النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
سَمِعَ أَنَسٌ مِنَ النَّبِيِّ نَّهِ؟ قَالَ: خَدَمَهُ عَشْرَ سِنِينَ، وَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ ◌ََّه
وَكَانَ لَهُ بُسْتَانٌ يَحْمِلُ فِي كُلِّ سَنَةٍ الْفَاكِهَةَ مَرَّتَيْنٍ، وَكَانَ فِيهَا رَيِّحَانٌ يَجِيءُ
مِنْهُ رِيحُ الْمِسْكِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت:
٣٨٣٣].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٩٥٣ - [١٠] عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَئِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُقَيْلٍ
خَاصَمَتْهُ أَرْوَى بِنْتُ أَوْسٍ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَاذَّعَتْ أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئاً مِنْ
أَرْضِهَا، فَقَالَ سَعِيدٌ:
وقوله: (سمع أنس) بحذف حرف الاستفهام.
وقوله: (ودعا له النبي ◌َّ) بالبركة في العمر والأولاد والأموال، فتجاوز عمره
مئة سنة، وبلغ أولاده الصلبي مئة نفس، ثلاث وسبعون منها ذكور، وسبعة وعشرون
إناث. وأما البركة في الأموال فما ذكر في هذا الحديث، صريح في كونه خارقاً للعادة
وكل ذلك كرامة لأنس
رضى عنه .
الفصل الثالث
٥٩٥٣ - [١٠] (عروة بن الزبير) قوله: (أنّ سعيد بن زيد) وهو أحد العشرة
المبشرة آخرهم عدّا زوج أخت عمر بن الخطاب ◌َّ، وكان مستجاب الدعوات،
و(أروى) بهمزة مفتوحة وراء ساكنة وواو مقصور و(أوس) بفتح الهمزة وسكون الواو،
وهكذا فيما رأينا من نسخ (المشكاة)، وفي (جامع الأصول)(١): بنت أبي أويس
مصغراً، وكذا في (أسد الغابة) و(المواهب اللدنية) وغيرها.
(١) ((جامع الأصول)) (١٢ / ١٩١).

٥٢٢
(٨) باب الكرامات
أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئاً بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ؟ قَالَ:
وَمَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((مَنْ
أَخَذَ شِبْراً مِنَ الأَرْضِ ظُلْماً طُوَّقَهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِيِنَ». فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ:
لاَ أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا، فَقَالَ سَعِيدٌ: اللهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَأَعْمِ بَصَرَهَا
وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا، قَالَ: فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُّهَا، وَبَيْنَمَا هِيَ
تَمْشِي فِي أَرْضِهَا إِذْ وَقَعَتْ فِي حُفْرَةٍ فَمَاتَتْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٢٠، م:
٣٣٣٢] .
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بِمَعْنَاهُ، وَأَنَّهُ
رَآهَا عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ الْجُدُرَ، تَقُولُ: أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعِيدٍ، وَأَنَّهَا مَرَّتْ عَلَى
بِثْرٍ فِي الدَّارِ الَّتِي خَاصَمَتْهُ فِيهَا فَوَقَعَتْ فِيهَا، فَكَانَتْ قَبْرَهَا.
وقوله: (أنا كنت آخذ) بلفظ المتكلم قاله إنكاراً على نفسه.
قوله: (طوقه) بلفظ المجهول من التفعيل، وفي بعض النسخ: (طوقه الله).
وقوله: (لا أسألك بينة) كأنه أقام البينة مقام اليمين مشاكلة لكونها مذكورة
تقديراً؛ لأنه كان قد سأل أروى بينة على دعواها، فافهم، ويحتمل أن يكون بحذف
الصلة والتقدير: لا أسأل عليك بينة .
وقوله: (فقال سعيد) وترك لها ما ادعتها.
وقوله: (فأعم) أمر من الإعماء.
وقوله: (في أرضها) أي: هذه الأرض التي ادعتها كاذبة، وفي رواية: واجعل
قبرها في دارها .
وقوله: (فكانت) أي: البئر، يعني لم يجعل لها قبر على حدة.

٥٢٣
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
٥٩٥٤ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ جَيْشاً وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلاً
يُدْعَى سَارِيَةَ، فَبَيْنَمَا عُمَرُ يَخْطُبُ فَجَعَلَ يَصِيحُ: يَا سَارِيَ! الْجَبَلَ، فَقَدِمَ
رَسُولٌ مِنَ الْجَيْشِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَقِيَنَا عَدُوُّنَا فَهَزَمُونَا، فَإِذَا بِصَائِحِ
يَصِيحُ: يَا سَارِيَ! الْجَبَلَ. فَأَسْنَدْنَ ظُهُورَنَا إِلَى الْجَبَلِ، فَهَزَمَهُمُ اللهُ تَعَالَى.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي («دَلَائِلِ النَّبُوَّة)). [دلائل النبوة: ٦ / ٣٧٠].
٥٩٥٥ _ [١٢] وَعَنْ نُبَيْهَةَ بْنِ وَهْبٍ: أَنَّ كَعْباً دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ،
فَذَكَرُوا رَسُولَ اللهِوَّهِ، فَقَالَ كَعْبُ: مَا مِنْ يَوْمٍ يَطْلُعُ إِلَّ نَزَلَ سَبْعُونَ أَلْفاً
مِنَ الْمَلاَئِكَةِ حَتَّى يَحُقُّوا بِقَبْرِ رَسُولِ اللهِوَّهِ يَضْرِبُونَ بِأَجْنِحَتِهِمْ، وَيُصَلُّونَ
عَلَى رَسُولِ اللهِوَِّ، حَتَّى إِذَا أَمْسَوْا عَرَجُوا وَهَبَطَ مِثْلُهُمْ فَصَنَعُوا مِثْلَ ذَلِكَ،
حَتَّى إِذَا انْشَقَّتْ عَنْهُ الأَرْضُ خَرَجَ فِي سَبْعِينَ أَلْفاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ.
٥٩٥٤ - [١١] (ابن عمر) قوله: (يا ساري!) بفتح الياء ترخيم سارية، وفي
بعض النسخ: (يا سارية) من غير ترخیم .
وقوله: (الجبل) منصوب، أي: اجعل الجبل في ظهرك، وفي بعض
الروايات: (الجبل الجبل)، و(عدونا) مرفوع فاعل (لقي)، وصحح في بعض النسخ
بالنصب .
٥٩٥٥ - [١٢] (نبيهة بن وهب) قوله: (وعن نبيهة) بضم النون وفتح الموحدة
وسکون التحتية آخره تاء، وقيل : صوابه: نبيه بلا تاء.
وقوله: (إلا نزل سبعون ألفاً من الملائكة) کان کعباً شاهد الملائكة حتى يكون
ذلك له كرامة وإلا إن كان ذلك بالسماع فلا كرامة .

٥٢٤
(٩) باب
يَزُقُّونَهُ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٢٢٨].
٩ - باب
وقوله: (يزفونه) روي بكسر الزاي من ضرب، زف: أسرع في مشيته، وزف
البعير: أسرع، كقوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ﴾ [الصافات: ٩٤]، ففيه حذف وإيصال،
أي: يسرعون به، وبضمها من نصر، من زف العروس إلى زوجها زقًّا وزفافاً: أهداها
إليه، وفيه استعارة لطيفة، والمراد إهداء المحبوب إلى حبيبه.
٩ - باب
هكذا في أكثر النسخ، وفي بعضها: (باب وفاة النبي ◌َّ)، وهذا أنسب؛ لأن
عادة المؤلف أن يضع باباً مطلقاً فيما يكون من متممات ولواحق لما تقدم من الباب،
وهنا ليس كذلك، وقد ذكر في هذا الباب أحاديث متعلقة بوفاته وهو فناسب ترجمته
به، ونحن نريد أن نذكر شيئاً من ابتداء مرضه وامتداده ووفاته على ما التزمنا في هذا
الشرح من ذكر ما يتعلق بالأبواب.
فاعلم أنه ابتدأ به وسي﴾ صداع في أواخر صفر، قيل: لليلتين بقيتا منه يوم الأربعاء،
وقيل: لليلة، وقيل: بل في مفتح ربيع الأول، وفي (الوفاء)(١): مَرِض في صفر لعشر
بقين منه، وتوفي رَّ لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وقد جزم سليمان التيمي
وهو أحد الثقات بأن ابتداء مرضه يوم السبت الثاني والعشرين من صفر، ومات يوم
الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول، والله أعلم.
(١) ((وفاء الوفا)) (١/ ٢٤٥).

٥٢٥
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
٠٠
وقد يرجح هذا القول بما صح من موت فاطمة الزهراء ◌ّ في ثالث رمضان
مع ما ثبت من حياتها ◌َ بعده وَل ستة أشهر، وقد استأذن * نساءه في تمريضه
ببيت عائشة ﴾ فأذِنّ له، ثم اشتد وجعه جعل يشتكي وينقلب على فراشه، وروي أنه
لا تكاد تقر يدٌ عليه من شدة الحمى، فقال: (ليس أحد أشد بلاء من الأنبياء، كما
يشتد علينا البلاء كذلك يضاعف لنا الأجر)، فكانت مدة علته اثني عشر يوماً. وقيل :
ثمانية عشر يوماً كما عرف من الاختلاف في ابتداء مرضه، وقد أعتق في مرضه أربعين
نفساً.
وكان يصلي بالناس في مدة مرضه، وإنما انقطع ثلاثة أيام، وقيل: سبع عشرة
صلاة، وقال فيها: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، وخرج يوماً إلى المسجد وصلى
وقال: (يا معشر المسلمين! أنتم في وداع الله وكنفه، والله خليفتي، عليكم بتقوى الله
وحفظ طاعته، فإني مفارق الدنيا)، والروايات متعاضدة على أن الإمام كان أبا بكر.
وروي عن ابن عباس رضيًا أنه قال: لم يصل النبي ◌ُّ خلف أحد من أمته إلا
خلف أبي بكر وصلى خلف عبد الرحمن بن عوف في سفر ركعة واحدة.
ومما وقع في مرضه أنه اشتد وجعه يوم الخميس، فأراد أن تكتب كتاباً، فقال
لعبد الرحمن بن أبي بكر: (ائتني بكتف أو لوح أكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف فيه)،
فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم قال: (أبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر).
وروي أن عباساً ﴾ قال لعلي وته: أنت بعد ثلاث عبد العصا، ثم خلا به
فقال: إني يخيل لي أني أعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، وإني خائف أن
لا يقوم رسول الله وَ ◌ّم من وجعه، فاذهب بنا إليه فلنسألنه، فإن يك هذا الأمر إلينا
فعلمنا ذلك، وإن لم يكن إلينا أمرناه أن يستوصي بنا خيراً، فقال له علي: أرأيت إذا

٥٢٦
(٩) باب
جئناه فلم يعطناها؟ أترى الناس يعطوناها؟ والله لا أسألها إياه أبداً(١).
ومما وقع في مرضه أنه كان له سبعة دنانير فما توفي حتى أنفقها، ومما وقع
في مرضه استعمال السواك قبل موته، وعن أنس ظه: كان عامة وصية رسول الله وَليه
عند الموت الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل رسول الله ◌َيّ يتغرغر بها في صدره
ولا یفیض بها لسانه.
وفي (حياة الحيوان)(٢) للدميري عن الواقدي عن شيوخه أنهم قالوا: لما وقع
الشك في موت النبي ◌َّر وضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفيه فقالت: توفي
رسول الله ◌ّ قد رفع الخاتم بين كتفيه، فكان هذا الذي عرف به موت رسول الله وَّل،
ورُوي عن أم سلمة: وضعت يدي على صدر رسول الله وَّر يوم مات فمر بي جمع
آكل الطعام وأتوضأ، ما تذهب ريح المسك من يدي، و(في شواهد النبوة)(٣): سئل
علي ظه [عن] سبب فهمه وحفظه قال: لما غسلت النبي ◌َّ اجتمع ماء على جفونه
فرفعته بلساني واذدردته، فأرى قوة حفظي منه (٤).
وكفن ◌ّ في ثلاثة أثواب بيض سحولية - بلدة من اليمن - من كرسف ليس
فيها قميص ولا عمامة، واختلفت الروايات في كفنه ◌َّر، وحديث عائشة هذا أصح
لكنهم اختلفوا في تفسير قولها: ليس فيها قميص ولا عمامة، فقيل: معناه أنه كفن
(١) أخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٧/ ٢٢٥)، والبخاري في ((صحيحه)) (٦٢٦٦) نحوه.
(٢) ((حياة الحيوان الكبرى)) (١ / ٣٢٤).
(٣) كتاب مخطوط في شمائل النبي وَ* باللغة الفارسية، للشيخ نور الدين عبد الرحمن الجامي
(ت ٨٩٨)، وهو موجود في المكتبة المحمودية، بالمدينة المنورة.
(٤) انظر: ((تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس)) (٢ / ١٧١).

٥٢٧
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
في ثلاثة أثواب خارج عن القميص والعمامة، والصحيح أن معناه ليس في الكفن
قميص ولا عمامة أصلاً، قال النووي(١): وبه قال جمهور العلماء، ولم يثبت أنه ◌َّ
كفن في قميص وعمامة، وعلى التأويل الأول يكون خمسة، وذكر الحنابلة أنه مكروه،
وقال الشافعية: جائز غير مستحب، وقال المالكية: إنه مستحب للرجال والنساء، وهو
في حق النساء آكد، وجاء في رواية: أنه يَّ كفن في سبعة أثواب، وذكر ابن حزم أنه
وهم، وقيل: الزيادة إلى سبعة غير مكروهة، وما زاد عليها سرف. وعند الحنفية:
الأثواب الثلاثة: إزاره وقميصه ولفافه.
وصلوا عليه وَّ فرادى لا يؤمهم أحد، قال ابن الماجشون: صُليّ عليه اثنين
وسبعين صلاة، وقد كان شقران حين وضع رسول الله وَّل في قبره أخذ قطيفة نجرانية
حمراء أصابها يوم خيبر، وكان رسول الله وَل يلبسها ويفرشها، فطرحها تحته فدفنها
معه في قبره، فقال: والله لا يلبسها أحد بعدك، وبنى في قبره اللبن، يقال: تسع لبنات،
قيل: فلما فرغوا عن وضع اللبنات أخرجوا القطيفة .
قال النووي(٢): وقد نص الشافعي وأصحابه وغيرهم من العلماء على كراهة
وضع قطيفة أو نحو ذلك تحت الميت في القبر.
وجعل قبره مسطوحاً، ورش الماء على قبره، وعن سفيان التمار: أنه رآه
مسنماً، أي: مرتفعاً، وتسنيم القبر مستحب وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد والمزني
وكثير من الشافعية، وبعض قدماء الشافعية استحبوا التسطيح، ونقل أهل السير عن
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٧ / ٨).
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٧ / ٣٤).

٥٢٨
(٩) باب
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٩٥٦ - [١] عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ
رَسُولِ اللهِوَِّ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمَّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلاَ يُقْرٍ آئِنَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ
جَاءَ عَمَّارٌ وَبِلاَلٌ وَسَعْدٌ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ مِنْ أَصْحَابٍ
النَِّّ ◌َّهِ، ثُمَّ جَاءَ النَِّيُّ ◌َهِ، فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرْحَهُمْ
بِهِ، حَتَّى رَأَيْتُ الْوَلاَئِدَ وَالصِّبْيَانَ يَقُولُونَ:
سعيد بن المسيب قال: بقي في البيت موضع قبر يدفن فيه عيسى ابن مريم عليهما
السلام، وقبض رسول الله و له يوم الاثنين ودفن ليلة الأربعاء، وقيل: دفن يوم الثلاثاء
حين زاغت الشمس، وقيل: صُلّ عليه يوم الأربعاء ثم دفن، والأول أصح، وقد
ندبه ورثَاه أهل بيته وأصحابه، وقد ذكرنا منه ومن باقي أحوال مرضه وموته ودفنه
ونحوها في رسالة لنا مسماة بـ (ما ثبت في السنة) من أحكام السنة وما ذكرنا يكفي
ههنا، وبالله التوفيق .
الفصل الأول
٥٩٥٦ - [١] (البراء) قوله: (أول من قدم علينا) أي: جاء من مكة إلى المدينة
مهاجراً، وقد كان رسول الله ﴿ قدم بعض أصحابه إليها قبل أن يهاجر بنفسه الكريمة
إجابة لسؤال بعض الأنصار، ذلك منه ليعلمهم القرآن والأحكام ولمصالح أخرى رآها
في ذلك، و(مصعب) بضم الميم وسكون المهملة وفتح العين (ابن عمير) بلفظ
التصغير .
وقوله: (يقرآننا) من الإقراء أي: يعلماننا، و(الولائد) جمع وليدة، وهي الجارية
الصغيرة، فعيل بمعنى مفعول، وقد يطلق على الأمة وإن كانت كبيرة كالفتاة.

٥٢٩
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
هَذَا رَسُولُ اللهِنَّهِ قَدْ جَاءَ، فَمَا جَاءَ حَتَّى قرأْتُ: ﴿سَيِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)
[الأعلى: ١] فِي سُوَرٍ مِثْلِهَا مِنَ الْمُفَصَّلِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٩٤١].
٥٩٥٧ _ [٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: أَنَّ رَسُولَ اللهَِِّ جَلَسَ عَلَى
الْمِنْبَرِ فَقَالَ: ((إِنَّ عَبْداً خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ، وَبَيْنَ
مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ)).
وقوله: (حتى قرأت) أي: تعلمت.
وقوله: (في سور مثلها) أي: في جملة سور مثلها في المقدار، هذا وقال
الشيخ (١): هذا يدل على أن ﴿َسَبِّحِ أَسْمَرَيِّكَ﴾ نزلت بمكة، ويشكل عليه أن قوله تعالى:
﴿قَدْأَفْلَحَ مَن ◌َزََّى: ﴿ وَذَّكَرَأُسْمَ رَيِّهِ، فَصَلَى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥] نزلت في زكاة الفطر، ووجوب
صلاة العيد في السنة الثانية من الهجرة، وقيل: ويحتمل أن تكون السورة مكية إلا
هاتين الآيتين، والأصح أنها كلها مكية، والله أعلم.
وأقول: كون هذه السورة مكية إنما هو على قول الجمهور، وقيل: إنها مدنية،
كذا قال الحلبي في (حاشية تفسير القاضي)، وحمل قوله: (تزكى) على أداء الزكاة إنما
هو على أحد التفاسير، وقد فسر بالتطهر من الكفر والمعصية، وبالتكثر من التقوى
من الزكاء، وبالتطهر للصلاة .
وقال الحلبي: وعلى تقدير كون السورة مكية وكون المراد من قوله: (تزكى)
و(صلى): زكاة الفطر وصلاة العيد يمكن أن يقال: لما كان في علم الله تعالى أن ذلك
سيكون أثنى على من فعله، وفيه الإخبار على الغيب.
٥٩٥٧ - [٢] (أبو سعيد الخدري) قوله: (جلس على المنبر) وكان ذلك في
(١) ((فتح الباري)) (٧ / ٢٦٢).

٥٣٠
(٩) باب
فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ قَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا فَعَجِبْنَا لَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: انْظُرُوا
إِلَى هَذَا الشَّيْخِ يُخْبِرُ رَسُولُ اللهِ عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ
زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، فَكَانَ
رَسُولُ اللهِ﴿ هُوَ الْمُخَيَّرُ وَكَانَ أَبُو بَكْرِ أعْلَمَنَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٩٠٤،
م: ٢٣٨٢].
٥٩٥٨ - [٣] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِنَّلْ عَلَى قَتْلَى
أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانٍ سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ، ثُمَّ طَلَعَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: ((إِنِّي
بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ، وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ، .
مرضه، وقد جاء مصرحاً في رواية، وفي أخرى: كان ذلك قبل أن يتوفى بخمس
لیال.
٥٩٥٨ - [٣] (عقبة بن عامر) قوله: (صلى رسول الله وَله) أي: صلاة الجنازة
وهو الظاهر، وهذا يؤيد مذهبنا، وقال الشافعي: المراد بالصلاة الدعاء والاستغفار،
وليس على الشهيد صلاة الجنازة عنده.
وقوله: (بعد ثمان سنين) أي: من دفنهم.
وقوله: (كالمودّع الأحياء والأموات) توديعه للأحياء ظاهر، وأما توديعه
للأموات فلانقطاع دعائه واستغفاره لهم، و(الفرط) بالتحريك: المتقدم إلى الماء،
من فرط فروطاً بالضم: سبق وتقدم، كذا في (القاموس)(١)، وفي (الصحاح)(٢):
هو فعل بمعنى فاعل، مثل تبع بمعنى تابع، يقال: رجل فرط، وقوم فرط، يستوي
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٢٧).
(٢) ((الصحاح)) (٣ / ١١٤٨).

٥٣١
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
وَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْحَوْضُ، وَإِنِّي لأَنْظُرُ إِلَيْهِ وَأَنَا فِي مَقَامِي هَذَا، وَإِنِّي قَدْ
أَعْطِيتُ مَفَاتِحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ، وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا
بَعْدِي، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا أَنْ تُنَافِسُوا فِيهَا)). وَزَادَ بَعْضُهُمْ:
((فَتَقْتَتِلُوا فَتَهْلِكُوا كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٠٤٢، م:
٢٢٩٦].
٥٩٥٩ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّل
و
تَوِفَيَ فِي بَيْتِي، وَفِي يَوْمِي، وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَإِنَّ اللّهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي
وَرِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، دَخَلَ عَلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكَرٍ .
0
فيه الواحد والجمع، يريد تقدمه إلى دار الآخرة ليشفع لهم ويهيئ أسباب نجاتهم
وشفاعتهم .
وقوله: (وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض) إخبار بتملك أمته الخزائن.
وقوله: (أن تنافسوا فيها) أي: ترغبوا وتميلوا إليها كل الميل، ومنه شيء نفيس
ومنفوس یتنافس فیه ويرغب.
٥٩٥٩ - [٤] (عائشة) قوله: (توفي في بيتي وفي يومي) قد عرفت في شرح
الترجمة أنه * استأذن أزواجه في أن يمرض في بيت عائشة، فكان رّ في بيتها إلى
يوم وفاته، ولعله صادف يوم نوبتها أيضاً، وفيه تأكيد لبيان فضلها وإلا فالأيام كلها
سواء بعد الإذن، فافهم.
و(السحر) بفتح السين ويضم وسكون الحاء المهملة: الرئة، والمراد هنا الصدر؛
لأنه ◌َ كان مستنداً إلى صدرها، والمراد بـ (النحر) موضعه وهو موضع القلادة من
أعلى الصدر.

٥٣٢
(٩) باب
وَبِيَدِهِ سِوَاكٌ وَأَنَا مُسْنِدَةُ رَسُولِ اللهِ بِهِ، فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ
السّوَاكَ، فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَتَنَاوَلْتُهُ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ
وَقُلْتُ: أَلَيِّنُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَلَتْتُهُ، فَأَمَرَّهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ
فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَيَقُولُ: ((لاَ إِلَهَ
إِلَّ اللهِ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ)). ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: ((فِي الرَّفِيقِ
الأَعْلَى)). حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٤٩].
وقوله: (وأنا مسندة) بكسر النون بالإضافة، ويروى منوناً.
وقوله: (فتناولته) أي: أخذت السواك من عبد الرحمن وناولته رسول الله وحذف
هذا اختصارا.
وقوله: (فأمره) أي: على أسنانه ولسانه من الإمرار، وفي بعض الروايات:
(بأمره) جار ومجرور متعلق بـ (لينته)، و(الركوة) بفتح الراء: إناء من جلد .
وقوله: (في الرفيق الأعلى) أي: اجعلني في الرفيق الأعلى، وأريد الدخول
فيهم، أو (في) بمعنى الباء تقديره: أريد اللحوق بالرفيق الأعلى، ويجوز أن يكون
زائدة، أي: أريد الرفيق الأعلى، وفي رواية: (اخترت الرفيق الأعلى)، قال في
(المشارق)(١): قيل: هو اسم من أسماء الله تعالى، وخطأ هذا الأزهري، وقال: بل هم
جماعة الأنبياء، ويصححه قوله في الحديث الآخر: (مع النبيين والصديقين) إلى
قوله: (وحسن أولئك رفيقاً) وهو يقع للواحد والجميع، وقيل: أراد مرتفق الجنة،
وقال الداودي: هو اسم لكل سماء، وأراد الأعلى؛ لأن الجنة فوق ذلك، ولم يعرف
هذا أهل اللغة ووهم فيه، ولعله تصحف له من الرفيع، وقال الجوهري: والرفيق
(١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٢٩٦).

٥٣٣
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
٥٩٦٠ - [٥] وَعَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((مَا مِنْ نَبِيِّ
يَمْرَضُ إِلَّ خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ». وَكَانَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ أَخَذَتْهُ
بُخَةٌ شَدِيدَةٌ،
أعلى الجنة، انتهى. وقيل: اجعلني في مكان الرفيق الأعلى، وأراد الرفيق الأعلى
نفسه، وبمكانه: المقام المحمود والمخصوص به، أي: اجعلني ساكناً فيه، أقول:
والذي يتبادر إلى الفهم أن يكون المراد بالرفيق الأعلى هو الله سبحانه، والرفيق من
أسماء الله تعالى.
وفي الحديث: (إن الله رفيق يحب الرفق)، قال عياض(١): الرفق في صفات الله
تعالى وأسمائه بمعنى اللطيف الذي في القرآن في قوله: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ،﴾
[الشورى: ١٩]، والرفق واللطف: المبالغة في البر على أحسن وجوهه، وكذلك في كل
شيء أخذه بأحسن وجوهه وأقربها، وهو ضد العنف، ومنه في الحديث: (الله رفيق
يحب الرفق في الأمر كله)(٢)، انتهى.
وأقول: ويؤيد إرادته ذكره ◌َي هذا الكلام بعد قول ملك الموت له: إن الله
يشتاق إلى لقائك، نعم ظاهر قوله: (في الرفيق الأعلى) بكلمة (في) أظهر في إرادة
النبيين وأرواحهم، ويؤيده قوله: (مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين)،
والله أعلم.
٥٩٦٠ - [٥] (عائشة) قوله: (ما من نبي يمرض) من باب سمع.
وقوله: (بين الدنيا والآخرة) أي: بين البقاء في الدنيا والذهاب إلى ما عند الله
في الآخرة، و(البحة) بضم الموحدة وتشديد الحاء المهملة: غلظة الصوت وخشونته،
(١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٢٩٦).
(٢) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٦٩٢٧).

٥٣٤
(٩) باب
فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ
وَالصَّالِحِينَ. فَعَلِمْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٨٦، م: ٢٤٤٤].
٥٩٦١ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ◌َّهِ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ الْكَرْبُ.
فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: وَاكَرْبَ أبَاهُ! فَقَالَ لَهَا: (لَيْسَ عَلَى أَبِيِكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْم)).
فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ! أَجَابَ رَبَّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهُ! مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ،
يَا أَبَتَاهُ! إِلَى حِبْرَتِيلِ نَنْعَاهُ. فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ: يَا أَنَسُ! أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ
أَنْ تَحْتُوا عَلَى رَسُولِ اللهِنَِّ التُّرَابَ؟ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٦٢].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٩٦٢ - [٧] عَنْ أَنَسٍ قَالَ :
والمراد هنا السعال .
٥٩٦١ - [٦] (أنس) قوله: (يتغشاه الكرب) أي: يغمى عليه من شدة المرض.
وقوله: (واكرب أباه) أَلِفُهُ للندبة أو على قول بعض في الأب.
وقوله: (ليس على أبيك كرب بعد اليوم) كأنها قالت هذه الكلمة في آخر يوم
حياته، فالمعنى أنه يصل بعد اليوم إلى الآخرة ولا کرب له فيه.
وقوله: (من جنة الفردوس) الرواية بفتح الميم وقد يكسر.
وقوله: (ننعاه) بنونين بلفظ المتكلم من النعي وهو الخبر بالموت، أي: نبكي
إليه، وقيل: نعزّيه، وقيل: نخبره، وهذا أوفق بمعناه الأصلي، وهو الخبر بالموت،
فافهم .
الفصل الثاني
٥٩٦٢ - [٧] (أنس) قوله :
٠
.

٥٣٥
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ◌ّهِ الْمَدِينَةَ لَعِبَتِ الْحَبَشَةُ بِحِرَابِهِمْ فَرَحاً لِقُدُومِهِ. رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩٢٣].
وَفِي رِوَايَةِ الدَّارِمِيِّ: قَالَ: مَا رَأَيْتُ يَوْماً قَطُّ كَانَ أَحْسَنَ وَلاَ أَضْوَأَ مِنْ
يَوْمٍ دَخَلَ عَلَيْنَا فِيهِ رَسُولُ اللهِوَّةِ، وَمَا رَأَيْتُ يَوْماً كَانَ أَقْبَحَ وَلاَ أَظْلَمَ مِنْ
يَوْمِ مَاتَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ. [دي: ٢٢٣/١].
وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ: لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ وَله
الْمَدِينَةَ أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِيِ مَاتَ فِيهِ أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ
شَيْءٍ، وَمَا نَفَضْنَا أَيْدِيَنَا عَنِ الْتُّرَابِ وَإِنََّ لَفِي دَفْنِهِ، حَتَّى أَنْكَرْنَاَ قُلُوبَنَا. [ت:
٣٦١٨] .
٥٩٦٣ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ وَِّ اخْتَلَفُوا
فِي دَفْنِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرِ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ شَيْئاً، قَالَ: ((مَا قَبَضَ اللهُ
نَبِيَّا إِلَّ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُحِبُّ أَن يُدْفَنَ فِیهِ»،
(بحرابهم) بالكسر جمع حربة: وهي الرمح الصغير.
وقوله: (حتى أنكرنا قلوبنا) بالنصب مفعول (أنكرنا)، لم يُرِدْ عدم التصديق
الإيماني، بل هو كناية عن عدم وجدان النورانية والصفاء الذي كان حاصلاً من مشاهدته
وحضوره # لتفاوت حال الحضور والغيبة، وقد بيّنا هذا المعنى بأحسن عبارة وبيان
في رسالة لنا مسماة بـ (مرج البحرين).
٥٩٦٣ - [٨] (عائشة) قوله: (في دفنه) أي: موضع دفنه، فقال بعضهم: يدفن
بمكة، وقال الآخر: بالمدينة في البقيع، وقيل: بالقدس.
وقوله: (يحب) يحتمل أن يكون الضمير الله أو للنبي ولار.

٥٣٦
(٩) باب
ادْفِنُوهُ فِي مَوضع فِرَاشِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٠١٨].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٩٦٤ - [٩] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِّهِ يَقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ:
(إِنَّهُ لَنْ يُقْبَضَ نَبِيٌّ حَتَّى يُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخَّرَ)). قَالَتْ عَائِشَةُ:
فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ، وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ
إِلَى السَّقْفِ ثُمَّ قَالَ: ((اللهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى)). قُلْتُ: إِذَنْ لاَ يَخْتَارُنَاَ. قَالَتْ:
وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثْنَا بِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ فِي قَوْلِهِ: ((إِنَّهُ لَنْ
يُقْبَضَ نَبِيِّ قَطُّ حَتَّى يُرَى مَفْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ثُمَّيُخَيََّ)، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَ
آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا النَّبِيُّ ◌َِّ قَوْلهُ: ((اللّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[خ: ٤١٧٣، م: ٢٤٤٤].
الفصل الثالث
٥٩٦٤ - [٩] (عائشة) قوله: (حتى يرى) بلفظ المجهول والمعلوم.
وقوله: (مقعده) منصوب على الوجهين .
وقوله: (فلما نزل به) قال النووي(١): ضبطناه بضم نون وكسر زاي، أي: نزله
ملك الموت، وفي أكثرها بفتحات، وفي رواية: (فلما نزلت)، قال في (المشارق)(٢):
يريد منيته .
وقوله: (فكان آخر كلمة ... إلخ)، قالوا: وكان أول كلمة تكلم بها وهو مسترضع
عند حليمة : الله أكبر.
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٥ / ١٢).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٩).

٥٣٧
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
٥٩٦٥ - [١٠] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ
الَّذِي مَاتَ فِيهِ: ((يَا عَائِشَةُ! مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ،
وَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَنْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السَّمِ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. آخ:
٤١٦٥].
٥٩٦٦ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ، وَفِي
الْبَيْتِ رِجَالٌ، فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((هَلُمُّوا أَكْتُبْ لَكُمْ
كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ)). فَقَالَ عُمَرَ: قَدْ غُلِبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ، وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ،
حَسْبُكُمْ كِتَابُ اللهِ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ وَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا
يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ. وَمِنْهُمْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ،
٥٩٦٥ - [١٠] (وعنها) قوله: (أوان) يجوز فيه الرفع والفتح؛ لأن الظروف
المضافة إلى الجملة يجوز بناؤها، فإن أُعْرِب كان مرفوعاً لأنه خبر المبتدأ، وسقوط
التنوين للإضافة، وإن بني كان مبنيًّا على الفتح، و(الأبهر) عرق فيه وريد العنق يتعلق
به القلب .
٥٩٦٦ - [١١] (ابن عباس) قوله: (قال: لما حضر) بلفظ المجهول، أي: حضره
الموت وكان ذلك يوم الخميس، وعاش بعد ذلك إلى يوم الاثنين، فلا يخلو الكلام
عن تجوز.
وقوله: (أكتب لكم كتاباً) قيل: كان أراد أن يكتب تعيين واحد من الصحابة
للخلافة لئلا يقع نزاع بينهم، وأراد عمره التخفيف على رسول الله صل عند شدة
الوجع .
وقوله: (حسبكم كتاب الله) خطاب لمن نازعه في ذلك، وقد عرف ظه أن ذلك

٥٣٨
(٩) باب
الأمر لم يكن جزماً منه، بل دعا لمصالحهم، وكان أصحابه إذا أمر بشيء غير جازم
يراجعونه وكان يتركه برأيهم، ولو كان الأمر مما لا بد منه لما ترك ذلك بسبب
اختلافهم، وكان عمر خشي أن يكون ما رآه النبي ◌َّ شاقًّا عليهم موجباً لوقوع الفتن
بينهم، فلذلك أشار إلى أن تركه أولى، فتركه النبي ◌َّ وذلك مثل ما مر في أول الكتاب
من إرساله * أبا هريرة بأن يبشر الناس أن من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فمنعه
عمر لئلا يتكلوا فتركه وَّلإر على ذلك، وقيل: إن عمر ظله خشي تطرق المنافقين ومن
في قلبه مرض لما يكتب في ذلك الكتاب في الخلوة، وأن يقولوا في ذلك الأقاويل
كادعاء الرافضة الوصية وغير ذلك، وقالت طائفة: إن معنى الحديث أن النبي يملّ كان
مجيباً في هذا الكتاب لما طلب منه لا أنه ابتدأ بالأمر به بل اقتضاه منه بعض أصحابه
فأجاب رغبتهم، وكره ذلك غيرهم للعلل التي ذكرناها، كذا قال القاضي عياض في
(الشفا)(١) والله أعلم.
وقال البيهقي: قد حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله أنه وَّ أراد أن
يكتب استخلاف أبي بكر، ثم ترك ذلك اعتماداً على ما علم من تقدير الله تعالى، وعلى
أنهم لا يجاوزون ذلك، كما قال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر كما يأتي من حديث
البخاري وقدمناه في شرح الترجمة، وادعاء الشيعة أن غرضه و ﴿ كان كتابة الوصية
العلي ظُه لا يخلو عن تناقض، إذ هم يقولون: إن استخلافه ظُه ثبت بنص قطعي
يوم غدير خم، فلا حاجة إلى كتابة الآن، بل هذه الكتابة ربما ينظر إلى أنه لم تثبت
قبل ذلك وصيته وخلافته به، فافهم. والمراد بأهل البيت من كان في البيت حينئذٍ،
ولم يرد أهل بيت النبي ◌َّر.
(١) ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى)) (٢ / ٤٣٣، ٤٣٧).

٥٣٩
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغَطَ وَالإِخْتِلاَفَ قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((قُومُوا عَنِّي)). قَالَ
عُبَيْدُاللهِ: فَكَانَ ابنُ عباسٍ يَقُول: إِنَّ الرَّزِيئَةَ كُلَّ الرَّزِيئَةِ مَا حَالَ بَيْنَ
رَسُولِ اللهِوَّهِ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ لإِخْتِلاَفِهِمْ وَلَغَطِهِمْ.
وَفِي رِوَايَةٍ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي مُسْلِمِ الأَحْوَلِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: يَوْمُ
الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى. قُلْتُ: يَا ابْنَ
عَبَّاسٍ! وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ قَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِنَّهِ وَجَعُهُ فَقَالَ: ((ائْتُونِي
بِكَتِفٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدَا)، فَتَنَازَعُوا وَلاَ يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيِّ
تَنَازُعٌ.
و(اللغط) بفتح اللام وسكون الغين المعجمة ويحرك: الصوت أو أصوات
مبهمة لا تفهم، و(الرزيئة) المصيبة بفتح الراء وكسر الزاي بعدها ياء ثم همزة على
وزن الخطيئة، وقد تسهل وتشدد الياء.
وقوله: (يوم الخميس) خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف.
وقوله: (ثم بکی) یحتمل أن يكون البكاء لتذکر وفاته بّۇ وتجدد الحزن عليه،
أو لفوات ما فات في معتقده من الخير.
وقوله: (قلت: يا ابن عباس) قائله سعيد بن جبير الراوي عن ابن عباس، وظاهر
عبارة المؤلف يقتضي أن قائله سليمان وليس كذلك، وهذا ظاهر من سياق (صحيح
البخاري).
وقوله: (أبداً) ربما ينظر إلى أن المراد كان كتابة الأحكام تفصيلاً، والله أعلم.
وقوله: (ولا ينبغي عند نبي تنازع) هو من جملة الحديث المرفوع، ويحتمل أن
يكون مدرجاً من قول ابن عباس، والصواب الأول، فقد تقدم في (كتاب العلم) بلفظ:

٥٤٠
(٩) باب
فَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ، فَذَهَبُوا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ. فَقَالَ: ((دَعُونِي
ذَرُونِي، .
(ولا ينبغي عندي التنازع)، كذا قال الشيخ(١).
وقوله: (ما شأنه أهجر؟) بألف الاستفهام، أي: اختلط كلامه بسبب المرض،
قالوا ذلك إنكاراً على من قال: لا يكتبها، أي: لا تجعلوا أمر رسول الله وشلفر كأمر من
هجر في كلامه، ولا يجوز أن يكون بمعنى هذي وفحش؛ لأن القائل بعدم الكتابة
عمر ظه، ولا يظن به ذلك حتى ينكر، وفي ظاهر كلام القاضي عياض دلالة على
جواز إرادة ذلك، وهو صحيح لأن المقصد النفي والإنكار.
وفي رواية: (هجر) بلا استفهام، ولا يصح إلا أن يقال: بحذف حرف الاستفهام،
قال في (المشارق)(٢): قوله: أهجر رسول الله بقليل، كذا هو الصحيح بفتح الهاء،
أي: هذي، والهجر: الهذيان، وككلام المبرسم والنائم، وكذلك يقال في من كثر كلامه
وجاوز حده، يقال منه: هجر، وقول هذا في حقه ◌ّ﴿ إنما يصح على طريق استفهام
التقرير والإنكار لمن ظن ذلك به إذ لا يليق به الهذيان، ولا قول غير مضبوط في
حالة من حالاته نَّ؛ لأن جميع ما يتكلم به حق وصحيح ولا سهو فيه ولا خلف
ولا غلط في حال صحته ومرضه ونومه ويقظته ورضاه وغضبه، إلا أن يتأول هجر
أيضاً على المعنى الأول، وحذف ألف الاستفهام، وجاء في رواية: أن رسول الله وكله
يهجر.
وعند أبي ذر: هُجِرَ على ما لم يسم فاعله، وعند غيره: هجر بفتحها، وعند
(١) ((فتح الباري)) (٨/ ١٣٣).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٤٤٩، ٤٥١).