النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
(٢٦) كتاب الرقاق
وَخَدَمَتْهُمْ أَبْنَاءُ الْمُلُوكِ؛ أَبْنَاءُ فَارِسَ وَالرُّومِ، سَلَّطَ اللهُ شِرَارَهَا عَلَى
خِيَارِهَا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٢٦١].
مفعول مطلق، أي: مشي تبختر، في (القاموس)(١): المطيطاء كحميراء: التبختر،
ومد اليدين في المشي، ويقصر، وتمطط: تمدّد، ومطه: مدّه، وحاجبيه وخده: تكبر.
وفي (الصراح)(٢): مطيطاء بالضم والمد: خراميدن ودست أندازان رفتن، وفي
الحديث: (إذا مشت أمتي المطيطاء)، الحديث. وفي (النهاية)(٣): (إذا مشت أمتي
المطيطاء) هي بالمد والقصر: مشية فيها تبختر ومد اليدين، يقال: مطوت ومططت
بمعنى مددت، ولم يستعمل إلا مصغراً، انتهى.
وأصل تمطى تمطط (تفعل) من المط، وهو المد، والمطيطاء مكتوبة بدون الياء
في (القاموس) و(الصحاح) و(الصراح)، وفي (المصابيح) ونسخ مصححة من
(المشكاة)، وفي الشروح والحواشي، وفي بعض النسخ: بالياء بعد الطاء الثانية
المكسورة، وذكر في (مجمع البحار)(٤): هو بضم ميم ممدوداً، وعند بعض بحذف
ياء بعد طاء ثانية، وذكر في بعض الحواشي: ويروى بغير الياء، ويفهم من هذا أن لفظه
على وجهين باليائين وبإحداهما قبل الطاء لا بعدها، والله أعلم.
وقوله: (خدمتهم) من باب نصر وضرب، والحديث من باب الإخبار بالغيب
حيث وقع كما أخبره ◌َّ، فإنهم لما فتحوا بلاد فارس والروم وسبوا أولادهم واستخدموهم
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦١٩).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٢٩٩).
(٣) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (٤ / ٣٤٠).
(٤) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٥٩٢).

٥٦٢
(٧) باب تغير الناس
٥٣٦٤ - [٥] وَعَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى
تَقْتُلُوا إِمَامَكُمْ، وَتَجْتَلِدُوا بِأَسْيَافِكُمْ، وَيَرِثَ دُنْكُمْ شِرَارُكُمْ)). رَوَاهُ التِّرْمُِّ.
[ت: ٢١٧٠].
٥٣٦٥ _ [٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى
يَكُونَ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعَ). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَّهَقِيُّ فِي («َلاَئِّل
النَّبُوَّة)). [ت: ٢٢٠٩، دلائل: ٦ / ٣٩٢].
سلط الله قتلة عثمان عليه، وسلط بني أمية على بني هاشم ففعلوا ما فعلوا، وهكذا.
٥٣٦٤ - [٥] (حذيفة) قوله: (ويرث دنياكم شراركم) أي: يصير الملك والمال
في أيدي الظلمة .
وقوله: (تجتلدوا بأسيافكم) في (الصراح)(١): تجالد اجتلاد به: شمشير زدن
يك دیگر را.
٥٣٦٥ _ [٦] (وعنه) قوله: (أسعد الناس) أي: أكثرهم مالاً وأطيبهم عيشاً
وأنفذهم حكماً، (لكع بن لكع) واللكع كصرد: اللئيم، والعبد، والأحمق، ومن لا يتجه
المنطق ولا غيره، وحذف الألف من (ابن) لإجراء اللفظين مجرى علمي الشخصين،
كذا قيل، وحاصله يرجع إلى جواز حذفها في غير العلمين إذا كان كناية عن الأعلام،
كأنه قيل: فلان اللكع ابن فلان اللكع، بخلاف العالم ابن العالم إذا أريد مجرد معنى
الصفة من غير كناية عن العلم، فافهم. و(أسعد) اسم كان أو خبره، ويحتمل أن
يكون الخبران مرفوعين، وفي (يكون) ضمير الشأن، و(اللكع) غير منصرف للعدل
والوصفية .
(١) (الصراح)) (ص: ١٢٥).

٥٦٣
(٢٦) كتاب الرقاق
٥٣٦٦ - [٧] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبِ الْقُرَظِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ
عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالب قَالَ: إِنَّا لَجُلُوْسٌ مَعَ رَسُولِ اللهِّهِ فِي الْمَسْجِدِ
فَاطَّلَعَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَّيْرٍ مَا عَلَيْهِ إِلَّ بُرْدَةٌ لَهُ مَرْقُوعَةٌ بِفَرْوٍ، فَلَمَّا رَآهُ
رَسُولُ اللهِ﴿ بَكَى لِلَّذِي كَانَ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ وَالَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْمَ، ثُمَّ قَالَ
رَسُولُ اللهِ: ((كَيْفَ بِكُمْ إِذَا غَدَا أَحَدُكُمْ فِي حُلَّةٍ وَرَاحَ فِي حُلَّةٍ، وَوُضِعَتْ
بَيْنَ يَدَيْهِ صَحْفَةٌ وَرُفِعَتْ أُخْرَى، وَسَتَرْتُمْ بُيُوتَكُمْ كَمَا تُسْتَرُ الْكَعْبَة؟)» فَقَالُوا:
يَا رَسُولَ اللهِ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مِنَّ الْيَوْمَ، نَتَفَرَّغُ لِلْعِبَادَةِ وَنُكْفَى الْمُؤْنَةَ، ...
٥٣٦٦ - [٧] (محمد بن كعب) قوله: (القرظي) بضم القاف وفتح الراء وبمعجمة
نسبة إلى قريظة بن الخزرج من أولاد لاوي بن يعقوب النبي تماثيل.
وقوله: (مصعب بن عمير) هو أبو عبدالله مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد
مناف بن عبد الدار بن قصي القرشي، كان من أجلة الصحابة وفضلائهم، وله مناقب
جليلة عظيمة .
وقوله: (مرقوعة بفرو) بالفارسية پوستين.
وقوله: (غدا أحدكم في حلة) أي: يلبس أول النهار حلة وآخره أخرى من غاية
التنعم .
وقوله: (ونكفى المؤنة) التموّن: كثرة النفقة على العيال، ومانه: قام بكفايته،
فهو ممون، وفي (الصراح) (١): مؤنة برداشتن، يهمز ولا يهمز، وهي مفعلة من الأين،
وهو التعب والشدة والخُرْج والعِدْل؛ لأنه ثقيل على الإنسان، مأنت القوم وأمأنهم مأناً،
أي: احتملت مؤونتهم، ومن ترك الهمزة قال: منتهم أمونهم.
(١) ((الصراح)) (ص: ٥٢٩).

٥٦٤
(٧) باب تغير الناس
قَالَ: ((لاَ، أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٧٦].
٥٣٦٧ - [٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: «بَأْتِي عَلَى النَّاسِ
زَمَانُ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضٍ عَلَى الْجَمْرِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ:
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِسْنَاداً. [ت: ٢٢٦٠].
٥٣٦٨ _ [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِذَا كَانَ
أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ وَأَغْنَِاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الْأَرْضِ
خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا، وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلاَءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ
إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ من ظهرهَا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا
حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٢٦٦]
وقوله: (لا، أنتم اليوم خير) فيه فضل الفقير الصابر على الغني الشاكر،
فافهم .
٥٣٦٧ _ [٨] (أنس) قوله: (كالقابض على الجمر) في صعوبة الصبر وشدته،
قبضه بيده: تناوله بيده، وقبض عليه وبيده: أمسكه، وهذا ما قال الشاطبي رحمه الله:
كقبضٍ على جمرٍ فتنجو من البلا
وهذا زمان الصبر مَن لك بالتي
٥٣٦٨ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (سمحاءكم) جمع سميح، [سَمُحَ ] ككرم
سماحة وسموحاً: جاد.
وقوله: (وأموركم شورى بينكم) أشار إليه بكذا: أمره، وهي الشورى،
واستشاره: طلب منه المشورة، وشورى مصدر بمعنى التشاور، أي: ذو شوری،
والمشاورة موجب للائتلاف والاتفاق، بخلاف الاستبداد؛ فإنه يورث المخالفة.

٥٦٥
(٢٦) كتاب الرقاق
٥٣٦٩ - [١٠] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((يُوشِكُ
الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا))، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ
قِلَّةٍ نَحْنُ بَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: ((بَلْ أَنْتُمْ يَوْمِئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِن غُثَاءٌ كَفُثَاءِ السَّيْلِ،
وَلَيَنْزِعَنَّ اللّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوَّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ
الْوَهْنَ))، قَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الْوَهْرُ؟ قَالَ: ((حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةٌ
الْمَوْتٍ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي («دَلاَئِلِ النُّبُوَّةِ». [د: ٢٩٧،
٦/ ٥٣٤].
٥٣٦٩ - [١٠] (ثوبان) قوله: (أن تداعى عليكم) أصله تتداعى، وأراد بالأمم
فرق الكفر والضلالة، وفي رواية: (تداعت)، أي: اجتمعوا ودعا بعضهم بعضاً لمقابلتكم
وكسر شوكتكم، يقال: تداعوا عليه، أي: اجتمعوا، وتداعى العدو: أقبل، كما
تتداعى الجماعة الأكلة بعضهم بعضاً إلى قصعتها التي يأكلون منها .
وقوله: (فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟) كأنه قال على طريق الاستفهام،
أي: ذلك من قلة نحن عليها يومئذ؟ ويحتمل أن يكون (من) بمعنى (في)، فيكون
خبراً لـ (نحن)، و(يومئذ) متعلق بالخبر.
وقوله: (ولكنكم غثاء) الغثاء ممدوداً كغراب وزناً: الزبد، والبالي من ورق
الشجر المخالط زبد السيل.
وقوله: (وما الوهن؟) أي: ما سبب الوهن؟ (قال: حب الدنيا وكراهية
الموت) فإنه إذا أحب حياة الدنيا وكره الموت لم يتشجع على الجهاد والمقاتلة مع
الكفار.

٥٦٦
(٧) باب تغير الناس
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٣٧٠ _ [١١] عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: ((مَا ظَهَرَ الْغُلُولُ فِي قَوْمٍ إِلّ
أَلْقَى اللهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَلاَ فَشَا الزِّنَا فِي قَوْمٍ إِلَّ كَثُرَ فِيهِمُ الْمَوْتُ،
وَلَ نَقَصَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّ قُطِعَ عَنْهُمُ الرِّزْقُ، وَلاَ حَكَمَ قَوْمٌ بِغَيْرِ
حَقِّ إِلَّ فَشَا فِيهِمُ الدَّمُ، وَلاَ خَتَرَ قَوْمٌ بِالْعَهْدِ إِلاَّ سُلِّطَ عَلَيْهِمِ الْعَدُوُّ). رَوَاهُ
مَالِكٌ. [ط: ٢ / ٤٦٠].
الفصل الثالث
٥٣٧٠ - [١١] (ابن عباس) قوله: (ما ظهر الغلول) بضم الغين: الخيانة، أو
مخصوص بالفيء، كذا في (القاموس)(١)، وفي (الصراح)(٢): غلول بالضم: خيانت
كردن درغنيمت، قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِيِّ أَنْ يَغُلَّ﴾[آل عمران: ١٦١]، وفي (مجمع
البحار)(٣) عن (النهاية): الغلول الخيانة في المغنم، والسرقة قبل القسمة، وكل من
خان في شيء خفيةً فقد غل، وسميت غلولاً لأن الأيدي فيها مغلولة، أي: ممنوعة
مجعول فيها غل، وهي حديدة تجمع يد الأسير إلى عنقه، ويقال لها: جامعة أيضاً.
وقوله: (في قوم) الحديث، الظاهر أن ترتب هذه الأجزية على هذه الأشياء بحسب
الخاصية، والسر في ذلك موكول إلى علم الشارع، وقد تستنبط علل ومناسبات، وهي
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٣٦).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٤٤١).
(٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٥٦).

٥٦٧
(٢٦) كتاب الرقاق
٨- باب الإنذار والتحذير(١)
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٣٧١ - [١] عَنْ عِيَاضِ بْنِ حمَارِ الْمُجَاشِعِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌ّهِ قَالَ
ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَِهِ: ((أَ إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي
يَوْمِي هَذَا: كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْداً حلالٌ،
في الثلاثة الأخيرة ظاهرة، وأما في الأولين فلأن الخيانة في الغلول توجب حرمان
أهل العسكر من حقوقهم، وهو يوجب فقرهم واحتياجهم، وذلك يوجب الفترة في قوة
قلوبهم وتطرق الرعب إليها، والزنا ضد التزوج يكثر التناسل فضده يورث لقليله،
والله أعلم.
٨ - باب الإنذار والتحذير
في متمماته ولواحق الباب السابق مما يتعلق بالإنذار والتخويف.
الفصل الأول
٥٣٧١ - [١] (عياض بن حمار) قوله: (مما علمني يومي هذا) شروع في
التعليم، والظاهر أن قوله: (هذا) إشارة إلى (يوم)، أي: مما أوحى ربي إلي في هذا
اليوم، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما بعده من الكلام، أي: مما أوحي في يومي هذا
الكلام، أي: قال الله تعالى: (كل مال نحلته) أي: أعطيته وملكته بوجه شرعي (عبداً)
من عبادنا فهو (حلال) له لا يستطيع أحد أن يحرمه من تلقاء نفسه، وهو إنكار لما
حرموا على أنفسهم من البحيرة والسائبة والوصيلة.
(١) في نسخة: ((باب)) بغير ترجمة.

٥٦٨
(٨) باب الإنذار والتحذير
وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَنَّهُمُ الشَّيَاطِينُ، فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ
دِيْنِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَّتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أَنْزِلْ
بِهِ سُلْطَاناً، .
وقوله: (وإني خلقت عبادي حنفاء) جمع حنيف، والحنيف كأمير: الصحيح
الميل إلى الإسلام الثابت عليه، أي: مستعدين لقبول الحق والطاعة، إشارة إلى
الفطرة، كذا قال الطيبي(١)، وفي (مجمع البحار)(٢): أي طاهري الأعضاء من المعاصي
لا أنهم خلقهم مسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَّكُمْ فَنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُ مُؤْمِنٌ﴾
[التغابن: ٢]، وقيل: أراد أنه خلقهم حنفاء مؤمنين عند الميثاق بـ ﴿أَلَسْتُ بِرَبَّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾
[الأعراف: ١٧٢]، فلا يوجد أحد إلا وهو مُقِر له بأن له ربًّا وإن أشرك به، واختلفوا فيه،
والحنيف: هو المائل إلى الإسلام الثابت عليه، والحنيف عند العرب: من كان على
دين إبراهيم عي، وأصل الحنف الميل، انتهى.
وقوله: (وإنهم أتتهم الشياطين) وهم جنود إبليس، ويحتمل أن يراد أعم من
شياطين الجن والإنس، كقوله: (فأبواه يهودانه وينصرانه)، (فاجتالتهم) افتعال من
الجولان، أي: جالت بهم الشياطين وبعدتهم عن دينهم، في (القاموس)(٣): اجتالهم:
حوّلهم عن قصدهم.
وقوله: (ما لم أنزل) مفعول (يشركوا)، يريد به ما عبد من دون الله، و(أنزل)
على صيغة المعلوم من المضارع المتكلم، من الإنزال، (وسلطاناً) أي: حجة استحقاقه
(١) ((شرح الطيبي)) (٣٨/١٠).
(٢) «مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٥٩٤).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٨٢).

٥٦٩
(٢٦) كتاب الرقاق
وَإِنَّ اللهَنَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلاَّ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ
الْكِتَابِ))، وَقَالَ: ((إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَاباً
لاَ يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِماً وَيَقْطَانَ،
للعبادة، سميت الحجة سلطاناً لتسلطها على القلوب، ولهذا سميت حجة، من حج:
إذا غلب، (فمقتهم) أي: أبغضهم لاتفاقهم وانهماكهم على الشرك والضلال، و(عربهم
وعجمهم) بدل من الضمير المنصوب في (مقتهم)، وذلك قبل مجيئه وَله .
وقوله: (إلا بقايا من أهل الكتاب) وهم الذين ثبتوا على الإيمان بموسى وعيسى
- عليهما السلام - ومتابعتهما، ولم يحرفوا كتابهم، ولم ينحرفوا عن جادتهم.
وقوله: (لأبتليك) خطاب من الله للنبي ◌ٍّ، أي: لأمتحنك هل تبلغ الرسالة
عني، وهل تصبر على إيذاء قومك إياك؟ وأمتحن الخلق بك هل يقبلون رسالتك
ويمتثلون أمرك؟
وقوله: (وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء) أي: لا ينمحي أبداً، بل محفوظ
في صدور العالمين، ﴿لَّا يَأْتِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ،﴾ [فصلت: ٤٢]، وكانت
الكتب المنزلة لا تجمع حفظاً، وإنما يعتمد في حفظها على الصحف بخلاف القرآن
[فإن حفاظه أضعاف مضاعفة لصحفه] فلا يتطرق إليه الذهاب على ممر الزمان، بل الله
تعالى حافظه وواقيه عن التحريف والتبديل، ولم يعتمد على حافظ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا
لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقال في التوراة: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِتَبِ اللَّهِ ﴾ [المائدة: ٤٤]
لا جرم تطرق إليه التحريف والتبديل، أو باقياً دائماً مستمرًّا لا ينسخ بالكلية .
وقوله: (تقرؤه نائماً ويقظان) أي: تجمعه حفظاً في حالتي النوم واليقظة، وقيل:
أي يقرأ في يسر وسهولة.

٥٧٠
(٨) باب الإنذار والتحذير
وَإِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُريْشاً فَقُلْتُ: رَبِّ إِذاً يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً،
قَالَ: اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا أَخْرَجُوكَ، وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ، وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقْ عَلَيْكَ،
وَابْعَثْ جَيْشاً نَبَّعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ)). رَوَاهُ
مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٦٥].
وقوله: (أن أحرق قريشاً) أي: أهلك كفارهم.
وقوله: (إذاً يثلغوا رأسي)، في (القاموس)(١): ثلغ رأسه كمنع: شدخه،
والشَّدْخُ: الكسر، وكمعظم: ما سقط من النخلة رطباً فانشدخ، أو أسقطه المطر ودقه،
وفي (مجمع البحار)(٢): الثلغ: الشدخ، وقيل: ضربك الشيء الرطب باليابس حتى
ینشدخ.
وقوله: (فيدعوه) بفتح الدال، أي: يتركوه بالشدخ مصفحاً كخبزة، أي: إني
لا أقدر على محاربتهم لقلة جيشي وكثرتهم.
وقوله: (اغزهم) من غزا يغزو (نغزك) مجزوم جواب الأمر على صيغة المضارع،
من أغزى، يقال: أغزيت فلاناً، أي: جهزته للغزو، (وأنفق) أمر من الإنفاق،
الظاهر من السياق أن المراد الإنفاق على الجيش، وتجهيز أسباب الغزو، ويحتمل
الإطلاق، (وابعث) أمر من البعث، و(نبعث) جوابه، و(خمسة مثله) إشارة إلى قوله
تعالى: ﴿يُمْدِذَّكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ ﴾ [آل عمران: ١٢٥]، كذا قال الطيبي(٣)،
ولكن لا يخفى أن الظاهر من العبارة أن المراد خمسة أمثال البعث المبعوث، فيلزم أن
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٠٢).
(٢) («مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٢٩٩).
(٣) ((شرح الطيبي)) (٣٩/١٠).

٥٧١
(٢٦) كتاب الرقاق
٥٣٧٢ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
ےے
اُلْأَقْرَينَ ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صَعِدَ(١) النَّبِيُّ ◌َّهِ الصَّفَا فَجَعَلَ يُنَادِي: ((يَا بَنِي
فِهْرٍ يَا بَنِي عَدِيٍّ) لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتَّى اجْتَمَعُوا، فَقَالَ: ((أَرَأَنْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ
أَنَّ خَيْلاً بِالْوَادِيِ تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟)) قَالُوا: نَعَمْ مَا جَرَّبْنَا
عَلَيْكَ إِلَّ صِدْقاً، قَالَ: ((فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ)). فَقَالَ أَبُو
لَهَبٍ : تَبَّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمَ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَاً؟
يكون البعث ألفاً، وليس كذلك، بل هو يوم بدر ثلاث مئة وتسعة عشر، والألف إنما
كانوا من المشركين، فتدبر.
٥٣٧٢ - [٢] (ابن عباس) قوله: (يا بني فهر) بكسر الفاء وسكون الهاء: قبيلة
من قريش، (أرأيتكم) في (القاموس) (٢): أرأيتك وأرأيتكما وأرأيتكم، وهي كلمة تقولها
العرب بمعنى أخبرني وأخبراني وأخبروني، والتاء مفتوحة، انتهى.
وقد يستوي فيه التذكير والتأنيث والإفراد والجمع.
وقوله: (بين يدي عذاب شديد) أي: من قبل نزول عذاب شديد، أي: إن لم
تؤمنوا بي ینزل عليكم عذاب قريب.
وقوله: (تبًّا لك) التب والتباب: النقص والخسارة، وتبت يداه: ضلتا وخسرتا،
وقال البيضاوي(٣): التب والتباب خسران يؤدي إلى الهلاك.
وقوله: (سائر اليوم) الأكثرون على أن السائر بمعنى البقية، وقد يستعمل بمعنى
(١) في نسخة: ((فصعد)).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٥٧).
(٣) ((تفسير البيضاوي)) (٥/ ٣٤٥).

٥٧٢
(٨) باب الإنذار والتحذير
فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ [المسد: ١]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٧٧٠،
م: ٢٠٨].
وَفِي رِوَايَةٍ نَدَى: ((يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ
رَأَى الْعَدُوَّ فَانْطَلَقَ يَرْبَأُ أَهْلَهُ فَخَشِيَ أَنْ يسبقوه
الجميع، وقرر الطيبي رده، وقال في (القاموس)(١): السائر: الباقي لا الجميع كما توهم
جماعات، أو قد یستعمل له، انتهى.
وسمعت من بعض العلماء من أهل الحرمين أنه إن كان يستعمل من السؤر
بمعنى بقية الطعام والشراب، فهو بمعنى البقية، وإن اشتق من سور البلد فهو بمعنى
الجميع؛ لتضمنه معنى الإحاطة والشمول، ففي الحديث إن حمل على معنى الجميع؛
فظاهر، وإن حمل على معنى البقية يراد بقية الأيام المستقبلة، فتدبر.
وقوله: (فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾) أي: نفسه، كقوله تعالى: ﴿وَلَا
تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَُّكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقيل: إنما خصتا لأنه أخذ حجراً ليرميه وَّه به
فنزلت، وقيل: المراد بهما دنياه وأخراه، كذا قال البيضاوي.
وقوله: (يربأ أهله) بالهمزة، في (القاموس)(٢): ربأهم ولهم كمنع: صار ربيئة
لهم، أي: طليعة، فالمعنى يصير عيناً لهم ورقيباً يحفظهم من العدو لئلا يأتيهم بغتة،
ولا يكون إلا على جبل أو شرف، وأصل معنى ربأ: علا وارتفع.
وقوله: (فخشي أن يسبقوه) أي: خشي الرجل أن يسبق أهله وقومه العدوّ،
أي: يدركوه أولاً قبل إعلامه بغتة، أو تسبقوا الرجل في إدراك العدو، أي: يدركوه
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٦٤).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٠).

٥٧٣
(٢٦) كتاب الرقاق
فَجَعَلَ يَهْتِفُ: يَا صَبَاحَاه)).
٥٣٧٣ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
اُلْأَقْرِنَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] دَعَا النَّبِيُّ ◌َِّ قُرَيْشاً فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ وَخَصَّ،
فَقَالَ: ((يَا بَنِي كَعْبٍ بْنِ لُؤَيٍّ أَنْقِذُوا أَنّفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي مُزَّةَ بْنِ كَعْبٍ
أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ من النَّارِ، يَا بَنِي
عَبْدِ مَنَافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ من النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ،
يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُم من النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ
النَّارِ؛ فَإِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً.
قبل إدراكه، والمآل واحد.
وقوله: (فجعل يهتف) أي: يصوت ويصيح الرجل من رأس الجبل، في
(القاموس)(١): هتفت الحمامة تهتف: صاتت، وهتف به هتافاً بالضم: صاح، وقوله:
(يا صباحاه) نداء للصباح ليحضر ويخاف الناس منه، وهي كلمة تقال للإنذار من أمر
مخوف؛ لأن الغارة تقع في الصبح.
٥٣٧٣ _ [٣] (أبو هريرة) قوله: (ابن لؤي) بضم اللام وفتح الهمزة وتشديد
الياء، (وبنو مرة) بضم الميم وتشديد الراء.
وقوله: (فإني لا أملك لكم من الله شيئاً) أي: من غير ذاته تعالى، قاله ترهيباً
وإنذاراً، وإلا فقد ثبت فضل بعض هؤلاء المذكورين ودخولهم الجنة وشفاعته وله
لأهل بيته وللعرب عموماً ولأمته عامة، وقبول شفاعته فيهم بالأحاديث الصحيحة،
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٧٥).

٥٧٤
(٨) باب الإنذار والتحذير
غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِماً سَأَبُّهَا بِبَلَاَلِهَا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٤].
وَفَي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَالَ: ((يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ
مِنَ اللهِ شَيْئاً، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً، يَا عَبَّاسُ بْنَ
عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةُ رَسُولِ اللهِ لاَ أُغْنِي
عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئاً، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِ مَا شِئْتٍ مِنْ مَالِي لاَ أُغْنِي
عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئاً)) .
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٣٧٤ - [٤] عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَه
٠
ويمكن أن يكون ورود تلك الأحاديث بعد هذه القضية، والله أعلم.
وقوله: (بيلالها) البلال ككتاب: الماء، وَيُثَلَّث، وكل ما يبل، والمراد أداء حق
الرحم بقدر ما يتيسر، وقد مرت هذه الكلمة في (باب البر والصلة).
وقوله: (ما شئت من مالي) قيل: لم يكن رسول الله ي چ ذا مال خصوصاً بمكة،
فالمراد ما يملكه من الأمور وينفذ تصرفه فيه، ويحتمل أن اللفظ (مما لي) فكتب
منفصلاً، انتهى.
أقول: المال يطلق على القليل والكثير، والجزم بأنه لم يكن له وَّر شيء من
المال أصلاً لا يخلو عن شيء، وقد ثبت تجارته في بعض الأحيان وإن كان قبل هذه
الحال، مع أن إمكان حصوله يكفي في هذا القول، أي: سليني ما شئت من مال إن
كان لي، وهذا ظاهر.
الفصل الثاني
٥٣٧٤ ۔[٤] (أبو موسى) قوله:

٥٧٥
(٢٦) كتاب الرقاق
(أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْخُومَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ
وَالزَّلاَزِلُ وَالْقَتْلُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٧٨].
٥٣٧٥، ٥٣٧٦ _ [٦، ٧] وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنْ
رَسُولِ اللهِ وَلِ قَالَ: ((إِنَّ هَذَا الأَمْرَ بَدَأَ نُبُوَّةً وَرَحْمَةً، .
(أمتي هذه أمة مرحومة) الحديث، قد وردت الأحاديث في تخصيص الأمة المحمدية
بفضائل ومناقب ليست للأمم السالفة، منها اختصاصهم بالرحمة الخاصة المنجية من
عذاب الآخرة، وتكفير المصائب والبلايا الواقعة عليهم في الدنيا ذنوبهم، حتى قيل:
إن عذاب القبر من خصائصهم حتى يمحص الله ذنوبهم في البرزخ، ويذهب بهم في
الآخرة طاهرين مطهرين لا غبار عليهم، وقد قيل: تخصيصهم ببشارة ﴿لَا نَقْنَطُواْ مِن
رَّحْمَةٍ اَللَّهَ إِنَّاللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاً﴾ [الزمر: ٥٣]، وقد ورد في شأن أمة نوح ﴿يَغْفِرْلَكُم
مِّنِ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٤] بـ ﴿مِّنِ﴾ التبعيضية، ونجاتهم ووصولهم بشفاعة سيد المرسلين
إلى أعلى الدرجات، وقد ادخر ◌ّر دعاءه لهم يوم القيامة الذي بشر بإجابته، وأما
ورود الأحاديث بتعذيب مرتكبي الكبيرة فلا ينافيه؛ إذ هو في مشيئة الله؛ لقوله تعالى:
﴿وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءٌ﴾ [النساء: ٤٨] عموماً وخصوصاً، وليس واقعاً حتماً في الناس
كلهم، وبالجملة هذه الأمة مخصوصة بمزيد عناية الله، ورحمته تقتضي نجاتهم،
ويرجى العفو عنهم والمغفرة لهم ما لا يرجى لغيرهم، والكل في مشيئة الله تعالى
لا يجب عليه شيء، لكن وقوع الوعد مرجو، وهذا هو المراد من هذا الحديث،
والأحاديث كثيرة في ذلك، والله أعلم.
٥٣٧٥، ٥٣٧٦ - [٥، ٦] (أبو عبيدة، ومعاذ بن جبل) قوله: (إن هذا الأمر)
أي: أمر الدين (بدأ) من البداية، وفي بعض النسخ: (بدا) من البدو بمعنى ظهر.

٥٧٦
(٨) باب الإنذار والتحذير
◌ُمَّ يَكُونُ خِلاَفَةً وَرَحْمَةً، ثُمَّ مُلْكاً عَضُوضاً، ثُمَّ كَائِنٌ جَبْرِيَّةٌ وَعُنُوَّا وَفَسَاداً
فِي الأَرْضِ، يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيرَ وَالْفُرُوجَ وَالْخُمُورَ، يُرْزَّقُونَ عَلَى ذَلِكَ
وَيُنْصَرُونَ.
وقوله: (ثم ملكاً عضوضاً) عضه وعض عليه كسمع ومنع عضًّا وعضيضاً:
أمسكه بأسنانه، والعضوض: ما يعض عليه ويؤكل، ومُلْكٌ فيه عَسْفٌ وظُلْمٌ، كذا في
(القاموس)(١)، وفي (الصراح)(٢): العض كزيدن، والعضوض بفتح العين: صيغة
مبالغة، أي: يصيب منه الرعية فيه عسف وظلم كأنهم يعضون فيه، وروي: (ملوك
عضوض)، وهو جمع عض بالكسر، وهو الخبيث الشرير، ومعنى الحديث: أنه كان
أول الدين زمان نزول الوحي والرحمة، ثم بعده إلى انقضاء الخلفاء الراشدين زمان
رحمة وشفقة وعدل، ثم يوهن الأمر، وظهر بعض الظلم.
(ثم كائن) أي: الأمر المذكور (جبرية) بالنصب تمييزاً، أي: قهراً وغلبة، أي:
يغلب الظلم والفساد، وصحح (الجبرية) في نسخ (المشكاة) بفتح الجيم والياء، وفي
(القاموس)(٣): الجبار: المتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقًّا، وفي (مجمع البحار)(٤)
من (شرح الشفا): هو بفتح الجيم وسكون الموحدة: الكبر.
وقوله: (يرزقون على ذلك) أي: لا يستأصلون على ذلك - وذلك لما سبق
لهذه الأمة من الله [من] مغفرة ورحمة، أو لحكمة أخرى لا يعرفها إلا الله - كالأمم
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٨٢).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٢٨٢).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٢٥).
(٤) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٣١٨).

٥٧٧
(٢٦) كتاب الرقاق
حَتَّى يَلْقَوُا الله)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٥٢٢٨].
٥٣٧٧ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ
أَوَّلَ مَا يُكْفَأُ - قَالَ زَيْدُ بْنُ يَحْتَى الرَّاوِي: يَعْنِي الإِسْلاَمَ - كَمَا يُكْفَأُ الْإِنَاءُ،
يَعْنِي الْخَمْرَ))، قِيلَ: فَكَيْفَ يَا رَسُولَ اللهِ وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ فِيهَا ما بين؟ قَالَ:
(يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا فَيَسْتَحِلُّونَهَا)). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢١٤٥].
السابقة لما عصوا أمر دينهم أهلكوا.
وقوله: (حتى يلقوا الله) فإما يأخذهم أو يغفرلهم.
٥٣٧٧ - [٧] (عائشة) قوله: (إن أول ما يكفأ - يعني الإسلام - كما يكفأ الإناء،
يعني الخمر) لعل خبر (إن) محذوف، وهو الخمر الذي بينه الراوي بقوله: (يعني الخمر)،
وكأنه سير كان تحدث في الخمر فقال في أثناء حديثه: (إن أول ما يكفأ ... إلخ)،
و(يكفأ) ببناء المجهول، يقال: كفأت الإناء، أي: أملته وكببته لإفراغ ما فيه، والمراد
هنا الشرب، وقول الراوي: (يعني الإسلام) صوابه: (في الإسلام)، لعل كلمة (في)
سقطت من لفظ الراوي، كذا قالوا.
وأقول - وبالله التوفيق -: الأظهر أن لا يقدر (في)، ويترك قوله: (يعني الإسلام)
على ظاهره، ويكون بياناً للضمير في (يكفأ) راجعاً إلى (الإسلام)، وهو أنسب بقوله:
(كما يكفأ الإناء)، كأن الإسلام مثل إناء فيه الأحكام فيكفأ، أي: يقلب ويكب،
فتخرج منه الأحكام وتنصب کما يخرج الماء وينصب من إکفاء الإناء و کبه، وتكون
(ما) مصدرية، ويكون التقدير: أول إكفاء الإسلام وسقوط أحكامه شرب الخمر،
فتأمل.
يعني أول ما يشرب في المحرمات ويجترأ على شربه كما يشرب الماء هو

٥٧٨
(٨) باب الإنذار والتحذير
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٣٧٨ - [٨] عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ:
(تَكُونُ النُُّوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللهُ تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ
خِلاَفَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُُّؤَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللهُ تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ
مُلْكاً عَاضًا، فَيَكُوَّنُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللهُ تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ
مُلْكاً جَبْرِيَّةً فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللهُ تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةٌ
عَلَى مِنْهَاجِ نُبُّوَّةٍ»، ثُمَّسَكَتَ،
الخمر، والأظهر أن المعنى: أول ما يمال ويغير في الإسلام من الأشياء المحرمة ويقلب
حكمه تغييراً سريعاً شبيهاً بقلب الإناء بما فيه هو الخمر، يعني أول ما يكفأ في
الإسلام إكفاء مثل إكفاء ما في الإناء الخمر، يكفأ ويقلب ويمال، قيل: وكيف يشرب
أو كيف يغير حكمها يا رسول الله! وقد بين الله تحريمه؟ قال: (يسمونها بغير اسمها)
كالنبيذ والمثلث، أي: هو خمر حقيقة، ولكن يسمونها باسم آخر، وهذا التأويل على
مذهب من لا يخص اسم الخمر بماء العنب كالشافعية، أو المعنى: يتخذونها من الذرة
والعسل وغيرهما، ويعتقدون حل هذه الأشربة، ويقولون: إنها ليست بخمر؛ لأن
الخمر يتخذ من العنب، وهذا على مذهب من يخص اسم الخمر بماء العنب
كالحنفية .
الفصل الثالث
٥٣٧٨ _ [٨] (النعمان بن بشير) قوله: (ثم يكون خلافة): (كان) تامة أو ناقصة،
وكذلك قوله: (ثم تكون خلافة على منهاج نبوة) الظاهر أن المراد به زمن عيسى
والمهدي .

٥٧٩
(٢٦) كتاب الرقاق
قَالَ حَبِيبٌ: فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبْتُ إِلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ أُذَكِّرُهُ
إِيَّاهُ وَقُلْتُ: أَرْجُو أَنْ تَكُونَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ الْمُلْكِ الْعَاضِّ وَالْجَبْرِيَّةِ،
فَسُرَّبِهِ وَأَعْجَبَهُ، يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (َلاَئِّل
النُّبُوَّة)). [حم: ٤ / ٢٧٣، دلائل: ٦ / ٤٩١].
وقوله: (أن تكون أمير المؤمنين) الظاهر أن يقال: أن تكون خليفة، وقد سماه
بعض العلماء خليفة خامسة .