النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق ٥٥٣٥ _ [٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ِ قَالَ: ((إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَّةً غُرْلاً)) ثُمَّ قَرَّأَ: ((﴿كَمَابَأْنَا أَوَلَ خَلْقٍ تُعِيدُهُ، وَعْدًا عَلَيَةً إِنَّ كُنَ فَعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ،. الصواب هو الثاني فطالعه ثمة . ٥٥٣٥ - [٤] (ابن عباس) قوله: (إنكم محشورون حفاة) الظاهر العموم، وقد علم الركوب أيضاً، فلعل أحدهما بعد البعث من القبر، والآخر بعد السوق إلى المحشر. وقوله: (غرلا) جمع أغرل وهو الأقلف، أي: الذي لم يختن، أي: يحشرون كما خُلِقوا، لا يفقد منهم شيء، ولا يدرى أن بعد ذلك تغير خلقهم على هيئة الختان أو يبقون كذلك، والأمر محتمل، والله أعلم. وما ذكر الإمام فخر الدين الرازي لشرعية الختان نكتة معقولة، وهي أن الحشفة لما كانت مستورةً بالقلفة كانت لينة وقويت لذته عند المباشرة، وإذا قطع جلد القلفة اشتد وصلب وضعفت اللذة، وبالجملة الإحساس واللمس بالسطح المستور أتم وأكمل من السطح المكشوف كما يظهر من حال الشفتين واللسان، واللائق بهذه الشريعة المعتدلة والمتوسطة بين جانبي الإفراط والتفريط التقليل. وقوله: (وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم) قيل: لأنه أول من عري وجرد في سبيل الله من النبيين حين ألقي في النار، لا لأنه أفضل من نبينا، أو لكونه أباه، فتقدمه لعزة أبوته له ◌َ، على أنه قيل: إن نبينا ◌َّل يخرج باللباس من قبره في ثيابه التي دفن فيها، كذا في الحواشي(١). (١) ((حاشية جمال الدين)) (ص: ٣٢٢). ٢٢ (٢) باب الحشر وَإِنَّ نَاساً مِنْ أَصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: أُصَيْحَابِي أُصَيْحَابِي، فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ لَنْ يَزَالُوْا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مِذْ فَارَقْتَهُمْ. فَأَقُوْلُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُعَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّاهُمْتُ فِمْ﴾ إِلى قَوْلِهِ: وقوله: (أصيحابي أصيحابي) مكرراً على صيغة التصغير لقلتهم، وقد يروى مكبراً، والأصحاب صيغة جمع قلة، والأول أوفق بقوله: (إن ناساً من أصحابي). قال الكرماني(١): لم يرد به خواص أصحابه ولا بالردة الرجوع عن الدين، وإنما هو التأخر عن بعض الحقوق، ولم يرتد بحمد الله أحد من أصحابه، وإنما ارتد قوم من جفاة العرب من المؤلفة، انتهى. وقال الخطابي(٢): لم يرتد أحد من الصحابة، وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب ممن لا بصيرة له في الدين، وذلك لا يقدح في الصحابة المشهورين، وليس المراد الارتداد عن الإسلام، بل الخروج عن حد الاستقامة، وإساءة السريرة، والرجوع عما كانوا عليه من محض الإخلاص وصدق النية، والإعراض عن الدنيا، فإنه يل ر كان يخشى عليهم من فتنة الدنيا، وقيل: يجوز استعمال الأصحاب في كل من تبعه أو أدرك حضرته، أو وفد عليه ولو مرة. وبالجملة حمل بعضهم الردة على الحقيقة، والصحابة على المجاز من جفاة العرب من أصحاب مسيلمة والأسود، وبعضهم الردة على التقصير في بعض الحقوق، والصحابة على غير الخواص من الصحابة، والله أعلم. وقوله: (كما قال العبد الصالح) وهو عيسى بن مريم. (١) ((شرح الكرماني)» (٣٦/٢٣). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (١١ / ٣٨٥). ٢٣ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق ﴿اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾)) [المائدة: ١١٧ -١١٨]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٤٩، م: ٢٧٦٠]. ٥٥٣٦ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ يَقُولُ: ((يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً)). قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعاً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ! الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٢٧، م: ٢٨٥٩]. ٥٥٣٧ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ! كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: (أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرَّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِراً عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟)). مُتَّفَقٌ عَليْهِ. [خ: ٣٣٥٠، م: ٢٨٠٦]. ٥٥٣٨ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((بَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ٥٥٣٦ _ [٥] (عائشة) قوله: (ينظر بعضهم إلى بعض) أي: الرجال إلى الرجال والنساء وكذلك النساء، فافهم. ٥٥٣٧ - [٦] (أنس) قوله: (قادر) بالرفع على أن في (ليس) ضمير الشأن. ٥٥٣٨ _ [٧] (أبو هريرة) قوله: (أباه آزر) ظاهر العبارة أنه عطف بيان لـ (أباه)، والتحقيق أن آزر عم إبراهيم سمي أباً مجازاً متعارفاً، واسم أبيه تارخ، قاله بعض المحققين من العلماء الذين نفوا الكفر عن آباء نبينا وميله إلى آدم عليه، فعلى هذا ذكر آزر لبيان أن ليس المراد من الأب والده، ولعله كان اختلاط إبراهيم وألفته مع عمه هذا أكثر وأغلب من والده، وكان هو رئيس المشركين، ووقع مناظرته معه، فافهم. ٢٤ (٢) باب الحشر وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: لاَ تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ لَهُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لاَ أَعْصِيكَ. فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَلَّ تُخْزِيَتِيْ يَوْمَ يُبْعَثُونَ فَأَيُّ خِزْىٍ أَخْزَى مِنْ أَبِ الأَبْعَدِ، فَيَقُولُ الهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ، ثُمَّ يُقَالُ لإِبْرَاهِيمَ: مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ» .. وقوله: (وعلى وجه آزر) أتى بالمظهر موضع المضمر لئلا يتوهم أن الضمير لإبراهيم عيلا وأن على وجهه قترة وغبرة لأجل الهم والحزن من جهة والده، وإن كان عند من يعلم أن ذلك للكفرة الفجرة دليل على خلافه، و(قترة) و(غبرة) كلاهما بفتحات، في (القاموس)(١): القتر والقترة: الغبار، وقيل: القترة: الغبرة التي معها سواد، وقيل في قوله تعالى: ﴿غَبَةٌ ٥ْ تَرْهَفُّهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠ - ٤١]، أي: غبار يعلوها سواد كالدخان ولا أوحش من اجتماعهما، وقال البيضاوي(٢): غبار وكدورة يغشاها سواد وظلمة، وهذا مبني على ما قيل: إن الغبرة: الغبار من التراب، والقترة: السواد الكائن عن الكآبة . وقوله: (من أبي الأبعد) أي: من خزي أبي، (الأبعد) من البعد بمعنى الهلاك، و(الأبعد): الخائن أيضاً، كذا في (مجمع البحار)(٣)، والمراد: الأبعد من رحمة الله . وقوله: (فإذا هو بذیخ) الذيخ بكسر الذال وسكون الياء التحتانية آخرها خاء (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٢٧). (٢) ((تفسير البيضاوي)) (٥/ ٢٨٨). (٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ١٩٨). ٢٥ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٣٥٠]. ٥٥٣٩ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعَاً وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٣٢، م: ٢٨٦٣]. ٥٥٤٠ _ [٩] وَعَنِ الْمِقْدَادِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: («تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ . معجمة: ذكر الضباع الكثير الشعر، والأنثى بالهاء، والجمع ذيوخ وأذباخ. وفي نسخة بموحدة ساكنة وحاء مهملة بمعنى ما يذبح، والحكمة فيه أنه لما رآه مسخاً يخرج من قلبه محبته، ولئلا يحزنه أن لو رآه قد ألقي في النار على صورته، فإن قلت: قد كان تبرأ إبراهيم من أبيه في الدنيا فما باله سأل له ربَّه في الآخرة؟ قيل: لما رآه يوم القيامة أدركته الرأفة فسأل، فلما رآه مسخ أيس منه وتبرأ تبرأً أبديًّا، وقيل: إن إبراهيم عَ لم يتيقن بموته على الكفر لجواز أن يكون آمن في نفسه ولم يطلع إبراهيم عليه، وكان تبرئته في الظاهر، فإذا سأل يوم القيامة ولم يقبل تيقن بذلك، ومعنى (متلطخ) بالطين أو برجيعه، كذا في (مشارق الأنوار)(١). ٥٥٣٩ _ [٨] (وعنه) قوله: (يعرق) بفتح الراء من سمع يسمع. وقوله: (ويلجمهم) أي: يصل العرق إلى أفواههم ليصير لهم كاللجام يمنعهم عن الكلام. ٥٥٤٠ _ [٩] (المقداد) قوله: (كمقدار ميل) الظاهر أن المراد ميل الفرسخ، وكفى (١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٢٧٢). ٢٦ (٢) باب الحشر فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ إِلْجَاماً)، وَأَشَارَ رَسُولُ اللهِنَّهِ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٦٤]. ٥٥٤١ _ [١٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ نَّهْ قَالَ: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ. قَالَ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ. قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ،. ذلك في تعذيبهم وإيذائهم، وأما احتمال إرادة ميل المكحلة فبعيد، وقد قيل به. وقوله: (إلى حقويه) الحقو بفتح الحاء المهملة وسكون القاف: موضع شد الإزار. ٥٥٤١ - [١٠] (أبو سعيد الخدري) قوله: (وما بعث النار؟) أي: ما مقدار بعث النار، والبعث: الجيش الذي يبعث. وقوله: (من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين) هكذا في نسخ (المشكاة) و(المصابيح)، وتقديره: أخرج من كل ألف هذا العدد، وفي (الدر المنثور)(١) للسيوطي لفظ الحديث: (تسع مئة وتسعة وتسعون) بالرفع، وهو ظاهر في جواب (وما بعث النار) أي: بعث النار هذا، ثم هذا يخالف ما جاء في حديث أبي هريرة: (من كل مئة تسعة وتسعون)، وأجاب الكرماني(٢): بأن مفهوم العدد لا اعتبار له، والمقصود من (١) ((الدر المنثور)) (٦ / ٤). (٢) ((شرح الكرماني)) (٣٨/٢٣). ٢٧ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتٍ حَمْلٍ خَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَىْ وَمَا هُم بِسُكَدَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢]، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَأَيَّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ؟ قَالَ: ((أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلاً وَمِنْ يَأُجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ))، العددين تقليل عدد المؤمنين وتكثير عدد الكافرين، ويمكن حمل حديث أبي سعيد على جميع ذرية آدم، ويحمل حديث أبي هريرة على من عدا يأجوج ومأجوج. ويستأنس لهذا التأويل بأن يأجوج ومأجوج ذكروا في حديث أبي سعيد دون حديث أبي هريرة، ويحتمل أن يكون الأول يتعلق بالخلق أجمعين، والثاني مخصوص بهذه الأمة المرحومة، وأن يكون المراد بـ (بعث النار): الكفار ومن يدخل النار من العصاة، فيكون من كل ألف تسع مئة وتسعين كافراً، ومن مئة تسعة وتسعين عاصياً، كذا قال الشيخ ابن حجر(١). وقوله: (﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتٍ حَمْلٍ خَّلَهَا﴾) قال المفسرون: إنه في معنى الشرط أي: إن وجدت ذات حمل، وأول بعضهم بأن ذلك قبل قيام الساعة، أي: عند أشراطها، لكن صدر الحديث لا يلائمه، نعم وقد وقع في التنزيل وضع الأحمال في زلزلة الساعة وذلك في أشراطها، وقيل: يحتمل أن يبعث من يكون حاملاً، انتهى. أقول: وهكذا ينبغي أن يؤول في الصغار بأنهم يبعثون صغاراً فيشيبون، ثم يجعلون في الجنة شباباً، والظاهر أن هذا كناية عن شدة المحنة والهم والحزن من غير نظر إلى خصوص معاني المفردات، والله أعلم. وقوله: (وأينا ذلك الواحد؟) لما سمعوا أن أهل الجنة واحد من ألف استعظموا ذلك واستشعروا الخوف منه، بأنه لما كان الأمر كذلك كان أهل الجنة أقل قليل، فمن (١) (فتح الباري)) (١١ / ٣٩٠). ٢٨ (٢) باب الحشر ثُمَّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رَبُّعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ) فَكَبَّرْنَ، فَقَالَ: (أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ) فَكَبَرْنَ، فَقَالَ(١): ((أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ)) فَكَبَّرْنَا، قَالَ: ((مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَّ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرِ أَنْيَضَ، أَوْ كَشَعْرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٤٨، م: ٢٢٢]. ٥٥٤٢ _ [١١] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((يَكْشِفُ رَبَُّا عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ(٢) لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً، يكون منا أهلاً لها؟ فلا همّ بأن هؤلاء الأكثرين الذين هم بعث النار يأجوج ومأجوج، فإنهم في الكثرة على حد لو كان واحد من ألف من الناس من أهل الجنة لكانوا أکثرین. ثم أشار إلى أن الأمم السالفة ما عدا يأجوج ومأجوج أيضاً في غاية الكثرة بحيث يفوقون الحصر حتى لو كنتم نصف أهل الجنة لكنتم واحداً من ألف من مجموع الناس غيركم لكونكم في غاية القلة بالنسبة إليهم، وإليه أشار بقوله: (ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود). وقوله: (فكبرنا) قالوا: ذلك استبشار وتعظيم بهذه النعمة . ٥٥٤٢ _ [١١] (وعنه) قوله: (يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ... إلخ)، قيل: هذا من المتشابهات فلا يتعرض له، وقيل: يأول بشدة (١) في نسخة: ((قال)). (٢) وفي نسخة: ((ويسجد)). ٢٩ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُوْدُ ظَهْرُهُ طَبَقاً وَاحِداً)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩١٩، م: ١٨٣]. ٥٥٤٣ _ [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((لَيَأْتِى الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ)). وَقَالَ: ((اقْرَؤُوا: ﴿فَلَا تُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَالْقِيَمَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥])). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٧٢٩، م: ٢٧٨٥]. الأمر وعظمته يعني أنه تعالى يأخذهم بالشدائد كمن يكشف عن ساقه بالتشمير في أمر، فالإضافة إلى الرب إيذان بأن الساق هي الشدة التي لا يجليها لوقتها إلا هو، وقد وقع منكراً في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُّكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]، والإضافة في الحديث لمعنى ذكرنا، وقد سبق ذكره في آخر (باب لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس). وقوله: (فيعود ظهره طبقاً) في (القاموس) (١): الطبق: عظم رقيق يفصل بين كل فَقَارين، والمراد أنه يصير ظهره عظماً واحداً ليس بين فقراته مفاصل يتيسر الرفع والخفض في السجود. ٥٥٤٣ _ [١٢] (أبو هريرة) قوله: (اقرؤوا: ﴿فَلَ تُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾) أول الآية: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْحَوَةِالدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (٦) أُوْلَكَ الَّذِينَ كَفَرُواْبِثَايَتِ رَيِّهِمْ وَلِقَّابِهِ، فَطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَلَا تُقِيمُ لَهُمْ﴾ الآية [الكهف: ١٠٤ - ١٠٥] وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ الآية [المنافقون: ٤]. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٣١). ٣٠ (٢) باب الحشر الْفَصْلُ الثَّانِي: ٥٥٤٤ _ [١٣] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللهِنَّهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]، قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا؟)) قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((فَإِنَّ أَخْبَارَهَا أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ وَأَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا أَنْ تَقُولَ: عَمِلَ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا يومَ كَذَا وَكَذَ)). قَالَ: ((فَهَذِهِ أَخْبَارُهَا)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ . [حم: ٢ / ٣٧٤، ت: ٢٤٢٩]. ٥٥٤٥ _ [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ إِلاَّ نَدِمَ)). قَالُوا: وَمَا نَدَامَتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((إِنْ كَانَ مُحْسِناً نَدِمَ أَنْ لاَ يَكُونَ ازْدَادَ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئاً نَدِمَ أَنْ لاَ يَكُونَ نَزَعَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٠٣]. ٥٥٤٦ _ [١٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَله: ((يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلاثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفاً مُشَاةً، وَصِنْفاً رُكْبَاناً، الفصل الثاني ٥٥٤٤ _ [١٣] (أبو هريرة) قوله: (على كل عبد وأمة) أي: كل ذكر وأنثى، فإن الذكور عباد الله والإناث إماؤه. ٥٥٤٥ _ [١٤] (وعنه) وقوله: (ازداد) أي: إحساناً، فإن كان ازداد لازماً كما هو الأكثر فالمحذوف تمییز، وإن کان متعدیاً فهو مفعول به . وقوله: (نزع) أي: نفسه عن الإساءة. ٥٥٤٦ _ [١٥] (وعنه) قوله: (صنفاً مشاةً، وصنفاً ركباناً) وهذان الصنفان هم ٣١ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق وَصِنْفاً عَلَى وُجُوهِهِمْ)) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَكَيْفَ يَمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ؟ قَالَ: (إِنَّ الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَمَا إِنَّهُمْ يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ وَشَوْكٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣١٤٢]. ٥٥٤٧ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ﴾ [التكوير: ١]، و﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، و﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١])). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٢/ ٢٧، ت: ٣٣٣٣]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥٥٤٨ _ [١٧] عَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: إِنَّ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ وَّهِ حَدَّثَنِي: (أَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ ثَلاثَةَ أَفْوَاجٍ: أهل الإيمان عوامهم وخواصهم. وقوله: (يتقون بوجوههم كل حدب وشوك) الحدب بفتحتين: الغليظ المرتفع من الأرض، أي: يجعلون وجوههم مكان الأيدي والأرجل في التوقي عن مؤذيات الطرق والمشي إلى المقصد، وقد غلت أيديهم وأرجلهم، وذلك لما لم يجعلوها ساجدة لخالقها، والمقصود بيان ثبوت المشي المتعارف لهم لا إثبات التوقي قصداً، فافهم. ٥٥٤٧ _ [١٦] (ابن عمر) قوله: (من سره أن ينظر) كان السرور من جهة حصول مزيد الإيمان والإيقان . الفصل الثالث ٥٥٤٨ _ [١٧] (أبو ذر) قوله: (يحشرون) فيه من الاختلاف ما سبق في حديث ٣٢ (٣) باب الحساب والقصاص والميزان فَوْجاً رَاكِبِينَ طَاعِمِينَ كَاسِينَ، وَفَوْجاً تَسْحَبُهُمُ الْمَلائِكَةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ، وَفَوْجاً يَمْشُونَ وَيَسْعَوْنَ وَيُلْقِيَ اللهُ الآفَةَ عَلَى الظَّهْرِ، فَلاَ يَبْقَى حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الْحَدِيقَةُ يُعْطِهَا بِذَاتِ الْقَتَبِ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهَا)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٢٠٨٦]. ٣ - باب الحساب والقصاص والميزان أبي هريرة في (الفصل الأول) من أن هذا الحشر قبل يوم القيامة من أشراطها أو بعده حين يبعث الموتى من القبور، وسباق الحديث وسياقه ينظر إلى الأول، فتأمل. وقوله: (تسحبهم الملائكة) أي: تجرهم، سحبه: جرّه على وجه الأرض فانسحب . وقوله: (وتحشرهم النار) بالرفع كما تدل عليه الأحاديث الأخر كقوله: (ستخرج نار من [نحو] بحر حضرموت تحشر الناس)(١)، وقد ينصب، أي: تحشر الملائكة لهم النار، وتلزمهم إياها حتى لا تفارقهم، وفي بعض النسخ: (تحشرهم إلى النار). وقوله: (على الظهر) أي: المركوب، والمراد (بذات القتب) الإبل؛ لأن القتب محركة للجمل كالإكاف لغيره. ٣ - باب الحساب والقصاص والميزان الحساب مصدر حسبه حسباً وحسباناً بالضم، وحسباناً وحساباً وحسبة بكسرهن : (١) أخرجه الترمذي في ((سننه)) (٢٢١٧). ٣٣ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٥٤٩ _ [١] عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ: ((لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّ هَلَكَ)). قُلْتُ: أَوَ لَيْسَ يَقُولُ اللهُ: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] فَقَالَ: ((إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ فِي الْحِسَاب يَهْلِكُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٣، م: ٢٨٧٦]. ٥٥٥٠ _ [٢] وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((مَا مِنْكُم مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ. عَدَّهُ، والمعدود: محسوبٌ، والقصاص: أن يفعل بالشخص مثل ما فعله من قتل أو قطع أو ضرب أو جرح، وهو في الأصل بمعنى المساواة، والميزان: عبارة عما تعلم به مقادير الأعمال، والجمهور على أنه ميزان حقيقة له لسان وكفتان توزن به صحائف الأعمال، وقيل: توزن الأشخاص، وقيل: تصور الحسنات بالصور الحسنة، والسيئات بالسيئة، وأَوّلَ البعض الوزن بمقابلة الأعمال بالجزاء، والميزان تمثيل وتصوير الإرصاد الحساب، وقد جاء: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ﴾[الأنبياء: ٤٧]، والجمع باعتبار أنواع الأعمال، أو يكون لكل أحد من المكلفين ميزانٌ، والله أعلم. الفصل الأول ٥٥٤٩ - [١] (عائشة) قوله: (إنما ذلك العرض) أي: الحساب اليسير عرض الأعمال على العبد من غير مناقشة واستقصاء، وإنما المراد بقولنا: (من حوسب): من نوقش في الحساب، والمناقشة: الاستقصاء في الحساب، كذا في (القاموس)(١). ٥٥٥٠ _ [٢] (عدي بن حاتم) قوله: (ترجمان) هو بفتح مثناة وقد تضم وضم (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٦٢). ٣٤ (٣) باب الحساب والقصاص والميزان وَلاَ حِجَابٌ يَحْجُبُهُ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلَّ مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلَّ مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلاَ يَرَى إِلَّ النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٣٩، م: ١٠١٦]. ٥٥٥١ _ [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ أَالآتى : جيم وقد يفتحان، كذا قال الكرماني(١)، وهو المفسر للسان بلسان، وقد ترجمه عنه، والفعل يدل على أصالة التاء. وقوله: (فينظر أيمن) وكذا قوله: (وينظر أشأم منه) النصب في (أيمن) و(أشأم) على الظرفية، والمراد جانب اليمين والشمال، وفي (القاموس)(٢): الشأمة والمشأمة: ضد اليمنة والميمنة، واليد الشؤمى: ضد اليمنى، انتهى. وفي (مجمع البحار)(٣) في صفة الإبل: ولا يأتي خيرها إلا من جانبها الأشأم يعني الشمال، ومنه لليد الشمال: الشؤمى، تأنيث الأشأم، يريد بخيرها لبنها؛ لأنها إنما تحلب وتركب من الجانب الأيسر، ومنه حديث: (فينظر أيمن منه وأشأم منه). وقوله: (ولو بشق تمرة) له معنيان؛ أحدهما: فاتقوا النار ولا تظلموا أحداً ولو بشق تمرة، وثانيهما: اتقوها ولو بتصدق شق تمرة، وقد أورد هذا الحديث في (باب الصدقة)، وقد أشار بذكره في الموضعين إلى صحة إرادة المعنيين، والثاني أظهر، والله أعلم. ٥٥٥١ _ [٣] (ابن عمر) قوله: (١) ((شرح الكرماني)) (٤٤/٢٣). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٣٧). (٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ١٧٠). ٣٥ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق (إِنَّ اللهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبِ كَذَا؟ فَيَقُول: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ. قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَتِهِ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيَُّادَى بِهِمْ عَلَى رُؤُؤْسِ الْخَلاَئِقِ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمَّ أَلَا لَعَنَةُ اللَّهِ عَلَى الَِّمِينَ﴾ [هود: ١٨])) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٤١، م: ٢٧٦٨]. ٥٥٥٢ - [٤] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللهُ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَيَقُولُ: هَذَا فَكَاكُكَ مِنَ النَّارِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٦٧]. (كنفه) يقال: أنت في كنف الله تعالى محركة، أي: في حرزه وستره، وهو الجانب، والظل، والناحية، ومن الطائر: جناحه، كذا في (القاموس)(١)، وذلك لئلا يفتضح عند أهل المحشر ويخزى. ٥٥٥٢ _ [٤] (أبو موسى) قوله: (هذا فكاكك من النار) فك الرهن فكًا وفكوكاً: خلّصه، كافْتَكّه، وفك الأسير فكًّا وفكاكاً: خلّصه، وفكاك الرهن بفتح الفاء ويكسر: ما يفك به، ولما كان لكل مكلف مقعد في الجنة ومقعد من النار فلما دخل المؤمن الجنة صار الكافر كالفكاك للمؤمنين خلص به عن النار، ولم يرد به تعذيب الكتابي بما اجترحه المسلم من الذنوب؛ لأنه لا يعذب أحد بذنوب أحد، وتخصيص اليهود والنصارى بالذكر لاشتهارهم لمضارة المسلمين، ومعرفة الحكم في غيرهم بطريق الأولى. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٨٥). ٣٦ (٣) باب الحساب والقصاص والميزان ٥٥٥٣ _ [٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((يُجَاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَّقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ! فَتُسْأَلُ أُمَّتُهُ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَّنَا مِنْ نَذِيرٍ. فَيُقَالُ: مَنْ شُهُودُكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَتُهُ». فَقَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((فَيُجَاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ أنَّهُ قَدْ بِلَّغَ)، ثُمَّ قَرَّأَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةُ وَسَطًّا لِّنَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٣٣٩]. ٥٥٥٤ _ [٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِنَّهِ فَضَحِكَ فَقَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مِمَّا أَضْحَكُ؟)). قَالَ: قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَقُولُ: يَا رَبٌّ! أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟)). ٥٥٥٣ _ [٥] (أبو سعيد) قوله: (محمد وأمته) لما كان محمد ◌ّ* مزكياً لهم وهو معنى قوله: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وكان ◌َُّ بتزكيته مقرراً لشهادتهم ومثبتاً كان كأنه معهم في الشهادة، فلهذا قال: (محمد وأمته). وقوله: (أمة وسطاً) والوسط محركة من كل شيء: أعدله، أي: عدولاً وخياراً. قوله: (فقال رسول الله وَيقول: فيجاء بكم) الخطاب للصحابة، ويحتمل أن يكون للحاضرين من الأمة والغائبين على سبيل التغليب. ٥٥٥٤ - [٦] (أنس) وقوله: (ألم تجرني من الظلم؟) أجاره: أنقذه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُرَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿إِنَّاللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ [النساء: ٤٠] وغيرهما من الآيات. ٣٧ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق قَالَ: ((يَقُولُ: بَلَى))، قَالَ: ((فَيَقُولُ: فَإِنِّي لاَ أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّ شَاهِداً مِنِّي)). قَالَ: ((فَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيداً وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِينَ شُهُوداً). قَالَ: ((فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: اِنْطِقِي)). قَالَ: ((فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ)). قَالَ: ((فَيَقُولُ: بُعْدَاً لَكُنَّ وَسُحْقاً، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أَنَاضِلُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٦٩]. وقوله: (فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني) طلب العبد شاهداً من نفسه زاعماً أنه لا شاهد عليه من نفسه؛ لأنه لا يشهد أحد على نفسه، فهذا موضع غلطه ووقوعه فيما هرب عنه، وهذا الذي أضحك رسول الله دَ لـ وقوله: (وبالكرام الكاتبين) هذا زيادة على المراد الأصلي وتأكيد له، وقد يدل مراده وملتمسه، فافهم. وقوله: (فيقال لأركانه: انطقي) إفراد الضمير باعتبار جماعة الأركان. وقوله: (ثم يخلى بينه) أي: بين العبد (وبين الكلام) مع أركانه، (فيقول) العبد لأركانه، وهذا أيضاً محل الضحك. و(السحق) بالضم وضمتين: البعد، فيكون تأكيداً لقوله: (بعداً)، وله معان تناسب المراد وهو السهك والدق، وسحقت الريح الأرض: عفت آثارها، وسحق الشيء الشديد: لينه، والثوب: أبلاه، والقملة: قتلها، وبالجملة فيه معنى الهلاك والفناء ونحوهما. وقوله: (كنت أناضل) أي: أخاصم وأدافع، ناضل عنه: دافع، ونضلته: سبقته، وناضله مناضلة ونضالاً: باراه في الرمي، أي: عنكن كنت أخاصم الخصماء وأدافعهم عنكن، وكنت معيناً ناصراً لَكُنّ في الأمور، ثم شهدتن عليّ، وفضحتموني فيّ وخذلتموني، وجاء هذا البلاء والفضح على هذا العبد لمخاطبة الرب تعالى واحتجاجه ٣٨ (٣) باب الحساب والقصاص والميزان ٥٥٥٥ _ [٧] وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ نَرَى رَبََّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: ((فَهَل تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ فِي الظَّهِيرَةِ لَيْسَتْ فِي سَحَابَةٍ؟)) قَالُوا: لاَ، قَالَ: ((فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ فِي سَحَابَةٍ؟)) قَالُوا: لاَ، قَالَ: له تعالى منافياً لما تقتضيه العبودية والمسكنة، بخلاف العبد الأول الذي وضع عليه كنفه وستره وحفظه عن الفضح. ٥٥٥٥ _[٧] (أبو هريرة) قوله: (هل تضارون) روي بوجوه: أحدها: بضم التاء وتشديد الراء من الضرر من باب المفاعلة كضره وضاره، ويحتمل أن يكون مبنيًّا للفاعل أو للمفعول، أي: لا تضارون بالمجادلة والمنازعة في صحة النظر إلى الشمس والقمر لوضوحهما وظهورهما، فلا يخالف بعضكم بعضاً ولا ينكره، بل كنتم متفقين على رؤيتهما. وثانيهما: بفتح التاء وتشديد الراء من التفاعل أيضاً من الضرر، أصله تتضارون حذفت إحدى التائين مبنيًّا للفاعل، والمعنى ما ذكر. ونقل في (مجمع البحار)(١) عن الجوهري: أضرني: إذا دنا مني دنوًّا شديداً، فيكون المراد بالمضارة الاجتماع والازدهام عند النظر، وقال القاضي عياض(٢): معناه لا تضايقون، والمضارة والمضايقة بمعنى قوله في الرواية الأخرى: تضامون، والمضايقة إنما تكون في الشيء يرى في حين واحد، وجهة مخصوصة، وقدر مقدور، والله تعالى متعال عن الأقدار والأحواز. وقيل: معناه لا يحجب بعضكم عن رؤيته فيضره بذلك، (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٣٩٩). (٢) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٥٧). ٣٩ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق ((فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ إِلَّ كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَّةِ أَحَدِهِمَا)). قَالَ: ((فَيَلْقَى الْعَبْدَ فَيَقُولُ: أَيْ فُلْ! وقيل: لا تضارون: لا يمنعكم منه مانع. وثالثها: بضم التاء وتخفيف الراء من الضير بمعنى الضر على صيغة المجهول. ورابعها: بفتح التاء وتخفيف الراء على لفظ المعلوم، والأصل تضيرون فأبدلت الياء ألفاً. وخامسها: لا تضامون بضم التاء وتشديد الميم من الضم من المفاعلة مبنيا للفاعل أو للمفعول. وسادسها: بفتح التاء من التفاعل . وسابعها: بضم التاء وتخفيف الميم من الضم على صيغة المجهول. وثامنها: تضامون بالفتح والتخفيف. ومآل المعنى في الجميع واحد، والاعتماد على الرواية، هذا والمشهور هو بضم التاء تشديداً وتخفيفاً، وبالراء والميم، ورواية فتح التاء أيضاً ثابتة، فتدبر. وقوله: (إلا كما تضارون في رؤية أحدهما) هو من قبيل: لا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن سلول، و(أنا أفصح العرب بيد أني من قريش). وقوله: (فيلقى العبد) الضمير لله فاعله، و(العبد) مفعوله، أي: عبداً من عباده. وقوله: (أي فل) الرواية المشهورة بسكون اللام مبنيًّا عليه، ولذا قالوا: إنه اسم برأسه بمعنى فلان، وليس ترخيماً له، وإلا لكان مفتوح اللام أو مضمومه على المذهبين في الترخيم، ونقل عن سيبويه أنه صيغة مرتجلة في باب النداء، وعند بعضهم في غير النداء أيضاً، وأيضاً لا يجوز حذف الألف والنون معاً في مثله لعدم بقاء ثلاثة ٤٠ (٣) باب الحساب والقصاص والميزان أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ وَأُزَوِّجْكَ وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالإِبِلَ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى))، قَالَ: ((فَيَقُولُ: أَفَظَنْتَ أَنَّكَ مُلاَقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لاَ، فَقُولُ: فَإِنِّي قَدْ أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي، ثُمَّيَلْقَى الثَّانِيَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ فَيَقُولُ لَهُ مثل ذَلِك، فَيَقُول: يَا رَبِّ! آمَنْتُ بِكَ وَبِكِتَابِكَ وَبِرُسُلِكَ، وَصَلَّيْتُ وَصُمْتُ وَتَصَدَّقْتُ، أحرف كمروان، وقيل: ترخيم، والرواية بالفتح والضم ثابتة، وحذف النون للترخيم والألف بسکونها، وفيه ما فيه. وقوله: (وأسودك) أي: أجعلك سيداً، و(أذرك) أي: أدعك، (ترأس) تصير رئيس القوم، (وتربع) أي: تأخذ الربع، وكان رئيس القوم في الجاهلية يأخذ ربع الغنيمة . وقوله: (ملاقي) بالتشديد بإدغام الياء المحذوفة العائدة بحذف التنوين في ياء المتكلم . وقوله: (فإني قد أنساك) في الجزاء (كما نسيتني) في الشكر، ونسبة النسيان إلى الله سبحانه إما على المجاز عن الترك أو بطريق المشاكلة، وفي نسبة النسيان إلى العبد تغليب؛ لأنه قد يكون بطريق التعمد والتكبر أيضاً، فافهم. وقوله: (فذكر مثله) أي: ذكر رسول الله وَّ* مثل ما ذكر في الأول من سؤال الله وجواب العبد، ويحتمل أن المعنى فذكر الله تعالى، أي: سأله مثل ما سأل الأول، وجواب العبد مطوي الذكر، لكن الوجه هو الأول، والظاهر على الثاني: فيذكر أو فيقول، كما ذكر من قوله: (فيقول له) أي: الله للعبد (مثل ذلك) أي: السؤال، غير أن جواب العبد هنا على خلاف الأولين، فهنا ادعى العبد الشكر فكذب ورد عليه، وفيهما