النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقاً مِنْ نَارٍ وَهَوْلاً وَأَجْنِحَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَوْ دَنَاَ مِنِّي لاَخْتَطَفَتْهُ الْمَلائِكَةُ عُضْواً عُضْواً). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٩٧]. ٥٨٥٧ - [٦] وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ وَ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ، فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ، ثُمَّ أَنَاهُ الآخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ. فَقَالَ: (يَا عَدِيُّ! هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ؟ فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ فَلَتَزَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لاَ تَخَافُ أَحَداً إِلَّ اللهَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ کِسْرَی، و(الخندق) بفتح الخاء والدال: حفير حول أسوار المدن، معرب كنده، و(الهول) المخافة من الأمر لا يدرى ما هجم عليه منه . وقوله: (وأجنحة) هي أجنحة الملائكة حفظوه ◌َّر من شر ذلك اللعين. ٥٨٥٧ _ [٦٦] (عدي بن حاتم) قوله: (هل رأيت الحيرة) بكسر الحاء وسكون التحتانية وبالراء: قرية قرب فارس، وبلد قرب غانة، ومحلة نيسابور، وبلد قديم قرب الكوفة، والظاهر أن المراد هو البلد المعروفة بقرب كوفة، والنسبة حيري وحاري. وقوله: (فلترين) بلفظ الواحد المخاطب. و(الظعينة) المرأة التي في الهودج، وقد يطلق على المرأة بلا هودج، وعلى الهودج فيه امرأة أو لا، وأصله من ظعن كمنع ظعناً ويحرك: سار، وأظعنه: سيره، ويجيء بمعنى السفر والارتحال كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ [النحل: ٨٠]. يعني إن طال عمرك رأيت أمن الطريق بحيث تذهب المرأة من الحيرة إلى مكة قاصدة بيت الله آمنة غير خائفة مما سوى الله، يعني أن الخوف سينقلب أمناً والفقر غنى . ٣٦٢ (٥) باب علامات النبوة وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَّنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ فَلاَ يَجِدُ أَحَداً يَقْبَلُهُ مِنْهُ، وَلَيَلْقَيَنَّ اللهَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، فَلَيَقُولَنَّ: أَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولاً فَيُلِّغُكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى. فَيَقُولُ: أَلَمْ أُعْطِكَ مَالاً وَأُفْضِلْ عَلَيْكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلاَ يَرَى إِلَّ جَهَنَّمَ، وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلاَ بَرَى إِلاَّ جَهَنَّمَ، اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ». قَالَ عَدِقٌّ: فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لاَ تَخَافُ إِلَّ اللهَ وَكُنْتُ فِيمَنٍ اقْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبِيُّ أَبُو الْقَاسِم ◌َلِ: وقوله: (فلا يجد أحداً يقبله منه) لعدم الفقر والفقراء في ذلك الزمان، قيل : ذلك عند نزول عيسى عيا، كما ورد في الحديث، وقد سبق في (باب نزول عيسى)، وقيل: قد وقع مثل هذا في زمن عمر بن عبد العزيز مما يصدق الحديث، وبذلك جزم البيهقي، ويرجح هذا الاحتمال قوله: (ولئن طالت بك حياة)، انتهى. و(ترجمان) بفتح مثناة وقد تضم وضم جيم وقد يفتحان، كذا في (مجمع البحار)(١) عن الكرماني، وهو من يترجم الكلام، أي: ينقله من لغة إلى الأخرى، والمراد هنا المفسر والمبيّن. وقوله: (وأفضل) بالجزم عطف على (ألم أعطك) من الإفضال، لما بشرهم وَال باليسر والغنى أنذرهم بأنهما وإن كان فيهما راحة في الدنيا لكن فيهما مشقة ومحنة في الآخرة إلا من اتقى الله وتصدق وصرف المال في مصارف الخير جمعاً بين الإبشار والإنذار كما هو شأن النبوة. (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٢٦١). ٣٦٣ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل (يُخْرِجُ مِلْءَ كَفَّهِ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٩٥]. ٥٨٥٨ - [٧] وَعَنْ خَبَّبِ بْنِ الأَرَتِّ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، وَقَدْ لَقِيْنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً، فَقُلْنَا: أَلاَ تَدْعُو اللهَ، فَقَعَدَ وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ وَقَالَ: ((كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِمِنْشَارِ، فَيُوضَعُ فَوْقَ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمِ وَعَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لاَ يَخَافُ إِلَّ اللهَ،. وقوله: (يخرج ملء كفه) أي: مصدوق قوله ◌َله: (ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه ... إلخ). ٥٨٥٨ - [٧] (خباب بن الأرتّ) قوله: (وعن خباب) بفتح المعجمة وشدة الموحدة (ابن الأرت) بفتح الهمزة والراء وتشديد الفوقانية. وقوله: (وهو متوسد بردة) توسد الشيء ووسده: جعله تحت رأسه، والبردة بالضم: كساء مخطط، أي: جعلها كالوسادة تحت رأسه. و(المنشار) بكسر الميم: آلة يشق بها الخشبة. وقوله: (من عظم) بيان ما في (ما دون لحمه). وقوله: (ليتمن هذا الأمر) أي: يتم ويكمل أمر الدين. و(صنعاء) بلد باليمن كثيرة الأشجار والمياه تشبه دمشق، وقرية بباب دمشق، كذا في (القاموس)(١). و(حضرموت) بسكون الضاد وقد يضم الميم: بلدة معروفة (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٨٢). ٣٦٤ (٥) باب علامات النبوة أَوِ الذِّتْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٨٥٢]. ٥٨٥٩ - [٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامِ بَنْتِ مِلْحَانَ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَوْماً فَأَطْعَمَتْهُ، ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، . باليمن، مكان الصالحين من عباد الله حتى قيل: حضرموت ينبت الأولياء، قيل: سمي به لأنه حضره صالح عطا فمات فيه، وقيل: حضر فيه موت جرجيس، وقيل: اسم قبيلة . وقوله: (أو الذئب) أي: أو يخاف الذئب على غنمه؛ لأن المقصد بيان الأمن من عدوان الناس بعضهم على بعض كما كان في الجاهلية، ومن الجبابرة من الناس، لا الأمن من عدوان الذئب، فإن ذلك خارج عن العادة، وقد يكون ذلك أيضاً في آخر الشلال. الزمان عند نزول عيسى بي ٥٨٥٩ _ [٨] (أنس) قوله: (يدخل على أم حرام) بلفظ ضد الحلال (بنت ملحان) بكسر الميم وسكون اللام، وهي خالة أنس بن مالك أخت أمه أم سليم، قال النووي(١): اتفق العلماء على أنها كانت محرماً له وَلّ، واختلفوا في كيفية ذلك، فقال ابن عبد البر وغيره: كانت إحدى خالاته من الرضاعة، وقال آخرون: بل كانت خالة أبيه أو لجده عبد المطلب، وكانت أمه من بني النجار، كذا ذكر السيوطي، والله أعلم، وقد مرّ الكلام فيه في الفصل الأول (من باب أسماء النبي ◌ِّ) من حديث أم سليم. وقوله: (ثم جلست تفلي رأسه) فلا رأسه: بحثه عن القمل، وقد مرّ الكلام فيه في الفصل الثاني من (باب أخلاقه وَّر). (١) ((شرح النووي)) (١٣ / ٥٧). ٣٦٥ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل فَامَ رَسُولُ اللهِنَّهِ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((نَاسٌ (١) مِنْ أُمَّنِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكاً عَلَى الأَسِرَةِ، أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! ادْعُ اللهَأَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَمَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا يُضْحِكُكَ؟ قَالَ: (نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ». كَمَا قَالَ فِي الأُولَى. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: ((أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ)). فَرَكِبَتْ أُمُّ حَرَامِ الْبَحْرَ فِي زَمَنٍ مُعَاوِيَةَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٨٢، م: ١٩١٢]. وقوله: (يركبون ثبج هذا البحر) أي: ظهره ووسطه، وثبج الشيء بمثلثة فموحدة مفتوحة فجيم: وسط الشيء ومعظمه، شبه البحر بظهر الأرض والسفينة بالسرير، فجعل الجلوس عليها مشابهاً بجلوس الملوك على أسرتهم. وقوله: (كما قال في الأولى) الظاهر أنه عرض في هذه المرة طائفة غير الطائفة الأولى، أي: يغزون طائفة بعد طائفة بقرينة قوله: (أنت من الأولين)، فافهم. وقوله: (في زمن معاوية) قيل: كان ذلك في خلافته، قاله الباجي والقاضي عياض وهو الأظهر، وقيل: في إمارته في غزاة قبرس في خلافة عثمان سنة ثمان وعشرين، وعليه أكثر العلماء وأهل السير، كذا ذكر السيوطي. وقوله: (فصرعت) بلفظ المجهول، أي: سقطت وطرحت أم حرام. (١) في نسخة: ((أناس)) في الموضعين. ٣٦٦ (٥) باب علامات النبوة ٥٨٦٠ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: إِنَّ ضِمَاداً قَدِمَ مَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَكَانَ يَرْقِي مِنْ هَذَا الرِّيحِ، فَسَمِعَ سُفَهَاءَ أَهْلِ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّداً مَجْنُونٌ. فَقَالَ: لَوْ أَنِّي رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ لَعَلَّ اللهَ يَشْفِيهِ عَلَى يَدَيَّ. قَالَ: فَلَقِيَهُ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذَا الرِّيحِ، فَهَلْ لَكَ؟ .... ٥٨٦٠ _ [٩] (ابن عباس) قوله: (إن ضماداً) بكسر الضاد المعجمة، كذا في النسخ المصححة، وفي (القاموس)(١): وقد يقال بالضم أيضاً، والدال في آخره، وقد يقال: ضمام بالميم في آخره، وقيل: ضمام غير ضماد، وضماد كان رجلاً متطيباً راقياً طالباً للعلم من بين أهل اليمن، وضمام جاء وافداً من جهة بني سعد بن بكر، وكلاهما ابن ثعلبة . وقوله: (وكان من أزد شنوءة) بفتح الهمزة وسكون الزاي وكسر الدال وفتح الشين المعجمة وبضم النون بعدها همزة وهاء: قبيلة من اليمن، وقد تبدل الزاي سيناً، قال في (القاموس)(٢): أزد بن الغوث، وبالسين أفصح: أبو حي باليمن، ومن أولاده الأنصار كلهم، ويقال: أزد شنوءة، وقال في فصل الشين من باب الهمزة: أزد شنوءة، وقد تشدد الواو: قبيلة سميت لشنآن بينهم، والنسبة: شنائي. وقوله: (وكان يرقي) أي: يعالج بقراءة ونفث. وقوله: (هذا الريح) الإشارة بهذا إلى جنس العلة التي كانوا يرونها الريح، أي: من العلة الحاصلة من مس الجن، وكأنهم كانوا يرون الأدواء التي تمسهم نفحة من نفحات الجن، والريح هنا بمعنى الجن، سموا بها لأنهم لا يرون كالريح. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٨١). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٤، ٢٥٤). ٣٦٧ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل فَقَالَ رَسُولُ اللهَِّهِ: ((إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ)) فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلاءِ، فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ◌َِّ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، وَقَوْلَ السَّحَرَةِ، وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ، فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلاءِ. وَلَقَدْ بَلَغْنَ قَامُوسَ الْبَحْرِ، هَاتِ يَدَكَ أُبَابِعْكَ عَلَى الإِسْلاَمِ، قَالَ: فَبَايَعَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٦٨]. وَفِي بَعْضٍ نُسَخِ ((الْمَصَابِيحِ)): بَلَغْنَا نَعُوسَ الْبَحْرِ. وَذُكِرَ حَدِيثَا أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: ((يَهْلِكُ كِسْرَى)) وَالآخَرَ: ((لَتَفْتَحَنَّ عِصَابَةٌ)) فِي (بَابِ الْمَلَاحِمِ)). وقوله: (فقال رسول الله يقول: إن الحمد لله) لم يلتفت رسله إلى جوابه صريحاً بقوله: ما أنا بمجنون، وذكر هذا الكلام الدال على أن قائله أعقل العقلاء رمزاً إلى قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَجْنُونٌ (٥) وَمَا هُوَ إلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [القلم: ٥١ - ٥٢]، وقد شهد على أنه رسول الله، ورسول الله لا يكون مجنوناً. وقوله: (ولقد بلغن قاموس البحر) في (القاموس) (١): القمس: الغوص، ومعظم ماء البحر، أو البحر، أو أبعد موضع فيه غوراً، أي: هذه الكلمات بلغن غاية الفصاحة والبلاغة بحیث لم يدرك غوره. وقوله: (وفي بعض نسخ المصابيح: بلغنا ناعوس) بالنون والعين المهملة، (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٢٥). ٣٦٨ (٥) باب علامات النبوة وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي. موجود في (صحيح مسلم)، فقيل: إنه بمعنى القاموس، وقيل: تصحيف، وأما لفظ (بلغنا) فلم يوجد إلا في بعض نسخ (المصابيح). وقال الُّورِ بِشْتِي(١): هو خطأ لا سبيل إلى تقويمه من طريق المعنى، والرواية لم ترد به، وقال الطيبي(٢): خطأه بحسب الرواية ظاهر، لأنه لم يوجد في الأصول، وأما المعنى فصحيح، أي: وصلنا من هذه الكلمات لجة البحر ومحل اللآلئ والدرر، وقول الطيبي صحيح، وكان التُّورِبِشْتِي أراد أن المقصود توصيف الكلمات بأنها بلغن غاية الفصاحة، والأظهر في بيان هذا المعنى (بلغن) لا (بلغنا)، والأمر في ذلك سهل، ثم قال التُّورِبِشْتِي: وناعوس البحر أيضاً خطأ، وكذلك رواه مسلم في كتابه وغيره من أهل الحديث، وقد وهموا فيه، والظاهر أنه سمع بعض الرواة أخطأ فيه فروي ملحوناً، وهذه من الألفاظ التي لم تسمع في لغة العرب، والصواب قاموس البحر، وهو وسطه ومعظمه، من القمس وهو الغوص، والقماس: الغواص، انتهى. وفي (مجمع البحار)(٣) من (النهاية): لعله لم يجوِّد کِتبته فصحف، انتهى، وفيه أن عند بعض: قاعوس بقاف وعين، وعند بعض: تاعوص بالمثناة فوق والعين، ونقل عن الشيخ محيي الدين في (شرح صحيح مسلم): ناعوس البحر، ضبطناه بوجهين: أشهرهما بالنون والعين، وهذا هو الموجود في أكثر نسخ ديارنا، والثاني: قاموس البحر بالقاف والميم، وهذا الثاني هو المشهور في روايات الحديث في غير (صحيح (١) ((كتاب الميسر)) (٤ / ١٢٧٠). (٢) ((شرح الطيبي)) (١١ / ٧٣). (٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٧٥٦). ٣٦٩ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥٨٦١ _ [١٠] عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ قَالَ : مسلم)، انتهى. وقال القاضي عياض في (المشارق)(١): ولقد بلغن تاعوس البحر، كذا للسجزي، وعند العذري والفارسي: قاعوس بالقاف، وكلاهما بعين وسين مهملتين، وذكره الدمشقي: قاموس البحر بالقاف والميم، وهو الذي يعرفه أهل اللغة، ورواه أبو داود : قاموس أو قايوس على الشك في الميم أو الياء، وفي رواية علي بن المديني: ناموس بالنون، وقد روي عن ابن الحذاء: ياعوس بالياء باثنتين تحتها، وروي عن غيره بالباء بواحدة، وكله وهم وغلط، قال الجياني: لم أجد لهذه اللفظة ثلجاً. قال أبو مروان بن سراج: قاموس البحر فاعول من قمسه إذا غمسه، قال أبو عبيدة: قاموس البحر: وسطه، وفي (الجمهرة): لجته، وفي (العين): قال فلان قولاً بلغ قاموس البحر: أي: قعره الأقصى، وهذا أبين في هذا الحديث على هذه الرواية، وقال لي شيخنا أبو الحسين: قاعوس البحر صحيح مثل: قاموس كأنه من القعس وهو دخول الظهر وتعمقه، أي: بلغن عمق البحر ولجته الداخلة، وقال المطرز: صوابه الفاعوس بالفاء: الحية، والناعوس غير معروف في اسم الحية، أي: بلغن دواب البحر، انتهى، والله أعلم. الفصل الثالث ٥٨٦١ _ [١٠] (ابن عباس) قوله: (من فيه إلى في) أي: حديثاً مبتدأ من فيه (١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ١٩٠). ٣٧٠ (٥) باب علامات النبوة انْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِنَِّ قَالَ: فَبِينا أَنَا بِالشَّامِ إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنَ النَّبِّ ◌َ﴿ إِلَى هِرَقْلَ. قَالَ: وَكَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ، فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمٍ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَلْ هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنََّ نَبِيٌّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَدَخَلْنَا عَلَى مِرَقْلَ، فَأُجْلِسْنَا بَيْنَ بَدَيْهِ، منتهياً إلى فيّ، أي: من غير واسطة بيني وبينه . وقوله: (في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله (وَ ﴿) يريد مدة صلح الحديبية، وكان بين قريش كلهم، لكن أبا سفيان رئيسهم بعد هلاكهم في غزوة بدر، و(هرقل) اسم ملك الروم وقيصره، وهو بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف، ويقال: بكسر الهاء والقاف وسكون الراء، غير منصرف، و(دحية) بفتح الدال وكسرها. وقوله: (فدفعه إلى عظيم بصرى) بضم الباء وسكون الصاد، وهكذا أمره وضلاله أن يدفعه إلى عظيم بصرى، وهو يدفعه إلى هرقل، وكان من أعاظم أمرائه، والدفع بالدال يطلق على الحركة من الأعلى إلى الأسفل، فلذا ذكره هنا دون الرفع بالراء كما يكتب في المراسلات تعظيماً للمرسل إليه، وإنما ذكر الدفع في إرسال عظيم بصرى إلى هرقل إما مشاكلة وإما لأن الكتاب واحد، والطريق واحد، فافهم. وقوله: (في نفر من قريش) وكانوا ثلاثين، رواه الحاكم في (الإكليل)، ولابن السكن: نحو من عشرين، كذا في (فتح الباري)(١). وقوله: (فأجلسنا) بلفظ المجهول من الإجلاس، كذا في أكثر النسخ، وفي بعضها: بلفظ المعلوم، أي: أمر بإجلاسنا. (١) ((فتح الباري)) (١ / ٣٣). ٣٧١ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل فَقَالَ: أَيَّكُمْ أَقْرَبُ نَسَباً مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا، فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي، ثُمَّ دَعَا ◌ِتُرْجُمَانِهِ فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيِّ، فَإِنْ كَذَبَتِي فَكَذِّبُوهُ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَأَيْمُ اللهِ لَوْلاَ مَخَافَةُ أَنْ يُؤْثَرَ عَلَيَّ الْكَذِبُ لَكَذَبْتُهُ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: سَلْهُ كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ. قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟. وقوله: (فقلت: أنا) لأنه لم يكن في النفر أحد من بني عبد مناف غيري، وأرجح اللغات في الترجمان فتح التاء وضم الجيم، (وقل لهم) أي: لأصحاب أبي سفيان. وقوله: (هذا) إشارة إلى أبي سفيان. وقوله: (فإن كذبني) بالتخفيف، أي: يقول كذباً، (فكذبوه) بالتشديد بلفظ الأمر. وقوله: (لولا مخافة أن يؤثر عليّ الكذب لكذبته) يؤثر من الأثر، أي: لولا مخافة أن يروى عني الكذب في قومي لكذبت، أي: لقلت كذباً، والضمير لهرقل، ويحتمل أن يكون معناه: لولا مخافة أن يكذبني هؤلاء الذين معي، وفيه أن الكذب كان قبيحاً في الجاهلية أيضاً. وقوله: (كيف حسبه فيكم؟) وفي (صحيح البخاري): كيف نسبه فيكم؟ والحسب محركة: ما يعده الرجل من مفاخر آبائه، ويجيء بمعنى الكرم والشرف في الفعل، والشرف الثابت في الآباء، ويرجع إلى شرف النسب، فتتطابق الروايتان. وقوله: (فهل كان من آبائه من ملك) هكذا بحرف الجر، و(ملك) صفة مشبه في رواية كريمة والأصيلي وأبي الوقت وابن عساكر، ولأبي ذر عن الكشميهني: (مَنْ ٣٧٢ (٥) باب علامات النبوة قُلْتُ: لاَ. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لاَ. قَالَ: وَمَنْ يَتْبَعُهُ؟(١) أَشْرَافُ النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَاَ بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لاَ. قالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: مَلَكَ) بفتح (مَنْ)، و(مَلَكَ) فعل ماض، ولأبي ذر في رواية: (من آبائه ملك) بإسقاط (من)، والأول أشهر. وقوله: (أشراف الناس) بحذف ألف الاستفهام من تتمة السؤال، والمراد بأشراف الناس هنا أهل النخوة والتكبر منهم لا كل شريف، وأيّ رجل أشرف من علي وأبي بكر وأمثالهما ممن أسلم قبل سؤال هرقل، ووقع في رواية ابن إسحاق: تبعه منا الضعفاء والمساكين والأحداث، فأما ذوو الأنساب والشرف فما تبعه منهم، وهو محمول على الأكثر الأغلب، فافهم. وقوله: (سخطة) بضم أوله وفتحه وسكون الثاني، وخرج به من ارتد مكرهاً لا لسخط لدين الإسلام بل لحظ نفساني كما وقع لعبيدالله بن جحش، كذا قال الشيخ(٢). وقوله: (فكيف كان قتالكم إياه؟) أي: تقع النصرة له أو لكم؟ أو تارة فتارة؟ (١) قال القاري (٩/ ٣٧٥٣) بسكون التاء وفتح الباء، وفي نسخة بتشديد الفوقية وكسر الموحدة . (٢) ((فتح الباري)) (١ / ٣٥). ٣٧٣ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل تَكُونُ(١) الْحَرْبُ بَيْنَا وَبَيْنَهُ سِجَالاً يُصِيبُ مِنَّا وَنُصِيبٌ مِنْهُ. قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لاَ، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، لاَ نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِهَا؟ قَالَ: وَاللهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئاً غَيْرَ هَذِهِ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَاَ. ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ فِيكُمْ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِكُمْ ذُو حَسَبٍ، فأجاب بالشق الأخير. و(السجال) بكسر المهملة جمع سجل بفتحها، و(الحرب) اسم جنس فصح الإخبار عنه بالجمع، أشار أبو سفيان بذلك إلى ما وقع بينهم في غزوة بدر ، وغزوة أحد، وقد صرح بذلك أبو سفيان يوم أحد في قوله: يوم بيوم بدر والحرب سجال، وقيل: وكذلك يوم الخندق أصيب من الطائفتين ناس قليل. وقوله: (يصيب منا ونصيب منه) هذا اللفظ يحتمل معنيين، أحدهما: يبلينا بالمصيبة ونبليه كما جاء في الحديث: (من يرد الله به خيراً يصب منه)(٢) أي: أبلاه بالمصائب، وثانيهما: أنه يصيب البلاء من جانبنا ونصيبه من جانبه على عكس المعنى الأول، والمآل واحد، والظاهر هو الأول من مثل هذه العبارة كما ذكرنا، وفي رواية: ینال منا وننال منه . وقوله: (في هذه المدة) أي: مدة الصلح. وقوله: (قال) أي: أبو سفيان: (ما أمكنني أن أدخل فيها) أي: في الكلمات التي قلت في صفات رسول الله به مما يشير إلى نسبة نقص إليه مثل غير هذه الكلمة، فإنها يشير إلى احتمال وقوع العذر منه وَله . (١) بالتأنيث ويذكر، قاله القاري (٩/ ٣٧٥٣). (٢) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٥٦٤٥)، ومالك في ((الموطأ)) (١٩٧٨). ٣٧٤ (٥) باب علامات النبوة وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابٍ قَوْمِهَا. وَسَأَلَّكَ هَلْ كَانَ فِ آبَائِهِ مَلِكٌ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ. قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ. وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَنْبَاعِهِ أَضُعَفَاؤُهُمْ أَمْ أَشْرَافُهُمْ؟ فَقُلْتَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ. وَسَأَلْتِكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَبُ فَيَكْذِبُ عَلَى اللهِ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَتَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالاً، يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى، ثُمَّ تَكُونُ لَهَا الْعَاقِبَةُ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لاَ يَغْدِرُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لاَ تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ قُلْتُ: رَجُلٌ اثْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، وقوله: (وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها) تأنيث الضمير باعتبار الجماعة. فقوله: (إذا خالط بشاشته القلوب) بشاشته فاعل (خالط)، و(القلوب) مفعوله، وروي: خالط بشاشة القلوب، من غير اتصال ضمير، ففي (خالط) ضمير للإيمان و(بشاشة) مفعوله مضاف إلى (القلوب)، والبش والبشاشة: طلاقة الوجه، والإقبال على أخيك، والضحك إليه، وفرح الصديق، والمراد هنا اللذة والحلاوة والانشراح. ٣٧٥ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل قَالَ: ثُمَّ قَالَ: بِمَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْنَا: يَأْمُرُنَا بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ. قَالَ: إِنْ يَكُ مَا تَقُولُ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمَ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُهُ مِنْكُمْ، وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لأَحْبَيْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ. ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِوَّهِ فَقَرَأَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٥٣، م: ١٧٧٣]. وقوله: (قال: ثم قال) أي: قال أبو سفيان: ثم قال هرقل وسألني، وذكر في (صحيح البخاري)(١): أن هرقل نظر في النجوم فقال لهم: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان، وسأله عن العرب فقال: هم يختتنون، فقال: هذا ملك هذه الأمة. وقوله: (ولو أعلم أني أخلص) بضم اللام، أي: أصل إليه. وقوله: (فقرأه) وتتمة الحديث في (صحيح البخاري): أن هرقل دعا قومه إلى الإيمان فأبوا، فتركهم على ذلك، واختلف في إيمان هرقل، والأرجح بقاؤه على الكفر. ففي (مسند أحمد)(٢): أنه كتب من تبوك إلى النبي ◌َّ: إني مسلم، فقال النبي ملّ: (كذب بل هو على النصرانية)، وقالوا: قد عرف هرقل صدق النبي ◌َّ، وإنما شح بالملك ورغب في الرئاسة فآثرها على الإسلام، وقيل: إنه جهز الجيوش إلى تبوك، وجهز الجيوش على أصحاب رسول الله ◌َي وقاتلهم، ولم يقصر في تجهيز الجيش عليهم من الروم وغيره كرة بعد كرة، فيهزمهم الله ويهلكهم، ولا يرجع إليه منهم إلا أقلهم، واستمر على ذلك إلى أن مات وقد فتح أكثر بلاد الشام، ثم ولي بعده ولده، (١) ((صحيح البخاري)) (٧). (٢) انظر: ((صحيح ابن حبان)) (١٠ / ٣٥٧). ٣٧٦ (٦) باب في المعراج وَقَدْ سَبَقَ تَمَامُ الْحَدِيثِ فِي ((بَابِ الْكِتَابِ إِلَى الْكُفَّارِ). ٦- باب في الحراج وبهلاكه هلكت المملكة الرومية، كذا ذكروا. ٦ - باب في المعراج وفي بعض النسخ: (باب المعراج) بترك كلمة (في)، والعروج: الصعود، عرج عروجاً ومعرجاً: ارتقى، والمعراج: آلة الصعود، وهو السلم كأنه وضع له وَّ فارتقى به إلى السماء، وقد جاء في الرواية أنه لما صعد الصخرة وضع له سلم منها إلى السماء، وهو الذي تعرج منه الملائكة، وينزل ملك الموت. والأكثر على أنه وقع في ربيع الأول السنة الثانية عشر من النبوة، وقيل: في السابعة والعشرين من ربيع الآخر، وقيل: في السابعة عشر من رمضان، والمشهور في السابعة والعشرين من رجب، وعليه عمل أهل المدينة في الرجبية، وقيل: في سنة خمس أو ست، ثم هنا إسراء ومعراج، فالإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والمعراج منه إلى السماء. واختلف أقوال العلماء هل كانا في ليلة واحدة أم لا؟ وهل كانا في يقظة أو منام؟ وهل كانا مرة واحدة أو مرتين أو مراراً؟ فمرة واحدة في المنام وأخرى في اليقظة، وكان مرة النوم توطئة لما في اليقظة تسهيلاً عليه؛ لأنه أمر عظيم تضعف عنه القوة البشرية كالحكمة في الرؤيا الصادقة في بدء نبوته، أو كان في اليقظة بالجسد إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح. ٣٧٧ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل والتحقيق أنه وقع مرة واحدة في اليقظة بجسده الشريف من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم إلى السماء، ثم إلى ما شاء الله إلى آخر القضية، وإليه ذهب الجمهور من الفقهاء والمتكلمين وأهل التحقيق من الصوفية، وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة من حديث أنس وأبي بن كعب وجابر بن عبدالله وبريدة وسمرة بن جندب وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وحذيفة بن اليمان وشداد بن أوس وصهيب وعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ومالك بن صعصعة وأبي أمامة وأبي أيوب ودحية وأبي ذر وأبي سعيد الخدري وأبي سفيان بن حرب وأبي هريرة وعائشة الصديقة وأسماء بنت أبي بكر وأم هانئ وأم سلمة وغيرهم. وتمسك القائلون بأنه في المنام مع اتفاقهم على أن رؤيا الأنبياء وحي بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُِّيَا الَّتِى أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، قالوا: المراد به المعراج، والرؤيا هي الحلمية، وأما البصرية فالرؤية بالتاء، أجيب بأن الرؤيا والرؤية واحدة كقربى وقربة، وعند البخاري عن ابن عباس، قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله وَلا ليلة أسري به (١)، وقال المتنبي: ورؤياك أحلى في العيون من الغمض ومن خطأه فهو مخطئ على أن للمفسرين خلافاً في المراد بهذه الرؤيا، فقيل: هي رؤيا عام الحديبية حين رأى أنه دخل مكة فصده المشركون وافتتن بذلك ناس، وقيل: رؤيا وقعة بدر لقوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًا ﴾ [الأنفال: ٤٣]، وقيل: رأى قوماً من بني أمية يرقون منبره وينزون عليه نزو القرد، فقال: هو حظهم من (١) ((صحيح البخاري)) (٣٨٨٨). ٣٧٨ (٦) باب في المعراج الدنيا يعطون بإسلامهم، وقد يقال: إنها رؤية عين، وإنما عبر عنها بالرؤيا لوقوعها بالليل وسرعة نقضها كأنها منام، ويقال: تسميتها رؤيا على وجه التشبيه والاستعارة لما فيها من الخوارق التي هي بالمنام أليق في مجاري العادات، ويقال: تسميتها على قول المكذبين حيث قالوا: لعلها رؤيا رأيتها، وتمسكوا أيضاً بقول عائشة: ما فقد جسد محمد ليلة المعراج، وأجيب بأن عائشة لم تحدث به عن مشاهدة؛ لأنها لم تكن إذ ذاك زوجاً ولا في سن من يضبط، أو لم تكن ولدت بعد على الخلاف في سنة الإسراء، أو المراد ما فقد جسده الشريف عن الروح بل كان مع روحه، وكان المعراج للجسد والروح جميعاً، ونقل عن بعض الصوفية أنه كان له* أربعة وثلاثين مرة، والذي أسري به منها إسراء واحد بجسمه، والباقي بروحه. وقال في (المواهب)(١): القول بتعدد وقوعه محض احتمال، ولم يثبت ذلك بالروايات ولم ينقل عن أحد من السلف المتقدمين، وحجة الجمهور في أن الإسراء كان في اليقظة بالجسد قوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا﴾ [الإسراء: ١]، فإن العبد اسم الروح والجسد، كما في قوله تعالى: ﴿أَهَيْتَ الَّذِى يَنْعَى لَ عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩ -١٠] وقوله سبحانه: ﴿ وَأَنَّهُ لَا قَامَ عَبْدُ اُللَّهِيَدْ عُوهُ ﴾ [الجن: ١٩] فكذا هنا، وقوله: ﴿لِزُرِيَهُ مِنْ ءَايَئِنًا﴾ [الإسراء: ١] لأن الرؤية إنما تكون في اليقظة بالجسد، ولا شك أن ظاهر قوله: ﴿أَسْرَى﴾ أن يحمل على اليقظة حتى يدل دليل على خلافه، بل تصدير الكلام بالتسبيح الدال على التعجب تعظيم قدرة الله تعالى، والتمدح بتشريف النبي ◌َّ وإظهار الكرامة له بالإسراء مما يدل عليه أيضاً. (١) انظر: ((المواهب اللدنية)) (٣/ ٧٩). ٣٧٩ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٨٦٢ - [١] عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللهِِّ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ: ((بَيْثَمَا أَنَا فِي الْخَطِيمِ - وَرُبَّمَا قَالَ فِي الْحِجْرِ - مُضْطَجِعاً. واحتجوا أيضاً بأنه لو كان مناماً لما كانت فيه فتنة للضعفاء، ولما استبعده الأغنياء، ولو كان للروح فقط لما كان على البراق المتصف بصفة الدواب، وقالوا: المعراج بالجسم إلى تلك الحضرة العلية لم يكن لأحد من الأنبياء فإنه مقام عَلِيُّ مخصوص به مدير وتشريف وتكريم خاص من الحق سبحانه إياه، فافهم وبالله التوفيق. الفصل الأول ٥٨٦٢ - [١] (قتادة) قوله: (عن ليلة أسري به) ليلة بالفتح مضافة إلى (أسري به)، وقد يجعل في بعض النسخ مجرورة منونة، و(أسري به) صفتها، والأول أظهر وأعرق في العربية مع أن الثاني يستلزم حذف ضمير للموصوف، أي ليلة أسري به فيها، كذا قيل، ويشهد للثاني قوله تعالى: ﴿وَأَنَّقُواْيَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُّ عَن نَّفْسٍ﴾ [البقرة: ٤٨]. و(الحطيم) حجر الكعبة أو ما بين الركن وزمزم والمقام، وقد مرّ تفسيره في (كتاب الحج). وقوله: (وربما قال: في الحجر) يؤيد قول الحنفية بأن الحطيم هو الحجر، لأن القصة واحدة، ثم اختلفت الروايات في تعيين مكان الإسراء، ففي بعضها: (أسري بي وأنا في الحطيم)، وفي بعضها: (في الحجر)، وفي بعضها: (بينا أنا عند البيت)، وفي بعضها: (فرج سقف بيتي وأنا بمكة)، وفي بعضها: أسري به من شعب أبي طالب، وفي بعضها: في بيت أم هانئ وهو أشهر، والجمع بين هذه الأقوال على ما ذكر في ٣٨٠ (٦) باب في المعراج إِذْ أَتَانِي آتٍ فَشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ) يَعْنِي مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ، ((فَاسْتَخْرَجَ قَلْسِي، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَعْلُوءٍ إِيمَاناً، فَغُسِلَ قَلْبِي، ثُمَّ حُشِيَ، . (فتح الباري)(١) أنه بات في بيت أم هانئ، وبيتها في شعب أبي طالب ففرج سقف بيته، وأضاف البيت إلى نفسه الشريفة لبيتوتته فيه، فنزل منه الملك فأخرجه من البيت إلى المسجد، ثم أخذه الملك فأخرجه من المسجد. وقوله: (إذ أتاني آت) يعني جبرئيل. و(الثغرة) بضم المثلثة وسكون الغين المعجمة: نقرة النحر التي بين الترقوتين، و(الشعرة) بالكسر: العانة، وقيل: منبت شعرها، وفي (القاموس)(٢): هي العانة كالشعراء، وتحت السرة منبته. وقوله: (فاستخرج قلبي) أي: أخرج، والإخراج والاستخراج بمعنى. وقوله: (بطست من ذهب) فإن قيل: استعمال الذهب حرام في شرعه عليه الصلاة والسلام فكيف استعمل هنا؟ فالجواب أن تحريم الذهب إنما هو لأجل الاستمتاع به في هذه الدار، وأما في الآخرة فهو من أواني الجنة، وما وقع في تلك الليلة كان الغالب فيه ما كان من أحوال الغيب وعالم الآخرة، على أن الاستعمال والاستمتاع لم يحصل له رَثير، فافهم. وقوله: (مملوء إيماناً) قيل: هو من باب التمثيل، أو مثل له المعاني كما مثل له أرواح الأنبياء وكما تمثل الأعمال يوم القيامة للوزن. (ثم حشي) أي: ملئ القلب إيماناً، من حشا الشيء: ملأه، وأحشا: امتلأ، (١) ((فتح الباري)) (٧/ ٢٠٤). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٨٨).