النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل فَقَالَ: ((شَاهَتِ الْوُجُوهُ، فَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْهُمْ إِنْسَاناً إِلَّ مَلأَ عَيْنَيْهِ تُرَاباً بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ فَهَزَمَهُمْ اللهُ، وَقَسَمَ رَسُولُ اللهِنَّهِ غَنَائِمَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٧٧]. ٥٨٩٢ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلَه حُنَيَّناً، فَقَالَ رَسُولُ اللهَِّهُ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الإِسْلاَمَ: ((هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ)»، فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ، قَاتَلَ الرَّجُلُ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ، وَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرأيتَ الَّذِي تُحَدِّثُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَدْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ، فَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ؟ فَقَالَ: ((أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ))، فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الْجِرَاحِ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ، فَانْتُزَعَ سَهْماً. (الصراح)(١): قبضة بالضم: يك مشت از هر چيز، وربما جاء على الفتح. وقوله: (شاهت الوجوه) أي: قبحت . ٥٨٩٢ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (الرجل) اسم الرجل قزمان بالقاف كان من المنافقين، كذا قالوا. وقوله: (فأهوى بيده إلى كنانته) بالكسر أي: إلى جعبته، و(أهوى) أي: أمال، يقال: أهوى يده وبيده إلى الشيء: أمالها إليه ليأخذه. وقوله: (فانتزع سهماً) هكذا في رواية أبي ذر بالإفراد، ولغيره: أسهماً بالجمع . (١) ((الصراح)) (ص: ٢٨٤). ٤٤٢ (٧) باب في المعجزات فَانْتُحَرَ بِهَا، فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! صَدَّقَ اللهُ حَدِيثَكَ، قَدِ انْتُحَرَ فُلاَنٌ وَقَتَلَ نَفْسَهَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُاللهِ وَرَسُولُهُ، يَا بِلَاَلُ! قُمْ فَأَذِّنْ، لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّ مُؤْمِنٌ، وَإِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٢٠٣]. ٥٨٩٣ _ [٢٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُحِرَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ. وقوله: (فانتحر بها) وفي (صحيح البخاري): فنحر بها، وتأنيث الضمير على رواية لفظ الجمع ظاهر، وعلى لفظ الإفراد بإرادة الجنس، ثم إنه قد جاء في حديث آخر للبخاري(١) عن سهل بن سعد الساعدي: أن الرجل وضع سيفه بالأرض وذبابه بین ثدییه، ثم تحامل علی سیفه فقتل نفسه. وقال القسطلاني (٢) في تطبيق الروايتين: إنه لا منافاة بينهما لاحتمال أن يكون نحر نفسه بأسهمه فلم تزهق روحه وقد أشرف على القتل، فاتكأ حينئذ على سيفه استعجالاً للموت، هذا ثم إنه قد ذكر في (المواهب)(٣) هذه القصة في غزوة خيبر، وكذلك في (صحيح البخاري)، ولفظ الكتاب على أنه كان في غزوة حنين، ولعله صحف بعضهم (خيبر) بـ (حنين)، والله أعلم. وقوله: (وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) يريد قتاله أشد القتال. ٥٨٩٣ - [٢٦] (عائشة) قوله: (سُحر رسول الله وَ﴿) قد استبعد قوم من الملاحدة (١) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٢٨٩٨). (٢) ((إرشاد الساري)) (٦ / ٣٦٣). (٣) ((المواهب اللدينة)) (١ / ٥٢٣). ٤٤٣ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل عروض السحر وأمثاله عليه وَي، وتوهموا أنه مما يمنع الثقة بالشرع بأقواله وبأفعاله، ويوجب لبساً وشكاً في أمره، وهذا التوهم باطل بعد وجود الدلائل القطعية على صدقه وثبوت نبوته، وإنما السحر مرض من الأمراض وعارض من العلل، يجوز طريانه عليه كأنواع المرض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته، ولو فرض شيء من الاختلال في الأفعال بعلة المرض فإنه لا يوجب ظن الاختلال في سائر الأفعال التي لا مدخل فيها للمرض بعد حصول الصحة وزوال المرض. والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يجوز أن يطرأ عليهم العوارض البشرية من الآفات والتغيرات والآلام والأسقام ما يجوز على غيرهم، فإن أجسامهم وظواهرهم خالص للبشرية، وأما أرواحهم وبواطنهم فمعصومة منه متعلقة بالملأ الأعلى لأخذها العلم عنهم، وتلقيها الوحي منهم، وقد يقيهم الله سبحانه عن الآفات البشرية أيضاً ويعصمهم منها معجزة لهم وإظهاراً لشرفهم وامتيازهم من سائر البشر إذا اقتضت الحكمة ذلك، فليس وقايته من سم اليهودية أقل من سحر ابن الأعصم، وأمثال ذلك كثيرة . والحكمة في تأثير السحر في جسمه وي ليه إظهار أن السحر حق ثابت جرت به السنة الإلهية، وإظهار صحة نبوته فإن السحر لا يؤثر في الساحر، وأما ما ورد: أنه كان يخيل إليه وسير أنه فعل الشيء وما فعله ولا يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من تبليغه أو شريعته، أو يقدح في صدقه لقيام الدليل على عصمته، وإنما هذا فيما يجوز طرؤه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث بسببها ولا فضل من أجلها، فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم تجلى عنه كما كان. وقد فسره ما جاء في الحديث الآخر من قوله: حتى يخيل إليه أنه يأتي أهله ٤٤٤ (٧) باب في المعجزات ولا يأتيهن، وقيل: معناه أنه يظهر له من نشاطه وبتقدم عادته القدرة على النساء، فإذا دنا منهن أصابته أخذة السحر فلم يقدر على إتيانهن، ولم يأت في خبر منها أنه صدر عنه في ذلك قول بخلاف ما كان أخبر أنه فعله ولم يفعله، وإنما كانت خواطر وتخيلات، وقد قيل: إن المراد بالحديث أنه كان يتخيل الشيء أنه فعله وما فعله، ولكنه تخيل لا يعتقد صدقه، فيكون اعتقاداته كلها على السداد، وأقواله على الصحة، هذا ما ذكره الأئمة في هذا المقام. وقال القاضي عياض في (الشفا)(١): أنه قد وقع في روايات متعددة: سحر يهود بني زريق رسول الله ◌َّ﴿، فجعلوه في بئر حتى كاد أن ينكر بصره، حتى دله الله على ما صنعوا، فاستخرجه من البئر، وجاء في حديث آخر: حبس رسول الله وَّةٍ عن عائشة سنة، فبينا هو نائم أتاه ملكان ... الحديث. وروي: حبس رسول الله وَّر عن عائشة خاصة سنة، حتى أنكر بصره، قال(٢): فقد استبان لك من مضمون هذه الروايات أن السحر إنما تسلط على ظاهره وجوارحه لا على قلبه واعتقاده وعقله، ويكون قول عائشة: إنه يخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله من باب ما اختل من بصره كما ذكر في الحديث، فيظن أنه رأى شخصاً من بعض أزواجه أو شاهد فعلاً من غيره ولم يكن على ما يخيل إليه لما أصابه في بصره وضعف نظره، لا لشيء طرأ عليه في مَيْزِهِ، وإذا كان هذا لم يكن فيما ذكر من إصابة السحر له وتأثيره فيه ما يدخل لبساً ولا يجد به الملحد المعترض أنساً، انتهى كلام القاضي - رحمة الله علیه -، وکان سحره بعد رجوعه دي من الحديبية في ذي الحجة من السنة السادسة، ومدة بقائه قيل: أربعون (١) ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى)) (٢ / ٤١٤ - ٤١٥). (٢) أي: القاضي عياض. ٤٤٥ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدِي دَعَا اللّهَ وَدَعَاهُ، ثُمَّ قَالَ: ((أَشَعَرْتِ يَا عَائِشَةُ! أَنَّ اللهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ، جَاءَنِي رَجُلاَنٍ، جَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلِي، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ الْيَهُودِيُّ، قَالَ: فِي مَاذَا؟ قَالَ فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ . يوماً، وفي رواية: ستة أشهر، وفي رواية: سنة، ويجمع بأن قوته وغلبته كانت أربعين يوماً، ووجود آثاره إلى ستة أشهر، وبقيت بعض بقاياه إلى سنة، والله أعلم. وقوله: (دعا الله ودعاه) أي: دعا مكرراً دعاء بعد دعاء واستمر عليه، وبالغ فيه، وجاء في رواية: (دعا ثم دعا). وقوله: (أن الله قد أفتاني) في (القاموس)(١): أفتاه في الأمر: أبانه له . وقوله: (عند رجلي) بلفظ التثنية . وقوله: (مطبوب) أي: مسحور، طبه: سحره، ومن معاني الطب: السحر. وقوله: (لبيد بن الأعصم اليهودي) وقيل : فعلته بناته بأمره وشركته، ومن ثم نزل قوله تعالى: ﴿النَّفَّشَتِ فِى الْعُقَدِ ﴾ [الفلق: ٤]. وقوله: (في مشط ومشاطة) بالضم رواية، وفي (القاموس)(٢): المشط مثلثة وككتف، وعنق، وعتل، ومنبر: آلة يمتشط بها، والمشاطة: ما سقط منه، والماشطة: التي تحسن المشط، وحرفتها: المشاطة بالكسر، انتهى. وبناء فعالة بالضم يجيء لما يسقط عن الشيء كقلامة وكناسة، وكان عُقِد في شَعْر لحيته كل﴾. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢١٢). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٣٣). ٤٤٦ (٧) باب في المعجزات وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِثْرِ ذَرْوَانَ»، فَذَهَبَ النَّبِيُّ لَهُ فِي أُنَاسِ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْبِثْرِ، . وقوله: (وجف طلعة ذكر) أي: في غشاها، الجف بضم الجيم وتشديد الفاء: وعاء طلع النخل، وهو الغشاء الذي عليه، وفي (القاموس)(١): الطلع من النخل : شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان، والحمل بينهما منضود، أو ما يبدو من ثمرته في أول ظهورها، وأضاف (طلعة) إلى (ذكر)؛ لأنه يكون للنخل ذكر وأنثى، ولعل السحر من الذكر يكون أقوى، أو يكون للرجل بالذكر، وللنساء بالأنثى، وفي (المشارق)(٢): الجف بالفاء للمروزي والسمر قندي، والباء للجرجاني والعذري، كلاهما بضم الجيم، وهو قشر الطلع وغشاؤه الذي یکون فيه . وقوله: (في بئر ذروان) بالذال المعجمة المفتوحة: اسم بئر، وفي بعض الروايات: (أروان) بالألف، قالوا: وكلاهما صحيح مشهور، وقال التُّربِشْتِي(٣): أراها أصوب الروايتين؛ لأن أروان بالمدينة أشهر من ذروان، وذروان على مسيرة من المدينة، انتهى. والموجود في نسخ (المشكاة) ذروان بالذال. وقوله: (فذهب النبي ◌َّ في أناس) بضم الهمزة (من أصحابه) وجاء في رواية عن ابن عباس: أنه أرسل عليًّا وعماراً ﴾ لاستخراج السحر من بئر ذروان، فوجدا جف طلعة نخل فيه تمثاله ◌َ* من شمعة وغرزت فيه عدة إبر وخيطة، وفي رواية: وتر فيه أحد عشر عقداً، فنزل جبرئيل بالمعوذتين، فكان تنحل بكل آية يتلونها عقدة، (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٣٥). (٢) ((مشارق الأنوار)) (١ / ١٣٨). (٣) ((كتاب الميسر)) (٤ / ١٢٨٦). ٤٤٧ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل فَقَالَ: ((هَذِهِ الْبِثْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينَ)) فَاسْتَخْرَجَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣٩١، م: ٢١٨٩]. ٥٨٩٤ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْماً .. وكلما يخرجان منها مخيطاً يسكن ألمه عليه، ولعله ◌َلل ذهب إلى البئر وأمرهما بدخولهما فيها، والله أعلم. وقوله: (والنقاعة) بضم النون وخفة القاف وتشديدها وبمهملة: ماء ينقع فيه الحناء ونحوه، وفي (القاموس)(١): نقاعة كل شيء بالضم: الماء الذي ينقع فيه . وقوله: (وكأن نخلها رؤوس الشياطين) قد يذهب الفهم إلى أن المراد بالنخل هو أشجارها التي حول البئر تشبيهاً لرؤوسها برؤوس الشياطين في قبح النظر، يعني أن البئر في مكان موحش قبيح، لكن الشيخ التُّورِبِشْتِي(٢) قال: إن المراد بالنخل طلع النخل، وأضاف إلى البئر لكونه مدفوناً فيها، والتشبيه برؤوس الشياطين لما صادفوا عليه من الوحشة وقبح المنظر، وكانت العرب تعد صور الشياطين من أقبح المناظر، وقيل: المراد بالشياطين الحيات الخبيثات، والحية يقال لها: الشياطين. ٥٨٩٤ - [٢٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (وهو يقسم قسماً) بالفتح مصدر بمعنى المقسوم، والقسم بالكسر: النصيب، والجزء من الشيء المقسوم، ويجوز أن يترك على معنى المصدر للتأكيد، والمفعول محذوف، أي: مالاً أو غنيمة، وكان في غنائم حنين قسمها بالجعرانة. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٠٩). (٢) ((كتاب الميسر)) (٤ / ١٢٨٦). ٤٤٨ (٧) باب في المعجزات أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَة، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! اعْدِلْ، فَقَالَ: ((وَيْلَكَ فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ)) فَقَالَ عُمَرُ: اثْذَنْ لِي أَضْرِبْ عُنْقَهُ، فَقَالَ: ((دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَاباً يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاَنَّهُ مَعَ صَلَاَنِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقَِهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ إِلَی رُصَافِهِ إِلَی نَضِیِّهِ. وقوله: (ذو الخويصرة) بضم المعجمة وفتح الواو وسكون التحتانية وكسر الصاد المهملة. وقوله: (قد خبت وخسرت) بضم المخاطب. وقوله: (يحقر) من ضرب، أي: يقلل، تعليل لقوله: (دعه) لأنه نهى عن قتل المصلين، فإن قلت: قد قال في آخر الحديث: (لئن أدركتهم لأقتلنهم)؟ قلنا: إن الإباحة عند كثرتهم وإظهار الامتناع على الإمام وخروجهم عن طاعته، وهو غير موجود الآن، وكان أول ظهورهم في زمن أمير المؤمنين علي ظ ◌ُته. وقوله: (لا يجاوز تراقيهم) كناية عن عدم صعوده إلى محل القبول والإثابة، (يمرقون) أي: يخرجون من الدين، ويمرون عليه من غير انتفاع به ويخرجون من طاعة الإمام بسرعة (كما يمرق السهم من الرمية) بفتح الراء وكسر الميم وتشديد الياء، فعيل بمعنى الرمي يعني الصيد، أي: يخرج ويمر من جانب إلى جانب آخر ولا يقر فيها، و(ينظر) بلفظ المجهول، و(النصل): حديدة السهم والرمح، و(رصافه): عصب يلوى على مدخل النصل وفوقه. وقوله: (نضيه) بفتح النون وكسر الضاد وتشديد الياء. ٤٤٩ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل وَهُوَ قِدْحُهُ إِلَى قُذَذِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، وقوله: (وهو قدحه) تفسير للنضي في البين من كلام الراوي، و(القدح) بالكسر: السهم قبل أن يراش وينصل، والمراد ما بين الريش والنصل. وقوله: (إلى قذذه) من كلام الرسول بلال مذكور مع أخواته بطريق التعداد، وهو بضم القاف وفتح الذال الأولى جمع قدّة بالضم: ريش السهم. وقوله: (فلا يوجد فيه شيء) أي: من أثر الصيد من دم ونحوه. وقوله: (قد سبق الفرث والدم) جملة حالية، والفرث بفتح الفاء وسكون الراء ومثلثة في آخره: السرجين في الكرش، أي: كما نفذ السهم في الرمية بحيث لم يتعلق به شيء من الروث والدم، كذلك دخول هؤلاء في الإسلام ثم خروجهم منه بحيث لم يؤثر فيهم، ولم يظهر علامته منهم. واستدل بهذا الحديث من كفر الخوارج، وقال الخطابي: المراد بالإسلام والدين هنا طاعة الإمام، وجاء في رواية البخاري ومسلم وابن ماجه: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر الرامي في النصل فلا يرى شيئاً، وينظر في القدح فلا يرى شيئاً، وينظر في الريش فلا يرى شيئاً، ويتمارى في الفوق هل علق به من الدم شيء)، كذا أورد السيوطي في (جامع الصغير)(١)، والفوق بضم الفاء في آخره قاف: مدخل الوتر من السهم، قال بعض العلماء: هذا إشارة منه ◌ّ إلى التوقف في تكفير الخوارج لشبهة الإيمان، وسئل مالك عن أهل الأهواء إكفارهم؟ قال: من الكفر هربوا، وقد يروى مثل هذا عن أمير المؤمنين علي ظه في شأن الخوارج، والله أعلم. (١) ((الجامع الصغير)) (١٤٠١٣). ٤٥٠ (٧) باب في المعجزات آَيْتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ، إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُّ، وَيَخْرُجُونَ عَلَى خَيْرٍ فِرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ))، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللهِوَّةِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فالْتُمِسَ، فَأُتِيَ بِهِ، . وقال بعضهم في تطبيق المشبه على المشبه به: المراد بالنصل: القلب الذي هو المؤثر والمتأثر، فإذا نظرت إلى قلبه فلا تجد فيه أثراً من العبادات من الخشوع والحضور، وبالرصاف: الصدر الذي هو محل الانشراح للأوامر والنواهي فلم ينشرح لذلك، وبالنضي: البدن، والمعنى أن البدن وإن تحمل تكاليف الشرع لكن لم يحصل له من ذلك فائدة، وبالقذة: أطراف البدن التي بمثابة الآلات لأهل الصناعات، أي: لم يحصل له بها ما يحصل لأهل السعادات. وقوله: (آيتهم) أي: علامتهم (رجل) منهم يخرج بالصفة المذكورة بعدهم، يظهر منه أثر الضلالة ما به يستحقون القتل، ويقال لهذا الرجل: ذو الثدية بضم المثلثة وفتح الدال وتشديد الياء تصغير ثدي، وهو رئيس الخوارج الذي حارب عليًّا غُه. وقوله: (تدردر) أصله: تتدردر على وزن تتدحرج، أي: تجيء وتذهب وتضطرب . وقوله: (ويخرجون) أي: يخرج هذا الرجل ومن معه بالبغي (على خير فرقة من الناس) يريد عليًّا وأصحابه رضي الله عنه وعنهم، وفي رواية: (على حين فرقة من الناس)، و(فرقة) بضم الفاء، أي: في حين شتات أمر الناس، واضطراب أحوالهم وظهور المحاربة بينهم. وقوله: (فأمر) أي: علي ◌َظُهُ (بذلك الرجل فالتمس) بلفظ المجهول، أي: أمر بالتماسه وطلبه بين المقتولين . ٤٥١ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ ◌َهِ الَّذِي نَعَتَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، نَتِىءُ الْجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُا اتَّقِ اللهَ، فَقَالَ: ((فَمَنْ يُطِعِ اللهَإِذَا عَصَيْتُ، فَيَأْمَُّنِي اللهُ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلاَ تَأْمَنُونِّي))، فَسَأَلَ رَجُلٌ قَتْلَهُ فَمَنَعَهُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: ((إِنَّ مِنْ ضِئْضِىءٍ هَذَا قَوْماً يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَيَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ، وقوله: (وفي رواية) أي: بدل (أتاه ذو الخويصرة) في أول هذا الحديث، فهذا نعت ذو الخويصرة، و(غائر) اسم فاعل، والغور بمعنى ذهاب الماء في الأرض، ويقال: غارت عينه، أي: دخلت في رأسه، و(ناتئ الجبهة) أي: مرتفعها من نتًا عضوُهُ ينتو نتوًّا فهو ناتٍ : ورِمَ. وقوله: (مشرف الوجنتين) أي: خال الخدين، والوجنة مثلة: الخد. وقوله: (فيأمنني) أي: يجعلني أميناً. وقوله: (من ضئضئ) بكسر الضاد المعجمتين، وقيل: بالمهملتين أيضاً، وبالهمزتين: الأصل، والمراد من الأصل الذي هذا الرجل منه في النسب والمذهب، وليس المراد أنهم يتولدون منه إذ لم يكن في الخوارج قوم من نسل ذي الخويصرة. وقال التُّوربِشْتِي(١): من ذهب إلى أنهم يتولدون منه فقد أبعد، إذ لم يذكر في الخوارج قوم من نسل ذي الخويصرة، والزمان الذي قال فيه رسول الله صل* هذا القول إلى أن نابذ المارقة عليًّا رَظُه وحاربوه لا يحتمل ذلك، بل معناه من الأصل الذي هو (١) ((كتاب الميسر)) (٤ / ١٢٨٨). ٤٥٢ (٧) باب في المعجزات وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لِأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٦٣، م: ١٠٦٤]. ٥٨٩٥ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلاَمِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَدَعَوْتُهَا يَوْماً، فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللهِوَِّ مَا أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ وَأَنَا أَنْكِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! ادْعُ اللهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: ((اللهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ)). فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِراً بِدَعْوَةٍ الَّبِّ ◌َهِ، فَلَمَّا صِرْتُ إِلَى الْبَابِ فَإِذَا هُوَ مُجَافٌ، فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ فَقَالَتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَة! وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ، منه في النسب، أو من الأصل الذي هو عليه في المذهب، كذا قيل، انتهى. وهذا الرجل حارب عليًّا ظُه هو غير ذو الخويصرة الذي كان في زمن رسول الله وَل، وقد يتوهم كونهما واحداً وهو خطأ. وقوله: (ويدعون) بفتح الدال، أي: يتركون . وقوله: (لأقتلنهم قتل عاد) أي: لأقتلنهم وأهلكتهم بالكلية كما هلك عاد، وإطلاق القتل على عاد للمشاكلة. ٥٨٩٥ - [٢٨] (أبو هريرة) قوله: (فأسمعتني) بلفظ الغائبة من الإسماع، أي: قالت سيئاً. وقوله: (فإذا هو) أي: الباب (مجاف) بضم الميم: أي: مغلق مردود. وقوله: (خشف) بفتح الخاء المعجمة وسكون الشين وبالفاء بمعنى الصوت والحس والحركة. وقوله: (مكانك) بالنصب، أي: الزم مكانك وقِفْ، و(خضخضة الماء) ٤٥٣ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل فَاغْتَسَلَتْ فَلَبِسَتْ دِرْعَهَا، وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا، فَفَتَحَتِ الْبَابَ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ﴿ وَأَنَا أَنْكِي مِنَ الْفَرْحِ، فَحَمِدَ اللهَ وَقَالَ خَيْراً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٩١]. ٥٨٩٦ - [٢٩] وَعنهُ قَالَ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِ﴾ وَاللهُ الْمَوْعِدُ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، تحريكه، في (القاموس)(١): الخضخضة: تحريك الماء والسويق ونحوه. وقوله: (وعجلت) من سمع يسمع، أي: عجلت إلى فتح الباب متجاوزة عن خمارها، أي: فتحت الباب قبل أن يلبس خمارها، والمعجزة هنا ظهور أثر دعائه اليهود في شأن أم أبي هريرة في الحال مع كونها آتية قائلة فيه كلّ ما لا يجوز، فهو من تصرفه وَ﴿ فيها وتقليب قلبها على الإيمان بإذن الله، فافهم. ٥٨٩٦ - [٢٩] (وعنه) قوله: (إنكم تقولون: أكثر أبو هريرة) كأنه كان هذا القول منهم استغراباً واستبعاداً وتوهماً لعدم رعاية الاحتياط منه، لا تكذيباً وعدم قبول روایته، فافهم. وقوله: (والله الموعد) أي: لقاء الله هو الموعد يعني به يوم القيامة، فهو يحاسبني ويجازيني على عملي من الزيادة والنقصان في حديثه وَّة، و(الصفق بالأسواق) كناية عن البيع والشراء، صفق يده على يده، وذلك عند وجوب البيع، فإن المهاجرين كانوا أصحاب تجارات، كما أن الأنصار كانوا أصحاب زراعات، وأموال أهل المدينة (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٩١). ٤٥٤ (٧) باب في المعجزات وَكُنْتُ امْرَأَ مِسْكِيناً أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِوَّهِ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، وَقَالَ النَّبِيُّ يَوْماً: ((لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ ثُمَّ يَجْمَعَهُ إِلَى صَدْرِهِ فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئاً أَبَداً)، فَبَسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرَهَا حَتَّى قَضَى النَّبِيُّ ◌َّهِ مَقَالَتَهُ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيتُ مِنْ مِقَالَتِهِ ذَلِكَ إِلَى يَومِي هَذَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣٥٤، م: ٢٤٩٢]. ٥٨٩٧ _ [٣٠] وَعَنْ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ لَّه: ((أَلاَ تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟)) فَقُلْتُ: بَلَى وَكُنْتُ لاَ أَنْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، .. نخيلُهم، وإذا نسبت الأموال إلى أهل مكة كان المراد الإبل. وقوله: (على ملء بطني) أي: قانعاً واقفاً على ملء بطني، ومقتصراً عليه غير متجاوز عنه إلى طلب الزيادة . وقوله: (حتى أقضي مقالتي) هذه إشارة إلى دعاء دعاه لأصحابه بالحفظ والوعي لأحادیث سمعوها منه ێ . وقوله: (فينسى من مقالتي) جواب النفي على تقدير (أن)، والمراد بهذه المقالة كلامه وأحاديثه ◌َلّ التي سمع منه ◌َّ، و(النمرة) كساء فيه سواد وبياض، والمراد بمقالتي المذكورة ثالثاً الأول، وبالمذكورة رابعاً هو الثاني، هذا ولكن قد يختلج وجه الإشارة في الرابعة بقوله: (ذلك) فإن الظاهر الموافق لما قبله أن يقول: فما نسيت من مقالته شيئاً، ووجهه الطيبي(١) بأن ذلك إظهار إلى الجنس باعتبار المذكور، فافهم. ٥٨٩٧ _ [٣٠] (جرير بن عبدالله) قوله: (من ذي الخلصة) في (القاموس)(٢): (١) انظر: ((شرح الطيبي)) (١١ / ١٢٩). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٧٠). ٤٥٥ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ◌َ﴿ فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ يَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ: ((اللهُمَّ ثَبَتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِياً مَهْدِيًّا). قَالَ: فَمَا وَقَعْتُ عَنْ فَرَسِي بَعْدُ، فَانْطَلَقَ فِي مِئَةٍ وَخَمْسِينَ فَارِساً مِنْ أَحْمَسَ فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ وَكَسَرَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٢٠، م: ٢٤٧٦]. ٥٨٩٨ - [٣١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً كَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّنَّهِ فَارْتَدَّ عَنِ الإِسْلاَمِ، وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِنَّ الأَرْضَ لاَ تَقْبَلُهُ)) .. ذو الخلصة بفتحتين وبضمتين: بيت كان يدعى كعبة اليمانية لخثعم، كان فيه صنم، اسمه الخلصة، أو لأنه كان منبت الخلصة، والخلص محركة: شجر كالكَرْمِ يتعلق بالشجر فيعلو، طَيِّبُ الريح، انتهى. وقوله: (فانطلق) أي: جرير، الظاهر أنه من كلام الراوي، والأحمس على وزن الأحمر لقب قريش وكنانة وجديلة ومن تابعهم في الجاهلية، لتحمسهم في دينهم أو لالتجائهم بالحمساء وهي الكعبة؛ لأن حجرها أبيض إلى السواد، والحماسة: الشجاعة، والأحمس: الشجاع، والعام الشديد، وسنة حمساء، وسنون أحامس وحمسٌ، كذا في (القاموس) (١). والحمس: الأمكنة الصلبة جمع أحمس، وحمس كفرح: اشتد وصلب في الدين والقتال، فهو حمس وأحمس، وهي حمسى. وقوله: (بالنار) للتأکید علی مثال کتبه بيده. ٥٨٩٨ - [٣١] (أنس) قوله: (إن رجلاً) قيل: هو عبدالله بن أبي السرح، وهذا غلط؛ فإنه وإن كان ارتد ولكنه مات مسلماً، بل هو رجل كان نصرانيًّا فأسلم (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٩٩)، قوله: ((كذا في القاموس)) ثبت في (ع) وسقط في (ك)، و(ر) و(ب). ٤٥٦ (٧) باب في المعجزات فَأَخْبَرَنِي أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهُ أَتَى الأَرْضَ الَّتِي مَاتَ فِيهَا فَوَجَدَهُ مَنْبُوذاً فَقَالَ: مَا شَأْنُ هَذَا؟ فَقَالُوا: دَفَنَّاهُ مِرَاراً فَلَمْ تَقْبَلْهُ الأَرْضُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦١٧، م: ١٢٧٨]. ٥٨٩٩ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّوَلِ وَقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتاً فَقَالَ: ((َهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٧٥، م: ٢٨٦٩]. ٥٩٠٠ - [٣٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َهُ مِنْ سَفَرٍ، فَلَمَّا كَانَ قُرْبَ الْمَدِينَةِ هَاجَتْ رِيحٌ. فعاد نصرانيًّا . وقوله: (فوجده منبوذاً) أي: مطروحاً، قال في (القاموس)(١): النبذ: طرحك الشيء أمامك أو وراءك، أو عام. ٥٨٩٩ - [٣٢] (أبو أيوب) قوله: (وقد وجبت الشمس) أي: غربت، من وجبت بمعنى سقطت . وقوله: (فسمع صوتاً) الظاهر صوت يهود المعذبين، وقيل: يحتمل صوت الملائكة، أو صوت وقع العذاب، قيل: وعند الطبراني ما يؤيد الأول. وقوله: (يهود تعذب) هو خبر مبتدأ، أي: هذه يهود، أو هو مبتدأ و(يعذب) خبره، والأول أظهر . ٥٩٠٠ - [٣٣] (جابر) قوله: (فلما كان قرب المدينة هاجت ريح) الهيجان لازم متعد، والهوجاء: ريح شديدة تقلع البيت من أصله. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣١٩). ٤٥٧ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل تَكَادُ أَنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((بُعِثَتْ هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوْتٍ مُنَافِقٍ)). فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا عَظِيمٌ مِنَ الْمُنَافِقِيْنَ قَدْ مَاتَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٧٢]. ٥٩٠١ - [٣٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ◌َل حَتَّى قَدِمْنَا عُسْفَانَ، فَأَقَامَ بِهَا لَيَالِيَ، فَقَالَ النَّاسُ: مَا نَحْنُ هَهُنَا فِي شَيْءٍ، وَإِنَّ عِيَالَنَا لَخُلُوفٌ مَا نَأْمَنُ عَلَيْهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ◌َهِ فَقَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِیَدِهِ. وقوله: (تكاد أن تدفن) استعمل (كاد) استعمال (عسى) بـ (أن) والأكثر تركها في خبره، كذا قال النحاة، و(تدفن) بكسر الفاء من باب ضرب، والمراد بدفنها الراكب جعلها إياه بحيث يغيب عن أعين الناظر، أو إذهابها وإهلاكها إياه لشدتها، واللام في (لموت) للوقت، قيل: هو رفاعة بن زيد، والسفر غزوة تبوك، وقيل: رافع، والسفر غزوة بني المصطلق، كذا في الحواشي. ٥٩٠١ - [٣٤] (أبو سعيد الخدري) قوله: (عسفان) بضم العين: موضع على مرحلتين من مكة . وقوله: (في شيء) أي: من الحرب، أو أعم، أي: في شيء مهم. وقوله: (وإن عيالنا لخلوف) بضم الخاء جمع خلف أو خالف، في (القاموس)(١): هم الذين ذهبوا من الحي، ومن حَضَر منهم، وفي (النهاية)(٢): يقال: حيّ خلوف: إذا غاب الرجال وأقامت النساء، ويطلق على المقيمين والظاعنين، انتهى. وفي حديث (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٤٤). (٢) ((النهاية)) (٢ / ٦٨). ٤٥٨ (٧) باب في المعجزات مَا فِي الْمَدِينَةِ شِعْبٌ وَلاَ نَقْبٌ إِلاَّ عَلَيْهِ مَلَكَانٍ يَحْرُ سَانِهَا حَتَّى تَقْدَمُوا إِلَيْهَا))، ثُمَّ قَالَ: ((ارْتَحِلُوا))، فَارْتَحَلْنَا وَأَقْبَلْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ مَا وَضَعْنَا رِحَالَنَا حِينَ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ حَتَّى أَغَارَ عَلَيْنَا بَنُو عَبْدِ اللهِ بْنِ غَطَفَانَ، وَمَا يُهَيِّجُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْءٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٧٤]. ٥٩٠٢ - [٣٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سنّةٌ. المزادتين: (وَنَفَرُنا خلوف)(١) أي: رجالنا غيب، والخالف: المستسقي، أو الغائب، أي: خرج رجالنا للاستسقاء، أو غابوا وخلفونا. وقوله: (شعب) بالكسر: الطريق في الجبل، و(النقب) بفتح النون وسكون القاف أيضاً: الطريق في الجبل، ولكن المراد هنا الطريق بين الدارين، وفيه حديث: (وعلى أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال)(٢)، والأنقاب جمع قلة للنقب، ويجيء النقبة أيضاً بهذا المعنى، كأنه نقب من هذه وهذه، والنقب في الأصل بمعنى الثقب بالمثلثة . وقوله: (إلا عليه) أي: على كل واحد، و(يحرسانها) بضم الراء من نصر. وقوله: (حتى تقدموا) بفتح الدال من القدوم من سمع. وقوله: (فالذي يحلف به) أي: يقسم به وهو الله تعالى، و(غطفان) بالمعجمة والمهملة المفتوحتين. ٥٩٠٢ - [٣٥] (أنس) قوله: (سنة) أي: قحط، والسنة اسم للعام، ويطلق على القحط، كأنها غلب على سنة فيها القحط لاختصاصه بشيء وقع فيها من بين سائر (١) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٣٤٤). (٢) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٧١٣٣). ٤٥٩ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِنَّهِ، فَبَيْنَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَخْطَبُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلَكَ الْمَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِبَدِهِ مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَلَ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيِهِ، فَمُطِرنَا يَوْمِنَا ذَلِك، وَمِنَ الْغَدِ وَمِنْ بَعدِ الْغَدِ حَتَّى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ أَوْ غَيْرُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ، وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ اللهَلَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: السنين، فهي من الأسماء الغالبة كالدابة ونحوها. وقوله: (قزعة) بالقاف والزاي المفتوحتين: قطعة من سحاب، في (القاموس)(١): القزع محركة: قِطَعٌ من السحاب، والواحد بهاء. وقوله: (ما وضعها) هكذا وجدنا في النسخ بضمير الواحدة، والظاهر أنه يرجع إلى اليدين، فهي إما باعتبار إرادة جنس اليد، ويجوز أن يرجع إلى اليد الواحدة للمبالغة في سرعة القبول، كأنه قال: بأن ما وضع يداً واحدة فثار السحاب قبل أن يضع الأخرى، وفي (جامع الأصول)(٢): ما وضعهما بضمير التثنية، وما وجدنا هذه الكلمة في الصحيحين. وقوله: (يتحادر) أي: ينزل، وذلك لوكف المسجد؛ فإنه كان المسجد إذا نزل مطر وكف. وقوله: (أو غيره) هكذا في (المصابيح) بطريق الشك، وجاء في رواية: ثم دخل (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٩٣). (٢) ((جامع الأصول)) (٦ / ١٩٥). ٤٦٠ (٧) باب في المعجزات ((اللهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلاَ عَلَيْنَ)»، فَمَا يُشِيرُ إِلَى نَحِيَّةٍ مِنَ السَّحَابِ إِلَّ انْفَرَجَتْ وَصَارَتِ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ، رجل في الجمعة المقبلة، وهذا ظاهر في أنه غير الأول، وفي رواية: حتى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى، وهذا يقتضي الجزم بكونه واحداً، وكلاهما من أنس، فلعل ذكره بعد أن نسيه أو نسيه بعد أن ذكره، فلهذا ذكره صاحب (المصابيح) بالشك، وتبع المؤلف. وقوله: (اللهم حوالينا ولا علينا) يعني أنزل الغيث في المزارع لا على الأبنية، يقال: قعدوا حوله وحواله وحوليه وحواليه بفتح اللام دون كسرها كلها بمعنى، فالأصل: حول وحوال، وقد يثنى قصداً إلى التعدد والتكرار، وليس حوالي جمعاً حتى يكسر لامه، لكنه إنما ذكر (حوالينا) دون حولنا وحوالنا لمراعاة الازدواج مع (علينا)، والواو في (ولا علينا) للعطف بتقدير لا تمطر عطفاً على أمطر المقدر قبل، وقال الشيخ(١): ليست الواو خالصة للعطف بل للتعليل كقولهم: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها؛ فإن الجوع ليس مقصوداً بعينه بل لكونه مانعاً من الرضاع بأجرة إذ كانوا يكرهونه، فافهم. وقوله: (إلى ناحية من السحاب) وفي رواية: (إلى ناحية من السماء)، و(الجوبة) بفتح الجيم وسكون الواو وبالموحدة: الفرجة في السحاب، وهنا حذف أي: صار جو المدينة مثل الفرجة في السحاب، أي: خالياً عن السحاب، كذا قال الشيخ(٢)، وفي (النهاية)(٣): الجوبة: هي الحفرة المستديرة الواسعة وكل مُنفَتِقٍ بلا بناء: جوبة، (١) (فتح الباري)) (٢ / ٥٠٥). (٢) ((فتح الباري)) (٢ / ٥٠٦). (٣) ((النهاية)) (١/ ٣١٠).