النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
٥٧٢٣ - [٢٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعَنُ
الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِإِصْبُعَيْهِ حِينَ يُوَلَدُ، غَيْرَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَهَبَ يَطْعَنُ
فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٨٦، م: ٢٣٦٦].
٥٧٢٤ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((كَمُلَ مِنَ
الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةٌ
فِرْعَوْنَ،
هذا قوله: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِرَهِيمَ لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ﴾ [آل عمران: ٦٨]، لأنه أولى الناس
بإبراهيم من جهة الاقتداء، وأولاهم بعيسى من جهة قرب العهد.
٥٧٢٣ - [٢٦] (وعنه) قوله: (يطعن الشيطان في جنبيه) الظاهر أنه هو المراد
من المس في حديث: (ما من مولود إلا يمسه الشيطان) على ما مر في (باب الوسوسة)،
وأرادوا (بإصبعيه)) السبابة والوسطى، والمراد (بالحجاب) المشيمة، يعني: لم يصل
طعنه إلى جسده.
٥٧٢٤ - [٢٧] (أبو موسى) قوله: (إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون))
استدل بهذا الحصر على أنهما نبيتان؛ لأن أكمل الإنسان الأنبياء، ثم الصديقون والشهداء
والصالحون، فلو كانتا غير نبيتين للزم أن لا يكون في النساء ولية ولا صديقة ولا شهيدة
ولا صالحة غيرهما، قال الكرماني (١): لا يلزم من لفظ الكمال ثبوت نبوتهما؛ لأنه
يطلق لتمام الشيء وتناهيه في بابه، والمراد بلوغهما إلى النهاية في جميع الفضائل التي
للنساء، انتهى.
(١) ((شرح الكرماني)) (١٤ / ٦٠).

٢٠٢
(٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ:
٣٤١١، م: ٢٤٣١].
وَذُكِرَ حَدِيثُ أَنَسٍ : ((يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ» .
ولا يخفى عليك بأن بلوغ مريم وآسية نهاية الكمال المستلزم لأفضليتهما من
فاطمة وخديجة وعائشة محل نظر، ذكر السيوطي(١): أن أفضل النساء مريم وفاطمة،
وقال: وفي حديث: (فاطمة سيدة نساء أهل الجنة)، دلالة على تفضيلها على مريم،
وهما متساويتان ليست بواحدة منهما أفضل من الأخرى.
وفي (التيسير) للنسفي: إن خديجة وعائشة وفاطمة أفضل من مريم، ثم الأصح
أن مريم ليست نبية، وادعى بعضهم الإجماع على عدم نبوة النساء، وتعقب بأن دعوى
الإجماع غير مسلم، فإن الخلاف في نبوة نسوة موجود خصوصاً مريم، فإن القول
بنبوتها شهير، بل مال الشيخ تقي الدين السبكي في (الجليات) إلى ترجيحه، وقال: إن
ذكرها مع الأنبياء قرينة قوية لذلك، قيل: العجب من هذا الشيخ أنه استشعر بهذه القرينة،
ولم ينظر إلى نص قوله تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلََّ رِجَالًا﴾ [يوسف: ١٠٩]، فإنه
نص في نفي النبوة عن النساء، ونقل عن الأشعري نبوة حواء، وسارة، وأم موسى،
وهاجر، وآسية، ومريم، والآية المذكورة ترده، اللهم إلا أن يقال: المنفي في الآية
الرسالة لا النبوة، وهي أعم من الرسالة، وهذا محمل لطيف لقول هؤلاء الأكابر،
والله أعلم.
وقوله: (وفضل عائشة على النساء ... إلخ)، المقصود عطف الصديقة على
(١) ((الخصائص الكبرى)) للسيوطي (٢/ ٣٤٨).

٢٠٣
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ))، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: ((الْكَرِيْمُ بْنُ
الْكَرِيمِ) فِي (بَابِ الْمُفَاخَرَةِ وَالْعَصَبِيَّةِ).
مريم وآسية، لكن أبرز الكلام في صورة جملة مستقلة دلالة على ثبوت فضل خاص
وامتياز مخصوص لها من بينها، ثم ظاهر الحديث المذكور يفيد فضلهما يعني مريم
وآسية على سائر النساء حتى فاطمة وخديجة وعائشة وسائر أزواجه وبناته وص له، وقيل:
كان هذا الإخبار قبل أن يوحى إليه بفضل هذه المطهرات، أو استثنى من العموم بقرينة
الأحاديث الآخر.
وبالجملة وقعت أخبار متعددة مختلفة في فضائل النساء، فإما أن يفيد بجهات
مخصوصة أو تخصيص العمومات، وفي (الخصائص) للخيضري(١): سكت الأصحاب
عن ذكر زينب بنت جحش، وينبغي إلحاقها بخديجة وعائشة لتولي الله تعالى بتزويجها،
وفي (الخصائص)(٢) للسيوطي: زوجاته وبناته ) أفضل نساء العالمين، وأصحابه
أفضل العالمين إلا النبيين، وقد نقلنا في (شرح العقائد)(٣) الفارسية لنا الأقوال فيهما،
فتدبر .
(١) هو قطب الدين محمد بن محمد بن عبدالله بن خيضر الخيضري الشافعي المتوفى سنة أربع
وتسعين وثمان مئة، وسمى كتابه ((اللفظ المكرم بخصائص النبي المحترم)) وهو مطبوع. انظر:
(كشف الظنون)) (٢/ ١٥٥٩)، و((الرسالة المستطرفة)) (ص: ١٢٥).
(٢) ((الخصائص الكبرى)) للسيوطي (٢ / ٣٤٨ - ٣٥٠).
(٣) اسمه ((تكميل الإيمان وتقوية الإيقان)) شرح فيه الشيخ عقائد الإسلام، يحتوي الكتاب على
ثمانين صفحة، طبع عدة مرات، توجد نسخه الخطية في حيدر آباد ومكتب الهند، والجمعية
الآسيوية.

٢٠٤
(٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
* الْفَصْلُ الثَّانِي :
٥٧٢٥ ـ [٢٨] عَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الهِ! أَيْن كَانَ رَبَّنَا
قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ؟ قَالَ: ((كَانَ فِي عَمَاءِ، مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ، وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ،
وَخَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: الْعَمَاءُ:
أَيْ لَيْسَ مَعَه شَيْءٌ. [ت: ٢١٠٩
الفصل الثاني
٥٧٢٥ - [٢٨] (أبو رزين) قوله: (أين كان ربنا) قال التُّورِبِشْتِي(١): ذهب بعض
أهل العلم فيه إلى أن التقدير: أين كان عرش ربنا، قال: ويدل عليه قوله تعالى:
﴿وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ﴾ [هود: ٧]، وفسروا (العماء) ممدوداً بسحاب رقيق أو كثيف
مطبق، وروي (عمى) بالقصر، ومعناه ليس له معه شيء، وقيل: هو كل أمر لا تدركه
عقول بني آدم ولا يبلغ كنهه الوصف.
وقوله: (ما تحته هواء، وما فوقه هواء) كناية عن أنه ليس معه شيء، وقيل:
هو تتميم لدفع توهم المكان، فإن الغمام المتعارف يستحيل وجوده بدون مكان، وقال
الأزهري: نحن نؤمن به ولا نكيفه بشيء.
وقوله: (العماء: أي ليس معه شيء) أي قوله: (كان في عماء) كناية عن أنه
ليس معه شيء، فهو معنى (كان الله ولم يكن معه شيء)، وقال بعضهم: سئل عن
المكان وأجاب عن أن لا مكان، يعني إن كان هذا مكاناً فهو في غير مكان، ويدل
عليه أن السؤال كان عما قبل أن يخلق خلقه، فلو كان العماء أمراً موجوداً لكان مخلوقاً،
(١) ((كتاب الميسر)) (٤ / ١٢٤١).

٢٠٥
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
٥٧٢٦ - [٢٩] وَعَنِ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ جَالِساً
فِي الْبَطْحَاءِ فِي عِصَابَةٍ وَرَسُولُ اللهِ وَِّ جَالِسٌ فِيهِمْ، فَمَرَّتْ سَحَابَةٌ، فَنَظَرُوا
إِلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((مَا تُسَقُّونَ هَذِهِ؟)). قَالُوا: السَّحَابَ. قَالَ:
((وَالْمُزْنَ؟)) قَالُوا: وَالْمُزْنَ. قَالَ: ((وَالْعَنَانَ؟)) قَالُوا: وَالْعَنَانَ. قَالَ: ((هَلْ
تَدْرُونَ مَا بُعْدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ؟» قَالُوا: لاَ نَدْرِي،
فلم يكن الجواب مطابقاً للسؤال، هذا ما ذكروه في هذا المقام، وفي كلام بعض الصوفية
له بيان آخر مذكور في كتبهم، والله أعلم.
٥٧٢٦ - [٢٩] (العباس بن عبد المطلب) قوله: (زعم) قال الطيبي(١): نسبة الزعم
إلى العباس رمز إلى أنه لم يكن حينئذ مسلماً ولا تلك العصابة كانوا مسلمين، يدل
عليه قوله: (في البطحاء)، انتهى. لعل الدلالة لأجل أن هذا لسان أهل الجاهلية، ولسان
أهل الإسلام أن يقولوا: بمكة، أو في الحرم ونحو ذلك، وأقول: ومما يدل على ذلك
أيضاً قولهم: (لا ندري)، وعادة الصحابة استمرت على أن يقولوا: الله ورسوله أعلم،
وجاء في بعض الروايات عن العباس بن عبد المطلب: كنا عند النبي ◌َّر، الحديث.
وقوله: (السحاب) روي بالنصب والرفع.
وقوله: (قال: والمزن؟) بالنصب أي: وتسمون المزن.
وقوله: (قالوا: والمزن) أي: ونسمي المزن، والمزن بالضم: السحاب أو أبيضه،
كذا في (القاموس)(٢)، ومثله في (النهاية)(٣)، و(العنان) كسحاب زِنةً ومعنَى، وفي
(١) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ٣٢٧).
(٢) ((القاموس)) (ص: ١١٣٧).
(٣) ((النهاية)) (٤/ ٣٢٥).

٢٠٦
(٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
قَالَ: ((إِنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَهُمَا إِمَّا وَاحِدَةٌ وَإِمَّا اثْتَانِ أَوْ ثَلاَثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً،
وَالسَّمَاءُ الَّتِي فَوْقَهَا كَذَلِكَ)) حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ. ثُمَّ((فَوْقَ السَّمَاءِ
السَّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أَعْلاَهُ وَأَسْفَلِهِ كَمَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ
ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ، بَيْنَ أَظْلاَفِهِنَّ وَوُرُكِهِنَّ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ عَلَى
ظُهُورِ هِنَّ الْعَرْشُ، بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلاَهُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ اللهُ فَوْقَ
ذَلِكَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٣٣٢٠، د: ٧٢٣].
(القاموس)(١): السحاب، أو التي تمسك الماء، واحدته بهاء.
وقوله: (إما واحدة) أي: واحدة وسبعون، وإما اثنتان وسبعون، وإما ثلاث
وسبعون، ولعل الترديد من شك الراوي، وقد جاء في الأخبار: أن بُعْدَ ما بين السماء
والأرض خمس مئة عام، وكذلك بين السموات السبع، وكذلك بين كل سماء، وقال
الطيبي(٢): المراد بالسبعين في الحديث التكثير لهذه الأخبار، ولكن يختلج أنه لا فائدة
على تقدير إرادة التكثير في زيادة واحدة أو اثنتان أو ثلاث على السبعين، والله
أعلم.
وقوله: (ثمانية أوعال) جمع وعل بالفتح وككتف ودئل، وهذا نادر: تيس الجبل،
والمراد الملائكة على صورة الأوعال، و(الأظلاف) جمع ظلف بالكسر هو للبقر والغنم،
كالحافر للفرس والبغل، والخف للبعير. و(الورك) بالفتح والكسر وككتف: ما فوق
الفخذ، وما ذكر رسول الله * تصوير لعظمة الله سبحانه وفوقيته على العرش بالعلو
والعظمة والحكم، لا الحلول والمكان .
(١) ((القاموس)) (ص: ١١٢٢).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ٣٢٨).

٢٠٧
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
٥٧٢٧ - [٣٠] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللهِ وَلَّهِ أَعْرَابِيٌّ
فَقَالَ: جُهِدَتِ الأَنْفُسُ، وَجَاعَ الْعِبَالُ، وَنُهِكَتِ الأَمْوَالُ، وَهَلَكَتِ الأَنْعَامُ
فَاسْتَسْقِ اللهَلَنَا، فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى اللهِ، وَنَسْتَشْفَعُ بِاللهِ عَلَيْكَ. فَقَالَ
الَّبِيُّ ◌َِّ: (سُبْحَانَ اللهِ، سُبْحَانَ اللهِ». فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِك فِي
وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((وَيْحَكَ إِنَّهُ لاَ يُسْتَشْفَعُ بِاللهِ عَلَى أَحَدٍ، شَأْنُ اللهِ
أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَيْحَكَ أَنَدْرِي مَا الله؟ إِنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَاوَاتِهِ لَهَكَذَا)) وَقَالَ
بَأَصَابِعِهِ مِثْلَ الْقُبَّةِ عَلَيْهِ، ((وَإِنَّهُ لَيَطْ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ)). رَوَاهُ أَبُو
دَاوُدَ. [د: ٤٧٢٦].
٥٧٢٧ - [٣٠] (جبير بن مطعم) قوله: (جهدت) بلفظ المجهول، أي: أوقعت
في المشقة .
وقوله: (ونهكت الأموال) أيضاً بلفظ المجهول، أي: نقصت، نهك الضرع:
استوفی جمیع ما فيه، ونهکته الحمى: أضنته وهزلته وجهدته.
وقوله: (فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك) استشفعت بفلان على
فلان: ذهبت إليه واستعنت ليشفع له إليه، فالاستشفاع به على الله تعالى جائز، وأما
الاستشفاع بالله عليه فكلا، ولهذا سبح لله ونزه الله عن ذلك، وکرر ذلك وغضب،
حتى تغير وجهه الشريف، وعرف أثر ذلك التغير في وجوه أصحابه أيضاً.
وقوله: (أتدري ما الله؟) أي: ما عظمة الله وكبرياؤه؟ (وقال) أي: أشار، و(مثل
القبة) نصب على الحالية.
وقوله: (عليه) أي: على الكف، (وإنه) أي: العرش مع ما وصف من عظمته
وسعته (ليئط) بفتح الياء وكسر الهمزة من الأطيط، أي: يصوت من أطّ الرحل يئط

٢٠٨
(٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
٥٧٢٨ - [٣١] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَلِ قَالَ: ((أُذِنَ
لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلاَئِكَةِ اللهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، أَنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةٍ
أَذُنَّهِ إِلَى عَاتِقَيْهِ مَسِيرَةُ سَبْع مِئَةٍ عَام)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٢٧].
٥٧٢٩ - [٣٢] وَعَن زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى أَنَّ رَسُولَ اللهِينَ ﴿ قَالَ لِجِبْرِيلَ:
((هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَانْتُفَضَ جِبْرِيلُ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سَبْعِينَ
حِجَاباً مِنْ نُورِ، لَوْ دَنَّوْتُ مِنْ بَعْضِهَا لاَحْتَرَقْتُ)). هَكَذَا فِي ((الْمَصَابِيح)).
٥٧٣٠ - [٣٣] وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي (الْحِلْيَةِ)) عَنْ أَنَسٍ إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ:
((فَانْتُفَضَ جِبْرِيلُ)). [حلية الأولياء: ٤ / ٨٠].
أطيطاً: صوت، والأطيط: صوت الرحل والإبل من ثقلها، وصوت الظهر والجوف
من الجوع، والمراد أنه يعجز العرش من عظمته وحمل أحكامه كعجز الرحل عن احتمال
الراكب، وهذا تصوير وتفهيم لعظمة الله تعالى للأعرابي على قدر فهمه وحاله.
٥٧٢٨ - [٣١] (جابر بن عبدالله) قوله: (إلى عاتقيه) العاتق: المنكب، وقيل:
هو ما بين المنكب والعنق موضع الرداء.
٥٧٢٩، ٥٧٣٠ - [٣٢، ٣٣] (زرارة بن أوفى) قوله: (وعن زرارة) بضم الراء
(ابن أوفى)، وفي نسخة: (ابن أبي أوفى)، وكذلك في (التقريب)(١).
وقوله: (فانتفض) بالضاد المعجمة، أي: ارتعد من عظمة ذلك السؤال، نفض
الثوب: حرکه لينتفض.
وقوله: (سبعين حجاباً من نور) وهي الصفات الملكية في جبرئيل أو صفات
(١) ((تقريب التهذيب)) (ص: ٢١٥، رقم: ٢٠٩٩).

٢٠٩
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
٥٧٣١ _ [٣٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ خَلَقَ
إِسْرَافِيلَ مُنْذُ يَوْمَ خَلَّقَهُ صَافًّا قَدَمَيْهِ لاَ يَرْفَعُ بَصَرَهُ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّبِّ تَبَارَكَ
وَتَعَالَى سَبْعُونَ نُوراً، مَا مِنْهَا مِنْ نُورٍ يَدْنُو مِنْهُ إِلاّ احْتَرَقَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَصَحَّحَهُ(١).
٥٧٣٢ - [٣٥] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّن ◌َ﴿ قَالَ: ((لَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ
وَذُرَِّتَهُ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ: يَا رَبِّ! خَلَقْتَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَنْكِحُونَ
وَيَرْكُبُونَ، فَاجْعَلْ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةَ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: لاَ أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُهُ
بِيَدَيَّ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي
((شُعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ١٤٧].
الله تعالى، والعلم بتعيين العدد موكول إلى الشارع، والله أعلم.
وفي الحديث دليل حجة رؤية الله تعالى لسؤاله ◌َّه عنها، ولو كانت ممتنعة
لما سأل، ويفهم من جواب جبرئيل أيضاً، لقوله: (بيني وبينه ... إلخ)، يعني عدم
رؤيته تعالى ليس لامتناعها بل لتمنعه بحجاب العزة والكبرياء، وقد ترتفع الحجب،
وأيضاً أخبر عن رؤيته لقوله: (بيني وبينه)، ولعل الحجب لم تكن بين غيره وبين الله
كما كان لسيد المرسلين قلق .
٥٧٣١ - [٣٤] (ابن عباس) قوله: (صافًّا قدميه لا يرفع بصره) أي: عن الصور،
وذلك عبارة عن تهيئه وانتظاره لأمر الله بالنفخ حتى ينفخ.
٥٧٣٢ - [٣٥] (جابر) قوله: (لا أجعل من خلقته بيدي) الحديث، دليل على
(١) لم أجده في ((سنن الترمذي))، وأخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٥٥).

٢١٠
(٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٧٣٣ _ [٣٦] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الْمُؤْمِنُ أَكْرَمُ
عَلَى اللهِ مِنْ بَعْضٍ مَلاَئِكَتِهِ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٩٤٧].
٥٧٣٤ - [٣٧] وَعَنْهُ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ بِيَدَيَّ فَقَالَ: ((خَلَقَ اللهُ
الْتُّرْبَةَ بَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ،
وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاَثَاءِ،
أفضلية البشر من الملائكة، والمسألة مذكورة في كتب الكلام.
الفصل الثالث
٥٧٣٣ - [٣٦] (أبو هريرة) قوله: (المؤمن أكرم على الله من بعض ملائكته)
يراد بالمؤمن عوامهم، وببعض الملائكة أيضاً عوامهم، كذا قال الطيبي(١)، الحكم
بأفضلية المؤمنين على الملائكة ليس كليًّا، بل بعض المؤمنين أفضل من بعض الملائكة،
وتفصيله أن عوام البشر خير من عوام الملائكة، وخواص البشر من عوام الملائكة
وخواصهم، وخواص الملائكة من عوام البشر، وعلى التقديرين يصح أن بعض المؤمنين
أكرم على الله تعالى من بعض ملائكته، فافهم.
٥٧٣٤ - [٣٧] (وعنه) قوله: (بيدي) بلفظ التثنية. والترب والتراب والتربة :
الأرض .
وقوله: (يوم السبت ... إلخ)، دل هذا الحديث على أن ابتداء الخلق يوم
السبت، والمشهور أنه يوم الأحد، وقالوا: إنما سمي سبتاً لأن الله تعالى فرغ من الخلق
(١) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ٣٣١).

٢١١
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ بَعْدَ
الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ وَآخِرِ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ
إِلى اللَّيْلِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٨٩].
٥٧٣٥ - [٣٨] وَعَنْهُ قَالَ: بَيْنَمَا نَبِيُّ اللهِنَّهِ جَالِسٌ وَأَصْحَابُهُ إِذْ أَتَى
عَلَيْهِمْ سَحَابٌ، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِنَّهِ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذَا؟)). قَالُوا: اللهُ
وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((هَذِهِ الْعَنَانُ هَذِهِ رَوَايَا الأَرْضِ يَسُوقُهَا اللهُ إِلَى قَوْمِ
لاَ يَشْكُرُونَهُ وَلاَ يَدْعُونَهُ))، ثمَّ قَالَ: ((هَل تَدْرُونَ مَا فَوْقَكُمْ؟)) قَالُوا: اللهُ
وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ:
فيه واستراح، إلا أن يقال: هذا معتقد أهل الكتاب، ثم إنه قد نص في القرآن المجيد
أن الخلق كله في ستة أيام، ويظهر من هذا الحديث أنه في السبعة، ثم إنه لم يذكر
في هذا الحديث خلق السموات لعله كان مقدماً على خلق الأرض وما فيها أو مؤخراً
عنه .
وقوله: (وخلق النور) بالراء كما لمسلم، ولغيره بالنون، وهو الحوت، ويجوز
خلقهما في يوم الأربعاء، كذا نقل عن الأكمل.
وقوله: (بعد العصر من يوم الجمعة) ولهذا سميت جمعة لاجتماع الخلق فیه،
وفضلت آخر ساعة منه.
٥٧٣٥ - [٣٨] (وعنه) قوله: (سحاب) وفي بعض النسخ: (سحابة).
وقوله: (هذه روايا الأرض) جمع راوية، وهي البعير والبغل والحمار يستقى
عليه، ويسمى بها المزادة التي فيها الماء أيضاً، شبهت السحب بالروايا في سقيها
الأرض.

٢١٢
(٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
(فإنَّهَا الرَّقِيعُ سَقْفٌ مَحْفُوظٌ، وَمَوْجٌ مَكْفُوفٌ))، ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا بَيْنَكُمْ
وَبَيْنَهَا؟)) قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (َيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا خَمْسُ مِثَةٍ عَامٍ))، ثُمَّ
قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ؟)). قَالُوا: اللهُ وَرَسُوْلُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((سماءانِ
بُعْدُ مَا بَيْنَهُمَا خَمْسُ مِئَّةٍ سَنَةٍ»، ثُمَّ قَالَ كَذَلِكَ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ،
(مَا بَيْنَ كُلِّ سَمَاءَيْنِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ))، ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ
ذَلِكَ؟)) قَالُوا: اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((إِنَّ فَوْقَ ذَلِكَ الْعَرْشُ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ
السَّمَاءِ بُعْدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءَيْنِ)). ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا الَّذِي تَحْتَكُمْ؟)) قَالُوا:
اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((فَإِنَّهَا الأَرْضُ)). ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا تَحْتَ
ذَلِكَ؟». قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((إِنَّ تَحْتَهَا أَرْضاً أُخْرَى بَيْنَهُمَا
مَسِيرَةُ خَمْسٍ مِئَةٍ سَنَةٍ)). حَتَّى عَّ سَبْعَ أَرَضِينَ، ((بَيْنَ كلِّ أَرَضِنَ مَسِيْرَةُ
خَمْسٍ مِثَّةِ سَنَةٍ))، ثُمَّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّكُمْ دَلَّيْتُمْ بِحَبْلٍ
إِلَى الأَرْضِ السُّفْلَى لَهَبَطَ عَلَى اللهِ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿هُوَالْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالَّهِرُ وَالْبَالِيٌ
وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْ مِذِيُّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: قِرَاءَةٌ
رَسُولِ اللهِ نَّهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ:
وقوله: (فإنها الرقيع) بالقاف: السماء أو السماء الأولى.
وقوله: (موج مكفوف) أي: ممنوع من السقوط، ويحفظه الله تعالى من أن يقع
على الأرض، شبهها بالموج المكفوف في كونه معلق بغير عمد، و(السقف) اسم
للسماء، والظاهر أنه على التشبيه بسقف البيت.
وقوله: (دليتم) بالتشديد، أدليت الدلو ودليتها: أرسلتها إلى البئر.

٢١٣
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
لَهَبَطَ عَلَى عِلْمِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَعِلْمُ اللهِ وَقُدْرَتُهُ وَسُلْطَانُهُ فِي كُلِّ
مَكَانٍ، وَهُوَ عَلَى الْعَرْشِ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ. [حم: ٢/ ٣٠٧، ت:
٣٢٩٤].
٥٧٣٦ - [٣٩] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((كَانَ طُولُ آدَمَ سِتِّينَ
ذِرَاعاً فِي سَبْعِ أَذْرُعٍ عَرْضاً».
٥٧٣٧ - [٤٠] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ الأَنْبِيَاءِ
كَانَ أَوَّلَ؟ قَالَ: ((آدَمُ)). قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَنَبِيٌّ كَانَ؟ قَالَ: (نَعَمْ نَبِيٌّ
مُكَلَّمٌ)). قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! كَم المُرْسَلُونَ؟ قَالَ: ((ثَلاَثُ مِئَةٍ وَبِضْعَ عَشَرَ
جَمَّا غَفِيراً).
وقوله: (لهبط على الله) أي: على علمه وقدرته وسلطانه؛ لأن علمه وقدرته
وسلطانه في كل مكان، كما فسره الترمذي.
٥٧٣٦ - [٣٩] (وعنه) قوله: (كان طول آدم ستين ذراعاً في سبع أذرع) الظاهر
أن يراد الذراع المتعارف يومئذ عند المخاطبين، لا ذراع نفسه؛ إذ لو أريد ذراع نفسه
لكانت يده قصيرة غاية القصر في جنب طول جسده وخرج عن التناسب، كما لا يخفى.
٥٧٣٧ - [٤٠] (أبو ذر) قوله: (ونبي كان؟) بحذف حرف الاستفهام.
وقوله: (نبي مكلم) أي: أنزل عليه الصحف فيكون نبيًّا مرسلاً. فقوله: (مكلم)
صفة مخصصة، ويناسبه قوله بعده: (كم المرسلون؟).
وقوله: (جمًّا غفيراً) في (القاموس)(١): الجم: الكثير من كل شيء، وجاؤوا
(١) ((القاموس)) (ص: ١٠٠٦).

٢١٤
(٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ أَبُو ذَرٍّ: قَلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! كَمْ وَفَاءُ
عِدَّةِ الأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: ((مِئَةٌ أَلَّفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلَّفاً، الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ ثَلاَثُ
مِئَّةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ جَمَّا غَفِيراً)) .
٥٧٣٨ - [٤١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: (لَيْسَ الْخَبَرُ
ےے
كَالْمُعَايَنَةِ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَخْبَرَ مُوسَى بِمَا صَنَعَ قَوْمُهُ فِي الْعِجْلِ فَلَمْ يُلْقِ
الأَلْوَاحَ، فَلَمَّا عَايَنَ مَا صَنَعُوا أَلْقَى الأَلْوَاحَ فَانْكَسَرَتْ)). رَوَى الأَحَادِيث
الثَّلاثَةَ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٥،٢٩٥/
جمًّا غفيراً، أي: جميعاً لم يخلف أحد، كذا في (القاموس)(١)، الغفير: من الغفر وهو
الستر، وفيه تأكيد ومبالغة .
وقوله: (كم وفاء عدة الأنبياء؟) أي: كمالها وتمامها .
٥٧٣٨ - [٤١] (ابن عباس) قوله: (إن الله تعالى أخبر موسى ... إلخ)،
استشهاد وتقرير لقوله: (ليس الخبر كالمعاينة)، يعني: أن الخبر وإن كان صادقاً وحقًّا
بلا شبهة مع ذلك للمعاينة تأثير وحالة ليست للخبر.
(١) ((القاموس)) (ص: ٤٢٠).

(٢٩)
إكتاب الفَضَائِلِ وَالشَّمَائِ،

(٢٩)
إكتابُ الفِضَائِ وَالشَّمَاتِ
١- باب فضائل بيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٧٣٩ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهـ
.
[٢٩ - كتاب الفضائل والشمائل]
١ - باب فضائل سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه
فضائل سيد المرسلين و 2# مما لا يعد ولا يحصى، ولا يحيط بها علوم الأولين
والآخرین، ولا يعلمها بالکنه إلا رب العالمين، فإن فضل رسول الله ليس له حد فيعرب
عنه ناطق بفم، وقد أطبقت الأمة على أنه سيد ولد آدم وسيد المرسلين صلى الله عليهم
وسلم أجمعين، وبعده إبراهيم خليل الرحمن، وموسى كليم الله، ولم يوجد نص من
العلماء بعد ذلك، والله أعلم. وقد ختم المؤلف الكتاب بذكره ◌َّر، وذكر فضائله
وأسمائه وأخلاقه وشمائله ومعجزاته، وفضائل أصحابه وأهل بيته الطيبين الطاهرين،
وسائر أمته أجمعين، وهذه الأبواب خلاصة هذا الكتاب، وحق بأن يختم الكتاب
بها، ختم الله لنا بالحسنى في كل باب.
الفصل الأول
٥٧٣٩ - [١] (أبو هريرة) قوله:

٢١٨
(١) باب فضائل سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه
(بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونٍ بَنِي آدَمَ قَرْناً فَقَرْناً، حَتَّى كُنْتُ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ
مِنْهُ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٥٧].
(بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً) القرن: كل طبقة أهل زمان واحد؛
الاقترانهم في أعمارهم وأحوالهم، كما في قوله ◌َّ: (خير القرون قرني الذين أنا
فيهم ثم الذين يلونهم)(١) الحديث، وقال صاحب (القاموس)(٢): القرن: كل أمة
هلكت فلم يبق منها أحد، وقد يطلق على الوقت أيضاً، فقيل: أربعون سنة أو عشرة أو
عشرون أو ثلاثون وقد اشتهر هذا في العوام، أو خمسون أو ستون أو سبعون أو ثمانون
أو مئة أو مئة وعشرون، وقد يرجح المئة بقوله ◌ّة لغلام: (عش قرناً) فعاش مئة سنة،
والله أعلم.
والمراد بخير قرون بني آدم: كل طبقة فيهم آباؤه مصل ◌ٍ، وهو محمول هنا على
من بعد إسماعيل من ولده من كنانة وقريش ومن بعدهم، ليصح معنى التعقيب في الفاء،
والمراد ببعثه فيهم: تقلبه في أصلاب الآباء، ونقله فيها أباً فأباً، وقرناً فقرناً، حتى ظهر
في القرن الذي وجد فيه، ومعنى الترتيب في الفضل والخيرية على سبيل الترقي كما
يفسره الحديث الآتي، والخيرية والاصطفاء محمولة من جهة الخصائل الحميدة والفضائل
الشريفة عند العقلاء وأهل الكرام، لا باعتبار الإيمان والديانة، كذا قالوا، وهذا في
القرون .
وأما آباؤه الكرام فكلهم من آدم إلى عبدالله أبيه طاهرون مطهرون من دنس الكفر
ورجس الشرك لقوله ◌َله: (خرجت من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الطاهرات)،
(١) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) نحوه (٢٦٥١).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٢٧).

٢١٩
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
٥٧٤٠ - [٢] وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَع قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴾
يَقُولُ: ((إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدٍ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشاً مِنْ كِنَانَةَ،
وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[م: ٢٢٧٦].
وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: ((إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيْمَ إِسْمَاعِيلَ،
وَاصْطَفَى مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ بَنِي كِنَانَةَ)). [ت: ٣٦٠٥].
وإن حمل هذا على الطهارة عن الزنا والسفاح على ما كان من عادة الجاهلية، كما
يدل عليه ظاهر الأحاديث فبدلائل أخر حرّرت وقررت، ولعمري أن هذا العلم - أعني
العلم يكون آباء النبي ◌َّ من لدن آدم إلى أن وجد كانوا على التوحيد ودين الإسلام - علم
خص الله تعالى به العلماء المتأخرين، والمتقدمون ربما يلوح من كلماتهم خلاف
ذلك، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وجزى الله عنا الشيخ جلال الدين السيوطي
شيخ شيوخنا في الحديث خير الجزاء، فإنه صنف فيها رسائل متعددة، فأفاد وأجاد
وأغنى عن المصباح بالإصباح، والله هو العليم الفتاح، وحاش الله أن يودع هذا النور
الطاهر في مواضع النجاسة والظلمة، ولقد جاءت الروايات أنه كان رَّةٍ في صلب بعض
آبائه يلبي بالحج، وكانوا يبشرون بقدومه ووجوده وأمثال ذلك كثيرة.
٥٧٤٠ - [٢] (واثلة بن الأسقع) قوله: (اصطفى كنانة) بكسر الكاف بعد إسماعيل
بوسائط، وقيل: قريش بواسطتين، والمشهور في التسمية بقريش أنه مصغر قرش:
دابة بحرية يخافها دواب البحر كلها، وفيه وجوه كثيرة ذكرت في (القاموس)(١)، ووجه
التسمية بهاشم أنه كان يهشم الثريد لقومه في أيام الجدب.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٥٧).

٢٢٠
(١) باب فضائل سيّد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه
٥٧٤١ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَنَا سَيِّدُ
وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ)).
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٧٨].
٥٧٤١ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (أنا سيد ولد آدم) سيد القوم: أجلهم، وهو رَيّ
أجل الناس وأكرمهم وأفضلهم في جميع صفات الكمال، ويلزم بهذا أن يكون أفضل
من الملائكة أيضاً على مذهب أهل الحق، كذا ذكر الطيبي(١)، وقد جاء في بعض
الأحاديث أفضليته ◌ّ على الخلق مطلقاً.
وذكر في (المواهب اللدنية)(٢): من حديث سلمان عند ابن عساكر، قال: (هبط
جبرئيل على النبي ◌َّه فقال: إن ربك يقول: ما خلقت خلقاً أكرم علي منك، ولقد
خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك ومنزلتك عندي، ولولاك ما خلقت الدنيا)،
فثبت أنه أفضل الخلائق أجمعين، وأما ما جاء من قوله: (لا تفضلوا بين الأنبياء)، وقوله:
(لا تفضلوني على يونس بن متى) فقد عرفت جوابه في الأبواب السابقة، والتقييد بقوله :
(يوم القيامة) باعتبار ظهور آثار سيادته وَله في ذلك اليوم، فإنه يظهر فيه أن اليوم يومه،
ولا يكون في مقامه وقربه من الحضرة الإلهية أحد لتر .
وقوله: (وأول من ينشق عنه القبر) كناية عن أنه أول من يبعث. و(مشفع)
على لفظ اسم المفعول من الشفع، وهو قبول الشفاعة، وقد سبق ذكره في (باب
الشفاعة) .
(١) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ٣٣٩).
(٢) ((المواهب اللدنية)) (١ / ٥٥).