة عن غلظ وقساوة . وقوله: (والإيمان يمان) أي يمني، وفعال بالكسر كلمة النسبة، وقالوا: الألف فيه عوض عن إحدى يائي النسبة، وقيل: قدمت إحدى اليائين وقلبت ألفاً، وهذا أوجه لتقديم الألف، وكذلك يمانية بتخفيف الياء، والألف فيه عوض، وحكي التشديد، وقال عياض(٣): معنى نسبته إلى اليمن أن الإيمان بدأ من مكة، ومكة من تهامة، وتهامة من أرض اليمن. وقال أبو عبيد: المراد بذلك الأنصار لأنهم يمانيون في الأصل، فنسب الإيمان (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٩٠). (٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٩٠). (٣) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٥١٩). ٥٤٦ (٩) باب ٥٩٧٠ - [١٥] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: وَارَأْسَاهُ!، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ لَّه : ((ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَسْتَغْفِرُ لَكِ وَأَدْعُو لَكِ))، إليهم مبالغة في مدحهم لكونهم أنصاره، وعليه حمل قوله ◌َّه: (إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن) لوجود التنفيس والتفريح من جانبهم، وقال الشيخ أبو عمر: بل المراد أهل اليمن كلهم كما هو الظاهر، نُسِبَ الإيمان إليهم إشعاراً بكماله فيهم، وليس ذلك نفياً له عن غيرهم، فلا منافاة بينه وبين قوله ◌ّ: الإيمان في أهل الحجاز. ثم المراد به الموجودون في ذلك العصر لا كل أهل اليمن في كل أحيان، كذا في (شرح ابن الملك)(١)، وقيل: قاله بتبوك، ومكة والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن، فأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد الحرمين، انتهى. ولا يخفى أن سياق الحديث أنه وَله قال ذلك في مرضه إلا أن يقال: هذا حديث آخر أدخله الراوي في هذا الحديث لمناسبة ذكر النعي وسورة ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، والله أعلم. ٥٩٧٠ _ [١٥] (عائشة) قوله: (وارأساه) هو تفجع من شدة صداع الرأس، وفيه أن ذكر الوجع ليس بشكاية؛ لأنه قد يسكت وهو شاك، وقد يذكره وهو راض، وقال الطيبي(٢): ندبت نفسها وأشارت إلى الموت، انتهى. كأنه حمل الرأس على الذات كما جاء في هذه الأعضاء ويلائم هذا المعنى بسياق الحديث، ومع ذلك لا بعد في الحمل على المعنى الأول باعتبار استلزام المرض الموت، ويؤيده ما يأتي في الحديث الآتي من قولها: وأنا أجد صداعاً. وقوله: (ذاك لو كان) بكسر الكاف، أي: إن حصل موتك. (١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١١ /١٢٠). (٢) ((شرح الطيبي)) (١١ / ١٨٩). ٥٤٧ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَاثَّكْلَيَاهْ! وَاللهِ إِنِّي لأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَظَلِلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعْرِساً بِبَعْضٍ أَزْوَاجِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَلِ: (بَلْ أَنَا وَارَ أْسَاءُ! لَقَدْ هَمَمْتُ - أَوْ أَرَدْتُ - أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَائِهِ وَأَعْهَدُ. وقوله: (واثكلياه) بفتح المثلثة وضمها: الموت، والهلاك، وفقدان الحبيب أو الولد، وفي (مجمع البحار)(١): واثكلياه إما ندبة للثكل مصدر واللام مكسورة، وإما الثكلى صفة واللام مفتوحة، واثكل أمياه بضم ثاء وسكون كاف وبفتحهما، وليست حقيقة الكلام مرادة، بل هو كلام مجرى على ألسنتهم عند التوجع والتعجب، و(ظللت) بكسر اللام من الأفعال الناقصة. وقوله: (معرساً) من الإعراس وعرس وأعرس: بنى على زوجته، ثم استعمل في كل اجتماع، وفي (مجمع البحار)(٢): وروي من التعريس، والمقصود أنك تفرغت لغيري ونسیتني . وقوله: (بل أنا وارأساه) إضراب، أي: أعرضي عن حكاية وجع رأسك ودعي ما تجدين من وجع رأسك، واشتغلي بوجع رأسي، إذ لا بأس عليك وأنت تعيشين بعدي، عرفه بالوحي. وقوله: (لقد هممت) استطراد بذكر ما يقع بعد وفاته من خلافة أبي بكر، وتطييب لقلب عائشة وتبشير لها . وقوله: (أن أرسل إلى أبي بكر وابنه) وهو عبد الرحمن، أي: أطلبهما عندي، و(أعهد) أي: أوصي أبا بكر بالخلافة وأجعله ولي عهدي. (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٢٩٦). (٢) «مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٥٥٩). ٥٤٨ (٩) باب أَنْ يَقُولَ الْقَاتِلُونَ، أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَّنُونَ، ثُمَّ قُلْتُ: يَأْبَّى اللهُ وَيَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ، أَوْ يَدْفَعُ اللهُ وَيَأْبَى الْمُؤْمِنُونَ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٣٤٢]. ٥٩٧١ - [١٦] وَعَنْهَا: قَالَتْ: رَجَعَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِنَِّ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ جَنَازَةٍ مِنَ الْبَقِيعِ، فَوَجَدَنِي وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعاً، وَأَنَا أَقُولُ: وَارَأْسَاءْ! قَالَ: (بَلْ أَنَا يَا عَائِشَةُ! وَارَأْسَاء)) قَالَ: ((وَمَا ضَرَّكِ لَوْ مِتْ قَبْلِي، فَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّتُكِ، وَصَلَّيْتُ عَلَيْكِ وَدَقَتُكِ؟)) قُلْتُ: لَكَأَنِيِّ بِكَ وَاللهِ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَرَجَعْتَ إِلَى بَيْتِي فَعَرَّسْتَ فِيهِ بِبَعْضٍ نِسَائِكَ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ وَِّ، ثُمَّ بُدِيءَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٢١٧]. وقوله: (أن يقول) أي: كراهة أن يقول قائل: لم يعهد رسول الله إلى أبي بكر، أو يقول: أنا أحق منه بالخلافة، أو يتمنى أحد الخلافة لنفسه أو يتمنى أن يكون غيره خليفة . وقوله: (ثم قلت) هذا من تتمة كلام الرسول، أي: ما أرسلت وما عهدت وتركت الإيصاء، وقلت: (يأبى الله) أن يكون غيره خليفة ولا يريده (ويدفع المؤمنون) خلافة غيره، ولا يجمعون إلا عليه لما عندهم من دلائل خلافته، من ذلك استخلافي إياه في إمامة الصلاة، وفيه فضيلة لأبي بكر عظته وإخبار عن الغيب بما سيقع، فكان كما قال. ٥٩٧١ - [١٦] (وعنها) قوله: (وما ضرك) وما بعده خطابات لعائشة چێ كما أن الخطابات في قول عائشة * لرسول الله وَّر، واللام في (لكأني) جواب قسم محذوف . وقوله: (بدئ) بلفظ المجهول، أي: أوقع البداية . ٥٤٩ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل ٥٩٧١ - [١٧] وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِهِ: أَنَّ رَجُلاً مِنْ قُرَيْشٍ دَخَلَ عَلَى أَبِهِ عَلِيٍّ بِ الْحُسَيْنِ فَقَالَ: أَلاَ أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِنََّ؟ قَالَ: بَلَى حَدِّثْنَا عَنْ أَبِي الْقَاسِمَِه، قَالَ: لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللهِ وَالْ أَتَاهُ جِبْرَئِيلُ فَقَالَ: ((بَا مُحَمَّدُ! إِنَّ اللهَأَرْسَلَنِي إِلَيْكَ تَكْرِيماً لَكَ، وَتَشْرِيفاً لَكَ، خَاصَّةً لَكَ يَسْأَلُكَ عَمَّا هُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْكَ، يَقُولُ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: ((أَجِدُنِي يَا جِبْرَبِيلُ! مَغْمُوماً، وَأَجِدُنِي يَا جِبْرَئِيلُ! مَكْرُوباً)، ثُمَّ جَاءَ الْيَوْمَ الثَّانِي، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َ كَمَا رَدَّ أَوَّلَ يَوْمٍ، ثُمَّ جَاءَهُ الْيَوْمَ الثَّالِثَ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ يَوْمٍ، وَرَدَّ عَلَيْهِ كَمَا رَدَّ عَلَيْهِ، وَجَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ، يُقَالُ لَهُ: إِسْمَاعِيلُ عَلَى مِثَةٍ أَلْفٍ مَّلَكِ، كُلُّ مَلَكٍ عَلَى مِئَةِ أَلْفِ مَلَكٍ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَسَأَلَهُ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ جِبْرَئِيِلُ: هَذَا مَلَكُ الْمَوْتِ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ، . ٥٩٧٢ - [١٧] (جعفر بن محمد) قوله: (أجدني يا جبرئيل مغموماً) لعل الغم والكرب لأجل الأمة والدين ماذا يقع وعلى ما يكون الأمر بعده. وقوله: (يقال له: إسماعيل) قال السيوطي في (الحبائك في أخبار الملائك)(١): هو صاحب سماء الدنيا، وقال: أخرج أبو الشيخ عن عكرمة #به قال: إن في السماء ملكاً يقال له: إسماعيل، لو أُذِنَ له فَفَتَحَ أُذُناً من آذانه فسبح الرحمن لمات من في السماوات والأرض. وقوله: (فسأله عنه، ثم قال جبرئيل: هذا ملك الموت) تقدير الكلام: سأل (١) ((الحبائك في أخبار الملائك)) (ص: ٦٤)، و((العظمة)) لأبي الشيخ (٢ / ٧٥٠). ٥٥٠ (٩) باب مَا اسْتَأْذَنَ عَلَى آدَمِيِّ قَبْلَكَ، وَلاَ يَسْتَأْذِنُ عَلَى آدَمِيِّ بَعْدَكَ. فَقَالَ: ((ائْذَنْ لَهُ)) فَأَذِنَ لَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ اللهَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ، فَإِنْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَقْبِضَ رُوحَكَ قَبَضْتُ، وَإِنْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَنْرُكَهُ تَرَكْتُهُ، فَقَالَ: ((وَتَفْعَلُ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ؟)) قَالَ: نَعَمْ، بِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأُمِرْتُ أَنْ أُطِيعَكَ. قَالَ: فَنَظَرَ النَّبِيُّ ◌َهُ إِلَى جِبْرَئِل ◌ِعَ، فَقَالَ جِبْرَتِيِلُ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ اللهَ قَدِ اشْتَاقَ إِلَى لِقَائِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهْ لِمَلَكِ الْمَوْتِ: ((امْضٍ لِمَا أُمِرْتَ بِهِ»، فَقَبَضَ رُوحَهُ، فَلَمَّا تُؤُفِّيَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَجَاءَتِ التَّعْزِيَةُ سَمِعُوا صَوْتاً مِنْ نَحِيَةِ الْبَيْتِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، إِنَّ فِي اللهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَخَلَفاً مِنْ كُلِّ هالكٍ، ودَرَكاً مِنْ كُلِّ فَائِتٍ، . .... النبي ◌َّه جبريل عن إسماعيل من هو؟ فقال جبرئيل عليه: هو ملك كذا وكذا، ثم قال جبرئيل : هذا ملك الموت يستأذن عليك، كأنه قد حضر ملك الموت في الساعة، فأشار جبرئيل عليّا إليه، وقال السيوطي: وأخرج البيهقي في (الدلائل)(١) بلفظ: فلما كان اليوم الثالث هبط إليه جبرئيل يتا معه ملك الموت، ومعهما ملك في الهواء، يقال له: إسماعيل على سبعين ألف ملك، كل ملك منهم على سبعين ألف ملك . وقوله: (في الله عزاءً من كل مصيبة) العزاء بفتح المهملة: الصبر، والتعزية حمل الغير على ذلك، فقيل: المراد بالعزاء هنا التعزية إقامة للاسم مقام المصدر، والتقدير أن في كتاب الله تعزية وتسلية من كل مصيبة إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّاللَّهِ (١) ((دلائل النبوة)) (٧ / ٢١١). ٥٥١ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل فَبِاللهِ فَاتَّقُوا، وَإِيَّاهُ فَارْجُوا، فَإِنَّمَا الْمُصَابُ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ. فَقَالَ عَلِيٍّ: أَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ هُوَ الْخَضِرُ لِ﴾. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي («َلاَئِلِ النُّبُوَّةِ). [دلائل النبوة: ٧ / ٢٦٨]. وَإِنَّ إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، ويجوز أن يكون التقدير في دين الله، أي: شرع فيه وحرض عليه في دين الإسلام، وقيل: المصدر بمعنى اسم الفاعل، والتركيب من باب التجريد، أي: إن الله معز ومسل، نحو: وفي الرحمن للضعفاء كاف، أقول: ويجوز أن يكون العزاء على معناه، أي: في ثواب الله والنظر إليه حاملاً على الصبر من كل فائت وعلى كل مصيبة، ولعل هذا هو المراد من قول من قال: التقدير أن في لقاء الله تسلية وتصبراً من كل مصيبة، أو المراد بلقاء الله الموت كما هو المشهور، فافهم. وقيل: المراد أن الله يكفي عن كل شيء ولا يكفي عنه شيء، ويناسبه قرينتاه. وقوله: (فبالله فاتقوا) وفي بعض النسخ: (فَثِقُوا) وهو الأشهر، والفاء الأول فصيحة، والثانية لتأكيد الربط نحو قوله تعالى: ﴿فَإِيَّنَىَ فَأُعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]، والباء على النسخة الأولى للاستعانة وعلى الثانية صلة (اتقوا). وقوله: (فقال علي) يعني: علي بن أبي طالب، وصرح به في (الحصن الحصين)، وقيل: المراد علي زين العابدين، و(الخضر) بفتح فكسر، ويجوز إسكان الضاد مع فتح الخاء وكسرها، وحياته في ذلك الزمان ثابت بلا خلاف، وإنما خالف من خالف بعد رأس المئة. ٥٥٢ (١٠) باب ١٠ - باب : الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٩٧٣ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِنَّهِ دِينَاراً وَلاَ دِرْهَماً وَلاَ شَاةً وَلاَ بَعِيراً وَلاَ أَوْصَى بِشَيْءٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌّ. [م: ١٦٣٥]. ٥٩٧٤ - [٢] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَخِي جُوَيْرِيَةَ قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ دِينَاراً وَلاَ دِرْهَماً وَلاَ عَبْدَاً وَلاَ أَمَةً وَلاَ شَيْئاً إِلَّ بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ، وَسِلاَحَهُ، وَأَرْضاً جَعَلَهَا صَدَقَةً. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٧٣٩]. ٥٩٧٥ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ: ((لاَ يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَاراً، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي. ١٠ - باب في متممات ولواحق بالباب السابق. الفصل الأول ٥٩٧٣ - [١] (عائشة) قوله: (ولا أوصى بشيء) أي: من المال إذ لم يكن له مال، وما كان من مال بني النضير وفدك ونحوهما فهو كان صدقة على المسلمين بعد نفقة عياله، وأما الوصية في دين الله التمسك بكتاب الله تعالى فقد كانت ثابتة، وقد أوصى بإخراج اليهود من جزيرة العرب وإجازة الوفد. ٥٩٧٤ - [٢] (عمرو بن الحارث) قوله: (أخي جويرية) بضم الجيم وفتح الواو وسكون التحتانية وكسر الراء بعدها ياء مخففة . وقوله: (جعلها صدقة) أى: وقفاً. ٥٩٧٥ _ [٣] (أبو هريرة) قوله: (بعد نفقة نسائي) قال سفيان بن عيينة: أزواج ٥٥٣ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل وَمُؤْنَةٍ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٧٧٦، م: ١٧٦٠]. ٥٩٧٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي بَكْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧٢٦، م: ١٧٥٩]. ٥٩٧٧ - [٥] وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ اللّهَ إِذَا أَرَادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ مِنْ عِبَادِهِ قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطاً وَسَلَفاً بَيْنَ يَدَيْهَا، وَإِذَا أَرَادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ عَذَّبَهَا وَنَبِيُّهَا حَيٌّ فَأَهْلَكَهَا وَهُوَ يَنْظُرُ، فَأَقَّ عَيْنَّهِ بِهَلَكَتِهَا حِينَ كَذَّبُوهُ وَعَصَوْا أَمْرَهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٨٨]. النبي ◌َّي في حكم المعتدات إذ لا يجوز أن ينكحن فلذا ضرب لهن النفقة، والمراد بالعامل الخليفة بعده، (ومؤنة) أجرة على ما يصرفها إلى مصارفه ويوصلها إلى مستحقيه الذين كانوا يصرف إليهم النبي وَلاد . ٥٩٧٦ - [٤] (أبو بكر) قوله: (لا نورث) بلفظ المجهول، وأصله: لا يورث منا، فحذف الجار فاستتر الضمير، وانقلب الفعل عن لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم، كذا قيل. ٥٩٧٧ - [٥] (أبو موسى) قوله: (قبض نبيها) أي: قيل: نزول العذاب، و(السلف) كل من يقدمك من آبائك وقرابتك، وكل عمل صالح، كذا في. (القاموس)(١)، و(الهلكة) بفتحتين بمعنى الهلاك، ويجيء بضم الهاء وسكون اللام بدون هاء . (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٥٧). ٥٥٤ (١٠) باب ٥٩٧٨ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَيَأْنِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ وَلاَ يَرَانِي، ثُمَّ لَأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٦٤]. ٥٩٧٨ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (معهم) تأكيد وتقرير للمقصد يفيد خيرية رؤيته ير بالنسبة إلى مجموع الأهل والمال جميعاً، فالضمير في (معهم) لأهله وهو حال من (ماله)، أي: حال كونه مع الأهل، ثم المراد رؤيته و ◌ّ﴾ في حياته وصحبته معه، ويحتمل أن يراد رؤيته بعد وفاته يقظة أو مناماً، بل هذا أنسب بسياق الكلام، ولعمري كذلك حال المشتاقين إلى جماله المسغرقين في تصور كماله، رزقنا الله . (٣٠) إكتاب المُتَاقِن (٣٠) " كتابُ المُنَاقِ)، ١ - باب مناقب قريش وذكر القبائل [٣٠ _ كتاب المناقب] ١ - باب مناقب قريش وذكر القبائل (المناقب) جمع منقبة وهي الفضيلة والشرف، في (القاموس) (١): المنقبة: المفخرة، انتهى. وأصله إما من النَّقب بمعنى الطريق في الجبل استعير للفعل الكريم والصفة الحميدة لكونه طريقاً ومنهجاً إلى مدحه ورفعه، وإما من نَّقَب عن الأخبار: بحث عنها وأخبر بها . وفي (الصراح)(٢): منقبة: هنر وستودكي مردم، ضد مثلبة، نقيب: مهتر وداننده قوم، نقباء جمع، نقابة نقيبي كردن من باب نصر، يقال: نقب على قومه، قال الفراء: إذا أردتَ أنه لم يكن نقيباً ففعل قلت: نقب نقابة بضم العين فيهما (٣)، قال سيبويه: نقابة بالكسر الاسم وبالفتح المصدر؛ كالولاية والولاية. و(قريش) اسم ولد النضر بن كنانة سموا باسم أبيهم، وهو اسم دابة من أقوى دواب البحر تأكل دوابه، يصرف ويمنع، وقيل: إن في البحر حوتاً يسمى قريشاً يأكل (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٨). (٢) (ص: ٥٦). (٣) كذا في الأصول، وفي ((الصحاح)) (١ / ٢٢٧): نَقُبَ بالضم، نقابة بالفتح. ٥٥٨ (١) باب مناقب قريش وذكر القبائل الحيتان ولا يؤكل، ويعلوها ولا يعلى فيه، سميت بذلك قريش وتُصرف، فمن أراد به القبيلة لم يصرفه ومن أراد الحي يصرف، كذا في (الصحاح)(١). وقال في (القاموس): (٢) قَرَشه يَقْرِشه ويَقرُشه: قطعه، وجمعه من ههنا وههنا، وضم بعضه إلى بعض، ومنه قريش لتجمعهم إلى الحرم، أو لأنهم كانوا يتقرشون البِيَاعات فيشترونها، أو لأن النضر بن كنانة اجتمع في ثوبه يوماً فقالوا: تقرش، أو لأنه جاء إلى قومه فقالوا: كأنه جَمَلٌ قَرِيشٌ، أي: شديد، أو لأن قصیًّا كان يقال له: القرشي، أو لأنهم كانوا يُفْتِّئُون الحاج، فيسدون خَلَّتها، أو سميت بمصغر القِرش، وهو دابة بحرية تخافها دوابُ البحر كلها، أو سميت بقريش بن مَخلد بن غالب بن فهر وكان صاحب عيرهم، فكانوا يقولون: قدمت عير قريش، وخرجت عير قريش، والنسبة قرشي وقريشي، انتهى. و(القبائل) جمع قبيلة، وهم بنو أب واحد، والقبيلة في الأصل واحد قبائل الرأس للقطع المشعوب بعضُها إلى بعض، ومنه قبائل العرب: شعبٌ ثم قبيلة ثم عمارة ثم بطن ثم فخذ، والحي بمعنى القبيلة، كذا في (الصحاح)(٣). وقال في (القاموس) (٤): العمارة: أصغر من القبيلة ويكسر، أو الحي العظيم، البطن خلاف الظهر دون القبيلة، أو دون الفخذ وفوق العمارة، الفَخِذ ككتف: ما بين الساق والورك، مؤنث، ويكسر، وحي الرجل إذا كان من [أقرب] عشيرته. (١) (الصحاح)) (٣/ ١٠١٦). (٢) (ص: ٥٤١). (٣) ((الصحاح)) (٥/ ١٧٩٧). (٤) (ص: ٤٠١، ١٠٦٣، ٣٠٤). ٥٥٩ (٣٠) كتاب المناقب * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٩٧٥ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ قَالَ: ((النَّاسُ تَبَعُ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ، مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِهِمْ)). مُتَّفَقَ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٩٥، م: ١٨١٨]. الفصل الأول ٥٩٧٩ - [١] (أبو هريرة) قوله: (في هذا الشأن) ظاهر سوق الحديث يقتضي أن يكون المراد به الدِّين وجوداً وعدماً، فقريش أقدم وأسبق في أمر الدين، وقدوة الناس في الإيمان والكفر، فيكون المسلمون أتباعاً لمسلميهم، والكافرون أتباعاً لكافريهم، ووقع مصداق ذلك أن العرب كانت تنتظر أمر قريش في الإسلام، وكانوا يقولون: ننظر ماذا يصنع قومه، فلما فتح مكة وأسلمت قريش تبعهم العرب ودخلوا في دين الله أفواجاً، والمقصود بيان تقدمهم ورياستهم على الناس في الإسلام والجاهلية، لكن الفضل والشرف يكون باعتبار الأول دون الثاني إلا أن يراد أعم من الشرف باعتبار الدين أو الدنيا، فكان البيت مناصبه من السدانة والسقاية والرفادة وأمثالها فيهم دون مَن عداهم، وقد يحمل (الشأن) على الخلافة والإمامة وهو لا يلائم سياق الحديث، والله أعلم. وقيل: (الناس تبع) خبر بمعنى الأمر، وإلا فقد خرج هذا الأمر عن قريش في أكثر البلاد، أو المراد بالناس بعض الناس، انتهى. وبما ذكرنا من التقرير لا يَرِدُ هذا ولا يحتاج إلى توجيهه، فإن المراد بتقدمهم وسبقهم في هذا الشأن، ولا ينافيه خروجه عنهم في أكثر البلاد. ثم قيل في معنى الحديث: إن المراد أن الناس إن كانوا أخياراً سلط الله عليهم ٥٦٠ (١) باب مناقب قريش وذكر القبائل ٥٩٨٠ - [٢] وَعَنْ جَابِرِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهْ قَالَ: ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقَرَيْشٍ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨١٩]. ٥٩٨١ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: ((لاَ يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ فِي قُرَيْشِ مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَان)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٠١، م: ١٨٢٠]. ٥٩٨٢ - [٤] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ هَذَا الأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ، لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّ كَبَّهُ اللهُ عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٠٠]. أخياراً منهم، وإن كانوا أشراراً سلط الله عليهم الأشرار، كما قيل: أعمالكم عمالكم، وهذا المعنى إنما يناسب حمل الشأن على الخلافة كما لا يخفى. ٥٩٨٠ - [٢] (جابر) قوله: (في الخير والشر) أي: في الإسلام والكفر، وقد تبين معناه في شرح الحديث السابق. ٥٩٨١ - [٣] (ابن عمر) قوله: (لا يزال هذا الأمر في قريش) ظاهر هذا الحديث والذي يأتي بعده أن المراد بالأمر أمر الخلافة، وينبغي أن يحمل الخبر على معنى الأمر كما عرفت. وقوله: (ما بقي منهم اثنان) أي: سوى الخليفة، وقيل: اثنان واحد خليفة وواحد تابع . ٥٩٨٢ - [٤] (معاوية) قوله: (لا يعاديهم أحد) أي: لا يخالفهم (إلا كبه الله) أي: أذله وخذله. وقوله: (ما أقاموا الدين) قيل: المراد به الصلاة كما سميت إيماناً في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] لرواية: (ما أقاموا الصلاة). وهذا