النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
٥٦٨٩ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِهِ أَنَّ (١) النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: ((إِنَّ
فِي جَهَنَّمَ لَوَادِياً يُقَالُ لَهُ: هَبْهَبُ يَسْكُنُهُ كُلُّ جَبَّارِ)). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي:
٢٨٥٨].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٦٩٠ - [٢٦] عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِّ ◌َهِ قَالَ: ((يَعْظُمُ أَهْلُ النَّارِ فِي
النَّارِ حَتَّى إِنَّ بَيْنَ شَحْمَةٍ أُذُنِ أَحَدِهِمْ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْع مِئَةٍ عامٍ، وإِنَّ
غِلَظَ جِلْدِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعاً، وَإِنَّ ضِرْسَهُ مِثْلُ أُحُدٍ)).
السلسلة، ويحتمل أن يكون الضمير لجهنم؛ لأن الكافرين الذين هم في السلسلة في
جهنم بل هذا أولى وأظهر في المعنى. ويقال: إن ذرع ذلك العالم لا يقاس على ذرع
الدنيا، كما ورد: أن القيراط مثل أحد، وأيضاً إذا كان عظم جثة الجهنميين كما ورد في
الأحاديث، فالسلسلة التي تكون في أعناقهم وفي أرجلهم تكون على حسب ذلك.
٥٦٨٩ _ [٢٥] (أبو بردة) قوله: (يقال له: هبهب) في (القاموس)(٢): الهبهبة:
السعرة، وترقرق السراب، ولعله سمي به لسرعة وقوع المجرمين فيه للعذاب، أو
لسرعة التهاب النار فيه .
الفصل الثالث
٥٦٩٠ - [٢٦] (ابن عمر) قوله: (مسيرة سبع مئة عام) هذا أبلغ من الأحاديث
السابقة في بيان عظم جسد أهل النار، ويعلم من هذا المبالغة بتفاوت حال الكافرين،
کما ذكرنا.
(١) في نسخة: ((عن)).
(٢) ((القاموس)) (ص: ١٤٥).

١٦٢
(٧) باب صفة النار وأهلها
٥٦٩١ - [٢٧] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ فِي النَّارِ حَيَّاتٍ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ، تَلْسَعُ إِحْدَاهُنَّ اللَّسْعَةَ
فَيَجِدُ حَمْوَتَهَا أَرْبَعِينَ خَرِيفاً، وَإِنَّ فِي النَّارِ عَقَارِبَ كَأَمْثَالِ الْبِغَالِ الْمُؤْكَفَّةِ،
تَلْسَعُ إِحْدَاهُنَّ اللَّسْعَةَ فَيَجِدُ حَمْوَتَهَا أَرْبَعِينَ خَرِيفاً). رَوَاهُمَا أَحْمَدُ. [حم:
٢ / ٢٦، ٤ / ١٩١].
٥٦٩٢ - [٢٨] وَعَنِ الْحَسَن قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
قَالَ: ((الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ثَوْرَانِ مُكَوَّرَانِ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». فَقَالَ الْحَسَنُ:
وَمَا ذَنُْهُمَا؟
٥٦٩١ - [٢٧] (عبدالله بن الحارث) قوله: (ابن جزء) بفتح الجيم وسكون الزاي
آخره همزة.
وقوله: (كأمثال البخت) في (القاموس) (١): البخت بالضم: الإبل الخراسانية.
وقوله: (فيجد حموتها) بفتح الحاء المهملة وسكون الميم، أي: شدة ألمها،
في (الصراح)(٢): الحموة: سختي وتيزي درد.
وقوله: (البغال المؤكفة) الإكاف للحمار كالسرج للفرس.
٥٦٩٢ - [٢٨] (الحسن) قوله: (ثوران) الثور: قطعة من الجبن.
وقوله: (مكوران) في (القاموس)(٣): كوّرَ الرجل: طعنه، فألقاه مجتمعاً،
(١) ((القاموس)) (ص: ١٤٩).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٥٥٣).
(٣) ((القاموس)) (ص: ٤٤٠).

١٦٣
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
فَقَالَ: أُحَدِّئُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ! فَسَكَتَ الْحَسَنُ. رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ فِي («كِتَابِ
الْبَعْثِ وَالنَّشُوْرِ)).
٥٦٩٣ _ [٢٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((لاَ يَدْخُلُ
النَّارَ إِلَّ شَقِيٌّ)). قِيلَ: يَا رَسُولَ الهِ! وَمَنِ الشَّقِيُّ؟ قَالَ: ((مَنْ لَمْ يَعْمَلْ لِلَّهِ
بِطَاعَةٍ وَلَمْ يَتْرُكْ لَهُ بِمَعْصِيَةٍ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٤٢٩٨].
٨ - باب خلق الجنة والنار
أي: ملقيان في النار.
وقوله: (أحدثك عن رسول الله (وَ ل ﴿) وأنت تقول هذا؟ فكأنه صدر السؤال عن
الحسن بطريق الاستغراب والاستبعاد.
٥٦٩٣ - [٢٩] (أبو هريرة) قوله: (من لم يعمل لله) أي: لوجه الله وخالصاً
له.
٨ - باب خلق الجنة والنار
أي: بيان أنهما مخلوقتان الآن، لا أنهما سيخلقان يوم الجزاء، كما ذهب إليه
بعض المبتدعة، وقالوا: إنهما يخلقان يوم الجزاء، وهذا باطل بالكتاب والسنة، وأقوى
حجة عليه قصة آدم وحواء، قالوا: تلك كانت بستاناً في بعض أعالي الأرض، ويبطله
ما وقع في تلك القصة من صفات الجنة التي هي دار الخلد، فتدبر.

١٦٤
(٨) باب خلق الجنة والنار
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٦٩٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهُ: ((تَحَاجَّتِ
الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوْثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ
الْجَنَّةُ: فَمَا لِي لاَ يَدْخُلُنِي إِلَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ وَغِرَّتُهُمْ.
الفصل الأول
٥٦٩٤ - [١] (أبو هريرة) قوله: (تحاجت الجنة والنار) أي: تكلمتا فيما بينهما
كشفاً عن حالهما مع إظهار نوع شكاية منهما، وليس المراد محاجتهما بمعنى مغالبتهما
بالحجة، كما في (حج آدم موسى عليهما السلام)، كذا قال الطيبي(١)، فتدبر(٢).
وقوله: (إلا ضعفاء الناس وسقطهم) أي: أراذلهم وأدوانهم، كذا في (مجمع
البحار)(٣) عن (النهاية)، وقال الكرماني (٤): (وسقطهم) هو بفتحتين، أي: الساقطون
عن أعين الناس.
وقوله: (وغرتهم) الغر بالكسر: الغافل لا تجربة له كما في قوله: (المؤمن غر
كريم)، والتاء على وصف الجماعة، والغرة أيضاً اسم من اغتر فيكون من قبيل الوصف
بالمصدر؛ فإن قيل: يدخل فيها من الأنبياء والملوك العادلة والعلماء المشهورين؟
قلت: يريد أن أكثرهم الفقراء والبله، وأما غيرهم من الأكابر فهم قليلون، وهم
(١) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ٢٩٠).
(٢) زاد في (ك) بعد هذا: ويجوز أن يكون المقصود المباهاة والمفاخرة، فإن الجاهلين يتباهون
بوجود صحبة المتكبرين والمتجبرين جهلاً منهم، وزعماً بعزتهم وعظمتهم عندهم.
(٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٨٧)، و((النهاية)) (٢ / ٣٧٨).
(٤) ((شرح الكرماني)) (١٨ / ٤).

١٦٥
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
قَالَ اللهُ لِلْجَنَّةِ: إِنَّمَا أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ
لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ
مِنْكُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَا النَّارُ فَلاَ تَمْتَلِىُّ حَتَّى يَضَعَ اللهُ رِجْلَهُ تَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ،
فَهُنَالِكَ (١) تَمْتَلِىُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَلاَ يَظْلِمُ اللهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَداً،
وَأَمَّا الْجَنَّةُ فِإِنَّ اللهَ يُنْشِىءُ لَهَا خَلْقاً) ..
أصحاب الدرجات العلى، وقيل: معنى الضعيف: الخاضع لله المذل نفسه له،
المتواضع للخلق .
وقوله: (إنما أنت رحمتي) بلفظ خطاب المؤنث، أي: محلها ومكانها، وقد
سميت الجنة رحمة في قوله تعالى: ﴿فَفِى رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٧]، وهذا إفحام
وإسكات لهما بأن ذلك من مشيئتي وفي اختياري أفعل ما أشاء، جعلت إحداكما رحمة
للضعفاء والمساكين، والأخرى عذاباً للجبابرة والمتكبرين، أفعل ما أشاء، ولا علة
الفعلي.
وقوله: (حتى يضع الله رجله) هذا من المتشابهات كاليد والأصبع والعين والوجه،
وقد علم حكمها إما الوقف وإما التأويل.
وقوله: (قط قط قط) مكرر ثلاثاً، وهو بسكون الطاء بمعنى حسب، وقد يلحقها
نون الوقاية، وقد تكسر الطاء منونة وغير منونة، وقد يدخلها الفاء، وأما بضم الطاء
مشددة، فهو الذي يكون للنفي في الماضي.
وقوله: (ويزوى) على صيغة المجهول، أي: يضم ويجمع فتضيق.
وقوله: (ينشئ لها خلقاً) أي: لم يعملوا عملاً، وهذا فضل من الله لا يدخل
(١) في نسخة: ((فهناك)).

١٦٦
(٨) باب خلق الجنة والنار
مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨٥٠، م: ٢٨٤٦].
٥٦٩٥ - [٢] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ قَالَ: ((لاَ تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا
وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ فَنْزَوِيْ بَعْضُهَا إِلَى
بَعْضٍ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلاَ يَزَالُ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ حَتَّى
يُنْشِئَ اللهُلَهَا خَلْقاً فَيُسْكِنُهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨٤٨، م:
٢٨٤٨].
وَذُكِرَ حَدِيثُ أَنَسٍ: ((حُفَّتِ الجنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، فِي ((كِتَابِ الرِّقَاقِ)).
* الْفَصْلُ الثَّانِ:
٥٦٩٦ - [٣] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((لَمَّا خَلَقَ اللهُ الْجَنَّةَ
قَالَ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللهُ لِأَهْلِهَا
فِيهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! وَعِزَّتِكَ لاَ يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّ دَخَلَهَا، ...
النار بغير معصية، ويدخل الجنة بلا طاعة، ولو شاء أدخل النار بالطاعة، ولكنه لا يفعل
فضلاً ولا ظلم، لأن الكل ملكه، والمالك يتصرف في ملكه كيف يشاء، لا يُسْأَلُ
عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وقد حقق في علم
الكلام.
٥٦٩٥ - [٢] (أنس) قوله: (قط قط) مكرر ثنتين.
الفصل الثاني
٥٦٩٦ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (لا يسمع بها أحد إلا دخلها) أي: طمع في
دخولها ولا يهتم إلا بشأنها .

١٦٧
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
ثُمَّ حَقَّهَا بِالْمَكَارِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ! اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، قَالَ: فَذَهَبَ فَنَظَرَ
إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! وَعِزَّنِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لاَ يَدْخُلَهَا أَحَدٌ)).
قَالَ: ((فَلَّا خَلَقَ اللهُ النَّارَ قَالَ: يَا حِبْرِيلُ! اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا
فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! وَعِزَّتِكَ لاَ يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلُهَا، فَحَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ، ثُمَّ
قَالَ: يَا جِبْرِئِلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، قَالَ: فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: أَيْ رَبِّ!
وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لاَ يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّ دَخَلَهَا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ
وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٢٥٦٠، د: ٤٧٤٤، ن: ٣٧٦٣].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٦٩٧ - [٤] عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌ّهِ صَلَّى لَنَا يَوْماً الصَّلاَةَ، ثُمَّ
رَقِيَ الْمِنْبَرَ فَأَشَارَ بِيَدِهِ قِبَلَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: ((قَدْ أُرِيتُ الآنَ مُذْ صَلَّيْتُ
لَكُمُ الصَّلاَةَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَِّتَيْنِ فِي قِبَلِ هَذَا الْجِدَارِ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ.
وقوله: (ثم حفها بالمكاره) أي: جعل المكاره محيطاً بها .
الفصل الثالث
٥٦٩٧ - [٤] (أنس) قوله: (رقي) من الرقي بضم الراء وكسر القاف وتشديد
الياء على وزن سمع يسمع، ومن الرقية على ضرب يضرب.
وقوله: (في قبل هذا الجدار) (قبل) بضمتين وبكسر القاف، وقد يسكن :
ما يستقبلك من شيء.
وقوله: (فلم أر) أي: مرئياً، (كاليوم) فالجنة خير المرئيات، والنار شرها، وقد
جاء في بعض الروايات: (رأيت الجنة والنار في عرض هذا الحائط)، ثم إنهم يوردون

١٦٨
(٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٤٩].
٩- باب بدءالخلق وذكر الأي عليهم الصلاة والسلام
هنا إشكالاً، وهو أن الجنة والنار كيف يمثلان في الجدار، ويجيبون كما أن البستان
والدار الوسيع يمثل في المرآة، فمثال الشيء لا يجب أن يكون مثله في المقدار، وقد
يجاب بأن قوله: (في قبل) أو (في عرض) ليس حالاً من المفعول بل من الفاعل،
أي: رأيتهما وأنا في ذلك المكان، انتهى. وأقول: إنه لا يلزم من الحديث كونهما
ممثلين في نفس الجدار، بل في جانبه وناحيته، فيكون رؤية المثال في تلك الناحية،
ووجود المثال في مكان آخر وعالم آخر، والله أعلم بحقيقة الحال.
٩ - باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
البدء بفتح الباء وسكون الدال مهموز: الابتداء، في (القاموس)(١): بَدَأَ بِهِ كمنع :
ابتدأ، والشيء: فعله ابتداء، كأبدأه ابتدأه، وجمع معه ذكر الأنبياء صلوات الله وسلامه
عليهم أجمعين لتقدمهم وابتداء أمر الدين والأحكام، وانتظام العالم وصلاحه بهم،
وقد ابتدأ خلق نوع الإنسان بآدم عليه﴾.
ثم اعلم أن أهل الملل كلهم بل المجوس أيضاً أطبقوا على أن العالم حادث
بمعنى أنه لم يكن شيئاً، فأوجده الله سبحانه، والعمدة في ذلك خبر: (كان الله ولم
يكن معه شيء)، فخلق اللوح والقلم، وقد كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق، ثم خلق
(١) («القاموس)) (ص: ٤٥).

١٦٩
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
*
٥٦٩٨ - [١] عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ لَّهُل
ء
إِذْ جَاءَهُ قومٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ: ((اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ!»
العرش والكرسي والسموات والأرضين والملائكة والجن والإنس، كما نطقت به
الأحاديث.
واتفقوا على أن الأجسام محدثة ذواتها وصفاتها، فقال بعضهم: أول ما خلق
من الأجسام الماء؛ لأنه قابل لكل الصور، فإن الماء إذا لطف صار هواء، وتكونت
النار من صفوة الماء، والسماء تكونت من دخان النار، وينسب هذا القول إلى بعض
الحكماء، يقال له: تالس الملطي(١)، لكنهم قالوا: إنه أخذه من مشكاة النبوة، إذ جاء
في السفر الأول من (التوراة): إن الله خلق جوهراً فنظر إليه نظر الهيبة فذابت أجزاؤه،
فصارت ماء، ثم ارتفع منه بخار كدخان، فخلق منه السموات، فظهر على وجه الماء
زبد فخلق منه الأرض، ثم أرساها الجبال، وقد اختلفت في ذلك أقوال عن الناس،
وهذه الأمور مما لا يدرى بالعقل والقياس إلا بالوحي السماوي والاستنباط مما ورد به
الوحي، والله أعلم بحقائق الأمور.
الفصل الأول
٥٦٩٨ - [١] (عمران بن حصين) قوله: (قوم من بني تميم) وفي رواية: (نفر)،
وفي أخرى: (ناس من بني تميم).
وقوله: (اقبلوا البشرى) أي: ما يوجب بشارتكم بالجنة، والفوز بسعادة الدين
(١) من حكماء اليونان المشهورين. وفي ((المنجد)): طاليس (ت نحو ٥٤٨ ق. م) فيلسوف رياضي،
ولد في ميليتس من عائلة فينيقية.

١٧٠
(٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
قَالُوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا، فَدَخَلَ نَسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: ((اقْبُلُوا الْبُشْرَى
يَا أَهْلَ الْيَمَنِ! إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُوتَمِيمٍ)). قَالُوا: قَبِلْنَا، جِتْنَكَ لِتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ،
وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الأَمْرِ مَا كَانَ؟ قَالَ: ((كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ،
وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ،
من تعلم الشرائع وعقائد الدين، ولما كان أكبر همهم الدنيا لم يهتموا بالسؤال
والاستكشاف عن ذلك واستعجلوا الاعطاء من عرض الدنيا، فكأنهم لم يقبلوا
البشرى .
وقوله: (فجاء ناس من اليمن) وهم الأشعريون، أبو موسى الأشعري وقومه،
فإنه ربه هاجر من اليمن مع أخويه في بضع وخمسين من قومه، وإليه ينتهي نسب
أبي الحسن الأشعري رئيس أهل السنة والجماعة، قال البيهقي في رسالة عملها في
مناقبه: إن الكلام في أصول الدين وحدوث العالم ميراث لأبي الحسن الأشعري
عن أجداده الذين قدموا على رسول الله بَّه، والمراد بهذا (الأمر) الخلق، و(ما) في
(ما كان) استفهامية .
وقوله: (ولم يكن شيء قبله) يعني بل بعده.
وقوله: (وكان عرشه على الماء) جملة مستقلة معطوفة على الأولى، لا حالية،
حتى يتوهم المعية في الكونين، والمقصود حصول الجملتين في الوجود، أو الواو
بمعنى (ثم)، فـ (كان) لما مضى من الزمان سواء كان أزلياً أو غيره في الأزل، أو فيما
لا يزال، ودل الحديث على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض،
قالوا: وذلك بمعنى أنه لم يكن حائل بينهما لا أنه كان موضوعاً على متن الماء، وقال

١٧١
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، وَكَتَبَ فِ الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ»، ثُمَّ أَثَانِي رَجُلٌ
فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ! أَدْرِكْ ناقتَكَ فَقَدْ ذَهَبَتْ، فَانْطَلَقْتُ أَطْلَبُهَا، وَأَيَّمُ اللهِ
لَوَدِدْتُ أَنَّهَا قَدْ ذَهَبَتْ وَلَمْ أَقُمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣١٩٠].
٥٦٩٩ - [٢] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ لِ مَقَاماً، فَأَخْبَرَنَا
عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ، وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ، حَفِظَ
ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣١٩٢].
الشيخ ابن حجر(١): ليس المراد بالماء ماء البحر، بل هو ماء تحت العرش كما شاء
الله تعالى، هذا وقد سبق ذكره في أول الكتاب في (باب الإيمان بالقدر).
وقوله: (وكتب في الذكر) أي: في اللوح المحفوظ، والظاهر أن هذا قبل خلق
العرش وما ذكر، فهذا أيضاً جملة مستقلة من غير رعاية الترتيب مع أن المذكور فيها
الواو ولا ترتيب فيها، ووقع في بعض روايات البخاري هذه الجملة بين قوله: (كان
عرشه على الماء).
وقوله: (وخلق السماوات والأرض)، وبناؤه على عدم الترتيب.
وقوله: (ثم أتاني رجل فقال: يا عمران! أدرك ناقتك) فإنه له كان عقل ناقته
بالباب، ثم دخل عليه وَّ ففلتت ناقته، فجاء رجل يخبره به فخرج بطلبها، فكان
يندم على خروجه من مجلسه الشريف على فوات سماعه كلام رسول الله يقر مع أهل
اليمن.
٥٦٩٩ - [٢] (عمر) قوله: (حتى دخل) أي: أخبرنا في مجلس واحد بجميع
أحوال المخلوقات من المبدأ إلى المعاد.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١٣ / ٤١٠).

١٧٢
(٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
٥٧٠٠ _ [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ
اللهَ تَعَالَى كَتَبَ كِتَاباً قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهُوَ
مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٩٤، م: ٢٧٥١].
٥٧٠١ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((خُلِقَتِ الْمَلاَئِكَةُ
مِنْ نُوْرٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَرٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ)). رَوَاهُ
مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٩٦].
٥٧٠٠ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (إن الله تعالى كتب كتاباً) قال التُّورِبِشْتِي(١):
يحتمل أن يكون المراد به اللوح المحفوظ أو القضاء، ومعنى سبق الرحمة كثرة ظهور
آثارها، وشيوعها وشمولها المخلوقات كلها بالنسبة إلى الغضب كما يرى، كما قال
سبحانه: ﴿عَذَابِىَّ أُصِيبُ بِهِ، مَنْ أَشَاءٌ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
٥٧٠١ - [٤] (عائشة) قوله: (خلقت الملائكة من نور) في (القاموس)(٢):
النور: الضوء أو شعاعه، أو المراد في الحديث جوهر مضيء، وتحقيق معنى النور
يطلب مما ذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿اللّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وذكره
الغزالي، ونحن ترجمنا كلامه في تفسیرها.
وقوله: (وخلق الجان من مارج من النار) الجان: الجن، وقيل: أبو الجن،
كآدم للبشر، والمارج: الصاف من الدخان، و(من نار) بيان لـ (مارج)؛ فإنه في الأصل
للمضطرب، من مرج: إذا اضطرب، كذا قال البيضاوي(٣)، ويوافقه ما قال في
(١) ((كتاب الميسر)) (٤ / ١٢٣١).
(٢) ((القاموس)) (ص: ٤٥٤).
(٣) (تفسير البيضاوي)) (٥ / ١٧١).

١٧٣
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
٥٧٠٢ - [٥] وَعَنْ أَنَسَ أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ: «لَمَّا صَوَّرَ اللهُ آدَمَ فِي
الْجَنَّةِ تَرَكَهُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَتْرُكَهُ،
(القاموس)(١): مارج من نار؛ أي: نار بلا دخان، وقال في (النهاية)(٢): مارج النار:
لهبها المختلط بسوادها، وهذا أيضاً يناسب ما في معنى المرج من الاختلاط، وقال
البيضاوي(٣): المراد بالنور الجوهر المضيء والنار كذلك، غير أن ضوءها مكدر مغمور
بالدخان محذور عنه بسبب ما يصحبه من فرط الحرارة والإحراق، فإذا صارت مهذبة
مصفاة كانت محض نور، ومتى نكصت عادت الحالة الأولى جذعة ولا تتزال تتزايد
حتى ينطفئ نورها، ويبقى الدخان الصرف.
٥٧٠٢ - [٥] (أنس) قوله: (لما صور الله آدم في الجنة) استشكل هذا الحديث،
فإن الأخبار متظاهرة في أن آدم خلق في الأرض، وكان ملقى بين مكة والطائف، ثم
أدخل الجنة وأمر بالسكون فيها؟ وأجيب بأنه يمكن أنه خمّر تراب من وجه الأرض
حتى صار طيناً، ثم ترك حتى صار صلصالاً، وكان ملقى بين مكة والطائف حتى
مضت أطوارها، واستعدت لقبول الصورة الإنسانية فحملت إلى الجنة فصورت، ونفخ
فيها الروح، ولا يحسم هذا مادة الإشكال، فإن ظاهر الأخبار تدل صريحاً على أنه
أدخل الجنة، وهو بشر حي كما يدل عليه قوله: ﴿ وَقُلْنَا يَادَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ﴾
[البقرة: ٣٥]، ويقال: المراد بـ (اسكن): استقر على السكون بقرينة (وزوجك)،
فإنها خلقت في الجنة، فالمراد بأمرها بالسكون: أمرها بالاستقرار عليه قطعاً، وقال
(١) ((القاموس)) (ص: ٢٠٠).
(٢) ((النهاية)) (٣١٥/٤).
(٣) ((تفسير البيضاوي)) (١ / ٧١).

١٧٤
(٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يُطِيفُ بِهِ يَنْظُرُ مَا هُوَ، فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ عَرَفَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلْقاً
لاَ يَتَمَالَكُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦١١].
٥٧٠٣ _ [٦] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((اخْتَتَنَ
إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُومِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٥٦، م:
٢٣٧٠].
التُّورِبِشْتِي(١): لا أرى الوجه في هذا الحديث إلاّ احتمال أن تكون هذه الكلمة أعني:
(في الجنة) سهواً من بعض الرواة أخطأ سمعه، والله أعلم.
وقوله: (يطيف به) بضم الياء: طاف بالشيء يطوف، وأطاف به يطيف بمعنى
استدار حوله، وفي (القاموس)(٢): أطاف به: ألمّ به وقاربه، وفي (الصراح)(٣): أطافه:
فرود آمدن بچیزي، ونزدیک شدن.
وقوله: (لا يتمالك) أي: لا يملك نفسه عن الشهوات.
٥٧٠٣ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (ابن ثمانين) وفي (شرح الأكمل) عن (الموطأ):
ابن مئة وعشرين، قيل: والأول هو الصحيح.
وقوله: (بالقدوم) في (القاموس)(٤): القدوم: آلة للنجر مؤنثة، وموضع اختتن
به إبراهیم ێ، وقد یشدد، وفي (مختصر النهاية)(٥): مشدد ومخفف، اسم موضع،
(١) ((كتاب الميسر)) (٤/ ١٢٣٢).
(٢) ((القاموس)) (ص: ٧٩٩).
(٣) ((الصراح)) (ص: ٣٥٦).
(٤) ((القاموس)) (ص: ١٠٥٨).
(٥) ((الدر النثير)) ٢/ ٨٢٦).

١٧٥
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
٥٧٠٤ _ [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلاَّ
ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ: ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللهِ قَوْلُهُ:
ومنه: (اختتن إبراهيم بالقدوم): قرية بالشام، وقيل: القدوم بالتشديد والتخفيف:
قدوم النجار، انتهى. وقيل: هو في آلة النجار بالتخفيف، وفي اسم الموضع بهما،
فبالتخفيف يحتملهما، وبالتشديد يتعين المكان، والأكثرون على التخفيف، وقال
التُّورِبِشْتِي(١): القدوم بتخفيف الدال: موضع بالشام، ومن المحدثين من يشدّد وهو
خطأ، ومن الناس من يظنّ أنه اختتن بالقدوم الذي ينحت به، وهو غلط، وبالمدينة
جبل يقال له: القدوم، وأكثر ظني أن هذا بالتشديد.
٥٧٠٤ _ [٧] (وعنه) قوله: (إلا ثلاث كذبات) في (المشارق)(٢): هي بفتح
الكاف والذال جمع كذبة بفتح الكاف، الواحد الكذب، وفي (مجمع البحار)(٣):
(كذبات) بفتح ذال جمع كذبة بسكونها، وفي بعض الحواشي: قال أبو البقاء: الجيد
أن يقال: بفتح الذال في الجمع لأنه جمع كذبة، وهو اسم لا صفة، لأنك تقول:
كذب كذبة، كما يقول: ركع ركعة، وإن كان صفة يسكن في الجمع، وتسميتها
كذبات باعتبار الظاهر، وإنها لصدق باعتبار ما هو المقصود منها.
وقوله: (ثنتين منهن في ذات الله) قيل: أي لأجل الله وأمره وطلب رضاه، ويتوجه
عليه أن الثالثة أيضاً كذلك لما فيها [من] دفع كافر ظالم عن التعرض بما لا يرضى
الله تعالى، وقد جاء في رواية: (كلهن في الله)، وأجيب نعم، لكن كان فيها جر نفع
(١) ((الميسر)) (٤ / ١٢٣٢).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٣٣٨).
(٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٣٩٢).

١٧٦
(٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
﴿إِنِّ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ، كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]
وَقَالَ: ((بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ، إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّرٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ،
٠٠
إلى نفسه. وقيل: المراد بكونهما في ذات الله، أي: فيما يتعلق بتنزيه ذاته عن الشرك،
ودفع الشريك فلا يشمل الثالثة، وقد يقال: المراد بكونهما في ذات الله ذكرهما في
القرآن، عبر به عنه لما لا ينفك الكلام عن المتكلم كما هو رأي الأشعري، ولا يخفى
ما فيه من البعد والتكلف.
وتأويل قوله: (إني سقيم) إني متصف بالسقم، في الجملة في زمان من الأزمنة،
فأوهم بلفظ ظاهر في ثبوته في الحال، وقيل: أوهمهم بأنه استدل بأمارة علم النجوم
على أنه سيسقم ليتركوه كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَظَرَ نَظْرَةً فِ النُّجُومِ ﴿ فَقَالَ إِنِی
سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، قيل: أراد إني سقيم القلب بكفركم، وأقول: قد فسر الصحة
بسلامة جميع القوى، وصدور أفعالها سليمة، والسقم بعدمها بمعنى رفع الإيجاب
الكلي، فلا يخلو أحد عن سقم إلا من اعتدل مزاجه من كل الوجوه، وهو نادر الوجود،
نعم لو فسر بالسلب الكلي يثبت الواسطة، فافهم. وكان غرضه عليه الصلاة والسلام
أن يتركوه فيكسر أصنامهم ويفعل ما أراد.
وقوله: (بل فعله كبيرهم) باعتبار السببية، والمقصود التعريض بأن من لم يقدر
على دفع المضرة عن نفسه كيف يليق بأن يعبد، كما أشار إليه بقوله: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَانَتْحِنُونَ﴾
[الصافات: ٩٥]، وقد يوقف على قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾، والضمير لأحد ممن يصلح أن
يكون فاعلاً، وإن كان لإبراهيم، فليس فيه تصريح مثل ما في: بل فعلته، فافهم.
وقوله: (وقال) أي: رسول الله وَله: (بينا هو) أي: إبراهيم، بيان للثالثة من
الكذبات، و(سارة) زوجة إبراهيم بنت عمه عطية، لما أهلك الله تعالى عدوه نمرود،

١٧٧
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَاهُنَا رَجُلاً مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَسَأَلَهُ
عَنْهَا: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أَخْتِى، فَأَتَى سَارَةَ فَقَالَ لَهَا: إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ إِنْ يَعْلَمْ
أَنَّكِ امْرَأَتِي يَغْلِيُنِي عَلَيْكِ، فَإِنْ سَأَكِ فَأَخْبِ أَنَّكِ أُخْتِي، فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي
الإِسْلاَمِ، لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَأُتِيَ
پھا،
عزم على الخروج منها، وهاجر إلى الشام، وكونها بنت عمه أيضاً توجيه لكون قوله
هذا: (أختي) صدقاً، ولكن الحديث نص على أن الإخبار به باعتبار أخوة الإسلام،
ولعله اقتصر عليها لشرفها وأصالتها .
وقوله: (قال: أختي) إنما عدل عن: هي زوجتي مع أن الظاهر أن ذات الزوج
لا يتعرض [لها]، وأيضاً الظالم لا يبالي أختاً أو زوجة، لأنه كان من عادة ذلك الجبار
أن لا يتعرض إلا لذات الزوج، وقيل: لأن ذلك الجبار كان مجوسياً، وعندهم أن الأخت
إذا كانت زوجة كان أخوها أحق بها من غيره، فأراد إبراهيم أن يعتصم بدين ذلك الجبار،
فإذا هو لا يراعي دينه، واعترض على هذا القول بأن دين مجوس جاء بـ: زرادشت،
وهو متأخر عن إبراهيم، وأجيب بأنه كان قديماً، إنما زاد عليه زرادشت خرافات أخر،
ومعنى (يغلبني عليك) يأخذك مني، وقيل: معناه يكرهني على الطلاق.
وقوله: (ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك) تأكيد وتقرير وبيان
للواقع.
وقوله: (فأرسل) أي: ذلك الجبار (إليها) أي: إلى سارة يطلبها، وليس هذا
تكرار؛ لأن الإرسال في الأول كان إلى إبراهيم للسؤال عنه من هذه، والثاني إلى سارة
لطلبها .

١٧٨
(٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
قَامَ إِبْرَاهِيمُ يُصَلِّي، فَلَمَّ دَخَلَتْ عَلَيْهِ، ذَهَبَ يَوَلُهَا بِيَدِهِ. فَأُخِذَ - وَيُرْوَى
فَغُطَّ - حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ فَقَالَ: ادْعِي اللّهَلِي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللهَ فَأُطْلِقَ،
ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ، فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ، فَقَالَ: ادْعِي اللهَلِي وَلاَ أَضُرُّكِ،
فَدَعَتِ اللهَ فَأُطْلِقَ، فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ فَقَالَ: إِنَّكَ لَمْ تَأْتِي بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا
أَتَيْتِي بِشَيْطَانٍ،.
وقوله: (قام إبراهيم) استئناف.
وقوله: (ذهب) أي: أراد، وجاء وذهب يجيئان بمعنى الأفعال الناقصة.
وقوله: (فأخذ) بلفظ المجهول، أي: حبس عن إمساكها أو عوقب بذنبه أو
أغمي عليه، وروي ببناء المجهول من التأخيذ، وهو استجلاب قلب شخص برقية أو
سحر، بحيث يحصل له هيمان وجنون، ويجيء بمعنى أخذ السواحر أزواجهن عن
غيرهن من النساء، والأخذة بالضم: رقية الساحر، والمراد هنا ما حصل له من الضغطة
والخنق .
وقوله: (فغطّ) أيضاً بلفظ المجهول، أي: اختنق وأخذ بمجاري نفسه حتى سمع
له غطيط، وهو صوت يخرج مع نفس النائم، (حتى ركض برجله) أي: ضرب،
والركض تحريك الرجل، ومنه: ﴿أَرَّكُضْ بِحْلِكَ﴾ [ص: ٤٢].
وقوله: (مثلها) أي: مثل الأخذة الأولى.
وقوله: (ادعي الله لي) زاد هنا (لي) زيادة في التأكيد على ما في أكثر النسخ.
وقوله: (إنما أتيتني بشيطان) في (القاموس) (١): الشيطان: كل عاتٍ متمرد من
(١) ((القاموس)) (ص: ١١١٥).

١٧٩
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ فَأَنَّهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّيْ، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ؛ مَهْيَمْ؟ قَالَتْ: رَدَّ اللهُ
كَيْدَ الْكَافِرِ فِي نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هَاجَرَا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا يَتِي مَاءِ
السَّمَاءِ !. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٥٨، م: ٢٣٧١].
إنس وجن، وقال الطيبي(١): أراد به المتمرد من الجن، وكانوا يهابون الجن ويعظمون
أمرهم.
وقوله: (فأخدمها هاجر) أي: جعل ذلك الجبار هاجر خادمة لسارة، وهاجر
بفتح الجيم: اسم أم إسماعيل عليها، ويقال لها: آجَرُ، كذا في (القاموس)(٢).
و(مهيم؟) بفتح الميم وسكون الهاء وفتح التحتانية كلمة استفهام، أي: ما حالك،
وما شأنك، أو ما وراءك، أو أَحَدَثَ لك شيء، كذا في (القاموس)(٣)، والمناسب هنا
المعنی الأول.
وقوله: (رد الله تعالى كيد الكافر في نحره) كناية عن نزول مكره على نفسه،
وإصابة جزائه إياه، و(النحر): أعلى الصدر أو موضع القلادة.
وقوله: (تلك) أي: هاجر (أمكم يا بني ماء السماء!) أراد بني إسماعيل لطهارة
نسبهم، وقيل: أشار به إلى إنباع الله تعالى لإسماعيل زمزم، وهي ماء السماء، وقيل:
أراد بهم الأنصار؛ لأنهم أولاد عامر بن حارثة الأزدي، كان ملقباً بماء السماء، لأنه
كان يستمطر به، وفيه أن الأنصار ليسوا من أولاد هاجر، فكيف يصح قوله: (تلك
أمكم)؟ والجواب أنها أمهم بسبب أنها أم النبي ◌َّر، فكانت أم الأمة كلهم كما يسمى
(١) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ٣٠٣).
(٢) ((القاموس)) (ص: ٤٦١).
(٣) ((القاموس)) (ص ١٠٧٠).

١٨٠
(٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
٥٧٠٥ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ
إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْنَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] ..
إبراهيم [أبا] الأنبياء، وقيل: أراد العرب كلهم سموا بذلك؛ لأنهم يبتغون المطر،
ويعيشون به، وتعقب بأن العرب ليسوا بأجمعهم من بطن هاجر؟ وأجيب بأنه غلب
أولاد إسماعيل على غيرهم لشرفهم، ويمكن أن يقال: بأن هذا مبني على ما اشتهر
من أن العرب من ولد إسماعيل، فتدبر.
٥٧٠٥ - [٨] (وعنه) قوله: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) قيل: لما نزل قوله
تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٠]، قالت طائفة من الأصحاب: شك إبراهيم
ولم يشك نبينا، فقال ◌َله: (نحن أحق بالشك من إبراهيم)، وظاهره إثبات الشك لإبراهيم
ولنفسه الشريفة، وكلا الأمرين محال، لكن المقصود نفي الشك عن نفسه وعن إبراهيم،
فمعناه لو كان الشك متطرقاً إلى إبراهيم لكنت أحق به، وقد علمتم أني لا أشك
فاعلموا أنه كذلك.
وفيه ترجيح إبراهيم على نفسه، وجوابه أنه قال ذلك تواضعاً، أو قبل أن يوحى
إليه أنه سيد ولد آدم، وهذا هو الجواب في كل ما ورد من الأحاديث مما يوهم عدم
تفضيله وي على بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فسؤال إبراهيم بيلا كان لطلب
الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين، أو لأنه لما احتج على المشركين بأن ربه مثلق
يحيي ويميت، طلب ذلك، ليظهر دليله عياناً، والأول أظهر وأنسب بمساق الآية،
وقيل: أراد رسول الله وَ ليل أن ما صدر من إبراهيم عليَلا لم يكن شكّا بل طلب لمزيد العلم،
وأنا أحق به؛ لأني مأمور بذلك، كما قال الله تعالى: ﴿وَقُل رَبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]،
فافهم .