النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شَمَالِهِ بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَباً بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالإِبْنِ الصَّالِحِ.
قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ
شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ
أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شَمَالِهِ بَگَى،
الإنسان، وقال في (فتح الباري)(١): هي الأشخاص من كل شيء.
وقوله: (قلت لجبرئيل: من هذا؟) ظاهر هذا الحديث أن سؤال النبي ◌َّر عن
جبرئيل من هذا كان بعد ترحيب آدم له، وحديث مالك بن صعصعة الذي مر دل على
أن الترحيب كان بعد السؤال، وهو المعتمد، وفيه ما يدل على تراخي الترحيب عن
السؤال، فيحمل هذا على ذاك، إذ ليس فيه أداة ترتيب.
وقوله: (نسم بنيه) النسم بنون وسين مهملة مفتوحتين جمع نسمة، وهي الروح،
قال في (المشارق)(٢): قال الجوهري: النسمة: النفس، والروح، والبدن، وإنما يعنى
هنا الروح، وقال الخليل: النسمة: الإنسان، وقال: ضبط بعضهم عن القابسي: (شيم)
بشين معجمة جمع شيمة: وهي الطباع، وهو تصحیف، انتهى.
وقال الشيخ(٣): قد جاء أن أرواح الكفار في سجين، وأرواح المؤمنين منعمة
في الجنة، فكيف [تكون] مجتمعة في سماء الدنيا؟ وأجيب بأنه يحتمل أنها تعرض
على آدم أوقاتاً فصادف وقت عرضها مرور النبي ◌ّ، ويحتمل أن النسم المرئية هي
التي لم تدخل الأجساد بعد، وهي مخلوقة قبل الأجساد، ومستقرها عن يمين آدم
(١) ((فتح الباري)) (١ / ٤٦١).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٤٧).
(٣) ((فتح الباري)) (١ / ٤٦١).

٤٠٢
(٦) باب في المعراج
حَتَّى تُرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ لِخَازِنِهَا: اقْتَحْ، فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ
مَا قَالَ الأَوَّلُ)). قَالَ أَنَسَرُ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ آدَمَ، وَإِدْرِيسَ،
وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَإِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ
وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ :
فَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَ يَقُولَانِ : .
وشماله، وقد أعلم بما سيصيرون إليه، فقوله: نسم [بنيه] عام مخصوص، انتهى كلام
الشیخ.
والأظهر أن يقال: إنها تمثلت أولها وآخرها في تلك الليلة إراءة للنبي بَّر على
ما نطق به قوله تعالى: ﴿لِثُرِيَهُ مِنْ ءَايَئِنَا﴾ [الإسراء: ١]، ولا يقتضي قوله: فأهل اليمين
منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار وجود الجنة والنار وحضورهما
هناك، كما لا يخفى على أنه يمكن القول بتمثلهما أيضاً، كما في حديث: (رأيت
الجنة والنار في عرض هذا الحائط)(١)، والله أعلم.
وقوله: (وإبراهيم في السادسة) قد مرّ في حديث مالك بن صعصعة: أنه رآه في
السابعة، وهو أرجح لما جاء في رواية الجماعة: أنه رآه مسنداً إلى البيت المعمور
وهو في السابعة، وقد مرّ.
وقوله: (فأخبرني ابن حزم) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي، و(أبا حبة)
بالحاء المهملة والباء الموحدة، وهو الأشهر، وكذا في (القاموس)(٢)، وقال: أو
صوابه حنة بالنون.
(١) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٥٤٠)، ومسلم في ((صحيحه)) (٢٣٥٩).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٠).

٤٠٣
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((ثُمَّ غُرَجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوَّى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ
الأَقْلاَمِ»، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسْرٌ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((فَفَرَضَ اللهُ عَلَى أُمَّتِي
خَمْسِينَ صَلاَةً فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ، حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللهُ
لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلاَةً ..
وقوله: (ظهرت) بلفظ المتكلم المعلوم من الظهور، والمراد صعدت وعلوت،
و(المستوى) بفتح الواو محل الاستواء، والمراد به المصعد، قال التُّورِبِشْتِي(١):
المستوى على مثال الملتقى: المستقر، وموضع الاستعلاء من الاستواء بمعنى الصعود
والقصد، يقال: استوى إليه: قصد كالسهم المرسل إذا قصده قصداً مستوياً من غير
أن يلوي على شيء، وأصل الاستواء طلب السواء، وإطلاقه على الاعتدال لما فيه
من تسوية وضع الأجزاء، كذا في (تفسير البيضاوي)(٢) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اُسْتَوَى إِلَى
السَّمَآءِ﴾ [البقرة: ٢٩]، واللام في قوله: (لمستوى) بمعنى إلى، وقيل: للعلة، أي:
علوت وصعدت لاستعلاء مستوى أو لرؤيته أو لمطالعته صريف الأقلام، أي: صوت
جريانها بما تكتبه من أقضية الله ووحيه، وما ينسخونه من اللوح المحفوظ، أو
ما شاء الله أن يكتب ما أراد من أموره وتدبيره بأقلام لا يعلم كيفتها إلا هو، وقد يأولها
المتفلسفة بتأويلات تخرجها عن الظاهر، والأقوم اعتقاد ظاهرها وإحالة حقيقتها إلى
علم الله سبحانه، والله أعلم. نعم يجعل ذلك كناية عن الاطلاع على الكوائن،
وتدبير الله في خلقه، لكن الكناية لا يمنع إرادة الموضوع له، فافهم.
(١) ((كتاب الميسر)) (٤ / ١٢٧٦).
(٢) ((تفسير البيضاوي)) (١ / ٤٨).

٤٠٤
(٦) باب في المعراج
قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ، فَرَاجَعَنِي، فَوَضَعَ شَطْرَهَا،
فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ
لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَجَعْتُ فَرَاجَعْتُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ:
ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُهُ فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ
وَهِيَ خَمْسُونَ، لاَ يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَبَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجِعْ
رَبَّكَ فَقُلْتُ: اسْتَحْبَيْتُ مِنْ رَبِّي، ثُمَّ انْطُلِقَ بِي حَتَّى انْتُهِيَ بِي إِلَى سِدْرَةِ
الْمُنْتھَى،
وقوله: (فارجع إلى ربك) وقوله: (فراجعني فوضع شطرها) في (الصراح)(١):
رجوع: باز گشتن، مراجعة: باز گردانيدن سخن را، وتقدير الكلام: فرجعت فراجعني
ربي فوضع شطرها، وفي رواية الكشميهني: (فراجعت إلى ربي) فلا حاجة إلى
التقدير .
وقوله: (فرجعت فراجعت) أي: رجعت إلى ربي فراجعته الكلام، وفي بعض
النسخ جعل (فراجعت) نسخة مكان (فرجعت) وهو أنسب بقول موسى: (راجع ربك)،
وقوله في الثالثة: (فراجعت) موافق برواية الكشميهني.
وقوله: (لا يبدل القول لدي) يحتمل أن يكون المراد عدم تبديل الخمس وكونه
حكماً مؤبداً، أو عدم تبديل الحكم بأن الخمس في حكم خمسين، وكون الحسنة
الواحدة بعشرة، وهذا المعنى أظهر.
وقوله: (ثم انطلق بي حتى انتهي) كلاهما بلفظ المجهول.
(١) ((الصراح)) (ص: ٣١٣).

٤٠٥
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لاَ أَدْرِي مَا هِيَ؟ ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُقٍ،
وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٤٢، م: ١٦٣].
وقوله: (لا أدري ما هي؟) أي: في أول الأمر، أو مبالغة بحيث لا يطيقها نعت
ولا يحصيها عد، أو المراد أنها كانت لا تشبه الألوان المشهودة المستحضرة في
النفوس، فأنعت لكم بذكر نظائرها وأشباهها، أو صدر هذا القول من غاية الحيرة
والدهش عن قدرة الله وإلا لا مجال لأن يقال: لم يوقفه على ذلك رسول الله وَيّر في
تلك الليلة، والألوان عبارة عن أنوار الملكوت، وقد وقع في الروايات التعبير عنها بفراش
الذهب، كما يأتي في الحديث الآتي.
و(الجنابذ) جمع جنبذة بضم الجيم وسكون النون وبالموحدة المضمومة
وبالمنقوطة: ما ارتفع من الشيء واستدار كالقبة، والعامة تقول بفتح الموحدة، والظاهر
أنه فارسي معرب، كذا قال الكرماني(١)، ويريد بالفارسي گنبذ، قال الشيخ(٢): كذا
وقع في رواية البخاري في أحاديث الأنبياء من رواية ابن المبارك وغيره، وكذا عند
غيره من الأئمة، ووقع عند مسلم: (بينا أسير في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر
المجوف وإذا طينه مسك أذفر)، وفي رواية: (فيها حبائل اللؤلؤ)، وقال الشيخ(٣):
كذا وقع لجميع رواة البخاري في هذا الموضع بالحاء المهملة ثم الموحدة وبعد الألف
تحتانية ثم لام، وذكر كثير من الأئمة أنه تصحيف، وروى البخاري (٤) في التفسير عن
(١) ((شرح الكرماني)) (٤/ ٨).
(٢) ((فتح الباري)) (٧ / ٢١٦ - ٢١٧).
(٣) ((فتح الباري)) (١ / ٤٦٣).
(٤) ((صحيح البخاري)) (٤٩٦٤).

٤٠٦
(٦) باب في المعراج
٥٨٦٥ _ [٤] وَعَنْ عَبدِ اللهِ قَالَ: لَمَّا أَسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ وَِّ انْتُهِيَ بِهِ
إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتُهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، إِلَيْهَا يَنْتُهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ
الأَرْضِ فَيُقْبَضُ مِنْهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا فَيَقْبَضُ مِنْهَا، قَالَ:
﴿إِذْيَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ قَالَ: فَرَاشُ مِنْ ذَهَبٍ،.
قتادة عن أنس: لما عرج بالنبي ◌َّه قال: (أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ)، وقال
صاحب (المطالع) في الحبائل: قيل: هي القلائد والعقود جمع حبالة، أو هي من حبائل
الرمل، أي: فيها لؤلؤ مثل حبائل الرمل جمع حبل، وهو ما استطال من الرمل، وتعقب
بأن الحبائل لا يكون إلا جمع حبالة أو حبيلة بوزن عظيمة، وقيل: الحبائل جمع حبالة،
وحبالة جمع حبل علی غیر قیاس.
٥٨٦٥ _ [٤] (عبد الله) قوله: (وهي في السماء السادسة) قد عرف مما سبق
من حديث مالك بن صعصعة أنها في السماء السابعة، وعرفت وجه الجمع بينهما
هناك .
وقوله: (ما يعرج به) بلفظ المجهول.
وقوله: (إذا يغشى السدرة) تعظيم وتكثير لما يغشاها، وهو المراد بقوله في
الحديث السابق: (لا أدري ما هي)، لا حقيقة عدم الدراية كما أشرنا إليه هناك، فلا منافاة
بين الحديثين، وروي أنه ◌َّ ه قال: (رأيت على كل ورقة ملكاً قائماً يسبح)، وقيل:
فرق من الطير الخضر وهو أرواح الأنبياء والشهداء، وأما قول عبدالله بن مسعود:
(فراش من ذهب) بفتح الفاء فلا ينافي ذلك لجواز كونها أيضاً مما غشيها، كذا قال
التُّورِبِشْتِي(١)، ويمكن أن يكون إطلاق الفراش على تلك الأنوار النازلة من عالم
(١) ((كتاب الميسر)) (٤ / ١٢٧٧).

٤٠٧
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
قَالَ: فَأُعْطِي رَسُولُ اللهِنَّ ثَلاَثَاً: أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأُعْطِيَ خَوَانِيمَ
سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَنْ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ مِنْ أُمَتِهِ شَيْئاً الْمُفْحَمَاتُ. رَوَاهُ
مُسْلِمٌ. [م: ١٧٣٠].
الملكوت بطريق التشبيه والاستعارة، فالفراش طير معروف يتهافت على السراج،
وجعلها من الذهب لصفائها وضيائها، وفي الرواية: جراد من ذهب، قيل: ذكر الفراش
والجراد على سبيل التمثيل؛ لأن من شأن الشجر أن يسقط عليها الجراد ونحوه، وجعلها
من الذهب حقيقة والقدرة صالحة لذلك.
وقوله: (فأعطي رسول الله (وَ ل﴿ ثلاثاً) وبه فسر بعضهم قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَ إِلَى
عَبْدِهِ، مَآ أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] كما أشرنا إليه من قبل.
وقوله: (وأعطي خواتيم سورة البقرة) الناطقة بكمال رحمة الله تعالى لهذه الأمة
المرحومة وتخفيفه عنهم ومغفرته لهم ونصرته إياهم على الكافرين، وقد ورد في
الحديث: (أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبي من قبل)(١)،
فالمراد إعطاء مضمونها ومدلولها، وإلا فسورة البقرة مدنية، والمعراج كان بمكة،
ويمكن أن يقال: يمكن أنها نزلت عليه وديو ليلة المعراج بلا واسطة جبرئيل، ثم نزل
جبرئيل بها بعد نزول السورة بالمدينة فأثبت في المصاحف، ويؤيده ما جاء عن الحسن
وابن سيرين ومجاهد: أن الله تعالى جاء بها إليه بلا واسطة جبرئيل ليلة المعراج فكتبت
عندهم، والله أعلم.
و(المقحمات) بضم الميم وسكون القاف وكسر الحاء: الذنوب العظام التي
تقحم أصحابها في النار، من اقتحم أمراً عظيماً ويقتحم: إذا رمى نفسه فيه من غیر
(١) أخرجه أحمد في «مسنده)) (٥ / ١٥١).

٤٠٨
(٦) باب في المعراج
٥٨٦٦ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَقَدْ
رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلْنِي عَنْ مَسْرَايَ، فَسَأَلَنْنِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتٍ
الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا، فَكُرِبْتُ كَرْباً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ، فَرَفَعَهُ اللهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ،
مَا يَسْأَلُونِّي عَنْ شَيْءٍ إِلَّ أَنْبَأْتُهُمْ، وَقَدْ رَأَيُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ،
فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي. فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالٍ شَنُوءَةَ،
وَإِذَا عِيسَى قَائِمٌ يُصَلِّي أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهاً عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودِ الثَّقفيُّ، فَإِذَا
إِبْرَاهِيمُ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُّكُمْ - يَعْنِي نَفْسَهُ - فَحَانَتِ
الصَّلاَةُ، ..
رَوَيَّة وتثبت، أقحمتِه فانقحم واقتحم، والمراد بالغفران أن لا يخلد صاحبها في النار،
وقيل: المراد بعض الأمة .
٥٨٦٦ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (لم أثبتها) من الإثبات، أي: لم أضبطها، أي:
لم أشاهدها على اليقين، أو لم أحفظها الآن بطريان النسيان.
وقوله: (فكربت) بلفظ المجهول من الكرب، أي: أصابتني کرب وغم شدید.
وقوله: (فرفعه الله لي) أي: قربه عني ورفع الحجاب بيني وبينه حتى شاهدته.
وقوله: (وقد رأيتني) أي: عند بيت المقدس.
وقوله: (فإذا رجل ضرب جعد) الضرب: الرجل الخفيف اللحم، والجعد:
يحتمل جعودة الشعر وجعودة الجسم، وهو اجتماعه وغلظه.
فقيل: هذا هو المراد لأنه قد جاء في رواية أبي هريرة: أنه كان رجل الشعر،
وقيل: ويحتمل الأول أيضاً، لأن الرجل من الشعر ما يكون بين السبوطة والجعودة،
يقال: شعر رجل: إذا لم يكن شديد الجعودة، فيمكن وصفه بالجعودة في الجملة.

٤٠٩
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلاَةِ، قَالَ لِي قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ! هَذَا مَالِكٌ
خَازِنُ النَّارِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م:
١٧٢].
وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ : الْفَصْلِ الثَّانِي.
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٨٦٧ - [٦] عَنِ جَابِرِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((لَمَّا كَذَّبَنِى
قُرَيْشٌ قُمْتُ فِي الْحِجْرِ فَجَلَّى اللهُ لِيَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ
آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨٨٦، م: ١٧٠].
ثم لا إشكال في صلاتهم في دار الآخرة، لأنهم أحياء، والذي انقطع فيها وجوب
العمل لا نفس العمل، ثم قيل: رؤيتهم في السماء محمولة على رؤية أرواحهم متمثلة
إلا عيسى لما ثبت أنه رفع في جسده، وقيل: في إدريس كذلك، وأما الذين صلوا
معه في بيت المقدس فيحتمل الأرواح المتمثلة، ويحتمل الأجساد، ويحتمل أنه أحضرت
أجسادهم في بيت المقدس لملاقاته ◌َّ، ثم رفعوا على السماء، وقد مرّ.
وقوله: (فأممتهم) بتخفيف الميم.
وقوله: (فبدأني بالسلام) قيل: الحكمة في بدئه بالسلام إزالة الخوف منه اليه .
الفصل الثالث
٥٨٦٧ - [٦] (جابر) قوله: (فجلى الله لي بيت) بتشديد اللام وتخفيفها، وذلك
بأن كشف الحجب من البين حتى رآه، ويحتمل أنه حمل إليه ثم أعيد، فقد جاء في

٤١٠
(٦) باب في المعراج
حديث ابن عباس: (فجيء بالمسجد حتى وضع عند دار عقيل وأنا أنظر إليه)، وهذا
أبلغ في المقصود ولا استحالة، فقد أحضر عرش بلقيس لسليمان، فليقلع ويحمل
ويحضر بيت المقدس لحبيب الرحمن الجو .
فائدة: اختلف قديماً وحديثاً في رؤيته ◌َ ﴿ ربه ليلة الإسراء فذهبت عائشة وابن
مسعود إلى نفيها، وابن عباس وبعض آخرون منهم إلى إثباتها، وإليه ذهب کعب
الأحبار والزهري ومعمر وآخرون، وبه قال سائر أصحاب ابن عباس، وهو قول الأشعري
وأكثر أتباعه، وحكى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن أنه حلف أن محمداً رأى ربه.
ومنهم من ذهب أنه رأى بقلبه لا بعينه، ويروى عن ابن عباس أخبار مطلقة
وأخرى مقيدة، فيجب حمل مطلقها على مقيدها، وأخرج مسلم(١) عن ابن عباس:
أنه رأى ربه بفؤاده مرتين، وعلى هذا يمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة
بأن يحمل نفيها على رؤية البصر وإثباتها على رؤية القلب، لكن المشهور عن ابن
عباس أنه قال بالرؤية بالبصر، وروى الطبراني(٢) بإسناد رجاله رجال الصحيح عن ابن
عباس: أن محمداً وَله رأى ربه مرتين: مرة ببصره، ومرة بفؤاده.
ثم ينبغي أن يعلم أن الرؤية بالقلب غير العلم به، لأنه كان حاصلاً دائماً، فمراد
من أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التي حصلت له خلقت له في قلبه، كما يخلق
الرؤية بالعين لغيره، وقد يروى عن أحمد إثبات الرؤية بالبصر له وَّة، وقيل له: إنهم
يقولون: إن عائشة قالت: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الفرية، فبأي
(١) ((صحيح مسلم)) (١٧٦).
(٢) ((المعجم الكبير)) (١٢ / ٩٠).

٤١١
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
٧- باب في أمجزات
معنى يدفع قولها؟ قال بقول النبي ◌َّر: (رأيت ربي)، وقول النبي ◌َّ أكبر من قولها،
وقد أنكر بعضهم نسبة هذا القول إلى أحمد، والله أعلم.
قال العبد الضعيف - صانه الله عما شانه -: إنه قد ثبت أنه رفعت الحجب كلها
عن رسول الله وَّ في تلك الحالة، وقد ثبت جواز رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة،
والمانع من الرؤية إنما هو الحجب، وقد ارتفعت، فما المانع بعد ذلك عن الرؤية،
وأما غيره وَّ فلم يرفع الحجب كلها عنه حتى جبرئيل عيًا، والله أعلم. وقد مرّ الكلام
فيه في (باب رؤية الله في الجنة)، والأحاديث الواردة فيه فتذكر، ومنهم من توقف في
هذه المسألة، ورجح القرطبي هذا القول، وعزاه لجماعة من المحققين، وقواه بأنه
ليس في الباب دليل قاطع وليس مما يكتفى فيه لمجرد الظن.
٧ - باب في المعجزات
قالوا: المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي يظهر به صدق مدعي النبوة،
ومعنى التحدي: طلب المعارضة والمقابلة، وفي (الصحاح)(١): تَحَدَّيْتُ فلاناً: إذا باريته
في فعل، ونازعته للغلبة، انتهى. وأصله من حدا يحدو حداء واحتداء بالإبل: إذا
غنى، وفي (الأساس): ومن المجاز تحدى أقرانه: إذا باراهم ونازعهم للغلبة، وأصله:
الحداء يتبارى فيه الحاديان ويتعارضان، فيتحدى كل واحد منهما صاحبه، أي: يطلب
الحداء منه كما يقال: توفاه بمعنى استوفاه.
كان من عادتهم عند الحدو أن يقوم حاد عن يمين القطار، وحاد عن يساره،
يتحدى كل واحد صاحبه بمعنى يستحديه، أي: يطلب عنه الحداء، ثم اتسع فيه حتى
(١) ((الصحاح)) (٦ / ٢٣١٠).

٤١٢
(٧) باب في المعجزات
استعمل في كل مباراة، كذا نقل صاحب (المواهب)(١).
وفي اشتراط التحدي بهذا المعنى في المعجزة نظر إذ كان كثير من المعجزات
يظهر على يدي النبي ◌َّ كتكثير الطعام ونبع الماء وشكوى البعير وأمثالها بما كان
يظهر بين أظهر الصحابة من غير تحد ومباراة ومعارضة، لعدم حضور المخاصمين
هناك، وهذا ظاهر، اللهم إلا أن يراد ما من شأنه التحدي، كما أشرنا إليه سابقاً في
(باب علامات النبوة)، وكل ما يظهر من خوارق العادات على يدي مدعي النبوة من
شأنه ذلك کما لا يخفى.
وقال بعض المحققين: التحدي هو دعوى الرسالة، وهو قريب مما قلنا: إن
المراد ما من شأنه التحدي، وهو موجود في المواضع المذكورة ومتضمن له، إذ
إظهارها إنما كان لإظهار صدق دعوى النبوة، وكان وسلم يقول في بعض الأوقات عند
ظهورها: (أشهد أني رسول الله)، فافهم.
وخرج بقيد المقارنة الخوارق المتقدمة على التحدي، كإظلال الغمام وشق
الصدر الواقعين له مّله قبل دعوى الرسالة، وتسمى إرهاصات، والإرهاص: تأسيس
البناء بالطين والحجارة، والرهص بالكسر: الطين الذي يبنى به، ويجعل بعضه على
بعض، فكان فيها تأسيساً لأمر النبوة، ويخرج بقيد ظهور صدق دعوى النبوة ما كان
يظهر أحياناً على يد من يدعي النبوة كاذباً، وكان يظهر على يديه الخارق، وقد جرت
عادة الله سبحانه أن لا يظهر موافقاً لدعواه، كما نقل عن مسيلمة الكذاب - لعنة الله
عليه - تفل في بئر ليكثر ماؤها فغارت، وتفل في عين أرمد فعمي.
(١) ((المواهب اللدنية)) (٢ / ٤٩٥ - ٤٩٦).

٤١٣
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٨٦٨ - [١] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ أَنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى
أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُؤُوْسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَوْ
أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمِهِ أَبْصَرَنَا، فَقَالَ: ((يَا أَبَا بَكْرِ (١)! مَا ظَنَّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ
ثَالِثُهُمَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٥٣، م: ٢٣٨١].
وخرج بقيد مدعي النبوة الكرامات والمعونات، والسحر ليس بخارق العادة
حتى يخرج، وأيضاً يخرج ما يظهر على يد مدعي الربوبية كالدجال، فإنه قد يظهر
على يد مدعي الربوبية من الخارق ما يوافق دعواه لعدم الالتباس بخلاف مدعي النبوة،
ولكنها لا تسمى معجزة، فتدبر.
ثم اعلم أن معجزاته وي* كثيرة بحيث لا تعد ولا تحصى، ولا تنحصر في عدد،
ولكن قد ضبط العلماء قدر ما بلغ علمهم بذلك، ونحن اقتصرنا على شرح ما ذكر في
الكتاب، وبالله التوفيق.
الفصل الأول
٥٨٦٨ - [١] (أنس بن مالك) قوله: (نظر إلى قدمه) بأن يجعل بصره في موضع
قدمه ثم ینظر، فافهم.
وقوله: (الله ثالثهما) يعني بالنصر والمعونة، فيكون في قوة قوله تعالى لموسى
وهارون: ﴿إِنَِّى مَعَكُمَّآ﴾ [طه: ٤٦] لكنه جعل ذاته تعالى أحد الثلاثة مبالغة في المعية
كأن كل واحد منهم مشترك فيما له وعليه، ثم استشكل بأن في قوله: (الله ثالثهما)
إطلاق الثالث على الله سبحانه، وقد كفر القائلون بذلك في قوله: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ
(١) في نسخة: ((يَا بَا بَكْرٍ)).

٤١٤
(٧) باب في المعجزات
٥٨٦٩ - [٢] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ أَبِيِهِ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي بَكْر:
يَا أَبَا بَكْرِ (١)! حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا حِينَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَِّ، قَالَ:
أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا وَمِنَ الْغَدِ، حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ وَخَلاَ الطَّرِيقُ لاَ يَمُرُّ فِيهِ
أَحَدٌ، .
قَالُواْ إِنَّ اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةُ ﴾ [المائدة: ٧٣]. والجواب ما ذكر أن جعله تعالى ثالثهما
بمعنى نصره وإعانته إياهما، والنصارى إنما جعلوه تعالى ثالثهما بمعنى الاشتراك في
الألوهية فكفروا، وأما ما أجيب بأن في الحديث إضافة الثالث إلى عدد أنقص منه،
وفي الآية إضافته إلى عدد مثله، وذلك بمعنى واحد منهم والله تعالى منزه عن ذلك،
فلا يخفى أن مدار الجواب على ما ذكرنا من جعله ثالثاً هنا بمعنى المعونة وهنالك
بمعنى الألوهية، ولا يجدي في ذلك الإضافة إلى الناقص أو المساوي، وكونه على
الثاني بمعنى واحد منهم إن كان بمعنى النصر والإعانة فلا محذور، فتأمل.
ثم المعجزة في هذه القضية صرف همم الكفار عن التفحص والتفتيش مع علمهم
جزماً أنه ◌َّ في هذا الغار، ونقل الطيبي(٢): أن رسول الله وَّر دعا عليهم وقال: (اللهم
أعم أبصارهم) فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون وقد أخذ الله بأبصارهم.
٥٨٦٩ _ [٢] (البراء بن عازب) قوله: (أسرينا ليلتنا) أي: كلها.
وقوله: (ومن الغد) أي: بعضه، والمراد بالإسراء أي: السير مطلقاً على التجريد،
أو يجعل من قبيل: علفتها تبناً وماءً بارداً.
وقوله: (حتى قام قائم الظهيرة) قام بمعنى وقف، والظهيرة: انتصاف النهار،
(١) في نسخة: ((يَا بَا بَكْرٍ)).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١١ / ٩٩).

٤١٥
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
فَرُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ، لَهَا ظِلٌّ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهَا الشَّمْسُ، فَتَزَلْنَا عِنْدَهَا،
وَسَوَّيْتُ لِلَّبِّ ◌ِ﴿ مَكَانَاً بِيَدَيَّ بَنَامُ عَلَيْهِ، وَبَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً، وَقُلْتُ : نَمْ
يَا رَسُولَ اللهِ! وَأَنَا أَنْفُضُ مَا حَوْلَكَ، فَنَامَ وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ، فَإِذَا أَنَا
بِرَاعٍ مُقْبِلٍ، قُلْتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلتُ: أَفَتَحْلُبُ؟ قَالَ:
نَعَمْ. فَأَخَذَ شَاةً فَحَلَبَ فِي قَعْبٍ كُنْبَةً مِنْ لَبَنٍ، .
وقائم الظهيرة: الشمس، والمراد بلوغها إلى وسط النهار، فإنها ترى حينئذٍ واقفة
بطيئة الحركة .
وقوله: (فرفعت) بلفظ المجهول، أي: ظهرت كما مر من قوله: (رفعت
لي سدرة المنتهى)، و(رفع لي البيت المعمور).
وقوله: (بيدي) بلفظ التثنية.
وقوله: (وأنا أنفض) بالفاء والضاد المعجمة، نفض المكان: نظر جميع ما فيه
حتى يعرفه، من نصر ينصر، والنفضة محركة: جماعة يبعثون في الأرض لينظروا
هل فيها عدو أم لا؟ أي: أحفظ ما حولك، وأحرسك، وأتجسس الأخبار من كل
جهة .
وقوله: (أفتحلب؟) من باب نصر، قيل: كان الغنم لصديق لأبي بكر، ويجوز
لدلالة الرضا، وقيل: كان من عادتهم أن يأذنوا لرعاتهم أن يحلبوا لمن مر بالطريق
ويحتاج إلى اللبن، ويمكن أن يكون استحلبه على شيء، والله أعلم.
وقوله: (والقعب) بفتح قاف وعين مهملة ساكنة فموحدة: القدح الضخم الجافي،
أو إلى الصِّغَر، أو يُرْوي الرجلَ، و(الكثبة) بكاف مضمومة فمثلثة ساكنة أي: قدر
حلبته، وقيل: ملء القدح، وقد يجيء بمعنى القليل من الماء واللبن.

٤١٦
(٧) باب في المعجزات
وَمَعِي إِدَاوَةٌ حَمَلْتُهَا لِلنَّبِيِّ وَلِ يَرْتَوِي فِيهَا، يَشْرَبُ وَيَتَوَضَّأُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َيه
فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ، فَوَافَقْتُهُ حَتَّى اسْتَيْقَظَ، فَصَبَيْتُ مِنَ الْمَاءِ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى
بَرَ أَسْفَلُهُ، فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللهِ! فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيِتُ ثُمَّ قَالَ: ((أَلَمْ
...
يَأَن لِلرَّحِيلِ؟)) قُلتُ: بَلَى، قَالَ: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَ مَا مَالَتِ الشَّمْسُ، ..
وقوله: (یرتوي)، أي: يستقي فيها، روي من الماء کرضي، وتَروّی وارتوى
بمعنى، و(فيها) ظرف لـ (يرتوي)، أي: يرتوي من الماء في تلك الإداوة، ويجوز أن
يتعلق بـ (یشرب).
وقوله: (فوافقته) بتقديم الفاء على القاف، أي: وافقته فيما هو عليه من النوم،
أي: لم أوقظه (حتى استيقظ) هو بنفسه، ويروى بتقديم القاف من الوقوف، أي:
صبرت وتوقفت في المجيء إليه للإيقاظ .
وقوله: (حتى برد أسفله) أي: أسفل الماء، أو أسفل اللبن، أو أسفل القعب،
كناية عن كثرة الماء.
وقوله: (ألم يأن للرحيل؟) أي: ألم يأت وقته؟ يقال: أنى الأمر يأتي أنياً وأناً:
إذا جاء إناه، كذا قال البيضاوي(١) في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْأَنْ تَخْشَعَ
قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]، انتهى. فعلى هذا اللام في (للرحيل) زائدة، كذا قيل، وأيد
بقول ابن هشام في (مغني اللبيب)(٢) في: ﴿هَيُّهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦]،
انتهى. ويمكن أن يكون تقديره: ألم يأن للرحيل أن يأتي أو أن يفعل، فيكون كقوله
تعالى: ﴿أَلَمْ بَأَنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْأَنْ تَخْشَعَ﴾ .
(١) ((تفسير البيضاوي)) (٢ / ٤٦٩).
(٢) ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) (١ / ٢٩٣).

٤١٧
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ، فَقُلْتُ: أُتِينَ يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ: ((لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ
مَعَنَا)). فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َ، فَارْتَطَمَتْ بِهِ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا فِي جَلَدٍ مِنَ
الأَرْضِ فَقَالَ: إِنِّي أَرَاكُمَا دَعَوْتُمَا عَلَيَّ، فَادْعُوَا لِي، فَاللهُ لَكُمَا .
وقوله: (واتبعنا) بفتح العين، و(أتينا) بلفظ المجهول، أي: جاءنا من يطلبنا.
وقوله: (إن الله معنا) قال بعض العارفين في الفرق بين هذا القول من نبينا وكالات
وبين قول موسى عليه حين قال له قومه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَّكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]: ﴿إِنَّ مَعِىَ رَبٍِّ
سَيَهْدِينٍ﴾ [الشعراء: ٦٢]: نظره وَّ وقع أولاً على الله وكرمه ولطفه، ثم إلى نفسه، ونظر
موسى بي وقع أولاً على نفسه، ثم على الله تعالى، والأول يوافق ما قيل: ما رأيت
شيئاً إلا رأيت الله قبله، والثاني ما يقال: ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله معه أو بعده، والأول
حال أهل الجذب والعيان، والثاني حال أهل الاستدلال والبرهان، انتهى.
ثم انظر في قوله مية: (إن الله معنا) بلفظ المتكلم مع الغير، وقول موسى:
﴿إِنَّ مَعِىَ رَبٍِّ﴾ [الشعراء: ٦٢]، كقول موسى: ﴿أَرِبِ﴾، وقول نبينا: (أرنا حقائق الأشياء)،
فافهم .
وقوله: (فارتطمت به) أي: بسراقة، أي: ساخت قوائمها كما تسوخ في الوحل،
رطمه: أدخله في أمر لا يخرج منه، فارتطم عليه الأمر: لم يقدر على الخروج منه،
و(الجلد) بالجيم محركة: الأرض الصلبة.
وقوله: (فادعوا لي) بضمير التثنية.
وقوله: (أن أرد عنكما الطلب) متعلق بقوله: (فادعوا) بحذف الجار، أي:
ادعوا لي كيلا ترتطم فرسي؛ لأن أرد أو على أن أرد عنكما طلب قريش.
وقوله: (فالله لكما) معترضة ومعناه فالله حافظ وناصر لكما في معنى التأكيد

٤١٨
(٧) باب في المعجزات
أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ، فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ ◌َّهِفَنَجَا، فَجَعَلَ لاَ يَلْقَى أَحَداً إِلَّ قَالَ:
كَفِيْتُمْ مَا هَهُنَا، فَلاَ يَلْقَى أَحَداً إِلَّ رَدَّهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦١٥، م: ٢٠٠٩].
٥٨٧٠ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ بِمَقْدَمِ رَسُولِ اللهِوَّ
وَهُوَ فِي أَرْضٍ يَخْتَرِفُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ◌َ﴿ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلاَثٍ
لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلَّ نَبِيٌّ: فَمَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟
وَمَا يَنْزِعُ الوَلَدَ إِلَى أَبِهِ أَوَ إِلَى أُمِّهِ؟ قَالَ(١): ((أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرَبِيلُ آَنِفاً، أَمَّا
أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ..
للرد، أو متعلق بقوله: (فالله لكما)، ومعناه: فالله شاهد لأجلكما بأن أرد عنكما
الطلب، وعلى التقديرين (فالله لكما) مبتدأ وخبر، وقد ينصب بتقدير أشهد الله أو على
القسم بحذف حرفه، ويؤيده ما نقل الطيبي(٢) من رواية (شرح السنة): (والله) على
القسم .
وقوله: (كفيتم) بلفظ المجهول، و(ما) في (ما ههنا) إما موصولة، أي: كفيتم
الذي هنا، أي: كفيتم طلبه في هذا الجانب؛ لأنه ليس فيه من يطلبونه، أو نافية، أي:
ليس ههنا من يطلبونه أو أحد.
٥٨٧٠ _ [٣] (أنس) قوله: (يخترف) أي: يجتني الثمر من الشجر، خرف الثمار
واخترفها: جناه، أي: كان في حائطه وبستانه يقطع التمر من نخيله.
وقوله: (إلى أبيه أو إلى أمه) أي: ما سبب شبهه لأحدهما؟ يقال: نزعه إليه:
أشبهه به .
(١) في نسخة: ((فقال)).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١١ / ١٠٢).

٤١٩
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
فَثَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامِ يَأْكُلُهُ أَهْلُ
الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ، وَإِذَا
سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ نَزَعَتْ)). قَالَ: أَشْهِدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ،
يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌّ بُهْتٌ، وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعلَمُوا بِإِسْلاَمِي مِنْ قَبْلِ
أَنْ تَسْأَلُهُمْ يَبْهَنُونَنِي، فَجَاءَتِ الْيَهُودُ فَقَالَ: ((أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُاللهِ فِيكُمْ؟»
قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا، وَسَيِّلُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، فَقَالَ: ((أَرَأَنْتُمْ إِنْ
أَسْلَمَ عَبْدُاللهِ بْنُ سَلَام؟)) قَالُوا: أَعَاذَهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ. فَخَرَجَ عَبْدُاللهِ فَقَالَ:
أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، فَقَالُوا: شَرُّنَاَ وَابْنُ شَرِّنَاَ
فَانْتُقَصُوهُ، قَالَ: هَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللهِ !. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
[خ: ٤٤٨٠].
وقوله: (فنار تحشر الناس) مر شرحه في (باب أشراط الساعة) والمراد
بـ (زيادة كبد حوت): القطعة المعلقة بالكبد، وهو في غاية اللذة في الطعم.
وقوله: (إذا سبق) أي: غلب وعلا، والسبق: التقدم، والمراد هنا الغلبة، كذا
قيل، وقد سبق في (باب الغسل) من (كتاب الطهارة) أن أيهما علا أو سبق يكون منه
الشبه، والمراد بالعلو الغلبة، ويمكن جعل السبق متضمنا للمعنيين، فافهم.
وقوله: (نزع) أي: ذلك السبق أو الرجل بسبب سبق مائه، وهذا أنسب بقوله:
(نزعت)، والبهت بضمتين: جمع بهوت بالفتح بمعنى المباهت، ويجوز التسكين
تخفيفاً، بهته: قال عليه ما لم يفعل .
وقوله: (يبهتونني) أي: بعد السؤال.
وقوله: (ابن خيرنا) لأنه كان من أولاد يوسف بن يعقوب عليه.

٤٢٠
(٧) باب في المعجزات
٥٨٧١ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ شَاوَرَ حِينَ بَلَغَنَا إِقْبَالُ أَبِي
سُفْيَانَ، وَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ
أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لأَخَضْنَهَا، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ
الْغِمَادِ، لَفَعَلْنَا.
٥٨٧١ - [٤] (وعنه) قوله: (حين بلغنا إقبال أبي سفيان) أي: إقباله بالعير من
الشام إلى مكة، وكان بالعير تجارة عظيمة، فأعجب المسلمين تلقي العير لكثرة الخير،
فلما خرجوا بلغ أهل مكة خبرهم، فخرج أبو جهل بأهل مكة أجمعهم، فقيل له: إن
العير أخذت طريق الساحل ونجت، فارجع بالناس إلى مكة، فقال: لا، والله لا أرجع،
وزعم أن المسلمین قلیل ومعه ناس كثير، فمضى بهم إلى بدر فوقع من وقعة بدر ما وقع،
على ما ذكر في كتب السير، والمقصود هنا ذكر معجزته وقصّ، وهو تعيين مصارع
المشركين من قبل أن يقع القتال.
وقوله: (لو أمرتنا أن نخيضها) الضمير للمراكب بقرينة الحال، خاض الماء
يخوضه خوضاً: دخله، وأخاض الفرس وخاوضه: أدخله، و(برك الغماد) بكسر
الموحدة وتفتح، والغماد مثلثة المعجمة: بلدة باليمن، أو وراء مكة بخمس ليال،
أو أقصى معمور الأرض، كذا في (القاموس)(١).
قال في (المشارق)(٢): أكثر الرواية فيه في الصحيحين بفتح الباء، وعند بعض
رواه البخاري بكسر الباء، وسكون الراء، والغماد بغين معجمة، يقال بكسرها
وضمها، وميم مخففة، وآخره دال مهملة: موضع في أقاصي هَجَرَ، ووقع في كتاب
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٨٩).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (١ / ١١٥).