النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
(٢٦) كتاب الرقاق
صَنَعَ ذَلِكَ مِرَاراً، حَتَّى عَرَفَ الرَّجُلُ الغضبَ فِيهِ وَالإِعْرَاضَ عَنْهُ، فَشَكَا ذَلِكَ
إِلَى أَصْحَابِهِ، وَقَالَ: وَاللهِ إِنِّي لأُنْكِرُ رَسُولَ اللهِ، قَالُوا: خَرَجَ فَرَأَى قُبَّكَ،
فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى قُبَتِهِ فَهَدَمَهَا حَتَّى سَوَّاهَا بِالأَرْضِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِوَهُ
ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمْ يَرَهَا، قَالَ: ((مَا فَعَلَتِ الْقُبَّةُ؟)) قَالُوا: شَكَا إِلَيْنَ صَاحِبُهَا
إِعْرَاضَكَ فَأَخْبَرْنَاهُ فَهَدَمَهَا. فَقَالَ: ((أَمَا إِنَّ كَلَّ بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إِلاَّ
مَا لاَ إِلَّ مَا لاَ)) يَعْنِي مَا لاَ بُدَّ مِنْهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٣٧].
٥١٨٥ - [٣١] وَعَنْ أَبِي هَاشِمٍ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَه
قَالَ: ((إِنَّمَا يَكْفِيكَ مِنْ جَمْعِ الْمَالِ خَادِمٌ وَمَرْكَبٌ فِي سَبِيلِ اللهِ». رَوَاهُ
أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
وقوله: (إني لأنكر رسول الله (*) في (القاموس)(١): أنكره واستنكره وتناكره:
جهله، والمنكر: ضد المعروف، أي: لا أعرف منه ◌َل﴿ عادته المعهودة من حسن
التوجه والإقبال، وأرى ما لم أعهده من الغضب والكراهة.
وقوله: (ما فعلت القبة؟) أي: إلى ما صار حالها وما شأنها لا يرى أثرها،
وصحح في أكثر النسخ بصيغة المعلوم، وهي العبارة المشهورة، وقد يصحح في
بعضها بالمعلوم والمجهول معاً.
وقوله: (يعني ما لا بد منه) فحذف اسم (لا) وخبرها معاً.
٥١٨٥ - [٣١] (أبو هاشم) قوله: (وعن أبي هاشم بن عتبة) بن ربيعة بن
عبد شمس بن عبد مناف.
(١) ((القاموس)) (ص: ٤٥٣).

٤٢٢
(٢٦) كتاب الرقاق
وَفِي بَعْضٍ نُسَخِ (الْمَصَابِيحِ)): عَنْ أَبِي هَاشِمٍ بْنِ عُتْبَدٍ بِالدَّالِ بَدَلَ الثَّاءِ،
وَهُوَ تَصْحِيفٌ. [حم: ١٥٦٦٤، ت: ٢٣٢٧، ن: ٢٣٧٢، جه: ٤١٥٥].
٥١٨٦ - [٣٢] وَعَنْ عُثْمَانَ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: ((لَيْسَ لاِبْنِ آدَمَ حَقٌّ
فِي سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ: بَيْتٌ يَسْكُنُهُ، وَثَوْبٌ يُوَارِي بِهِ عَوْرَتَهُ، وَجِلْفُ
الْخُبْزِ وَالْمَاءِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٤١].
وقوله: (ابن عتبد بالدال بدل التاء) هذه العبارة تفيد أنه (عتبد) على وزن (عتبة)
بالدال مكان التاء، وهكذا هو مكتوب في النسخ المصححة المعتمد عليها، وفي
بعضها كتب (عتيد) بالتاء والياء التحتانية والدال، قيل: الصواب (عبيد) تصغير
(عبد) كما هو واقع في أكثر نسخ (المصابيح)، وهو محرف أيضاً، والصواب
عتبة .
٥١٨٦ - [٣٢] (عثمان) قوله: (في سوى هذه الخصال) أي: هذه الأمور، أو
المراد بناء البيت ولبس الثوب وأكل الخبز، و(سوى) وقع اسماً مجروراً على مذهب
الکوفیین .
وقوله: (وجلف الخبز): (الجلف) بكسر الجيم وسكون اللام: الغليظ اليابس
من الخبز [أو هو الخبز] غير المأدوم، أو حرف الخبز، والظرف، والوعاء، كذا في
(القاموس)(١)، وإذا كان بمعنى الظرف، فالمراد به المظروف، وقد يروى (جلف)
بفتح اللام جمع (جلفة) بسكونها، وهي كسرة من الخبز اليابس القفار.
وقوله: (والماء) عطف على (جلف).
(١) ((القاموس)) (ص: ٧٣٥).

٤٢٣
(٢٦) كتاب الرقاق
٥١٨٧ - [٣٣] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ!
◌ُلَِّي عَلَى عَمَلٍ إِذَا أَنَا عَمِلْتُهُ أَحَيَِّي اللهُ وَأَحَيَّنِي النَّاسُ، قَالَ: «ازْهَدْ فِي
الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ(١)
وَابْنِ مَاجَهْ. [٤١٠٢].
٥١٨٨ - [٣٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ نَمَ عَلَى حَصِيرِ،
فَقَامَ وَقَدْ أَّرَ فِي جَسَدِهِ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَبَّسُطَ
لَكَ وَنَعْمَلَ، فَقَالَ: (مَا لِي وَلِلُّنْيَا؟ وَمَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِلَّ كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ
شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ. [حم: ٣٧٠٩،
ت: ٢٣٧٧، جه: ٤١٠٩].
٥١٨ - [٣٥] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِّ وَلِ قَالَ: «أَغْبَطُ أَوْلِيَائِي ..
٥١٨٧ - [٣٣] (سهل بن سعد) قوله: (ازهد في الدنيا) زهد فيه كمنع وسمع
و کرم ضد رغب.
٥١٨٨ _ [٣٤] (ابن مسعود) قوله: (لو أمرتنا أن نبسط لك ونعمل) أي: لو
أذنت لنا أن نبسط لك فراشاً ليناً ونعمل وجوه التنعم.
وقوله: (ما لي وللدنيا): (ما) نافية، أي: ليس لي نسبة ومحبة مع الدنيا
ولا للدنيا معي، أو استفهامية، وقيل: اللام في (للدنيا) زائدة والواو بمعنى (مع).
وقوله: (إلا كراكب) وجه التشبيه قلة المكث وسرعة الرحيل.
٥١٨٩ - [٣٥] (أبو أمامة) قوله: (أغبط أوليائي) أي: أحق أن يغبط به ويتمنى
(١) لم أعثر عليه في ((سنن الترمذي)).

٤٢٤
(٢٦) كتاب الرقاق
عِنْدِي لَمُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحَاذِ ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلاَةِ، أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَأَطَاعَهُ
فِي السِّرِّ، وَكَانَ غَامِضاً فِي النَّاسِ لاَ يُشَارُ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ،
مثل حاله .
وقوله: (لمؤمن) دخول اللام في خبر المبتدأ جائز على مذهب الزجاج، والأصل
أن يدخل على المبتدأ أو خبر (إن)، وهذا الحديث يصلح متمسكاً به، وأما التمسك
بقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَحِرَنِ يُرِيدَانِ﴾ [طه: ٦٣] بارتكاب حذف ضمير الشأن وجعل
﴿لَسَحِرَنِ﴾ خبر ﴿هَذَانِ﴾ لا يتم؛ لجواز أن يكون ﴿لَسَحِرَنِ﴾ خبر ﴿إِنْ﴾ على لغة
من لم يعرب اسم الإشارة، وقيل: اللام في الخبر زائدة، أو المبتدأ محذوف، أي:
لهو مؤمن، وهذا تكلف.
وقوله: (خفيف الحاذ) في (القاموس)(١): حاذ المتن: موضع اللَّبْدِ منه، وقال:
الحاذ: الظهر، وخفيف الحاذ: قليل المال والعيال، وفي (الصراح)(٢): خفيف الحاذ،
أي: خفيف الظهر، وأما تفسير الحاذ بالمال فلعله بيان للمراد منه، وأما أنه معناه لغة
فلا يظهر من كتب اللغة، والله أعلم.
وقوله: (ذو حظ من الصلاة) أي: حظ عظيم منها لقلة الشواغل.
وقوله: (أحسن عبادة ربه) تعميم بعد تخصيص، أو المراد بالعبادة هو الصلاة،
(وأطاعه في السر) تفسير الأحسن، وإشارة إلى أن الأحسن والأكمل من العبادة ما يكون
سرًّا، وأن هذا الرجل لما كان قليل العيال راضياً بالكفاف من الرزق لم يخرج إلى
الناس كما أشار إليه بقوله: (وكان غامضاً) أي: خاملاً في الناس، ولم يخالطهم حتى
(١) ((القاموس)) (ص: ٣١٤).
(٢) ((الصراح)) (ص: ١٥٤).

٤٢٥
(٢٦) كتاب الرقاق
وَكَانَ رِزْقُ كَفَافً فَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ))، ثُمَّ نَقَدَ بِيَدِهِ فَقَالَ: ((عُجِّلَتْ مَنِيَتُهُ، قَلَّتْ
بَوَاكِيهِ، قَلَّ تُراثُه)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتّرْمِذِيُّ وَابْن مَاجَهْ. [حم: ٢٥٢/٥، ت:
٢٣٤٧، جه: ١١٤٧].
٥١٩٠ - [٣٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي
لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَباً، فَقُلْتُ: لاَ يَا رَبِّ، وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْماً وَأَجُوعُ
يَوْماً، فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ،
يعلن عبادته ویرائیهم بها .
وقوله: (ثم نقد بيده) قال في (النهاية)(١): هو من نقدت الشيء بأصبعي، أنقده
واحداً واحداً، نقد الدراهم، ونقد الطائر الحب ينقده: إذا كان يلقطه واحداً واحداً،
وهو مثل النقر بالراء، ويروى به أيضاً.
وقال التُّورِبِشْتِي (٢): أريد به ضرب الأنملة على الأنملة، أو ضربها على الأرض
كالمتقلل للشيء، أي: يقل عمره وعدد النساء التي تبكين عليه ومبلغ ميراثه، انتهى.
وقيل: الضرب على هذه الهيئة فعل المتعجب من الشيء، ولعل المراد بتعجيل
منيته رفعه من عالم الزور والفتن، ونقله إلى جوار القدس؛ رحمةً من الله الکریم،
وقيل: المراد أنه يسلم روحه سريعاً بقلة تعلقه بالدنيا وغلبة شوقه إلى الآخرة، وقيل:
أراد قلة مؤنة مماته كما قلت مؤنة حياته.
٥١٩٠ - [٣٦] (وعنه) قوله: (عرض عليّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة) البطحاء
(١) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (٥/ ١٠٣).
(٢) ((كتاب الميسر)) (٣/ ١١٠٥).

٤٢٦
(٢٦) كتاب الرقاق
وَإِذَا شَبِعَتُ حَمِدْتُكَ وَشَكَرْتُكَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٢٥٢/٥،
ت: ٢٣٤٧].
٥١٩١ - [٣٧] وَعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِحْصَنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِن ◌َّى :
((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ، مُعَانَی فِي جَسَدِهِ،
والأبطح: مسيل واسع فيه دقاق الحصى، ومكة المعظمة في الأصل واد بين الجبلين،
وأيضاً بطحاء اسم موضع منها على جانب حراء، وجعلها ذهباً إما بجعل حصاه ذهباً،
أو ملأ مسيله بالذهب، فالأول أظهر، وجاء في بعض الروايات: جعل جبالها ذهباً.
٥١٩١ - [٣٧] (عبيدالله) قوله: (وعن عبيدالله) بلفظ التصغير (ابن محصن)
بکسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين آخره نون .
وقوله: (في سربه) في (القاموس)(١): بكسر السين وفتحها، وبهما يروى،
والكسر أقوى، وفي (القاموس)(٢): السرب بفتح السين: الطريق والوجهة والصدر،
وبالكسر: الطريق والبال والقلب والنفس، وهذه المعاني كلها مناسبة للمقام، وقال
التُّورِبِشْتِي (٣): أبى بعضهم إلا (السرب) بفتحتين بمعنى البيت، ولم يذكر فيه رواية،
ولو سلم له قوله - أن يطلق السرب على كل بيت - كان قوله هذا حريًّا بأن يكون أقوى
الأقاويل، إلا أن السرب بفتحتين يقال للبيت الذي هو في الأرض، انتهى.
وفي (القاموس) (٤): السرب بالتحريك: جحر الوحشي، والحفير تحت
(١) قوله: ((في القاموس)) كذا في الأصل، وهو سبق قلم.
(٢) ((القاموس)) (ص: (١٠٢).
(٣) ((كتاب الميسر)) (٣ / ١١٠٦).
(٤) ((القاموس)) (ص: ١٠٢).

٤٢٧
(٢٦) كتاب الرقاق
عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الذُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ:
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٣٤٦°
٥١٩٢ - [٣٨] وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ﴿ يَقُولُ: ((مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ
أُكُلاَتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لاَ مَحَالَةَ فَثُلُثٌ طَعَامٌ وَثُلُثٌ شَرَابٌ وَثُلُثٌ
لِنَفَسِهِ)). رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ. [ت: ٢٣٨٠، جه: ٣٣٤٩].
٥١٩٣ - [٣٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ سَمِعَ رَجُلاً يَتَجَشَّأَ
فَقَالَ:
الأرض.
وقوله: (فكأنما حيزت) أي: جمعت، بلفظ المجهول، من حاز يحوز حوزاً،
أو الحوز الجمع وضم الشيء، كالحيازة والاحتياز، و(الحذافير) جمع حذفور كعصفور،
أي: كأنما أعطي الدنيا بأسرها.
٥١٩٢ - [٣٨] (المقدام) قوله: (بحسب ابن آدم) الباء زائدة، أي: كفاه،
و(الأكلات) بضمتين جمع أكلة بضم وسكون: اللقمة.
وقوله: (وإن كان لا محالة) أي: كان لا بد من أن يملأ بطنه، وقد ذكر الإمام
الغزالي من فوائد الجوع - ونقله الطيبي(١) عنه - ما فيه تذكرة لأولي الألباب.
٥١٩٣ - [٣٩] (ابن عمر) قوله: (سمع رجلاً يتجشأ) في (القاموس)(٢):
(١) انظر: ((شرح الطيبي)) (٣١٠/٩).
(٢) ((القاموس)) (ص: ٤٧).
ص

٤٢٨
(٢٦) كتاب الرقاق
(أَقْصِرْ مِنْ جُشَائِكَ، فَإِنَّ أَطْوَلَ النَّاسِ جُوعاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَطْوَلُهُمْ شِبَعاً فِي
الدُّنْيَا)). رَوَاهُ فِي ((شَرْح السُّنَّةِ)). وَرَوَى التِّرْ مِذِيُّ نَحْوَهُ. [شرح السنة: ٤٠٤٩،
ت: ٣٤٧٨].
التجشؤ: تنفس المعدة، كالتجشئة، والاسم كهمزة، وفي (الصراح)(١): تجشوء آروغ
دادن، تجشئة مثلثة جشأة مثل همزة، اسم جشاء بالمد مثلثة، وفي بعض الحواشي :
الجشاء: صوت مع ريح يخرج من الحلق عند الشبع، وتجشأ: تكلف في ذلك،
انتھی .
ولعل صيغة التفعل هنا للكمال والمبالغة كما قيل في التوحد والتفرد وأمثالهما
عند إطلاقهما على الله أَت .
و(أقصر) من الإقصار، أقصر وتقاصر: انتهى، وعنه: عجز، كذا في
(القاموس)(٢)، والمقصود من قوله: (أقصر من جشائك) النهي عن الشبع الجالب
للجشاء؛ لأن الجشاء ربما لا يكون للعبد فيه اختيار، والرجل الذي تجشأ عند
رسول الله ﴾ هو أبو جحيفة وهب بن عبدالله السوائي، يعدّ في صغار الصحابة، لم
يبلغ الحلم في زمنه ◌ّ﴾، وقيل: كان من شيعة علي ظه، وكان يقول له: وهب الله
ووهب الخير، روي عنه أنه قال: أكلت ثريدة برٍّ مع لحم، وأتيت رسول الله وَله وأنا
أتجشأ، فقال: (أقصر من جشائك) الحديث، وروي أنه لم يأكل ملء بطنه بعد ذلك
حتى فارق الدنيا .
(١) ((الصراح)) (ص: ٥).
(٢) ((القاموس)) (ص: (٤٣١).

٤٢٩
(٢٦) كتاب الرقاق
٥١٩٤ - [٤٠] وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ عِيَاضٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ لَّه
يَقُولُ: ((إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت:
٢٤٢٧].
٥١٩٥ - [٤١] وَعَنْ أَنَسِ عَنِ النَّبِيِّ بَ﴿ قَالَ: ((يُجَاءُ بِابْنِ آدَمَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ بَدَجٌ، فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَي اللهِ، فَيَقُولُ لَهُ: أَعْطَيْتُكَ وَخَوَّلْتُكَ
وَأَنْعَمْتُ عَلَيْكَ فَمَا صَنَعْتَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ!
٥١٩٤ - [٤٠] (كعب بن عياض) قوله: (إن لكل أمة فتنة) في (القاموس)(١):
الفتنة بالكسر: الخبرة، وفي (الصراح)(٢): فتنة: آزمائش.
وقوله: (وفتنة أمتي المال) أي: أكثرها وأغلبها؛ لأنه فتح لهم من الأموال
والخزائن ما لم يقع لغيرهم.
٥١٩٥ - [٤١] (أنس) قوله: (كأنه بذج) في (القاموس)(٣): البذج محركة:
ولد الضأن، كالعتود من أولاد المعز، والجمع بذجان بالكسر.
وقوله: (وخولتك) تفسير لقوله: (أعطيتك)، والخول محركة: ما أعطاك الله
من النعم والعبيد والإماء وغيرهم من الحاشية، للواحد والجمع والذكر والأنثى،
ويقال للواحد: خائل، كذا في (القاموس) (٤)، وفي (الصراح)(٥): تحويل دادن
(١) ((القاموس)) (ص: ١١٢٥).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٥٢٢).
(٣) ((القاموس)) (ص: ١٧٨).
(٤) ((القاموس)) (ص: ٩١٦).
(٥) ((الصراح)) (ص: ٤٢٢).

٤٣٠
(٢٦) كتاب الرقاق
جَمَعْتُهُ وَثَمَّرْتُهُ وَتَرَكْتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ، فَارْجِعْنِي آَتِكَ بِهِ كُلِّهِ، فَيَقُولُ لَهُ: أَرِنِي
مَا قَدَّمْتَ، فَيَقُولُ: رَبِّ جَمَعْتُهُ وَثَمَّرْتُهُ وَتَرَكْتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ فَارْجِعْنِي آتِكَ بِهِ
كُلِّهِ، فَإِذَا عَبْدٌ لَمْ يُقَدِّمْ خَيْراً، فَيُمْضَى بِهِ إِلَى النَّارِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَضَعَّفَهُ.
[ت: ٢٣٣٦].
٥١٩٦ - [٤٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِنَّ أَوَّلَ
مَا يُسْأَلُ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ النَّعِيمِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَمْ نُصِحَّ جِسْمَكَ؟ وَنُرُوِّكَ
مِنَ المَاءِ الْبَارِدِ؟)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٣٥٨].
وملك كردانيدن چيز را، يقال: خوله الله الشيء، أي: أعطاه إياه.
وقوله: (وثمرته) ثمر الرجل: تمول، ومال ثمر ككتف ومثمور: كثير، ثمر
الرجل ماله: نماه وكثره.
وقوله: (ما كان): (ما) مصدرية، و(كان) تامة، والمضاف محذوف، أي: أكثر
أحوال وجوده، فإن لوجود المال أحوالاً من القلة والكثرة، هذا ما تخيلت في تصحيح
هذا التركيب.
وقوله: (فإذا عبد) الفاء فصيحة، و(إذا) للمفاجأة، والمبتدأ محذوف، أي:
ظهر من حاله أنه عبد خاسر .
وقوله: (فیمضی) بفتح الضاد وقد یکسر.
٥١٩٦ - [٤٢] (أبو هريرة) قوله: (إن أوّل ما يسأل): (ما) مصدرية، فيكون
في تأويل المصدر، وخبره (أن يقال) كذلك.
وقوله: (ألم نصح جسمك): (أصح) جاء لازماً ومتعدياً، وفي الحديث:

٤٣١
(٢٦) كتاب الرقاق
٥١٩٧ - [٤٣] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َلْ قَالَ: ((لاَ تَزُولُ قَدَمَا
ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ
فِيمَا أَبْلَهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ؟)).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٤١٦].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥١٩٨ - [٤٤] عَنْ أَبِيِ ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ لَهُ: ((إِنَّكَ لَسْتَ
بِخَيْرِ مِنْ أَحْمَرَ وَلاَ أَسْوَدَ.
(لا يوردن ذو عاهة على مصح)، كذا في (الصحاح)(١)، وفي (القاموس)(٢): الصح
بالضم، والصحة بالكسر، والصحاح بالفتح: ذهاب المرض، والبراءة من كل عيب،
صح یصح، فھو صحیح وصحاح، والجمع صِحَاح وأصحّاء وصحائح، وأصحّ فلان:
صح أهله، وماشیته، وأصح الله فلاناً: أزال مرضه.
٥١٩٧ - [٤٣] (ابن مسعود) قوله: (فيما أبلاه) كأنه من بلي الثوب وأبلاه،
كأن الشباب في قوته كالثوب الجديد، فلما ولى الشباب وضعف البدن فكأنما بلي.
الفصل الثالث
٥١٩٨ - [٤٤] (أبو ذر) قوله: (من أحمر ولا أسود) المراد بالأحمر العجم؛
لغلبة لون الحمرة والبياض عليهم، وبالأسود العرب؛ لكون لون السواد والخضرة
غالباً فيهم.
(١) ((الصحاح)) (١ / ٣٨٠).
(٢) ((القاموس)) (ص: ٢٢١).

٤٣٢
(٢٦) كتاب الرقاق
إِلاَّ أَنْ تَفْضُلَهُ بِتَقْوَى)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١٥٨/٥].
٥١٩٩ - [٤٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَا زَهِدَ عَبْدٌ فِي الدُّنْيَا
إِلَّ أَنْبَتَ اللهُ الْحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ، وَأَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ، وَبَصَّرَهُ عَيْبَ الدُّنْيَا وَدَاءَهَا
وَدَوَاءَهَا، وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا سَالِماً إِلَى دَارِ السَّلاَمِ)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبٍ
الإِيمَانِ)). [شعب: ١٠٥٣٢].
وقوله: (إلا أن تفضله) من الفضل ضد النقص، وإفراد الضمير باعتبار المعنى؛
فإن المعنى: لست بخير من أحد منهم، أو المراد تفضل الأحمر أو الأسود، وفضل
يفضل كنصر وعلم، وأما فضل كعلم يفضل كينصر فمركب منهما، والفضيلة: الدرجة
الرفيعة في الفضل .
وقوله: (بتقوى) غير منون؛ لأنه غير منصرف، كما في قوله تعالى: ﴿عَلَى تَقْوَى
مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٩]، وأصل تقوى: وقوى بالواو، وهو مصدر كالوقاية، يقال:
وقی يقي وقاية ووقوی، فأبدلت الواو تاء.
٥١٩٩ - [٤٥] (وعنه) قوله: (ما زهد عبد في الدنيا) الحديث، يريد أن الزهد
في الدنيا إن كان للعلم بقبائحها وعيوبها إجمالاً من غير تحقيق، فهو يورث الكمال
والتحقيق ومزيد اليقين بعيوبها وضررها وعلاج دفعه، حتى يصير القلب صافياً سالماً
بالكل وإن كان في ابتداء الحال زهده فيها مع أدنى شوب ميل وشهوة، وهكذا شأن
العمل يزيد نوره نور الإيمان، ويورث التحقيق والكشف والعيان، وإن كان في ابتداء
مع شوب التقليد والنقصان، وكان شيخنا رحمة الله تعالى عليه يوصي أصحابه بالتزام
العمل ويقول: لا ينبغي للطالب أن يوقف عمله على حصول اليقين والإيمان التحقيقي
في الأول، بل يشرع بالإيمان التقليدي الذي حصل له في الجملة في العمل، يحصل

٤٣٣
(٢٦) كتاب الرقاق
٥٢٠٠ - [٤٦] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَخْلَصَ اللهُ
قَلْبَهُ لِلإِيمَانِ، وَجَعَلَ قَلْبَهُ سَلِيماً، وَلِسَانَهُ صَادِقاً، وَنَفْسَهُ مُطْمَئِنَّةً، وَخَلِيقَتَهُ
مُسْتَقِيمَةً، وَجَعَلَ أُذُنَهُ مُسْتَمِعَةً، وَعَيْنَهُ نَاظِرَةً، فَأَمَّا الأَذُنُ فَقَمْعٌ، وَأَمَّا الْعَيْنُ
فَمُقِرَّةٌ لِمَا يُوعَى الْقَلْبُ،
إن شاء الله بالمداومة عليه والجد فيه مرتبة التحقيق والتفصيل، فإن الإيمان يقوى
بالعمل، ويزداد العمل بالإيمان، وتتعاكس أنوارهما، وبالله التوفيق.
٥٢٠٠ _ [٤٦] (وعنه) قوله: (من أخلص الله قلبه للإيمان) أي: رزقه إيماناً
خالصاً عن شوب النفاق، (وجعل قلبه سليماً) عن جميع الذمائم والآفات، وخالياً
عن ذكر ما سواه، (ولسانه صادقاً) فيما يعبر عن أحواله ويخبر عن مقامه من غير كذب
وتأويل، (ونفسه مطمئنة) مطيعة عاملة متمثلة لما أمر ونهى من غير أن يستغني بمعرفته
عن العمل، (وخليقته) أي: طبيعته التي خلق عليها وجبل، (مستقيمة) واقفة على
حد الاستقامة من غير زيغ وميل إلى باطل مما سوى الحق تعالى وتقدس، حافظة
للمراتب كما يشير إليه قوله: ﴿يَتْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَغِيَانِ﴾ [الرحمن: ٢٠]، (وجعل أذنه مستمعة)
للقول الحق متبعةً للأحسن، وأذن قلبه متلقيةً خطابات الحق في الأحوال، (وعينه
ناظرة) إلى دلائل الوحدانية، وشاهدةً لأحدية الحق تعالى، غير زائغة وطاغية بالالتفات
إلى ما سواه، وقد جرى القلم في شرح هذا الحديث على طريق أهل الإشارة مع إيماء
إلى ما يفيده ظاهر العبارة، وبالله التوفيق.
ثم أشار ◌َّه إلى أن طريق وصول العلم إلى القلب وحفظه فيه إنما هو السمع
والبصر، فالأول بقوله: (فأما الأذن فقمع) والقَمع بالفتح والكسر وكعنب: ما يوضع
في فم الإناء فيصب فيه الدهن وغيره، شبه السمع في وصول القول منه إلى القلب
في وعيه إياه بالقمع، والثاني بقوله: (وأما العين فمقرة لما يوعى القلب) أي: يثبت

٤٣٤
(٢٦) كتاب الرقاق
وَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ جَعَلَ قَلْبَهُ وَاعِياً)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)).
[حم: ٢١٣١٠، شعب: ١٠٧].
ويقر في القلب ما أدركته ورأته، و(القلب) إما مرفوع فاعل (يوعى) ومفعوله محذوف،
وهو ضمير راجع إلى (ما)، أي: يوعيه ويحفظه القلب، أو منصوب مفعول (يوعى)
وفاعله ضمير فيه راجع إلى (ما)، أي: مقرة لما يجعل القلب وعاء له، و(يوعى) يجيء
متعدياً ولازماً، في (القاموس)(١): وعاه يعيه: حفظه، كأوعاه، وفي (الصحاح)(٢):
﴿وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٣]، أي: يضمرون في قلوبهم من التكذيب، واعتبروا
تشبيه الأذن بالقمع في وصول القول إلى القلب ليعيه.
ثم ذكر فذلكة القرينتين بقوله: (وقد أفلح من جعل قلبه واعياً) فدلائل
الواحدنية إما مسموعة أو مبصرة، فالمسموعة توصلها الأسماع إلى القلب، والمبصرة
توصلها الأبصار وتعيها قلوب واعية، كذا ذكروا في شرح هذا الحديث، وهو
الموافق للمقصود من الحديث سباقاً وسياقاً، وقد ذكر في (مجمع البحار)(٣) نقلاً عن
(النهاية) في حديث: (ويل لأقماع القول، ويل للمصرين)، أنه شبه استماع من يسمع
القول ولا يعيه ولا يحفظه ولا يعمل به بالأقماع لا تعي شيئاً مما يفرغ فيها، فكأنه
يمرّ عليها مجازاً كما يمر الشراب في الأقماع اجتيازاً، فاعتبروا لتشبيه الاستماع
بالأقماع في مرور الأقوال إليها وعدم ثبوتها فيها، وليس فيه قصة كون القلب وعاء،
فتدبر .
(١) ((القاموس)) (ص: ١٢٣٢).
(٢) ((الصحاح)) (٢/ ٢٨٦).
(٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٣٢٦).

٤٣٥
(٢٦) كتاب الرقاق
٥٢٠١ - [٤٧] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ نَ﴿ قَالَ: ((إِذَا رَأَيْتَ
اللهَ وْ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الذُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ، فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ))،
ثُمَّ تَلاَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ﴿فَكَمَافَسُوْمَاذُكِّرُواْبِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ
حََّ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ تُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]. رَوَاهُ أَحْمَدُ.
[حم: ١٧٣١١].
٥٢٠ _ [٤٨] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ: أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ ..
٥٢٠١ - [٤٧] (عقبة بن عامر) قوله: (على معاصيه) أي: مع وجود المعاصي،
أي: يعطي العبد العاصي ما يحب العبد، ويحتمل أن يحمل على معنى المقابلة، كما
يقال: أعطاه على عمله، يعني عمل العبد عملاً وهو معصية يكون سبباً في حصول
رزق حرام.
وقوله: (فإنما هو استدراج) استدراج الله تعالى العبد أنه كلما جدد خطيئة جدد
له نعمة ظانًا أنه أثرة من الله وتقريب حيث يعطيه من الدنيا ما يحبه، وفاته الاستغفار
وأنه يأخذ[٥] قليلاً قليلاً ولا يباغته، وقوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٢] نمهلهم
ثم نأخذهم، كما يرقى الراقي درجة درجة، والاستدراج: الأخذ على غرة.
وقوله: ﴿﴿فَإِذَا هُمْ تُمْلِسُونَ﴾﴾ [الأنعام: ٤٤] في (القاموس) (١): أبلس: يئس وتحير،
ومنه إبليس، وهو أعجمي، وفي (مجمع البحار)(٢) من (النهاية): المبلس: الساكت من
الحزن، والإبلاس: الحيرة.
٥٢٠٢ - [٤٨] (أبو أمامة) قوله: (من أهل الصفة).
(١) ((القاموس)) (ص: ٤٩٤).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٢١٨).

٤٣٦
(٢٦) كتاب الرقاق
تُؤُفِّيَ وَتَرَكَ دِينَاراً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((كَّةٌ))، قَالَ: ثُمَّ تُؤُنِّيَ آخَرُ فَتَرَكَ
دِينَارَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((كَّنَانِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ والبيهقيُّ فِي ((شَعَبٍ
الإِيمَانِ)). [حم: ٥/ ٢٥٢، شعب: ٣٢٣٨].
٥٢٠٣ - [٤٩] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى خَالِهِ.
في (القاموس)(١): كانوا أضياف الإسلام، كانوا يبيتون في صفة مسجده ◌َّ، وهي
موضع مظلل من المسجد، وفي (مجمع البحار)(٢) من (النهاية): أهل الصفة: فقراء
المهاجرين، ومن لم يكن له منهم منزل يسكنه، فكانوا يأوون إلى موضع مظلل في
مسجد المدينة [يسكنونه]، ومن الکرماني: وهو بضم صاد وتشدید فاء، وهم زهاد
من الصحابة فقراء غرباء، وكانوا سبعين ويقلون حيناً ويكثرون، ومن شرح (جامع
الأصول): يسكنون صفة المسجد لا مسكن لهم ولا مال ولا ولد، وكانوا متوكلين
ينتظرون من يتصدق عليهم بشيء يأكلونه ويلبسونه.
وقوله: (فقال رسول الله وَله: كية) تغليظ وتشديد، وهو في الحقيقة عقاب على
الدعوى الكاذبة للزهد والفقر، أشار إليه بقوله: رجل من أصحاب الصفة، وأما الآية
الكريمة: ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٣٥]، ففي الكنز من دون إخراج الزكاة،
وذلك بالاتفاق، وقد كان الأكابر من الصحابة أغنياء وما عابهم وزجرهم، وقد فضلوا
على فقرائهم مع ما اختص به الفقراء من الفضائل من وجه آخر.
٥٢٠٣ _ [٤٩] (معاوية) قوله: (دخل على خاله) لأن هند أم معاوية كانت بنت
عتبة .
(١) ((القاموس)) (ص: ٧٦٣).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣ / ٣٣٤).

٤٣٧
(٢٦) كتاب الرقاق
أَبِي هَاشِمٍ بْنِ عُثْبَةَ يَعُودُهُ، فَبَكَى أَبُو هَاشِمٍ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا خَالُ؟
أَوَجَعٌ يُشْئِزُكَ أَمْ حِرْصٌ عَلَى الدُّنْيَا؟ قَالَ: كَلاَّ وَلَكِنَّ رَسُولَ اللهِ عَهِدَ إِلَيْنَا
عَهْدَاً لَمْ آخُذْ بِهِ، قَالَ: وَمَا ذَلِكَ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((إِنَّمَا يَكْفِيكَ مِنْ
جَمْعِ الْمَالِ خَادِمٌ وَمَرْكَبٌ فِي سَبِيلِ اللهِ»، وَإِنِّي أُرَانِي قَدْ جَمَعْتُ. رَوَاهُ
أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ. [حم: ١٥٦٦٤، ت: ٢٣٢٧، ن: ٢٣٧٢،
جه: ٤١٥٥].
وقوله: (أبي هاشم بن عتبة) السابق ذكره برواية هذا الحديث مختصراً في (الفصل
الثاني).
وقوله: (أوجع يشئزك) على لفظ المضارع المعلوم من باب الإفعال، في
(القاموس)(١): شئز كفرح شأزاً وشؤوزاً، فهو شئز، وشأز: غلظ، وارتفع، واشتد،
وشئز الرجل: قلق وذعر، وفي (الصراح)(٢): شأز درشت شدن جائ وبى آرامى،
إشآز بی آرام گردانیدن وسخن بي آرام کردن.
وقوله: (أم حرص على الدنيا؟) أي: فنعطيك ما تريد منها.
وقوله: (عهد إلينا) يعني أصحابه جميعاً، وفيه تعريض، وقد كانت رواية ما سبق
(عهد إليّ).
وقوله: (لم آخذ به) تواضع واقتصار على التحسر بحاله، ويمكن أنه من قبيل
قوله تعالى: ﴿وَمَالِىَ لَآَ أَعْبُدُ ﴾ [يس: ٢٢].
وقوله: (قد جمعت) أي: أنواعاً كثيرة من المال وما اكتفيت بخادم ومركب.
(١) ((القاموس)) (ص: ٤٧٦).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٢٢٦).

٤٣٨
(٢٦) كتاب الرقاق
٥٢٠٤ _ [٥٠] وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: قُلْتُ: لِأَبِي الدَّرْدَاءِ: مَا لك
لاَ تَطْلُبُ كَمَا يَطْلُبُ فُلاَنٌ؟ فَقَالَ: إِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الهِنَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ
أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَؤُوداً لاَ يَجُوزُهَا الْمُثْقِلُونَ)، فَأُحِبُّ أَنْ أَتَخَفَّفَ لِلْكَ الْعَقْبَةِ.
٥٢٠٥ - [٥١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((هَلْ مِنْ أَحَدٍ
يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ إِلَّ ابْتَلَّتْ قَدَمَاهُ؟)) قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((كَذَلِكَ
صَاحِبُ الدُّنْيَا لاَ يَسْلَمُ مِنَ الذُّنُوبِ)). رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)).
[شعب: ٩٩٢٣، ٩٩٧٣].
٥٢٠٦ - [٥٢] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرِ مُرْسَلاً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ اَلِهِ:
مَا أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ الْمَالَ وَأَكُونَ مِنَ التَّاجِرِينَ،
٥٢٠٤ _ [٥٠] (أم الدرداء) قوله: (وعن أم الدرداء) زوجة أبي الدرداء، كانت
من فضلاء الصحابيات .
وقوله: (ما لك لا تطلب) أي: رسول الله وسلم أو الأصحاب، (فقال: إني سمعت)
الظاهر أنه بكسر الهمزة، ويعيد تعليل الحكم السابق، ولا حاجة إلى تقدير اللام وفتح
(أن) كما قيل، و(العقبة) بفتحتين: مرقَى صعبٌ من الجبال، وتكأدني الأمر: شق علي،
وعقبة كؤود وكأداء: صعبة، كذا في (القاموس)(١).
٥٢٠٥ _ [٥١] (أنس) قوله: (لا يسلم من الذنوب) صغائر أو كبائر، بل الغالب
أن المراد الثاني، فإن الصغائر قلما يخلو عنها أحد.
٥٢٠٦ _ [٥٢] (جبير بن نفير) قوله :
(١) ((القاموس)) (ص: ٢٧٦).

٤٣٩
(٢٦) كتاب الرقاق
وَلَكِنْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ ﴿سَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّجِدِينَ * وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى
يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٨ -٩٩]، رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)) وَأَبُو نُعَيْمِ فِي
((الْحِلْية)) عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ. [شرح السنة: ٤٠٣٦، حلية: ٢ / ١٣١].
٥٢٠٧ _ [٥٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَنْ
طَلَبَ الدُّنْيَا حَلاَلاً اسْتِعْفَافاً عَنِ الْمَسْأَلَةِ وَسَعْياً عَلَى أَهْلِهِ وَتَعَطّفاً عَلَى
جَارِهِ لَقِيَ اللهَ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ مِثْلُ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَمَنْ طَلَبَ
الدُّنْيَا حَلاَلاً مُكَاثِراً مُفَاخِراً مُرَائِياً لَقِ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)). رَوَاهُ
الْبَيْهَِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)) وَأَبُو نُعَيْمِ فِي ((الْحِلْيَةِ)). [شعب: ٧/ ١
٣ /١٠٩].
٥٢٠٨ - [٥٤] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((إِنَّ هَذَا
الْخَيْرَ خَزَائِنُ،
﴿ وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ﴾) أي: الموت، والمعنى: اعبده ما دمت حيًّا ولا تخل
عن العيادة لحظة، وإذا كان الأمر كذلك كيف تشتغل بالدنيا وتجارتها .
٥٢٠٧ - [٥٣] (أبو هريرة) قوله: (استعفافاً) الاستعفاف: طلب العفاف،
والتعفف: هو الكف عن الحرام والسؤال عن الناس.
وقوله: (مرائياً) أي: إن تصدق وأنفق في سبيل الله فعله للرياء؛ لأن الرياء إنما
يكون في الطاعات، فنفس المال تجري فيه المفاخرة دون المراءاة، فافهم.
٥٢٠٨ _ [٥٤] (سهل بن سعد) قوله: (إن هذا الخير) الخير: المال الكثير،
وبه فسروا قوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، والمراد بالخير في قوله:

٤٤٠
(٢٦) كتاب الرقاق
لِتِلْكَ الْخَزَائِنِ مَفَاتِيحُ، فَطُوبَى لِعَبْدٍ جَعَلَهُ اللهُ مِفْتَاحاً لِلْخَيْرِ مِغْلاَقاً لِلشَّرِّ،
وَوَيْلٌ لَعَبْدٍ جَعَلَهُ اللهُ مِفْتَاحاً لِلشَّرِّ مِغْلاَقاً لِلْخَيْرِ)). رَوَاهُ ابْنِ مَاجَهْ. [جه:
٢٣٨].
٥٢٠٩ _ [٥٥] وَعَنْ عَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا لَمْ يُبَارَكْ
لِلْعَبْدِ فِي مَالِهِ جَعَلَهُ فِي الْمَاءِ وَالطَّينِ)).
٥٢١٠ _ [٥٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: ((اتَّقُوا الْحَرَامَ فِي
الْبُنْيَانِ؛ فَإِنَّهُ أَسَاسُ الْخَرَابِ)). رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب:
و
١٠٢٣٤، ١٠٢٣٧].
(مفتاحاً للخير) مقابل الشر، يريد إنفاق المال في سبيل الله وفي مرضاته.
وقوله: (لتلك الخزائن مفاتيح) خبر ومبتدأ، والمراد بالمفاتيح المنفقون.
٥٢٠٩ - [٥٥] (علي) قوله: (جعله في الماء والطين) كناية عن البناء، وقد مرّ
شرحه .
٥٢١٠ - [٥٦] (ابن عمر) قوله: (اتقوا الحرام فى البنيان فإنه أساس الخراب)
ذكروا في معناه وجوهاً: أحدها: احذروا إنفاق المال الحرام، فإنه أساس للخراب،
أي: لخراب الدين أو البنيان، فيدل على أنه قد يجوز البناء من الحلال. وثانيها:
اتقوا ارتكاب الحرام في البنيان، و(في) مثلها في قولهم: في البيضة عشرون رطلاً،
والبيضة نفسها هذا المقدار، وعلى هذا الوجه يلزم أن يكون فعل البنيان نفسه حراماً؛
بأن يكون موجباً للإسراف والتبذير الحرام، أو يكون تشديداً وتوبيخاً.
وثالثها: أن البناء أساس الخراب، فلو لم يبن لم يخرب، كما في حديث: (لدوا