النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
ويُثْنِي بِخَيْرِ مَا اسْتَطَاعَ، فَيَقُول: هَاهُنَا إِذاً، ثمَّ يُقَالُ: الآنَ نَبَعَثْ شَاهِداً
عَلَيْكَ، وَيَتَفَكَّرُ فِي نَفْسِهِ: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، وَيُقَالُ
لِفَخِذِهِ: إِنْطِقِي، فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ وَلَحْمُهُ وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ، وَذَلِكَ لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِهِ،
وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ، وَذَلِكَ الَّذِي سخطَهُ اللهُ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٦٨]. وذَكِرَ
حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ» فِي ((بَابِ التَّوَكُلِ)) بِرِوَايَةِ ابْنِ
عَبَّاسٍ.
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٥٥٦ _ [٨] عَنْ أَبِي أُمَامَةً قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهَِّهِ يَقُولُ :...
اعترف بحقيقة الحال.
وقوله: (فيثني) أي: العبد على نفسه (بخير) كثير (فيقول) أي: الله تعالى
(هاهنا إذا) أي: إذا أثنيت على نفسك بما أثنيت فاثبت وقِفْ هناك نريك أعمالك
بإقامة الشاهد عليها، (فيختم) على صيغة المضارع المجهول، ويجوز أن يكون بلفظ
المعلوم. (ويقال لفخذه: انطقي) لعل تخصيص الفخذ إشارة إلى الشنيعة الفاحشة،
أعني: الزنا، وكذا اللحم والعظام، والمذكور في القرآن شهادة الأيدي والأرجل
والألسن والجلود، فافهم.
وقوله: (وذلك) أي: المذكور من السؤال والجواب ونطق الفخذ وغيرها،
(ليعذر) الرواية ببناء الفاعل من الإعذار، أي: يزيل عذره من قبل نفسه فالهمزة للإزالة،
وقيل: يصيّره الله ذا عذر في تعذيبه من قبل نفس العبد.
الفصل الثاني
٥٥٥٦ _ [٨] (أبو أمامة) قوله:

٤٢
(٣) باب الحساب والقصاص والميزان
((وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفاً لاَ حِسَابَ عَلَيْهِمْ
وَلاَ عَذَابَ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلَّفاً وَثَلاَثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي)).
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢٦٨/٥، ت: ٢٤٣٧، جه: ٤٢٨٦].
٥٥٥٧ _ [٩] وَعَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ:
(يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلاَثَ عَرَضَاتٍ: فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ،
وَأَّا الْعَرْضَةُ الثَّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الضُّحُفُ فِي الأَيْدِي فَاخِذٌ بِيَمِينِهِ وَآَخِذٌ
بِشِمَالِهِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ،
(سبعين ألفاً ... إلخ)، كناية عن الكثرة والمبالغة فيها.
وقوله: (ثلاث) بالرفع عطف على (سبعون)، وهذا أشدّ مبالغة من نصبه
عطفاً على (سبعين)، إذ يفيد كون ثلاث حثيات مع كل ألف من سبعين ألفاً، وعلى
تقدير النصب يفيد كونها مع سبعين ألفاً، والحثية ما يعطي المعطي بكفيه دفعة
واحدة .
٥٥٥٧، ٥٥٥٨ _ [٩، ١٠] (الحسن) قوله: (فجدال ومعاذير) المراد بالجدال:
دفع الذنوب بإنكار إبلاغ الرسل، وبعدم ثبوت صدقهم عندهم، والمعاذير: عبارة
عن اعتراف العبد بالذنوب، والاعتذار بالسهر والنسيان، و کونهم مضطرين مجبورین،
وأما في العرضة الثالثة فيثبت الحجة عليهم ويحق الحق بثبوت صدق الأنبياء بشهادة
الملائكة ومحمد پ﴾ وأمته على ذلك.
وقوله: (فآخذ بيمينه وآخذ بشماله) بلفظ اسم الفاعل، أي: فمنهم من
يأخذ الصحيفة بيمينه، ومنهم من يأخذها بشماله، فتتم القضية ويرتفع الجدال
والمعاذير.

٤٣
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
وَقَالَ: لاَ يَصِحُّ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
[ت: ٢٤٢٥].
٥٥٥٨ _ [١٠] وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي مُوسَى.
وقوله: (من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة) وُلِد الحسن البصري لسنتين
بقيتا من خلافة عمر ظه، وتوفي في مستهل رجب من سنة عشر ومئة، وكان عمره
ثمان وثمانين سنة، وتوفي أبو هريرة سنة سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع وخمسين
سنة، وهو ابن ثمان وسبعين، فلا شك أن صحبته معه وسماعه منه ممكن، ولكن
ثبوت السماع شيء آخر، فلعله لم يثبت عند أهل الأخبار، كما أنهم لم يثبتوا سماع
الحسن عن علي ته مع وجود إمكانه(١)، وكما أن إمكان صحبة أبي حنيفة مع الصحابة
ممكن لوجود عدة نفر منهم في زمانه مع أن الشافعية يقولون: لم يثبت ذلك عند أهل
العلم بالأخبار، وذلك ليس ببعيد، والله أعلم.
وروي أن الحسن البصري كان يقول: حدثنا أبو هريرة، ويأول أهل المدينة
كما كان يقول: خطبنا ابن عباس بالبصرة، ويريد: أهلها، مع أنه لم يسمع منها(٢)،
هذا وقد قال الشيخ الجزري في (تصحيح المصابيح): إن البخاري أخرج في (صحيحه)
للحسن عن أبي هريرة ثلاثة أحاديث وبيّتها، وقال: وأما مسلم فلم يخرج للحسن عن
أبي هريرة ه شيئاً، كذا قال بعض شارحي (المشكاة)(٣).
(١) وفي ((جامع الأصول)) (١٢ / ٣٠٨): قيل: إن الحسن البصري لقي [عليًّا] بالمدينة، وأما بالبصرة
فإن رؤيته إياه لم تصح، لأنه كان في وادي القرى متوجهاً نحو البصرة حين قدم علي بن أبي
طالب [البصرة].
(٢) وتوفي ابن عباس سنة ثمان وستين بالطائف.
(٣) وهو ميرك شاه رحمة الله عليه. وانظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٣٥٣٠/٨).
٠

٤٤
(٣) باب الحساب والقصاص والميزان
٥٥٥٩ _ [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((إِنَّ
اللهَسَيُخَلِّصُ رَجُلاً مِنْ أُمَتِي عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنْشُرُ عَلَيْهِ
تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلاً، كُلُّ سِجِلٌّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنْنْكِرُ مِنْ هَذَا
شَيْئاً؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُوْنَ؟ فَيَقُولُ: لَاَ، يَا رَبِّ! فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟
قَالَ: لاَ، يَا رَبِّ! فَيَقُولُ: بَلَى، إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، وَإِنَّهُ لاَ ظُلْمَ عَلَيْكَ
الْيَوْمَ، فَتُخْرَجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
فَيَقُولُ: أُحْضُرْ وَزْنَكَ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلاَتِ؟
فَيَقُولُ: إِنَّكَ لاَ تُظْلَمُ، قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلاَتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ،
فَطَاشَتِ السِّجِلاَتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ،
٥٥٥٩ _ [١١] (عبدالله بن عمرو) قوله: (سجلاً) السجل بكسرتين وتشديد
اللام: الكتاب الكبير، و(البطاقة) على وزن الكتابة: الرقعة الصغيرة المنوطة بالثوب
التي فيها رقم ثمنه، سميت بها لأنها تشد بطاقة من [هدب] الثوب، كذا في
(القاموس)(١). قال الطيبي(٢): فتكون الباء حينئذ زائدة، انتهى. وكأنه أبقيت الباء الجارة
التي هي صلة الفعل وهي لغة أهل مصر، وليس مادة (بطق)، ومشتقاته مذكورة في
الكتب .
وقوله: (فيقول: إنك لا تظلم) أي: هذه البطاقة وإن كانت حقيرة خفيفة في
نظرك لكنها عظيمة ثقيلة في نفس الأمر، فلو تركناه لزم الظلم، أو المراد لا نترك من
عملك شيئاً جليلاً كان أو حقيراً؛ لئلا يلزم الظلم عليك فلا بد من وزنها .
(١) («القاموس المحيط)) (ص: ٨٠١).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ١٨٢).

٤٥
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
فَلاَ يَثْقَلُ مَعَ اسْمِ اللهِ شَيْءٌ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٦٣٩، جه:
٤٣٠٠].
٥٥٦٠ _ [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا ذَكَرَتِ النَّارَ فَبَكَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِّ:
((مَا يُبْكِيكِ؟)). قَالَتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ، فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((أَمَّا فِي ثَلاَثَةٍ مَوَاطِنَ فَلاَ يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَداً: عِنْدَ الْمِيزَانِ
حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَمْ يَثْقُلُ؟ وَعِنْدَ الْكِتَابِ حِينَ يُقَالُ: ﴿هَاؤُمُ أَقْرَءُوا
كِتَبِيَةِ﴾ [الحاقة: ١٩] حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ أَفِي يَمِينِهِ أم فِي شِمَاله؟ أم مِنْ
وَرَاءِ ظَهْرِهِ؟ وَعِنْدَ الصِّرَاطِ إِذَا وُضِعَ بِينَ ظَهْرِي جَهَّمْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
[٥ : ٤٧٥٥].
وقوله: (فلا يثقل مع اسم الله شيء) أي: ذكر الله يترجح عن جميع المعاصي
ویمحها .
٥٥٦٠ _ [١٢] (عائشة) قوله: (أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً) قد
يأتي من حديث أنس في (الفصل الثاني) من (باب الحوض والشفاعة) ما يدل على
أنه ◌َّ يشفع في هذه المواطن كيف لا؟
هو الحبيب الذي ترجى شفاعته
في كل هول من الأهوال مقتحم
ووجه التوفيق أنه إنما قال هذا لعائشة مبالغة في أن هذه المواطن ليست مما
يتيسر فيها أن يذكر فيها أحد أحداً؛ لئلا تتكل على أنها حرم رسول الله وَّة، وقال لأنس
ذلك لئلا پیاس .
وقوله: (أم من وراء ظهره) هكذا في (سنن أبي داود)، وفي بعض نسخ

٤٦
(٣) باب الحساب والقصاص والميزان
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٥٦١ _ [١٣] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ
رَسُولِ اللهِوَ﴿ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يَكْذِبُونَنِي، وَيَخُونُونِي،
وَيَعْصُونَي، وَأَشْتِمُهُمْ وَأَضْرِبُهُمْ، فَكَيْفَ أَنَا مِنْهُمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ الهِوَالَ: ((إِذَا
كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُحْسَبُ مَا خَانُوكَ وَعَصَوْكَ وَكَذَّبُوكَ، وَعِقَابُكَ إِيَّاهُمْ، فَإِنْ
كَانَ عِقَابُكَ إِيَّهُمْ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كَانَ كَفَفاً لاَ لَكَ وَلاَ عَلَيْكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ
إِيَّهُمْ دُونَ ذَنْبِهِمْ كَانَ فَضْلاً لَكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّهُمْ فَوْقَ ذُنُوبِهِمْ ...
(المصابيح): (أو من وراء ظهره)، والأول أوفق للجمع بين الآيتين، كذا قال
الطيبي(١). وقال البيضاوي(٢) في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوْقِىَ كِنَبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق: ١٠]
أي: يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره، قيل: تغل يمناه إلى عنقه وتجعل يسراه وراء
ظهره، انتهى .
الفصل الثالث
٥٥٦١ _ [١٣] (عائشة) قوله: (يكذبونني) بالتخفيف من الكذب، أي: يقولون
كذباً.
وقوله: (فكيف أنا منهم؟) أي: من أجلهم وضربهم وشتمهم هل أعاقب على
ذلك؟
وقوله: (كان فضلاً لك) الظاهر أنه يقتص له منهم كما قال في القسم الأخير:
(اقتص لهم منك الفضل)، وكأنه إنما لم يذكر هاهنا الاقتصاص تشديداً عليه واهتماماً
(١) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ١٨٣).
(٢) (تفسير البيضاوي)) (٥ / ٢٩٧).

٤٧
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
أُقْتُصَّ لَهُمْ مِنْكَ الْفَضْلُ، فَتَنَخَّى الرَّجُلُ وَجَعَلَ يَهْتِفُ وَيَبْكِي، فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللهِوَِّ: ((أَمَا تَقْرَأُ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿ وَتَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا
نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئاً وَإِنِ كَانَ مِنْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنْيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِينَ﴾))
[الأنبياء: ٤٧]، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا أَجِدُ لِي وَلِهَؤُ لاءِ شَيْئاً خَيْراً مِنْ
مُفَارَقَتِهِمْ، أُشْهِدُكَ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ أَحْرَارٌ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣١٦٥].
٥٥٦٢ _ [١٤] وَعَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّ﴿ يَقُولُ فِي بَعْضٍ
صَلاَتِهِ: (اللهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَاباً يَسِيراً). قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ! مَا الْحِسَابُ
الْيَسِيرُ؟ قَالَ: ((أَنْ يَنْظُرَ فِي كِتَابِهِ فَيُتَجَاوَزَ عَنْهُ، إِنَّهُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ
يَوْمَئِذٍ يَا عَائِشَة! هَلَكَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [٦ /٤٨].
٥٥٦٣ _ [١٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِنَّهِ فَقَالَ:
أَخْبِرْنِي مَنْ يَقْوَى عَلَى الْقِيَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِي قَالَ اللهُ عَلَى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ
لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾؟ [المطففين: ٦]، فَقَالَ: ((يُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهِ
كَالصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ)).
بذكر الاقتصاص لهم منه كما يشعر به سياق الحديث من قوله: (فتنحى الرجل
وجعل ... إلخ).
٥٥٦٢ - [١٤] (وعنها) قوله: (أن ينظر) أي: العبد، كذا قال الطيبي(١): ولو
جعل الضمير لله لكان أيضاً جائزاً.
٥٥٦٣ _ [١٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (كالصلاة المكتوبة) أقلها ركعتان،
(١) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ١٨٤).

٤٨
(٣) باب الحساب والقصاص والميزان
٥٥٦٤ - [١٦] وَعَنْهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِنَّهِ عَنْ ﴿ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ.
خَمْسِينَ أَلْفَ سَنٍَّ﴾ مَا طُولُ هَذَا الْيَوْمِ؟ فَقَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيُخَفَّفُ
عَلَى الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ أَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ يُصَلَّهَا فِي الدُّنْيَا)).
رَوَاهُمَا الْبَيْهَِيُّ فِي كِتَابِ ((الْبَعْثِ وَالنُّهُورِ».
٥٥٦٥ _ [١٧] وَعَنْ أَسمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ لِ قَالَ: ((يُحْشَرُ
النَّاسُ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُنَادِي مُنَادٍ فَيَقُولُ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانَتْ
تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ؟ فَيَقُومُونَ وَهُمْ قَلِيلٌ،
وخص المكتوبة لأن أداءها أهون لإسقاط الذمة وامتثال الأمر.
٥٥٦٤ - [١٦] (وعنه) قوله: (ما طول هذا اليوم) استفهام على سبيل التعجب
والاستغراب.
٥٥٦٥ _ [١٧] (أسماء بنت يزيد) قوله: (يحشر الناس في صعيد واحد) في
(القاموس)(١): الصعيد: التراب، أو وجه الأرض، وفسره شارحو الحديث بأرض
واسعة مستوية كما جاء في حديث آخر: (أصبح صعيداً بيضاء يزلق عليها لملاستها)،
وتفسيره في قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيِّرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، وقد مرّ.
وقوله: (فينادي) النداء بالكسر: الصوت، وقد يضم النون مثل الدعاء، وكذا
في (الصحاح)(٢).
وقوله: (الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع) فسروه بقيام الليل، وقيل :
كان من الصحابة يصلون من المغرب إلى العشاء فنزلت فيهم .
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٧٩).
(٢) ((الصحاح)) (٦/ ٢٥٠٥).

٤٩
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، ثمَّ يُؤْمَرُ لِسَائِرِ النَّاسِ إِلَى الْحِسَابِ)). رَوَاهُ
الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٢٩٧٤].
٤ - باب الحوض والشفاعة
٤ - باب الحوض والشفاعة
في (القاموس)(١): الحوض معروف من حاض الماء: جمعه، ومنه حاضت
المرأة: سال دمها، والمراد هنا الحوض الذي يكون للنبي وسلم يوم القيامة كما يجيء
صفاته في الأحاديث، وورد: (أن لكل نبي حوضاً في القيامة يرده أمته).
والشفاعة من الشفع وهو في الأصل بمعنى الضم، ومنه الشفع بمعنى خلاف
الوتر، وهو الزوج مقابل الفرد، والشفعة لأن الشفيع يضم المبيع إلى ملكه فيشفعه
بعد أن كان وتراً، ومنه الشفاعة لأنها ضم الشافع نفسه إلى المجرم للسؤال عن التجاوز
عن جريمته، شفع فهو شافع، والمشفع من يقبلها، والمشفع من يقبل شفاعته.
واعلم أن الشفاعات الأخروية أنواع، وكلها ثابتة لسيد المرسلين وَّر، بعضها
على الخصوص، وبعضها بالمشاركة، ويكون هو المتقدم فيها، وهو الذي يفتح باب
الشفاعة أولاً وَّه، فالشفاعات كلها راجعة إلى شفاعته، وهو صاحب الشفاعات
بالإطلاق :
الأولى: وهي العظمى العامة للخلائق الخاصة بنبينا وَّر من بين سائر النبيين
والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، وهي لفصل القضاء والإراحة من طول الوقوف
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٩٢).

٥٠
(٤) باب الحوض والشفاعة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٥٦٦ _ [١] عَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (( بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ فِي
الجنَّةِ إِذاَ أَنَا بِنَهْرِ حَافَتَاهُ قِبَابُ الذُّرِّ الْمُجَوَّفِ،.
وتعجيل الحساب لا يدنو إليها غيره كما يأتي من الأحاديث.
الثانية: لإدخال قوم الجنة بغير حساب، وهذه أيضاً وردت لنبينا وَّة، ومال
بعضهم إلى أنها أيضاً مختصة به، وقال ابن دقيق العيد: ولا أعلم الاختصاص فيها
ولا عدم الاختصاص.
الثالثة: في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيآتهم، فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة.
الرابعة: في أقوام من أمته استوجبوا النار فيشفع فيهم، فيدخلون الجنة .
الخامسة: في رفع الدرجات وزيادتها .
السادسة: فيمن دخل النار من المذنبين، وهذه الشفاعة يشاركه فيها الأنبياء
والأولياء والملائكة والعلماء.
السابعة: في استفتاح الجنة.
الثامنة: في تخفيف العذاب عمن يستحقه .
التاسعة: لأهل المدينة.
والعاشرة: لزائري قبره الشريف يسلم على وجه الاختصاص والامتياز، والله أعلم.
الفصل الأول
٥٥٦٦ _ [١] (أنس) قوله: (حافتاه قباب الدر) في (القاموس)(١): حافتا الوادي
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٦ - ٧٣٨).

٥١
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
قُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَاَ الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ، فَإِذَا طِينُهُ
مِسْكٌ أَذْفَرُ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٥٨١].
٥٥٦٧ _ [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍ و قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّه:
وغيره: جانباه، والجمع: حافات، والقباب بالكسر: جمع قبة، وهو البناء المدور،
يقال له: الجنبذ معرب گنبد، وقد يفسر بالخيمة.
وقوله: (هذا الكوثر الذي أعطاك ربك) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ
اُلْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]، ويفسر بالخير الكثير المفرط من العلم والعمل وشرف الدارين،
والنهر المذكور من جزئياته، وفي (القاموس) (١): الكوثر: الكثير من كل شيء، انتهى،
ونهر في الجنة يتفجر منه جميع أنهارها، وقيل: هو أولاده وأتباعه وعلماء أمته، وهو
أيضاً من أفراده، وقد جاء الكوثر بمعنى الرجل الخير العطاء والسيد، وله تفسيرات
ذكرت في موضعها، والكل راجع إلى المعنى الأول الذي ذكرنا، حكي أن أعرابياً فقد
ابناً له فجاء بعد دهر بخير كثير فقيل له: كيف جاء ابنك؟ فقال: جاء بالكوثر.
وقوله: (مسك أذفر) أذفر بالذال المعجمة محركة: شدة ذكاء الريح كالذفرة،
أو يخصان برائحة الإبط المنتن، وفي (الصراح)(٢): ذفر: بوئی تیز خوش وناخوش،
مسك أذفر: مشك تيز بوئى. وفي (القاموس)(٣): ومسك أذفر وذفر: جيد إلى
الغاية .
٥٥٦٧ _[٢] (عبد الله بن عمرو) قوله:
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٣٦)
(٢) ((الصراح)) (ص: ١٧٩).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٧٠).

٥٢
(٤) باب الحوض والشفاعة
(خَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ، مَاؤُهُ أَنْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ
مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كُنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ يَشْرَبُ مِنْهَا فَلاَ يَظْمَأُ أَبَداً). مُتَفَقٌ
عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٧٩، م: ٢٢٩٢].
٥٥٦٨ - [٣] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّ حَوْضِي
أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ الثَّلْجِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ،
وَلَأَنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النَّجُومِ،
(وزواياه سواء) فسره الطيبي بأنه مربع لا يزيد طوله على عرضه.
وقوله: (أبيض من اللبن) ينتقض به حكم النحويين بأن اسم التفضيل لا يبنى
من لون ولا عيب، وكذلك قيل في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ فِ هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِىِ الْآَخِرَةِ
أَعْمَى﴾ [الإسراء: ٧٢]: إن (أعمى) الثاني اسم تفضيل إلا أن يقال: إن القاعدة أكثرية،
ويقدر اسم تفضيل آخر مثل أكثر وأشد، وهو تكلف مستغنی عنه.
وقوله: (كنجوم السماء) الظاهر أن التشبيه في الكثرة كما صرح به في الحديث
الثاني، فيجوز أن يكون على الحقيقة، أو كناية عن غاية الكثرة، ولو اعتبر في البريق
والإشراق فلا خفاء.
وقوله: (من يشرب) وكذا قوله: (فلا يظمأ) بالرفع والجزم كلاهما رواية.
٥٥٦٨ _ [٣] (أبو هريرة) قوله: (أبعد من أيلة من عدن) أي: بعد ما بين طرفيه
أزيد من بعد أيلة من عدن، وأيلة بفتح الهمزة وسكون التحتانية من بلاد الشام، وعدن
من بلاد اليمن، واعلم أنه قد وقع التحديد بمواضع أخر متفاوتة في الأبعاد كما يأتي
من الأحاديث فعرف كل قوم بما يعرفونه، والغرض تمثيل وتخمين فلا إشكال.
وقوله: (وأحلى من العسل باللبن) لا يخفى أن حلاوة العسل لا تزيد بخلطه

٥٣
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
وَإِنِّي لأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ». قَالُوا:
يَا رَسُولَ اللهِ! أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: ((نَعَمْ لَكُمْ سِيمَاءُ لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الأُمَم،
تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرَّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٧].
٥٥٦٩ _ [٤] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ((تُرَى فِيهِ أَبَارِيقَ الذَّهَبِ
وَالْفِضَّةِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ)). [م: ٢٣٠٣].
٥٥٧٠ _ [٥] وَفِي أُخْرَى لَهُ عَنْ ثَوْيَانَ قَالَ: سُئِلَ عَنْ شَرَابِهِ. فَقَالَ:
((أَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ اللََّنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ يَغُثُ فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنَ الْجَنَّةِ؛
أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ، وَالآخَرُ مِنْ وَرِقٍ)). [م: ٢٣٠١].
باللبن، فالمراد (بأحلى): ألذ أو أحلى وألذ.
وقوله: (لأصد الناس) أي: ممن عدا أمتي.
وقوله: (سيماء) السيماء بالكسر: العلامة من سامه: إذا أعلمه، يجيء ممدوداً
ومقصوراً، والقصر أكثر.
وقوله: (غراً محجلين) مرّ معناهما في (فضل الوضوء) من (كتاب الطهارة).
٥٥٦٩ _ [٤] (أنس) قوله: (والأباريق) جمع إبريق معرب آبريز.
٥٥٧٠ _ [٥] (ثوبان) قوله: (يغت فيه ميزابان) بضم معجمة وكسرها من نصر
وضرب، فمثناة مشددة، أي: يدفقان دفقاً متتابعاً دائماً، غت في الماء: غمسه، والغت
يجيء بمعنى الغمس، يقال: غت في الماء غمسه، ومنه حديث: (يغتهم الله في العذاب)
أي: يغمسهم فيه غمساً متتابعاً، وبمعنى الغلبة والقهر، ومنه حديث: (يا من لا يغته
دعاء الداعين) أي: يغلبه ويقهره، وغت فلاناً، أي: غمّه وخَنَقَهُ، وغت الضحك:

٥٤
(٤) باب الحوض والشفاعة
٥٥٧١ _ [٦] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنِّي
فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، مَنْ مَزَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأُ أَبَداً، لَيَرِدَنَّ
عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونَنِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَأَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّي.
فَيُّقَالُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ؟ فَأَقُولُ: سُحْقاً سُحْقاً لِمَنْ غَيَّرَ
بَعْدِيْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٨٣، م: ٢٢٩٠].
أخفاه، وغت الماء: شربه جَرعاً بعد جَرع من غير إبانة الإناء من فيه، وغت الشيء
الشيء: أتبع بعضه بعضاً، والكل يتضمن معنى الضغط والغلبة والتتابع.
ويروى (يعب) بمهملة مضمومة وموحدة من عب الماء عباً، أي: شربه جرعاً
متتابعاً، ومنه العباب لمعظم السيل وارتفاعه وكثرته، وعند ابن ماهان (يثعب) بمثلثة
ومهملة، أي: يتفجر. وفي (القاموس)(١): ثعب الماء والدم كمنع: فَجَرَهُ فَانْتَعَبَ،
وماء ثَعْبٌ: سائل، والثعب: مسيل الوادي، والميزاب بكسر الميم، وقيل بالفتح أيضاً،
وفي (القاموس)(٢): وزب الماء يزب: سال، ومنه: الميزاب، أو هو فارسي ومعناه:
بُلِ الماءَ، فعرّبوه بالهمز، ولهذا جمعوه بالمآزيب.
٥٥٧١ - [٦] (سهل بن سعد) قوله: (إني فرطكم) فرط فروطاً بالضم: سبق،
وتقدم في الأمر، وفرط القوم: سبق وتقدمهم ليرتاد لهم الماء ويهيء لهم الدلاء
والأرشية، أي: أنا سابقكم إلى الحوض كالمهيء له لأجلكم.
وقوله: (ليردن عليّ أقوام) قيل: لعل هؤلاء هم الذين قال فيهم: (أصيحابي)،
وقد سبق شرحه في الفصل الأول من (باب الحشر).
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٢).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٤٣).

٥٥
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
٥٥٧٢ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: ((يُحْبَسُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ حَتَّى يُهَمُّوا بِذَلِكَ فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا،
فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَأَسْكَنَكَ جَنَتَهُ،
وَأَسْجَدَ لَكَ مَلاَئِكَنَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى
يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ،
٥٥٧٢ - [٧] (أنس) قوله: (حتى يهموا بذلك) هو من الهم بمعنى القصد
والحزن، معلوماً ومجهولاً، في (الصراع)(١): هم: أندوه، و گداختن بيماري تن را،
يقال: همني المرض، وقصد، يقال: هممته بالشيء، وقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ
بٍِّّ، وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤]، وفي بعض الروايات من الوهم، وفي (مسلم): (حتى يهتموا)
أي: يعتنوا بسؤال الشفاعة، كذا قال الكرماني(٢)، وقال الطيبي(٣): هو على بناء المجهول
من أهمه: إذا أحزنه، أي: يحزنون، من أهمني: إذا أقلقك وأحزنك.
وقوله: (لو استشفعنا) (لو) للتمني، (فيريحنا) من الإراحة منصوب بتقدير (أن)،
من أراح الله العبد: أدخله في الراحة، ومنه: (أرحنا يا بلال)، أو من أراح الشيء:
دحرجه وأزاله من مكانه، وهذا المعنى أنسب بقوله: (من مكاننا).
وقوله: (أنت آدم) هو من باب: أنا أبو النجم.
وقوله: (لست هناكم) أي: لست بالمكان الذي تظنوني فيه من الشفاعة، و(هنا)
إذا لحق به كاف الخطاب يكون للبعيد من المكان المشار إليه، أي: أنا بعيد من مكان
(١) ((الصراح)) (ص: ٤٩٨).
(٢) ((شرح الكرماني)) (١٥١/٢٥).
(٣) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ١٨٩).

٥٦
(٤) باب الحوض والشفاعة
وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ؛ أَكْلَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا، وَلَكِنِ اثْنُوا
نُوحاً أَوَّلَ نَبِيِّ بَعَثَهُ اللهُإِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، فَيَأْتُونَ نُوحاً فَقُولُ: لَسْتُ هُنَكُمْ،
وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ؛
الشفاعة ومقامها .
وقوله: (خطيئته التي أصاب) أي: أصابها، و(أكله) منصوب بدل من (خطيئته)،
وكذا الحال في أخواته، وقال الطيبي(١): يجوز أن يكون بياناً للضمير المبهم المحذوف
نحو قوله تعالى: ﴿فَقَضَمُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ﴾[فصلت: ١٢]، انتهى، ولا يخفى بعده بعد
الحذف بخلاف المذكور .
وقوله: (ائتوا نوحاً أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض) استشكل هذه الأولية
بآدم وشيث وإدريس عليهم الصلاة والسلام، وأجيب بأن المراد نبي مرسل، والثلاثة
كانوا أنبياء ولم يكونوا رسلاً، وفيه خلاف للعلماء، فقد دل بعض الأحاديث على أن
آدم وإدريس كانا رسولين، ودلت أيضاً على إنزال الصحف على شيث وهو دليل
الإرسال، وقد يجاب أيضاً بأن المراد النبي المبعوث إلى الكفار، وآدم إنما أرسل إلى
بنيه ولم يكونوا كفاراً بل أمر بتعليمهم الإيمان وطاعة الله تعالى، وكذلك خلفه شيث
وخلفه إدريس، ورسالة نوح كانت إلى كفار أهل الأرض .
وقد يقال: إن العموم لم يكن في أصل بعثة نوح، وإنما اتفق باعتبار الخلف
في الموجودين بعد هلاك سائر الناس، هذا ما قالوا، ويمكن أن يقال: إن الأولية
المذكورة إضافية بالنسبة إلى المذكورين بعده من إبراهيم وموسى الذين كانوا أكثر أمة
وأشهر أمراً وأعظم شأناً، والله أعلم.
(١) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ١٩٠).

٥٧
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
سُؤَالَهُ رَبَّهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَلَكِنِ اثْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ)). قَالَ: ((فَيَأْتُونَ
إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَكُمْ، وَيَذْكُرُ ثَلاَثَ كَذِبَاتٍ كَذَبَهُنَّ، وَلَكِنِ
اثْتُوا مُوسَى عَبْداً آتَاهُ اللهُ التَّوْرَاةَ وَكَلَّمَهُ وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا)). قَالَ: ((فَيَأْتُونَ مُوسَى
فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ؛ قَتْلَهُ النَّفْسَ، وَلَكِنِ
اثْتُوا عِيسَى عَبْدَاللهِ وَرَسُولَهُ وَرُوحَ اللهِ وَكَلِمَتَهُ))، قَالَ: ((فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ:
لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنِ إِثْتُوا مُحَمَّداً.
وقوله: (سؤاله ربه) (ربه) منصوب على أنه مفعول (سؤاله) والمراد به: سؤاله
أن ابني من أهلي لإنجائه من الغرق.
وقوله: (ثلاث كذبات) وهي قوله: ﴿إِنّ سَقِيمٌ﴾، و﴿فَعَلَهُ، كَبِيرُهُمْ﴾، وسارة
أختي، ولم تكن كذبات إلا باعتبار الظاهر، ولكن شأن المقربين أعلى وأخطر(١)،
يؤخذون على ما لا يؤخذ عليه غيرهم.
وقوله: (قتله النفس) وذلك قتله القبطي بالوكز المذكور في قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ.
مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥].
وقوله: (فيقول: لست هناکم ولکن ائتوا محمداً) لم يذكر خطيئته عليها، قالوا:
لعله لاستحيائه من افتراء النصارى في حقه وحق أمه، وقد ورد ذلك في بعض الروايات،
ويحتمل أنه يا مع قطع النظر من ذلك لم يره مستحقاً للقيام في هذا المقام، أعني:
فتح باب الشفاعة ابتداء لعامة الخلائق والمبادرة إليها، فإنه صعب جداً لا يتيسر ولا يتصور
حصوله إلا لمن كان مخصوصاً بغاية القرب والعزة في حضرة الله تعالى، محموداً
محبوباً عنده قولاً وفعلاً، وما هو إلا سيد المرسلين وإمام النبيين ◌َّة، ولهذا تأخر عن
(١) كذا في (ك) و(ب) و(ع)، وفي (ر): أخص.

٥٨
(٤) باب الحوض والشفاعة
عَبْدَاً غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ)) قَالَ: ((فَيَأْتُونِّي، .
الإقدام عليه والدخول فيه النبيون المذكورون غاية أنهم ذكروا في الظاهر عذراً لهم،
ويدل عليه الحديث الآتي من قول كل واحد: (لست لها)، فافهم، والله أعلم، وليس
ذلك تواضعاً منهم وإكباراً لما يسئلونه، كما قاله الطيبي(١).
وقوله: (غفر الله له ما تقدم وما تأخر) للناس في هذا أقوال، وأحسن الأقوال
ما نقل السيوطي عن السبكي أنه قال في تفسيره(٢): وقد تأملت هذا الكلام مع ما قبله
وما بعده فوجدته تشريفاً للنبي و ل﴿ من الله سبحانه وتعالى من غير أن يكون هناك ذنب،
ولكن أراد أن يستوعب في الآية جميع أنواع النعم الأخروية والدنيوية، والنعم الأخروية
شيئان؛ سلبية، وهي غفران الذنوب، وثبوتية وهي لا يتناهى، أشار إليها بقوله: ﴿وَيُتِمَ
نِعْمَتَهُ, عَلَيْكَ﴾ [الفتح: ٢]، والنعم الدنيوية شيئان؛ دينية أشار إليها بقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَطًا
مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢]، ودنيوية وهي قوله: ﴿وَيَصُرَكَ اللّهُ نَصْرًّا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ٣]، فانتظم بذلك
قدر النبي ◌َّر بأنواع نعم الله تعالى عليه المتفرفة في غيره، ولهذا جعل ذلك غاية للفتح
المبين الذي عظمه ومجده بإسناده إليه هو في العظيمة، وجعله خاصاً بالنبي وَّ .
وقال بعض المحققين: المغفرة هنا كناية عن العصمة، فالمعنى ليعصمك الله فيما
تقدم من عمرك وفيما تأخر منه، وقد يكنى عن التخفيفات بلفظ المغفرة والعفو والتوبة،
كقوله تعالى عند نسخ قيام الليل: ﴿عَلِمَ أَن لَّنْ تُخْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠]، وعند نسخ
تقديم الصدقة بين يدي النجوى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ [المجادلة: ١٣]، وعند نسخ
تحريم الجماع ليلة الصيام: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].
(١) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ١٩٠).
(٢) انظر: ((سبل الهدى والرشاد) (٣/ ١٤٠).

٥٩
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
وقال في (الشفا)(١): قيل: إن النبي ◌َّ لما أمر أن يقول: ﴿وَمَآ أَدْرِى مَايُفْعَلُ بِى
وَلَا بِكُمْ ﴾ [الأحقاف: ٩] سر بذلك الكفار، فأنزل الله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَتْبِكَ
وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ [الفتح: ٢] أي: إنك مغفور لك غير مؤاخذ بذلك إن لو كان، أخرجه ابن المنذر
في تفسيره عن ابن عباس، وأخرجه أحمد والترمذي والحاكم عن أنس.
وقال بعضهم: المغفرة هنا تبرئته من العيوب، وقال الشيخ عز الدين بن
عبد السلام: فضل الله نبينا ◌َ﴿ على سائر الأنبياء بوجوه: منها أن الله تعالى أخبره أنه
غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولم ينقل أنه تعالى أخبر أحداً من الأنبياء عليهم السلام
بمثل ذلك، بل الظاهر أنه لم يخبرهم؛ لأن كل واحد إذا طلب منه الشفاعة في الموقف
ذكر خطيئته، وإذا استشفعت الخلائق نبينا وَّ﴾ في ذلك المقام قال: (أنا لها).
وفي هذه أقوال مقبولة في هذه الآية، وأما غيرها فمنها مردودة، ومنها ضعيفة،
فالمردودة أن المراد بـ ﴿مَاتَقَدَّمَ﴾: ما كان قبل النبوة، وبـ ﴿مَا تَأَخَّرَ﴾: عصمته عنها وهو
مردود بأنه لم يقع منه رَله ذنب كبير ولا صغير أبداً، وهو الحق الذي لا محيد عنه، وكذا
ما قيل: إن المراد ما وقع في صغره من خروجه مع الغلمان يلعب، وذلك لا يليق بمقامه،
ولم يثبت أن لعبه مع الغلمان كان لعب لهو، بل هذه اللفظة إن يثبت في حديث وجب
تأويلها علی ما یلیق به.
وقد روي أنه ◌َچي كان يعدل وهو رضيع، وكان مرضعته حليمة تعطيه ثديها
فيشرب منه، فإذا أعطته الثدي الآخر امتنع لعلمه بأن له شريكاً في الرضاعة، فهذه
أجل من ترك اللعب وهو فوق ذلك السن.
(١) ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى)) (٢/ ٣٥٧).

٦٠
(٤) باب الحوض والشفاعة
فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِداً،
فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي فَيَقُولُ: إِرْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ
تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَه)). قَالَ: ((فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِشَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ
يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، .
وأما الأقوال الضعيفة فما قيل: ﴿مَاتَقَدَّمَ﴾: من ذنب أبويك آدم وحواء عليهما
السلام، ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾: من ذنوب أمتك، وهو ضعيف؛ لأن آدم ◌َلَ نبي معصوم وما ينسب
إليه ذنب فهو يحتاج إلى تأويل، وأيضاً ذنب الغير لا يضاف إلى غير من صدر عنه
بكاف الخطاب، وذنوب الأمة لم تغفر بل منهم من لا يغفر له، وقيل: المراد أنك بحال
لو كان لك ذنوب ماضية ومستقبلة يغفرها لك جميعها، وقيل: المراد ما كان عن
سهو وغفلة وتأويل، حكاه الطبري، واختاره القشيري، وقال مكي: مخاطبة النبي وَل
هنا هي مخاطبة لأمته، والله أعلم.
وقوله: (فأستأذن على ربي في داره) أي: في الدخول في دار ربي، والإضافة
للتشريف، والمراد المقام الخاص الذي لا يدخله أحد غيره، ويرفع فيه الحجاب،
وقيل: ذلك تحت عرشه تعالى كما يأتي في حديث أبي هريرة.
وقوله: (وسل تعطه) يحتمل أن يكون هاء السكت وأن يرجع إلى المفعول
المحذوف .
وقوله: (فيحد لي حدًّا) أي: يحد الله تعالى حدًّا، ولا يجوز أن يكون على صيغة
المجهول فيكون مسنداً إلى المصدر، أي: يوقع الحد، و(حدًّا) منصوب مفعول مطلق،
ومعنى التحديد أن تعين طائفة من العصاة بالاستشفاع فيهم، مثل تاركي الصلاة، أو
مرتكبي الزنا، أو شاربي الخمر مثلاً .