النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ (٢٦) كتاب الرقاق مَا أَمْسَى عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ صَاعُ بُرٍّ وَلاَ صَاعُ حَبٍّ، وَإِنَّ عِنْدَهُ لَتِسْعُ نِسْوَةٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٠٦٩]. ٥٢٤٠ _ [١٠] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ، . أنس، وفي بعض الحواشي: الحق أن الضمير راجع إلى النبي ◌َّ، والفاعل هو أنس، كما صرح به الشيخ ابن حجر، ويدل عليه رواية أحمد حيث قال: ولقد سمعت رسول الله ◌َ﴾، ويؤيده قوله: (ما أمسى عند آل محمد) إذ لو كان ذلك من كلام الراوي لناسب أن يقول: عند آل النبي ێ، انتهى. أقول: الظاهر أن قوله: (وإن عنده لتسع نسوة) داخل تحت (يقول)، وإنه يناسب أن يكون مقول أنس، ومن هنا ذهب الطيبي إلى ما ذهب، نعم لو جعل هذا منفصلاً عن الكلام السابق مقولاً لأنس لصحّ ما قال في الحاشية، ولعله ليس في رواية أحمد هذا القول، والله أعلم. وقوله: (ما أمسى) أي: لم يدخر في الليل للغد. وقوله: (عند آل محمد) قيل: لفظ (آل) مقحم، أو كان ذلك في أوائل الحال، وإلا فقد ثبت أنه ﴿ ادخر نفقة سنة لعياله، هذا وما قيل: إن المراد أنه ما ادخر البر والحب بل ادخر أجناسً أخر فضعيف، وإلا لقد وسعه أن يقول: ما أمسى صاع بر، وقيل: ما ادخر الصاع بل أكثر من ذلك، وهو ليس بشيء، ويمكن أن يقال: إن ذلك بحسب الغالب من الأوقات، والله أعلم. وقوله: (وإن عنده لتسع نسوة)، وفي رواية: إن عنده يومئذ لتسع نسوة. ٥٢٤٠ - [١٠] (عمر) قوله: (على رمال حصير) صحح (رمال) في النسخ بضم ٤٦٢ (١) باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َل} لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ، قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ، مُتَّكِئاً عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمِ. الراء وكسرها، وفي الحواشي: الرمال بكسر الراء وضمها جمع رميل بمعنى مرمول، أي: منسوج، وفي (القاموس)(١): رمال الحصير كغراب: مرموله، وفي (مجمع البحار)(٢): الرمال ما رمل، أي: نسج من رمل الحصير، وأرمله ورمّله مشدداً للتكثير، وهو كالخطام لما خطم، وقيل: هو جمع رمل بمعنى مرمول کالخلق بمعنى المخلوق، والمراد أنه كان السرير قد نسج وجهه بالسعف، ولم يكن على السرير وطاء سوى الحصير، هكذا قال الطيبي(٣)، ولا يذهب عليك أنه يفهم من نسج وجه السرير بالسعف أن نفس السرير كان منسوجاً بالسعف كما ينسج في ديارنا بالحبال، ولا يناسبه قوله: (ولم يكن على السرير وطاء سوى الحصير)؛ فإنه يفهم من أنه كان الحصير مطروحاً على السرير كما يطرح اللحاف، فأولى أن يكون (أو) مكان الواو، ليكون بياناً لاحتمالين. وفيه (رمال حصير) من إضافة الجنس إلى النوع، كذا في بعض الحواشي، وتكون حينئذ الإضافة بيانية كما في إضافة العام إلى الخاص، مثل شجرة الأراك، أي: منسوج هو الحصير، فيفهم منه أنه كان مضطجعاً على الحصير بدون فراش آخر على الحصير موضوعاً على السرير أولاً، فافهم. وقوله: (من أدم) محركاً اسم للجمع، واحده أدمة: الجلد أو أحمره أو مدبوغة، والأدیم کذلك. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٠٧). (٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢ / ٣٨٣). (٣) ((شرح الطيبي)) (٩/ ٣٣٣). ٤٦٣ (٢٦) كتاب الرقاق حَشْوُهَا لِيفٌ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! ادْعُ اللهَ، فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ، فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ لاَ يَعْبُدُونَ اللهَ، فَقَالَ: ((أَوَفِي هَذَا أَنْتَ يَا بْنَ الْخَطَّابِ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)). وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ؟». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٦٨، م: ١٤٧٩]. وقوله: (حشوها ليف) في (القاموس) (١): الحشو: ملء الوسادة وغيرها بشيء، وما يجعل فيها حشو أيضاً، والحشية كغنية: الفراش المحشو، أي: كانت الوسادة محشوة بالليف بكسر اللام وسكون الياء: قشر النخلة، وفي (الصراح)(٢): ليف بالكسر: پوست درخت خرما ليفته يكي، فهو مكان القطن المحشو في الوسائد. وقوله: (ادع الله) أي: ادع الله أن يوسع، ثم طلب عمر التوسعة من عند نفسه بقوله: (فليوسع) على صيغة أمر الغائب استعجالاً للإجابة، وقال الطيبي(٣): الظاهر نصبه ليكون جواباً للأمر، فافهم. ثم لما أجل عمرُ له شأنَه ◌َ﴿ أن يطلب توسعة الدنيا لنفسه الشريفة وفيها من القوة ما يتحمل، وله الأجر العظيم عند الله ما ليس لغيره، وشأنه أعلى وأعز من الكل، وخاف صعوبة الفقر وشدته على الأمة الضعيفة أن لا يتحملوه، خصَّ طلبَ الدعاء بالأمة، ومع هذا شدد ◌َّ الإنكار عليه وخاطبه من غير ذكر اسمه، بل نسبه إلى أبيه الذي كان من الجاهلين الغافلين عن نعيم الآخرة وثوابها، وقال: أتطلب هذا وفي هذا المقام أنت يا بن الخطاب؟ (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٤٧). (٢) ((الصراح)) (ص: ٣٦٣). (٣) ((شرح الطيبي)) (٩/ ٣٣٣). ٤٦٤ (١) باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َ﴾ ٥٢٤١ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابٍ الصُّفَّةِ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، إِمَّ إِزَارٌ وَإِمَّ كِسَاءٌ، قَدْ رُبِطُوا فِي أَعْنَاتِهِمْ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ كَرَاهِيَةً أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٢]. ٥٢٤٢ - [١٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ» .. ..... ٥٢٤١ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (ما منهم رجل عليه رداء) أي: مع الإزار، بل (إما إزار) فقط، وهو الملحفة، وتؤنث، كالمئزر، كذا في (القاموس)(١)، وفي (الصراح)(٢): ازار مئزر: شلوار ما نند آن مثل لحاف وملحف يذكر ويؤنث. وقوله: (وإما كساء) قال في (القاموس)(٣): هو بالكسر معروف، وفي (الصراح)(٤): كساء بالكسر والمد: كليم، وضمير الجمع في (ربطوا في أعناقهم) باعتبار المعنى، والمفرد في (بيده) باعتبار اللفظ . وقوله: (فمنها) أي: من الأكسية والأزر. ٥٢٤٢ - [١٢] (وعنه) قوله: (إذا نظر أحدكم) أي: إذا وقع نظره (إلى من فضل عليه في المال والخلق) أي: الخلقة، أي: الصورة وجمالها، وتطرق منه الازدراء واحتقار نعم الله سبحانه، (فلينظر إلى من هو أسفل منه) ليدفع ذلك الخاطر، وأما (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٥٩). (٢) ((الصراح)) (ص: ١٥٩). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٩٥). (٤) ((الصراح)) (ص: ٥٨٥). ٤٦٥ (٢٦) كتاب الرقاق مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٩٠، ٢٩٦٣]. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: ((انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلاَ تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لاَ تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ). * الْفَصْل الثَّانِي : ٥٢٤٣ - [١٣] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِخَمْسٍ مِئَةٍ عَامٍ؛ نِصْفِ يَوْمٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٥٤]. ٥٢٤ - [١٤] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّنَّهِ قَالَ : . الرواية الثانية - وهي قوله: (انظروا) - ابتداء كلام، وليس داخلةً تحت الشرط، والمراد انظروا إلى من هو أسفل منكم في الأمور الدنيوية، وأما في الدينية فينبغي أن تنظروا إلى من هو أعلى منكم. وقوله: (أن لا تزدروا) أي: لئلا تزدروا، من الازدراء، وهو الاحتقار، وأصل تزدروا تزتريوا قلبت التاء دالاً للقاعدة المقررة في باب الافتعال إذا كان فاؤه ياء، ثم نقلت ضمة الياء إلى الراء، ثم حذفت لالتقاء الساكنين. الفصل الثاني ٥٢٤٣ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمس مئة عام) قد سبق في حديث عبدالله بن عمرو تقدم الفقراء على الأغنياء بأربعين عاماً، وسبق وجه التوفیق بین الحدیثین. ٥٢٤٤، ٥٢٤٥ - [١٤، ١٥] (أنس) قوله: ٤٦٦ (١) باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َا} (اللهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِيناً، وَأَمِتْنِي مِسْكِيناً، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ)» فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((إِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفاً، يَا عَائِشَةُ لاَ تَرُّدِّي الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، يَا عَائِشَةُ أَحِبِّي الْمَسَاكِينَ وَقَرَّبِهِمْ؛ فَإِنَّ اللهَ يُقَرَّبُّكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ ٩ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [ت: ٢٣٥٢، شعب: ١٣٨٠]. ٥٢٤٥ _ [١٥] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ إِلَى قَوْلِهِ: ((زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ)). [جه: ٤١٢٦]. ٥٢٤٦ - [١٦] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءَ عَنِ النَّبِيِّبَِّ قَالَ: ((ابْغَونِي فِي و ضُعَفَائِكُمْ؛ (إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم) قد يتوهم منه أن الفقراء الذين ليسوا بأنبياء يتقدمون على الأغنياء من الأنبياء أيضاً، ولعل غرضه ◌َّ مجرد إظهار فضل الفقراء وشرفهم، وطلب تقدمه على الأنبياء وخوف تأخره لو كان غنيًّا عن الأنبياء الذين هم فقراء، لا خوف تأخره عن الفقراء الذين ليسوا بأنبياء، فافهم. وقوله: (لا تردي المسكين) إنما أفرده لأن المراد المسكين الوارد عليها للسؤال، وجمع في قوله: (أحبي المساكين) لأن محبة المساكين قاطبة مأمور بها السائلين منهم وغير السائلين. ٥٢٤٦ - [١٦] (أبو الدرداء) قوله: (ابغوني في ضعفائكم) من بغى يبغي كضرب يضرب، بغيته أبغيه بُغاء وبُغَى وبُغية بضمهن، وبغية بالكسر: طلبته، كابتغیته واستبغيته، كذا في (القاموس)(١)، فالمعنى: اطلبوني في ضعفائكم، أي: فقرائكم، أي: في حفظ (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٣٧). ٤٦٧ (٢٦) كتاب الرقاق فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ - أَوْ تُنْصَرُونَ - بِضُعَفَائِكُمْ)). رَوَاهُ أَبَّو دَاوُدَ. [د: ٢٥٩٤]. حقوقهم وجبر قلوبهم تجدوني عندهم؛ فإني معهم بالقلب كما في الحديث القدسي : (أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي)، أو اطلبوا رضائي في رضاء ضعفائكم، وقد ذكر الشارحون أن (ابغوني) بهمزة وصلٍ كـ (ارم) وقطع كـ (أعل)، أما الوصل فقد عرفت معناه، وأما القطع فلا يخلو عن خفاء، فإن الإبغاء الحمل على الطلب والإعانة على الطلب، قال في (الصراح)(١): ابغاء بر طلب داشتن وياري كردن در طلب، وبمعنى الطلب له، في (القاموس)(٢): أبغاه الشيء: طلبه له أو أعانه على طلبه، انتهى. وقال الكرماني: أبغيتك الشيء: أعنتك على طلبه، وقد تفسر بمعنى الإعطاء في حديث أبغني خبيباً، أي: أعطني، كذا في (مجمع البحار)(٣)، وقد ضبطوا بهمزة الوصل والقطع في حديث (أبغني أحجاراً)، فالوصل بمعنى اطلب لي بحذف الصلة، والقطع بمعنى أعن على الطلب، وروي أبغ لي، وأما فيما نحن فيه فلا يخلو عن شيء، إذ بهذا المعنى يجيء متعدياً إلى مفعولين كما ذكرنا، وأيضاً لا يظهر معنى احملوني على الطلب، أو أعينوني على الطلب، أو أعطوني في ضعفائكم أن يكون المفعول الثاني محذوفاً، أي: ابغوني الحق في ضعفائكم، أي: احملوني على طلب الحق، أو أعينوني عليه، أو أعطونيه، ولا يخلو عن شيء، فتدبر، والله أعلم. وقوله: (فإنما ترزقون أو تنصرون) كلمة (أو) للشك أو للتنويع، أو (أو) بمعنى الواو، وهذا أنسب بحديث مصعب بن سعد، كذا في بعض الحواشي. (١) ((الصراح)) (ص: ٥٤٤). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٣٧). (٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٩ / ٢٠٧). ٤٦٨ (١) باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َ} ٥٢٤٧ - [١٧] وَعَنْ أُمَّهَ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللهِبْنِ أَسِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ: أَنَّهُ كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِصَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ. رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السّنة)). [شرح السنة: ٤٠٦٢]. ٥٢٤٨ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لاَ تَغْبِطَنَّ فَاجِراً بِنِعْمَةٍ، فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا هُوَ لَاقِ بَعْدَ مَوْتِهِ، إِنَّ لَهُ عِنْدَ اللهِ قَاتِلاً لاَ يَمُوتُ)). يَعْنِي النَّارَ. رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السّنة)). [شرح السنة: ١٤ / ٢٩٥]. ٥٢٤٩ _ [١٩] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَسَنَتُهُ، وَإِذَا فَارَقَ الدُّنْيَا فَارَقَ السِّجْنَ وَالسَّنَةَ». ٥٢٤٧ - [١٧] (أمية بن خالد) قوله: (ابن أسيد) بفتح الهمزة وكسر السين. وقوله: (كان يستفتح بصعاليك المهاجرين) الصعلوك كعصفور: الفقير، وتصعلك: افتقر، وتصعلكت الإبل: طرحت أوبارها، صعلكه: أفقره، كذا في (القاموس)(١)، (الاستفتاح): الاستنصار والافتتاح، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَانُواْمِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]، أي: يستنصرون على المشركين، ويقولون: اللهم انصرنا بنبي آخر الزمان المنعوت في التوراة، فكذلك كان رسول الله وَّف يقول: اللهم انصرنا بفقراء المهاجرين، ويمكن أن يكون بمعنى الافتتاح، أي: كان يفتتح بهم في الإحسان، كذا في الحواشي، والوجه هو الأول. ٥٢٤٨ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (فإن له قاتلاً) أي: معذباً شديداً (لا يموت) أي: لا يفنى. ٥٢٤٩ - [١٩] (عبدالله بن عمرو) قوله: (الدنيا سجن المؤمن وسنته) أي : (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٥١). ٤٦٩ (٢٦) كتاب الرقاق رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)). [شرح السنة: ٤١٠٦]. ٥٢٥٠ _ [٢٠] وَعَن قَتَادَة بْنِ النُّعْمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ: ((إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْداً حَمَاهُ الدُّنْيَا كَمَا يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَحْمِي سَقِيمَهُ الْمَاءَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [الزهد لأحمد: ٥٨، ت: ٢٠٣٧]. ٥٢٥١ _ [٢١] وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: اثْنَتَانِ يَكْرَهُهُمَا ابْنُ آدَمَ: يَكْرَهُ الْمَوْتَ. قحطه، أي: هو في شدة ومحنة في الدنيا بالنسبة إلى ما أعدّ له في الآخرة، أو يمنع نفسه من شهوات الدنيا وملاذها، ويفهم بالقياس إليه معنى ما ورد في حديث آخر: (وجنة الكافر). ٥٢٥٠ _ [٢٠] (أبو الدرداء) قوله: (حماه الدنيا) في (القاموس)(١): حمى المريض ما يضره: منعه إياه، فاحتمى وتحمى: امتنع، و(يظل) بفتح الياء والظاء مضارع (ظل) من الأفعال الناقصة بمعنى صار، وهي زائدة هنا. وقوله: (يحمي سقيمه الماء) أي: لزاد به(٢)، كالمستسقي يعني السقيم الذي يضره الماء، وفيه إشارة إلى حرص أهل الدنيا وشرههم كالمستسقي لا يصبر عن الماء ولا يرتوي. ٥٢٥١ - [٢١] (محمود) قوله: (عن محمود بن لبيد) اختلف في صحبته، وأثبت له الصحبة البخاري، وهو الصحيح. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٤٩). (٢) كذا في الأصل، والظاهر: (لئلا يزيد)). ٤٧٠ (١) باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي } وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَيَكْرَهُ قِلَّةَ الْمَالِ وَقِلَّةُ الْمَالِ أَقَلُّ لِلْحِسَابِ. رَوَاهُ أَحْمدُ. [حم: ٥/ ٤٢٧]. ٥٢٥٢ - [٢٢] وَعَنْ عَبْدِ اللهِبْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َه فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ، قَالَ: ((انْظُرْ مَا تَقُولُ))، فَقَالَ: وَاللهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، قَالَ: ((إِنْ كُنْتَ صَادِقاً فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافاً، لَلْفَقْرُ أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِيِِّي مِنَ السَّيْلِ إِلَى مُنْتُهَاهُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ (١). [ت: ٢٣٥٠]. ٥٢٥٣ _ [٢٣] وَعَنْ أَنَسِ أَنَّهُ (٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((لَقَدْ أُخِفْتُ. وقوله: (من الفتنة) هي الوقوع في الشرك والمعاصي والابتلاء، كالإكراه من الجورة ونحو ذلك. ٥٢٥٢ - [٢٢] (عبدالله بن مغفل) قوله: (فأعدّ للفقر تجفافاً) بالكسر: آلة للحرب يلبسه الفرس والإنسان ليقيه في الحرب، وجفف الفرس: ألبسه إياه، كذا في (القاموس)(٣)، ويقال بالفارسية: بركستوان، كنى به عن الصبر، و(السيل): الماء الكثير السائل، كذا في (القاموس) (٤)، (إلى منتهاه) أي: لا بد من وصول الفقر إليه. ٥٢٥٣ _ [٢٣] (أنس) قوله: (لقد أخفت) ماضي مجهول من أخاف. (١) في نسخة: ((حسن غريب)). (٢) سقط في نسخة. (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧١٧). (٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩١٦). ٤٧١ (٢٦) كتاب الرقاق فِي اللهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِ اللهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلاَثُونَ مِنْ بَيْنِ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ وَمَا لِي وَلِلاَلٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُوكَبِدٍ إِلَّ شَيْءٌ يُوَارِبِهِ إِبْطَ بِلاَلٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّنَ﴿ هَارِباً مِنْ مَكَّةَ وَمَعَهُ بِلاَلٌ، إِنَّمَا كَانَ مَعَ بِلاَلٍ مِنَ الطَّعَامِ مَا يَحْمِلُ تحتَ إِبْطِهِ. [ت: ٢٤٧٢]. وقوله: (في الله) أي: لأجل إظهار دين الله، (وما يخاف أحد) على صيغة المجهول أيضاً، وهي جملة حالية، أي: خوفت في دين الله وحدي، وما معي أحد يشاركني، وكنت وحيداً في ابتداء إظهار الدين، وكذا معنى قوله: (ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد) أي: لم يوافقني أحد في تحمل الأذى، كذا قال الطيبي(١)، ويجوز أن یکون معناه: ما یخاف أحد مثل ما أخفت، وما يؤذی مثل ما أوذیت، كما يدل عليه حديث: (ما أوذي نبي مثل ما أوذيت)، وذلك لعلو درجته وكمال صدقه وغاية حرصه على الهداية، وإيذاء كل أحد إنما يكون على حسب قدره وحاله، فافهم. وقوله: (ثلاثون من بين ليلة ويوم) قيل: هي تأكيد للشمول، أي: ثلاثون يوماً وليلة متواترات لا ينقص منها شيء، يعني لو قال: ثلاثون يوماً وليلة لم يكن نصًّا في التواتر، وزيادة قوله: (من بين) يقيد الشمول والتواتر، كذا قالوا، فتدبر. وقوله: (يأكله ذو كبد) أي: حيوان، أعم من الإنسان، و(الإبط) بكسرتين وكسر وسكون، [((إلا شيء))] أي: شيء قليل. وقوله: (ومعنى هذا الحدیث) أي: محمله حال النبي ټّۇ حين خرج ومعه بلال، (١) ((شرح الطيبي)) (٩/ ٣٣٩). ٤٧٢ (١) باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َل ٥٢٥٤ - [٢٤] وَعَنْ أَبِى طَلْحَةَ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ(١) أَه الْجُوعَ، فَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونِنَا عَنْ حَجَرِ حَجَرٍ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ِ عَنْ بَطْنِهِ عَنْ حَجَرَيْنِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٣٧١]. وأفاد بقوله: (ومعه بلال) أن الخروج غير الهجرة إلى المدينة؛ لأنه لم يكن معه بلال فيها، فلعل المراد خروجه وَي هارباً من مكة في ابتداء أمره إلى الطائف إلى عبد كلال - بضم الکاف مخففاً ۔ رئیس أهل الطائف؛ ليحميه من کفار مكة حتی یؤدي رسالة ربه، فسلط على النبي ټ﴾ صبيانه فرموه بالحجارة حتى أدموا کعبیە پێ، وكان معه زید بن حارثة فعطش عطشاً شديداً، فأرسل إليه سحابة ماطرة، فنزل جبرئيل عليه بملك الجبال ليأذن له في هلاكهم، فقال ◌َّ: ((لا، فإني أرجو أن يخرج من أصلابهم من يذكر الله بالتوحيد))، وفيه قصة، والمذكور فيها وجود زيد بن حارثة معه ◌َ ﴾ لا بلال، والله أعلم. ٥٢٥٤ - [٢٤] (أبو طلحة) قوله: (فرفعنا عن بطوننا عن حجر حجر) قال بعض الشارحين: (عن حجر حجر) متعلق بـ (رفعنا عن بطوننا)؛ فإن قيل: تعلق حرفي جرِّ بمعنى واحد بعامل واحد لا يجوز، قلنا: ذلك إذا كانا في مرتبة واحدة، أما تعلق الثاني بعد تعلق الأول وتقييده به فجائز، وقيل: إنه بدل اشتمال بإعادة الجار، والضمير محذوف، تقديره: حجر مشدود علينا؛ بأن يحمل التنكير على النوع، ويجوز أن يكون صفة مصدر محذوف، أي: كشفنا عن بطوننا كشفاً ناشئاً عن حجر حجر، أي: متعدد لكل واحد حجر، وشد الحجر على البطن يفيد تقوية الصلب، ويمنع عن النفخ، ويعين على القيام والمشي. (١) في نسخة: ((النبي)). ٤٧٣ (٢٦) كتاب الرقاق ٥٢٥٥ _ [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ أَصَابَهُمْ جُوعٌ، فَأَعْطَاهُمْ رَسُولُ اللهِ تَمْرَةً تَمْرَةً. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٧٤]. ٥٢٥٦ - [٢٦] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيِهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ لِ قَالَ: ((خَصْلَتَانِ مَنْ كَانَتَا فِيهِ كَتَبَهُ اللهُ شاكراً صَابِراً، مَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فَاقْتَدَى بِهِ، وَنَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فَحَمِدَ اللهَ عَلَى مَا فَضَّلَهُ اللهُ عَلَيْهِ، كَتَبَهُ اللهُ شَاكِراً صَابِراً، وَمَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ، وَنَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ، فَأَسِفَ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْهُ، لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ شَاكِراً وَلاَ صَابِراً). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥١٢]. وَذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ: ((أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ(١)) فِي بَابٍ بَعْدَ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ. ٥٢٥٥ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (أصابهم) أي: الصحابة أو أهل الصفة في سفر أو حضر، والله أعلم. وقوله: (فأعطاهم تمرةً تمرةً) لضيق كان حينئذ، ويحتمل أنهم كانوا قد شبعوا بذلك معجزة له قتله . ٥٢٥٦ - [٢٦] (عمرو بن شعيب) قوله: (فاقتدى به) فصبر على طاعة الله. وقوله: (فأسف) أي: حزن، في (القاموس)(٢): الأسف: أشد الحزن، انتهى. وأسف عليه يجيء بمعنى غضب، ولا يناسب هنا؛ لأن الغضب لا يكون على ما فات (١) زاد بعده في نسخة: ((بالنور التام)). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧١٢). ٤٧٤ (١) باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي قلم : الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥٢٥٧ _ [٢٧] عَن أبي عبد الرَّحْمَن الحُبُلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَاللهِ بْنَ عَمْرو وَسَأَلَهُ رَجُلٌ قَالَ: أَلَسْنَا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ: أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌّ تَسْكُنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الأَغْنِيَاءِ، قَالَ: فَإِنَّ لِي خَادِماً، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : بل على من فوته عليه، إلا أن يكون التقدير غضب على من فوته عليه بناء على ما فات، وما موصولة أو مصدرية . الفصل الثالث ٥٢٥٧ - [٢٧] (أبو عبد الرحمن) قوله: (عن أبي عبد الرحمن الحبلي) بضم الحاء المهملة والموحدة، تابعي يعدّ في المصريين، واسمه عبدالله بن زيد المصري المعافري . وقوله: (سمعت عبدالله بن عمرو، وسأله رجل) المسموع قوله (قال: فأنت من الأغنياء) لكنه جاء بلفظ الماضي دون المضارع كما هو المتعارف، ومعنى الماضي صحيح بلا شبهة، (وسأله رجل) حال بتقدير (قد)، وقال الطيبي(١): لا بد من محذوف، أي: سمعته يقول قولاً يفسره ما بعده، فتدبر. وقوله: (قال عبد الرحمن) سقط لفظ (أبو) من قلم الناسخ، وشاعت النسخ كذلك، والصواب أبو عبد الرحمن. (١) ((شرح الطيبي)) (٩/ ٣٤١). ٤٧٥ (٢٦) كتاب الرقاق وَجَاءَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالُوا: يَا أَبَّا مُحَمَّدٍ إِنَّا وَاللهِ(١) مَا نَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، لَاَ نَفَقَةٍ وَلاَ دَابَّةٍ وَلاَ مَتَاعٍ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا شِئْتُمْ؟ إِنْ شِئْتُمْ رَجَعْتُمْ إِلَيْنَا فَأَعْطَيْنَكُمْ مَا يَشَّرَ اللهُ لَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ ذَكَرْنَا أَمْرَكُمْ لِلِسُّلْطَانِ، وَإِنْ شِئْتُمْ صَبَرْتُمْ، فَإِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الأَغْنِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفاً»، قَالُوا: فَإِنَّا نَصْبِرُ لاَ نَسْأَلُ شَيْئاً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٧٩]. ٥٢٥٨ - [٢٨] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا قَاعِدٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحَلْقَةٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ. وقوله: (وجاء ثلاثة نفر) أي: من المهاجرين، كلام مستأنف، وجعله حالاً عطفاً على (سأل) تكلف؛ إذ الظاهر على هذا التقدير إليه إلا أن يكون وضع المظهر موضع المضمر لبعد المرجع، وينافيه أيضاً الفاء في قوله: (فقال) على ما قلنا، نعم على ما قدر الطيبي صحیح، فتدبر . وقوله: (فقال لهم: ما شئتم؟) استفهام. وقوله: (إن شئتم) مفعوله محذوف، أي: إن شئتم نعطيكم شيئاً، ولكن رجعتم إلينا بعد هذا؛ فإن الساعة ما حضرنا شيء، والسلطان هو معاوية، فإن عبدالله بن عمرو كان فيهم لرضا والده؛ لوصية رسول الله وَ ﴿ إياه برضاه مجملاً، ولم يكن في باطنه راضياً عنهم، كما ذكر في كتب السير(٢) . ٥٢٥٨ - [٢٨] (عبدالله بن عمرو) قوله: (وحلقة من فقراء المهاجرين) في (١) في نسخة: ((يا با محمد والله)). (٢) انظر: ((أسد الغابة)) (٣/ ٥٠). ٤٧٦ (١) باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َلخر قُعُودٌ إِذْ دَخَلَ النَّبِيُّ نَّهِ فَقَعَدَ إِلَيْهِمْ، فَقُمْتُ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: (لِيُبَشَّرْ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ بِمَا يَسُرُّ وُجُوهَهُمْ، فَإِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِأَرْبَعِينَ عَاماً»، قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَلْوَانَهُمْ أَسْفَرَتْ. قَالَ عَبْدُاللهِ. ابْنُ عَمْرٍو: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ أَوَ مِنْهُم. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢٨٨٦]. (القاموس)(١): حلقة الباب والقوم بفتح الحاء وسكون اللام، وقد تفتح لامهما وتكسر إذ ليس في كلامهم حلقة محركة إلا جمع حالق، أو لغة ضعيفة، والجمع حلق محركة، وكبِدَرٍ، وحلقات محركة، وتكسر الحاء، انتهى. والحاصل أن الأصل الكثير الاستعمال حلقة بفتح الحاء وسكون اللام، والقياس أن يجيء جمعه حلق بسكون اللام، وقد جاء بفتح الحاء واللام على غير القياس كبدر جمع بدرة، وجاء جمعه حلق بكسر الحاء وفتح اللام أيضاً، ويفهم من (الصحاح)(٢): أن بِدَراً جمع بَدْرَة مثال لهما، وقد يجيء حلقة بفتح الحاء واللام، فحينئذ يكون جمعه حَلَق على القياس لكنها لغة ضعيفة، وقيل: حلقة بفتحها ليس إلا جمع حالق، وقد يجيء حلقة بفتح الحاء وكسر اللام ویکون جمعه کذلك، فتدبر . وقوله: (ليبشر) بلفظ المضارع المجهول من التفعيل. وقوله: (بما يسر وجوههم) المراد بالوجوه الذوات، أو هو محمول على الظاهر، وتعليق السرور بالوجوه؛ لأن أمر السرور يحصل ظاهراً في الوجه. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٨٨). (٢) ((الصحاح)) (٤ / ١٤٦٢). ٤٧٧ (٢٦) كتاب الرقاق ٥٢٥٩ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: أَمَرَنِي خَلِيلِي بِسَبْعٍ: أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُقُّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَّنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي وَلاَ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوَقِي، وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أَنْ لاَ أَسْأَلَ أَحَداً شَيْئاً، وَأَمَرَّنِي أَنْ أَقُولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أنْ لاَ أخافَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لاَ ئِمٍ، وَأَمَرَّنِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلٍ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ؛ فَإِنَّهُنَّ مِنْ كُنْزِ تَحْتَ الْعَرْشِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١٥٩/٥]. ٥٢٦٠ _ [٣٠] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ يُعْجِبُهُ مِنَ الدُّنْيَا ثَلاَثَةٌ: الطَّعَامُ وَالنِّسَاءُ وَالطِّيبُ، فَأَصَابَ اثْنَيَّنِ وَلَمْ يُصِبْ وَاحِداً، أَصَابَ النِّسَاءَ وَالطِّيبَ وَلَمْ يُصِبِ الطَّعَامَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦، ٧٢]. ٥٢٥٩ - [٢٩] (أبو ذر) قوله: (وإن أدبرت) أي: قطعت، في (القاموس)(١): تدابروا: تقاطعوا، أو من الإدبار مقابل الإقبال، ويلزمه القطع، وعلى كل تقدير المراد أهلها، والإسناد إليها مجاز. وقوله: (فإنهن) أي: هذه الكلمات، وهي: (لا حول ولا قوة إلا بالله) كما سبقت في باب الأذكار، وقد سبق هناك شرحه أيضاً، ويحتمل هذه العبارة أن يرجع الضمير إلى الخصال السبع المذكورة، أي: إنهن نازلة من كنز تحت العرش وأعطيتها منها كما ورد في فضل الآيتين الآخرتين من سورة البقرة، ولم يبينه الطيبي إما اعتماداً على ما ذكر في باب الأذكار أو على ما يتبادر من العبارة هنا، والله أعلم. ٥٢٦٠ - [٣٠] (عائشة) قوله: (ولم يصب الطعام) بحيث يستوفي لذته ويكثر (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٥٢). ٤٧٨ (١) باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َالخ ٥٢٦١ - [٣١] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((حُبِّبَ إِلَيَّ الطِّيبُ وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. وَزَادَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ: ((حُبِّبَ إِليَّ)): ((منَ الدُّنْيَا)). [حم: ١٢٢٩٣، ن: ٣٩٣٩]. منه إكثار الطيب والنساء باختياره الفقر لمصلحة رآها في ذلك، واختار الله له ذلك. ٥٢٦١ _ [٣١] (أنس) قوله: (حبب إلي الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة، رواه أحمد والنسائي، وزاد ابن الجوزي بعد قوله: حبب إلي: من الدنيا) واعلم أن لفظ الحديث بهذا الوجه مما أطبق عليه الأئمة، وأما زيادة (من الدنيا) أو (من دنياكم) و(ثلاث) فحالها كما سنذكره، وتفصيل الكلام ما ذكره السخاوي في (المقاصد الحسنة) بعد ذكره الحديث على الوجه المذكور في (المشكاة) قال: رواه الطبراني في (الأوسط) من حديث الأوزاعي عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة عن أنس به مرفوعاً، وكذا هو عنده في (الصغير)، وكذا الخطيب في (تاريخ بغداد) من هذا الوجه، ورواه النسائي في (سننه) من حديث بشار عن جعفر عن ثابت عن أنس، والحاكم في (مستدركه) بدون لفظة: (جعلت)، وقال: إنه صحيح على شرط مسلم، وهو عند النسائي أيضاً من جهة سلام أبي المنذر عن ثابت عن أنس بلفظ (حبب إلي من الدنيا النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة)، ومن هذا الوجه أخرجه أحمد وأبو يعلى في (مسنديهما)، وأبو عوانة في (مستخرجه الصحيح)، والطبراني في (الأوسط)، والبيهقي في (سننه) وآخرون حسبما بينته موضحاً في جزء أفردته لهذا الحديث، وأفاد ابن القيم أن أحمد رواه في (الزهد) بزيادة لطيفة، وهي: (أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن). ٤٧٩ (٢٦) كتاب الرقاق وأما ما اشتهر في هذا الحديث من زيادة (ثلاث) فلم أقف عليها إلا في موضعين من (الإحياء)، وفي تفسير آل عمران من (الكشاف)، وما رأيتها في شيء من طرق هذا الحديث بعد مزيد التفتيش، وبذلك صرح الزركشي، فقال: إنه لم يرد فيه لفظ (ثلاث)، قال: وزيادته محيلة للمعنى؛ فإن الصلاة ليست من الدنيا، قال: وقد تكلم الإمام أبو بكر بن فورك على معناه في جزء، ووجه ما ثبت فيه (الثلاث)، ونحوه قول شيخنا في تخريج الرافعي تبعاً لأصله، وقد اشتهر على الألسنة بزيادة (ثلاث)، وشرحه الإمام أبو بكر بن فورك، وكذلك ذكره الغزالي، ولم نجد لفظ (ثلاث) في شيء من طرقه المسندة . قال الولي العراقي في (أماليه): ليست هذه اللفظة - وهي (ثلاث) - في شيء من كتب الحديث، انتهى كلام السخاوي(١). فعلم أن لفظ الحديث الذي اتفق عليه الأئمة (حبب إلي الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة)، ولا إشكال فيه، وجاء في بعض الطرق (من الدنيا) أو (من دنياكم)، وفي بعض الكتب وقع (ثلاث)، فإن كان أحدهما فلا إشكال أيضاً، وإن كانا جميعاً كما يدور على ألسنة فيوجه تارةً بأن المراد من كونها من الدنيا وجودها فيها، أي: في حياة هذا العالم لا كونها مما يذم من الدنيا، فحاصله أنه حبب إلي في هذا العالم ثلاثة، اثنان منها من الأمور الطبيعية الدنياوية، والثالث من الأمور الدينية، وأخرى بأنه لم يذكر الأمر الثالث الدنياوي ملالة وسآمة منها، وعدل إلى الأمر الديني على طريقة التكميل، ودفع توهم أن لذته ومحبته للطيب ومعاشرة النساء لم تكن بحيث (١) ((المقاصد الحسنة)) للسخاوي (ص: ٢٩٣ - ٢٩٤). ٤٨٠ (١) باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َل﴾ تشغله عن الحق ومناجاة الرب تعالى، ويجوز أن يكون الأمر الثالث الغير المذكور في هذا الحديث هو الخيل كما جاء في حديث آخر عن أنس: لم يكن أحب إليه ◌َيه بعد النساء من الخيل، رواه النسائي، ويحتمل أن يكون هو الطعام كما علم من حديث عائشة ﴾، والله أعلم. وإذا اشتغلنا وبادرنا بذكر طرق الحديث ذهلنا عن شرح الحديث وبيان معناه، فاعلم أن في قوله: (حبب) إشارة إلى إيداع محبة هذه الأشياء في قلبه وَله من الله، ولم یکن ذلك باختيار منه وتكلف، ولا بد أن ما حببه الله تعالی إلى حبيبه يكون محبوباً مرغوباً إلى الله تعالى، وفيه منافع ومصالح لا يعلمها إلا الله ورسوله، وكذلك قوله : (جعلت قرة عيني في الصلاة) يدل على أن ذلك بجعل الله وفعله تفضيلاً منه وتكريماً وتقريباً لنبيه من جانب شهوده وقربه، ولم يكن لرسول الله ومدير حالة فرح وسرور وذوق وشهود أتم من الصلاة، وكانت معراجاً له و ل﴾، ولذلك كان يقول: (أرحنا يا بلال) أي: اجعلنا في راحة، وأشغلنا بها عن التوجه إلى ما سوى الحق. وقرة العين كناية عن الفرح والسرور، والفوز بالبغية، والوصول بالمحبوب، لأن القرة إما من (القر) بفتح القاف بمعنى القرار والثبات؛ لأن العين تستقر بالنظر إلى المحبوب وتطمئن ولا تلتفت إلى جانب آخر، والمرء في حالة السرور ووجدان المقصود يسكن ويستقر في مكانه، وبالنظر إلى غير المحبوب يشمئز ويلتفت يميناً وشمالاً، وكذلك في حال الخوف والفزع كما يفهم من قوله: ﴿تَدُورُ أَعْيُهُمْ كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ اُلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]. أو مشتق من (القر) بضم القاف بمعنى البرد، وبرد العين ولذتها في مشاهدة